الاتحاد الأوروبي وتركيا والولايات المتحدة الأميركية – جوست لاجنديك

تكمن مصلحة تركيا، فيما خص أهدافها بعيدة المدى في المنطقة، في الانضواء تحت الخط السياسي نفسه مع كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتطبيق سياسة مشتركة مع دول الاتحاد للوصول إلى هذا الهدف. ذلك أن دولاً كإيران والعراق وسوريا، إذا تحقق فيها الاستقرار الداخلي والعدالة الاجتماعية وازدهر اقتصادها باطراد، ولا تشكل مصدراً للتهديد، بل هي لمصلحة تركيا قبل أن تكون لمصلحة الولايات المتحدة وأوروبا.

إذا تابعنا الصحافة الأوروبية بشيء من الانتباه، في الأشهر الأخيرة خصوصاً، فسوف نلاحظ أن العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، يسودها برود ملحوظ، وإن لم يشكل أزمة عميقة. هذا التطور الذي بدأ مع حرب العراق الثانية، وتغذى على الأحداث الفلسطينية، وتفاقم، خاصةً، على إيقاع الأحداث العراقية في الأشهر الأخيرة، يراقبه الاتحاد الأوروبي بقلق مماثل للقلق التركي. البرود الذي بدأ مع الأزمة العراقية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والأصح قسم منه (أوروبا القديمة)، تم تجاوزه من خلال السياسة اللبنانية لكل من فرنسا وألمانيا بصورة خاصة. تراقب أوروبا بقلق، استمرار التوتر في العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، والتي تلقت جرحاً كبيراً مع أزمة الخليج، بدلاً من عودة مشابهة لعلاقات إيجابية. والحال أن الأمر يتعلق بمصالح تركيا، العضو في حلف الناتو والمرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، في الشرق الأوسط، وهي تكاد تتطابق بالمطلق مع مصالح الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. لا شك أن هذه المصلحة المشتركة قد لا تستوجب سياسات متطابقة مئة في المئة في مشكلات إيران والعراق وسوريا وفلسطين، بل من المحتمل أن تظهر أحياناً في مظهر سياسي ملتبس، لكن التناقض في الأهداف بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة غير وارد.

تتطابق مصالح الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ومعهما تركيا، في الشرق الأوسط في موضوعين استراتيجيين، هما السياستين الاقتصادية والأمنية. من زاوية النظر الاقتصادية، يشكل الشرق الأوسط، كمصدر للطاقة العالمية خاصةً، منطقة من الأهمية مما لا يمكن معه الاستغناء عنها، لأوروبا وأميركا والشرق الأقصى والاقتصاد العالمي عموماً. إن دمج المنطقة بالاقتصاد العالمي، وتأمين إنتاج النفط وتوزيعه بصورة مستقرة، ينطوي على أهمية حيوية لاقتصاديات المناطق الثلاث المذكورة، وضمنها تركيا. من مصلحة دول الشرق الأوسط المنتجة للنفط أن يتم إنتاج النفط وتوزيعه في بيئة خالية من المشكلات. وعلى الرغم من جميع الاختلافات بين هذه الدول، تكشف لنا سياسات ضمان تلبية الطلب العالمي على النفط التي تتبعها الدول المتحكمة بإنتاجه بوساطة منظمة الأوبك خاصةً – كإيران والسعودية – أن الترابط الاقتصادي المشار إليه هو ذو اتجاهين. يتجلى أبرز دليل على هذا الترابط، في أن منظمة الأوبك تعمل اليوم، وسعر برميل النفط قد بلغ ستين دولاراً أمريكياً، ككارتل إنتاجي أكثر من كونه كارتلاً للتسعير. بكلمات أخرى، كما لا تشكل الأهمية الاقتصادية للمنطقة مصدراً للأزمات التي تشتعل فيها منذ بضع سنوات، كذلك ما كان من الممكن أن تبلغ هذه الأزمات الأبعاد التي بلغتها فعلاً، لو أن الأمر اقتصر على مشكلة الحاجة إلى الطاقة. كان من الممكن للتجارة العالمية وتنوع مصادر الطاقة أن تلغي الحاجة إلى توتر أدى إلى اشتعال الحروب.
مشكلة الأمن في الشرق الأوسط

إن المشكلة الأكثر أهمية اليوم في الشرق الأوسط، وخاصةً بعض بلدانه، هي مشكلة الأمن التي تتفوق في أهميتها على المشكلة الاقتصادية. لقد حاز هذا الموضوع على اهتمام الرأي العام العالمي، في أعقاب الهجمات الإرهابية على البرجين التوأمين في الحادي عشر من أيلول 2001، ومثيلاتها في اسطنبول ومدريد، وأدى ذلك إلى الحرب في أفغانستان والعراق. إن تحقيق سلام مستديم لمنطقة تشتعل فيها النار منذ سنوات، وفي المقدمة منها فلسطين، هو أحد الأهداف التي تحتل قمة أولويات السياسة الدولية. قامت إدارة بوش باحتلال العراق، على الرغم من معارضة الاتحاد الأوروبي الذي برر موقفه بالإشارة إلى المشكلة الفلسطينية، وحافظت إلى اليوم على تصميمها بهذا الخصوص. ما زال حل المشكلة الفلسطينية يحافظ على أهميته، وبات السلام أمراً لا مفر منه. وكما يشكل تصميم إيران على المضي في سياسة التسلح النووي، مصدراً جديداً للخطر، كذلك يهدد النظام اللاديموقراطي القائم على الدين، مستقبل إيران والمنطقة عموماً. وفي الأشهر الأخيرة، باتت سوريا، بنظامها اللاديموقراطي، تشكل حالة مماثلة، على الرغم من اختلافه عن النظام الإيراني. إذا نظرنا إلى المنطقة عن قرب، فسوف نلاحظ المشكلة نفسها في البلدان العربية الأخرى أيضاً. إن وجود سلطات “منحازة للغرب” في هذه البلدان، لا يعني أنها لا تعاني من مشكلات أمنية. ذلك أن المشكلة ليست في المواقف السياسية لسلطات تلك البلدان، بل في مستويات أعمق.

يشكل الشرق الأوسط واحداً من أكثر مناطق العالم تخلفاً، مع أنها واحدة من أكثرها ثراءً، بثرواتها الطبيعية وبمستوى الدخل. إن قسماً كبيراً من الشعب، سواء في إيران أو في البلدان العربية، يعيش في الفقر والتهميش فيما يتصل بالخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة وغيرها. النخب الضيقة الممسكة بالسلطة تستخدم الموارد النفطية في شراء السلاح لإدامة أنظمة حكمها، إلى جانب تلبية احتياجاتها الخاصة. إن مواجهة قسم من المجتمع، في هذه البلدان الغنية، لمشكلة الجوع، تنبع، لا من عدم كفاية الموارد، بل من البنية المعادية للديموقراطية لهذه الأنظمة. ذلك أنه لا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية وتأمين ديمومتها في ظل أنظمة معادية للديموقراطية. كشفت التطورات السياسية في السنوات القليلة الماضية عمق الأزمة في المنطقة، من خلال ازدياد قوة التيارات الدينية والقومية الراديكالية. فالمنطقة التي لديها أصلاً مشكلة أمنية عميقة مع إيران، تتكشف عن بنية حبلى بأزمات شبيهة بالأزمة الأفغانية. إن سياسة ناجعة ضد التخلف والتيارات الأصولية معاً، غير ممكنة إلا بعملية دمقرطة تستهدف تحقيق العدالة الاجتماعية. حتى في أيامنا هذه التي يتم التساؤل فيها عن مدى توفر المنطقة على بنية تحتية لعملية الدمقرطة ولسياسات قائمة على الحوار، فإن الوقت الضائع يزيد هذه العملية صعوبةً ويصب الماء في طاحون التيارات الأصولية. ونلاحظ في السياسة الموجهة إلى مقاربة هذه المشكلة، تمايزاً بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. الدور التركي في هذه العملية محدد بقدر ما هو هام. ولكن لنلق، قبل ذلك، نظرة عن قرب، على الفارق في الأسلوب بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

تعمق الاختلاف السياسي بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مع إدارة بوش، وبات واضحاً مع حرب العراق الثانية. المعارضة التي أبدتها فرنسا وألمانيا خاصةً، وتّرت العلاقات كثيراً بين الجانبين. تجلى هذا التوتر، ليس فقط في السياسة نحو العراق، بل كذلك في السياسة نحو إيران. ففي حين لا يريد بوش استبعاد الحل العسكري في سياسته الإيرانية، كما كانت الحال بالنسبة للعراق، تعطي دول الاتحاد الأوروبي الأولوية للتفاوض مع إيران. يعارض الاتحاد الأوروبي الحلول العسكرية، رغبة منه في قطع الطريق على التسلح النووي، وفي تقوية التيار الإصلاحي في إيران، بواسطة الحوار والمفاوضات. تعطينا تطورات الأشهر الأخيرة بهذا الصدد، إشارات إلى تقارب بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وتظهر هذه الأخيرة، بعد إخفاقها إلى الآن في تجاوز المشكلات العراقية، اقتراباً أكثر من خط الاتحاد الأوروبي. إن نجاح الخط الأوروبي ينطوي، بالنسبة لتركيا أيضاً، على أهمية كبيرة. ذلك أن تركيا هي أحد البلدان الأكثر تضرراً، اقتصاديا وسياسياً، من التوتر في المنطقة، كما تضررت من الأزمة العراقية. ولكن، من المؤكد أن البلد الغربي الذي سيكسب أكثر من استقرار المنطقة ودمقرطتها، هو أيضاً تركيا.

إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية النظر هذه، لرأينا أن مصلحة تركيا، من أجل أهدافها بعيدة المدى في المنطقة، هي في اتباع الخط السياسي المشترك نفسه للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والمساهمة في تطبيق هذه السياسة بالاشتراك مع دول الاتحاد. إن دولاً ديموقراطية مستقرة، تحققت فيها العدالة الاجتماعية، وتزداد ثراءً باطراد، ولا تشكل مصدراً للخطر، كإيران أو العراق أو سوريا، هي مصلحة تركية قبل أن تكون مصلحة أمريكية أو أوروبية. من زاوية النظر هذه، سيؤدي دعم تركيا لمبادرات الاتحاد الأوروبي، وقيامها بالتحرك المشترك معه، إلى تقوية التوجه التفاوضي، وتسريع التحولات في المنطقة. وقد تشكلت الأرضية السياسية لذلك بعد السابع عشر من أكتوبر الماضي، كما أن أوالياته المؤسسية متوفرة. بوسع تركيا أن تندمج بسرعة في هذه الأواليات، كما بوسعها تطوير أواليات جديدة. يمكن، من زاوية النظر هذه، أن تشكل البرامج التي تقدم فيها الحوار مع المنطقة، نقطة البداية.

لكن الدور الذي يمكن لتركيا أن تلعبه في المنطقة، هو أكثر أهميةً، بالنظر إلى تاريخها وبنيتها الاجتماعية وما راكمته من خبرات وعلاقات. فتركيا، كما هو معروف، هي البلد الوحيد في الشرق الأوسط، إلى جانب إسرائيل، الذي ترسخ فيه النظام الديموقراطي، على الرغم من جميع مشكلاتها. تركيا المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، سوف تكون، بما حققته من تحولات في السنوات الثلاث الأخيرة، وما ستحققه من تقدم اقتصادي وسياسي تمهيداً لعضويتها في الاتحاد، سوف تصبح بؤرة الاهتمام بالنسبة لمجتمعات المنطقة من عربية وإيرانية. ولدى تركيا فرصة هامة، بوجود حزب العدالة والتنمية في السلطة. فكوادر الحزب يعرفون عن قرب العلاقة بين حساسية المجتمع الدينية والسياسة الأصولية، وما يفرق بينهما من اختلافات. من زاوية النظر هذه، حتى إذا لم يصبح الحزب نموذجاً للتحول السياسي في المنطقة، فهو قادر على فهم مشاعر وأفكار سكان المنطقة أفضل من كوادر الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وأقدر على توضيحها. إن تركيا، من موقعها هذا، ليست عاملاً خارجياً في المنطقة وحسب، بل كذلك عامل داخلي بالمعنى السياسي، بالنسبة لبلدانها.
هدف التحول الديموقراطي (الدمقرطة)

أما إلى أي حد يمكن أن تنجح تركيا في سياسة كهذه، فالجواب يتعلق بتماسك سياستها وانسجامها. من الممكن ألا يشكل تعارض تركيا في بعض المواضيع مع السياسات الأوروبية والأمريكية، مشكلة، ولكن بشرط عدم التعارض مع القيم والأهداف السياسية. إلى ما قبل سنوات قليلة مضت، أعطت تركيا الأولوية في علاقاتها مع دول كإيران والعراق وسوريا، إلى علاقات حسن الجوار، والتزمت الصمت أمام قمع صدام للأقليات من كردية أو تركمانية، وللمجتمع العراقي عموماً. بقدر ما هو مفهوم اتباع تركيا لسياسة تتجنب التوتر مع جيرانها، من الطبيعي أيضاً أن تتشكل سياستها تحت مظلة أهداف أساسية كالديموقراطية والعدالة الاجتماعية. من هذه الزاوية، من المهم، بالنسبة لكل من تركيا والاتحاد الأوروبي معاً، أن يحملا على محمل الجد مدى صدقية السياسة الأميركية الهادفة إلى دمقرطة العراق والمنطقة. على أهمية النقاش الدائر حول مدى جدية هدف التحول الديموقراطي في المنطقة، أو حول مدى واقعية هذا الهدف، كما يدور النقاش في بعض بلدان الاتحاد الأوروبي، فإن حمل أهداف إدارة بوش على محمل الجد، هو موقف أكثر عقلانية بالمعنى السياسي. ذلك أن دعم السياسة الأميركية في العراق خصوصاً والمنطقة عموماً، من قبل تركيا والاتحاد الأوروبي، لن يكون ممكناً إلا إذا كانت مقنعةوتمحورت حول هدف التحول الديموقراطي. إن سياسةً محرومة من القدرة على الإقناع، ليست فقط محكومة بالفشل، بل سينتج عنها كذلك الصراع بدلاً من الاستقرار في المنطقة. من الممكن الإشارة إلى تجربة ناجحة بهذا الصدد. الأنظمة والتيارات القومية والعرقية المتطرفة التي جرّت أوروبا إلى الحرب العالمية الثانية، تم تجاوزها، في أعقاب الحرب، بتحول ديموقراطي وسياسة تنمية اقتصادية حازمين، وتم الانتقال إلى مرحلة من الاطمئنان والرخاء. تحقيق سياسة مشابهة في الشرق الأوسط أمر ممكن.


جوست لاجنديك هو رئيس اللجنة البرلمانية المشتركة الأوروبية – التركية. إذا لم يكن الكاتب في موقع مقرر للسياسات الأوروبية، فمقالته تنم عن معرفة عميقة بها؛ وإذا كانت المقالة مهتمة بالسياسة الخارجية التركية وعلاقتها بكل من السياستين الأوروبية والأمريكية، فهي تلقي الضوء على التمايزات والتقاطعات بين السياستين المذكورتين نحو منطقة الشرق الأوسط

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق