الاحزاب العربية .. اخفاقات وتراجعات / رشيد بن بيه

الاحزاب العربية .. اخفاقات وتراجعات / رشيد بن بيه

يوجد في كل بلد عربي على الأقل أكثر من 20 حزبا، مع استثناء ليبيا والعربية السعودية، وهي أحزاب كان وما زال منتظرا منها أن تحقق الديمقراطية، وتضمن ممارسة الحريات العامة، وسيادة حقوق الإنسان، وتحقيق التقدم والتنمية… وذلك تبعا لشعار: ' لا ديمقراطية بدون أحزاب سياسية'.

 

وقد مضى ما يزيد أو يقارب نصف قرن على نشأة مجموعة من الأحزاب العربية. وهي مدة كافية لمراجعة تاريخ هذه الأحزاب، ليس من زاوية نشأتها وما قطعته من مراحل وما عرفته من تحولات… وإنما من أجل التعرف على ما ساهمت به في مجال دمقرطة الدولة، ووقف استبداد السلطة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ومجتمع الحرية والكرامة. وبعبارة أدق ما مدى مساهمة الأحزاب العربية في التطور الديمقراطي في البلدان العربية؟

 

لا أحد يمكنه أن يجادل في الدور الذي لعبته الأحزاب العربية وخاصة اليسارية والقومية، في المطالبة بالديمقراطية، والنضال من أجلها. كما لا يمكن الاستهانة بالجهود النضالية التي قامت بها هذه الأحزاب من أجل تغيير الأوضاع القائمة في العديد من الدول العربية. وقد أدت جراء ذلك ثمنا باهضا، تمثل في كل ما تعرضت وما زالت تتعرض له (الأحزاب) من قمع ومصادرة واستئصال من طرف الأنظمة والحكومات العربية.

 

وفي مقابل هذا النموذج، يذكر، دائما، الدور السلبي الذي قامت به أحزاب أخرى، خاصة اليمينية، أي أحزاب الدولة، الذي يتجلى في دعم الأوضاع القائمة والأنظمة الحاكمة.

 

فهذه الأحزاب بقدر ما ساهمت في تدعيم السلطة القائمة، بقدر ما أساءت إلى عملية التطور الديمقراطي التي من المفروض أن تنطلق في الوطن العربي منذ تحرره من استعمار الدول الامبريالية الغربية. فوجود مثل هذه الأحزاب لم يسفر إلا عن مزيد من الإخفاقات، والتراجعات.

 

إن الأحزاب العربية المناضلة، وبعد سلسلة من المراجعات التي قام بها جلها، وخاصة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي بالنسبة للأحزاب الاشتراكية. وبعد تفجيرات 11 ايلول/سبتمبر2001 بالنسبة لبعض الأحزاب الإسلامية، لم تنجح في تحويل، ولو نسبي، للأنظمة العربية إلى أنظمة ديمقراطية، قائمة على احترام سيادة الشعب، والفصل بين السلطات، وتداول السلطة، وممارسة التعددية، ونزاهة الانتخابات، واحترام حقوق الأقليات والفئات… وتتجلى إخفاقات الأحزاب العربية في:

 

أولا: الفشل في حمل الأنظمة القائمة على وضع دساتير تحترم السيادة الشعبية، وتسمح للشعوب العربية بتقرير مصيرها الاقتصادي والاجتماعي، كما تنص على ذلك المادة 1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية. والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادرين سنة 1966. كما فشلت هذه الأحزاب في ضمان احترام بعض الأنظمة العربية لنفس الدساتير التي وضعتها. كما تجلى ذلك في تغيير بعض هذه الأنظمة لهذه الدساتير من أجل ضمان البقاء في الحكم مدى الحياة أو توريثه.

 

ثانيا: لم تتمكن الأحزاب العربية من فرض منطق التداول على السلطة الذي يعتبر جوهر الديمقراطية. ففي الوطن العربي، مع استثناءات محدودة، يحتكر حزب رئيس الدولة السلطة لوحده دون غيره من الأحزاب.

 

ثالثا: العجز عن بناء تكتلات وتحالفات حزبية بهدف بناء الديمقراطية. فجل الأحزاب العربية لم تتمرن على تنسيق جهودها على أساس برنامج محدد، أو حول قضايا مصيرية مثل: تعديل الدستور، وضمان الحريات العامة… حتى أضحى التشتت السمة الملازمة للعمل الحزبي العربي.

 

رابعا: عجز الأحزاب الممثلة في البرلمانات العربية، يمينية كانت أو يسارية أو وسطية عن وضع قوانين ضامنة للحريات العامة وحقوق الإنسان، والمطالبة ببرامج اجتماعية واقتصادية قادرة على تحقيق المساواة بين الطبقات وضمان مختلف حقوق الفئات الاجتماعية الهشة والفقيرة.

 

خامسا: الفشل في تأطير مختلف فئات المجتمع العربي من عمال وتجار وفلاحين وبدو ورحل… وهو ما يضعف قوة هذه الأحزاب وإمكانية تجددها مستقبلا.

 

وتتجلى أسباب إخفاقات الأحزاب العربية في ما هو ذاتي/وموضوعي من جهة، وماهو داخلي/ وخارجي من جهة ثانية.

 

بالنسبة للأسباب الذاتية: يمكن إجمالها في ضعف 'الممارسة السياسية العملية' لدى جل الأحزاب العربية. وهشاشة تحليلها للأوضاع القائمة في كل دولة من الدول العربية. واستهانتها ببعض المحددات الأساسية للعمل السياسي مثل: الديمقراطية الداخلية، والأبعاد الثقافية للعمل السياسي، والاستراتيجيات التكتيكية، والبرامج البراغماتية، وبعض جوانب البيئة الخارجية للأنظمة العربية. علاوة على رفعها لمطالب وشعارات كبيرة تتجاوز حدود اشتغالها وقدراتها التنظيمية.

 

أما الأسباب الموضوعية: فتتمثل في التسلط والعنف والقمع الذي تمارسه الأنظمة العربية على هذه الأحزاب. وما يتعرض لها مناضلوها من قمع ونفي واضطهاد. يضاف إلى ذلك تبدل معطيات السياق الموضوعي الذي تشتغل فيه هذه الأحزاب، والذي تميز، في السنوات الأخيرة، بصعود الأحزاب الموالية للأنظمة، وانهيار 'تجارب النضال الديمقراطي' في العديد من الدول العربية التي استطاعت ذات الأحزاب المناضلة أن تصل فيها للسلطة.

 

وبخصوص المحددات الخارجية: يمكن القول أن العناصر الخارجية المدعمة للنضال قد انتهت بفشل تجربة الدول الاشتراكية. فقد كانت الأحزاب العربية، يسارية أو ليبرالية، أو إسلامية، منذ بداية الحرب الباردة وإلى نهاية الثمانينات، تحظى بدعم، معنوي وسياسي أو مادي أحيانا: إما من طرف المعسكر الغربي بالنسبة للأحزاب الليبرالية والإسلامية. أومن طرف الدول الاشتراكية كما هو الشأن بالنسبة للأحزاب اليسارية.

 

أما فيما يتعلق بالمحددات الداخلية: فقد ساهمت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية و الديمغرافية والثقافية التي يعرفها الوطن العربي في تقليص حدود نشاط الأحزاب العربية. فجل هذه الأحزاب تتركز أنشطتها وتتواجد مقراتها في المدن، بينما تخفت وتغيب هذه الأنشطة في البوادي التي تشكل القاعدة الاجتماعية للأنظمة العربية.

 

وقد نتج عن الإخفاقات التي حصدتها الأحزاب العربية استمرار التسلط، والاستبداد، وانتهاك حقوق الإنسان، والمرأة والأطفال، وقمع الحريات العامة، وخنق الصحافة. وهو ما تشهد عليه وقائع يومية، من حروب أهلية وأزمات سياسية (اليمن، والعراق، والسودان)، ومصادرة الأحزاب (ليبيا…)، وانتهاك حقوق الإنسان في كل الدول العربية.

 

غير أن إخفاقات الأحزاب العربية لم تنتج السلبيات فقط، بل أنتجت قضايا ايجابية، من ضمنها الازدهار النسبي والمحدود لنشاط المجتمع المدني العربي (حركة كفاية)، وازدياد دور جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان (التنسيقية المغاربية لحقوق الإنسان). وتكون معارضة خارجية مطالبة بالتغيير واحترام حقوق الإنسان، وضمان نزاهة القضاء.

 

كما استطاعت منظمات المجتمع المدني العربي أن تبدع الاشكال الجديدة القادرة نسبيا على تعويض خفوت النضال السياسي، مثل تشبيك تنظيمات المجتمع المدني لعلاقاته النضالية مع منظمات دولية، كما هو الشأن بالنسبة لمنظمات حقوق الإنسان. كذلك، دأبت العديد من الأحزاب العربية، خاصة الليبرالية واليسارية على الاستغلال البراغماتي للخطاب الدولي حول حقوق الإنسان والنساء، والعدالة الدولية (المحكمة الجنائية الدولية) من أجل إجبار الأنظمة العربية على تحقيق تقدم ما في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان. إلا أن هذه الأشكال النضالية الجديدة، وبالرغم من أهميتها، سواء تمت ممارستها من طرف الأحزاب أو المجتمع المدني لن تعوض أبدا الفعل السياسي الهادف للوصول للسلطة من أجل تحقيق أهداف محددة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.

 

 

عن جريدة القدس العربي 22/4/2010

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق