“الاستعارة الكبرى”… أو الدولة حين تلعب

فصل من كتاب “الاستعارة الكبرى” للناقدة والباحثة خالدة سعيد، الذي سيصدر في موفى هذا الشهر عن دار “الآداب” البيروتية، خصت به المؤلفة مشكورةً “الأوان”.

أورد في ما يلي هذا النص لعبد الرحمن الجبرتي المؤرخ المصري الذي عاصر حملة نابليون على مصر، وشهد صعود محمد علي باشا. وفي هذا النص وصفٌ للاحتفالات الرسمية التي أمرت بها السلطة زمن محمد علي عند “وصول البشائر” بانتصار ابراهيم باشا على الوهابية.

تبدو لي قراءة هذا النص قراءة تحليلية مدخلا مناسباً لفهم طبيعة التحولات الثقافية المكانية السكانية وتلمّساً لصعود العلامات البصرية وتعاظم نزعة المشهدة والترئية وظهور القيم والأدوات الجديدة، فضلاً عن ظهور مقارنات ومراجع جديدة ومعايير جديدة للتقويم والإعجاب، ومن ثمّ تمحور حول قطب جديد للتجمّع ينزاح عن المقدس، يتمثّل في تشكّل مركزية جديدة. وهو ما لا بدّ من أخذه بالاعتبار لدى النظر في بدايات اقتباس الشكل المسرحي الغربي إذا كنا نريد أن ننصف أولئك الرواد وندرك الدلالة الثقافية لمبادراتهم المسرحية.

{{السبت غرته 31 أكتوبر 1818:}}

وردت الأخبار من شرق الحجاز والبشائر بنصرة حضرة ابراهيم باشا على الوهابية قبل استهلال السنة بأربعة أيام. فعند ذلك نُودي بزينة المدينة سبعة أيام أولها الأربعاء سابع عشري الحجة، ونصبت الصواوين خارج باب النصر عند الهمايل وكذلك صيوان الباشا.
وباقي الأمراء والأعيان خرجوا بأسرهم لعمل الشنك والحرائق، وأخرجوا من المدافع مائة مدفع وعشرة، وتماثيل وقلاعا وسواقي وسواريخ، وصوراً من البارود.

وبدأوا في عمل الشنك من يوم الأربعاء فيضربون بالمدافع، مع رماحة الخيالة، من أول النهار ـ مقدار ساعة زمانية وربع ـ قريبا من عشرين درجة ضرباً متتالياً لا يتخلله سكون ـ على طريقة الفرنج في الحروب ـ بحيث أنهم يضربون المدفع الواحد اثنتي عشرة مرة، وقيل أربع[اً] وعشرين مرة في دقيقة واحدة. فعلى هذا الحساب يزيد ضرب المدافع في تلك المدة على ثمانين ألف مدفع بحيث يتخيل الإنسان أصواتها، مع أصوات بنادق الخيالة المترامحين، رعوداً هائلة.

ورتبوا المدافع أربعة صفوف. ورسم الباشا أن الخيالة ينقسمون كذلك طوابير، ويكمنون في الأعالي، ثم ينزلون مترامحين وهم يضربون بالبنادق، ويهجمون على المدافع في حال اندفاعها بالرمي، فمن خطف شيئاً من أدوات الطبجية الرماة، يأتي به الى الباشا ويعطيه البقشيش والإنعام. فمات بسبب ذلك أشخاص وسوّاس، ويكون مبادىء نهاية وقوف الخيالة نهاية محطة جلّة المدفع. فإنهم عند طلوع الفجر يضربون مدافع معمورة بالجلل بعدد الطوابير، فتستعد الخيالة، ويقف كل طابور عند مرمى جلته، ويأخذون أهبتهم من ذلك الوقت إلى بعد شروق الشمس، ويبتدئون في الرمي والرماحة الحصة المذكورة.

وبعد العشاء الأخيرة يعمل كذلك الشنك برمي المدافع المتتالية المختلطة أصواتها بدون الرماحة، ومع المدافع الحرّاقة والنفوط والسواريخ التي تصعد في الهواء وفيها من خشب الزان بدل القصب، وكرنجة بارودها أعظم من تلك (…) بحيث أنها تصعد من الأسفل الى العلو مثل عمود النار (…) وأشياء أخر لم يسبق نظائرها، تفنن في عملها الإفرنج وغيرهم.

وحول محل الحراقة دائرة متسعة حولها ألوف من المشاعل الموقدة.

واستمر هذا الضرب والشنك الى يوم الثلاثاء، رابع المحرم (…) وأهل البلد ملازمون للسهر والزينة على الحوانيت والدور ليلاً ونهاراً وتكرار المناداة عليهم في كل يوم.

وركب حضرة الباشا وتوجه إلى داره بالأزبكية، وهُدمت الصواوين والخيام، وبَطُل الرمي، ودخلت العساكر والبينبات بمتاعهم وعازقهم أفواجا الى المدينة، وذهبوا الى دورهم. ورفع الناس الزينة، وكان معظمها حيث مساكن الافرنج والأرمن فإنهم تفننوا في عمل التصاوير والتماثيل وأشكال السُّرج والفنيارات الزجاج والبلور وأشكال النجف، ومعظمها في جهات المسلمين بخان الخليلي والغورية والجمالية، وببعض الأماكن والخانات ملاهي وأغاني وسماعات وقيان وجنك رقاصات.

هذا والتهيؤ والأشغال والاستعداد لعمل الدونانمة على بحر النيل ببولاق، فصنعوا صورة قلعة بأبراج وقباب وزوايا وأنصاف دوائر وخورنقات وطيقان للمدافع، وطلوها وبيّضوها ونقشوها بالألوان والأصباغ، وصورة باب مالطة وكذلك صورة بستان على سفائن:

وفيه الطين، ومغروس به الأشجار، ومحيط به درابزين مصبغ، وبه دوالي العنب وأشجار الموز والفاكهة والنخيل، والرياحين، في قصارى لطيفة على حافاته. وصورة عربة يجرها أفراس، وبها تماثيل صور جالسين وقائمين، وتمثال مجلس وبه جنك رقاصات من تماثيل مصورة تتحرك بآلات (…) ابتكار بعض المبتكرين. لأن كل من تخيل بفكره شيئا ملعوبا أو تصويراً ذهب الى الترسخانة، حيث الأخشاب والصناع، فيعمله على طرف الميري حتى يبرزه في الخارج ويأخذ على ابتكاره البقشيش. (…)

وأصبح يوم الاثنين المذكور، فضربت المدافع الكثيرة التي صففوها بالبرّين، وزيّن، أهالي بولاق أسواقهم وحوانيتهم وأبواب دورهم، ودقت الطبول والمزامير والنقرزانات في السفائن وغيرها. وطبلخانة الباشا تضرب في كل وقت. والمدافع الكثيرة في ضحوة كل يوم وعصره (…) وبعد العشاء كذلك وتوقد المشاعل، وتعمل أصناف الحرّاقات والسواريخ والنفوط والشعل، وتتقابل القلاع المصنوعة على وجه الماء، ويرمون منها المدافع على هيئة المتحاربين، وفيها فوانيس وقناديل، وهيئة باب مالطة (…) بوابة مجسمة مقوصرة لها بونات، ويُرى بداخلها سرج وشعل، ويخرج منها حراقات وسواريخ … وغالب هذه الأعمال من صناعة الفرنج.

وأحضروا سفائن رومية صغيرة ـ تسمى الششلنبات ـ يرمى منها مدافع وشنابر وشيطيات وغلايين مما يسير في البحر المالح. وفي جميعها وقدات وسرج وقناديل، وكلها مزيّنة بالبيارق الحرير والأشكال المختلفة الألوان.

ودبوس أوغلي ببولاق التكرور، وعنده أيضا الحراقات الكثيرة، والشعل والمدافع والسواريخ. وبالجيزة عباس بيك ابن طوسون باشا. والنصارى الأرمن بمصر القديمة وبولاق والإفرنج، وأبرز الجميع زينتهم وتماثيلهم وحرائقهم. وعند الأعيان، حتى المشايخ، في القنج والسفائن المعدة للسروج والتفرج والنزاهة، والخروج عن الأوضاع الشرعية والأدبية، واستمروا على ما ذكر إلى يوم الاثنين سابع عشره.

وكان ذلك من أغرب الأعمال التي لم يقع نظيرها بأرض مصر (…) ولا ما يقرب من ذلك”.
( الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والاخبار، ص 1002ـ1004)

{{المشهدة والإيقاع، التمثيل والترميز}}

يسجل هذا النص وقائع احتفال أقامته السلطة الجديدة في مصر مطلع القرن التاسع عشر. المناسبة هي انتصار جيش ابراهيم باشا في حرب خارج حدود الدولة المصرية الجديدة المتكوّنة داخل السلطنة العثمانية ورغما عنها، وفي علاقة تنبني داخل مناخ الشد والجذب الذي كان يضغط على الدولة العثمانية. الجيش المصري الفتي الذي بدأ يفيد من التدريب الحديث والتقنيات الجديدة ومن تشكيلات الجيوش خرج وحارب في أرض خطرة وعاد منتصرا. وسوف يكرر خروجه شمالا حاملا ملامح مشروع أراد باسمه توسيع حدود دولته.

يجري الاحتفال على مرحلتين، وفي ساحتين لكل منهما موقعها وخطابها وعناصرها المشهدية والحزم الدلالية التي تنتجها.
1 ـ الاحتفال الذي بدأ “قبل استهلال السنة بأربعة أيام” وانتهى في “رابع محرم” استمر أسبوعا بتمامه، بحسب الإعلان لمّا “نودي” بزينة المدينة. الفاعل المجهول هو منادي السلطة الذي لا حاجة لتسميته. المجهول هنا مجهول لفظي، معلوم دلالي، بل المجهول هنا توكيد على المعلومية وحصر لهذه المعلومية. إذ هناك مجهولان لفظيان معلومان بداهةً : الله والسلطة. نقول “نودِي” كما نقول «بورِك”. والنداء أو الإخبار يتمّ هنا كما كان دائماً، أي من أعلى إلى أسفل حيث الرعية. وهذه المناداة لا تحاور ولا تشاور ولا تنتظر جواباً بل طاعة. مع ذلك فإن الإعلام (قبل الإعلام) هذه المرة يمضي بعيداً في الإفصاح ويبلغ درجة التصوير وإشراك الرعية في الصورة.

“نودي بالزينة” ليكون الفرح مشهودا بالعين، وتكون أسباب الفرح مشخّصة ممشهدَة محسوسة؛ فالإخبار بالمناداة لم يعد يكفي في هذه الحالة الجديدة؛ والمعرفة الذهنية النظرية لا ترقى في مفعولها إلى درجة الغرق المحسوس في صورة الحدث. ومع أن فعل المناداة بالزينة لم يكن جديداً في هذا التاريخ، فإن الشكل أو صيغة التنسيق التي اتخذتها الزينة هي التي كانت جديدة ومؤشّراً على تحولات كبرى. لم تكن زينة بالشكل المعهود كما يكرر الجبرتي ويؤكد في ختام هذا التأريخ. إذ إنّ استحضار المشهد وتعظيم المشاهدة لم يكونا عفويين ولا ضمن الإيقاع المألوف أو بموجب عناصر الرؤية المألوفة. وسوف تُدفَع عملية المشاهدة والسماع إلى حدّ يتجاوز كل ما تخيله الناس حتى ذلك الحين، كما يلاحظ الجبرتي في نهاية النص المقتطف هنا.

وسوف يتحرك الاحتفال في مناحٍ بالغة الدلالة، جميعها تؤشر إلى ظواهر جديدة وانزياحات أساسية في تخيّر مناسبة التجمّع ومكان التجمع، وإعداد هيكلية التجمّع ومحور التجمّع والاجتماع ومنظومة القيم والمعايير التي ينتجها الاحتفال ويستهلكها التجمّع، وطبيعة الأشكال المرسومة خلال ذلك. تتمثل هذه الحركة في المناحي الآتية:

{{أ ـ من الطي إلى النشر}}

إننا أمام حركة خروج جماعية؛ حركة خروج غير عفوية أو تلقائية. هي حركة خروج استعراضية ممشهدة: مدينة تخلع لباس البيوت وتَشخَص إلى ظاهرها. مدينة تخرج بكامل مكوّناتها وعناصرها. ليس خروج طائفة ولا خروج المسلمين لوداع ” المحمل ” أو استقبال الحجاج أو استقبال الأمير، ولا مجرد خروج الناس لشمّ النسيم؛ وليس خروجاً إلى الحرب مع أنه خروج خيالة ومدافع وليس خروجاً إلى سوق مع أنه خروج خيام وسلع.

إنه خروج أسر بنسائها وأطفالها، بعوامها وشيوخها من وراء حجب البيوت، ومن الخفي الخاص والداخلي المستور ومن أماكن العمل والعبادة. وهو خروج فئات وجماعات مختلفة: خروج أقليات ومهاجرين ووافدين وسكان أصليين من مذاهب مختلفة وطبقات مختلفة وأحياء مختلفة؛ خروج من حيزات الهامش والانتماءات المبعثرة، ولقاء في ساحة واحدة وحول قطب واحد لقاء ممشهَداً احتفاليّاً. هنا المطوي يُنشَر والمحجوب يُسفِر والمعزول يتّصل ويشترك والمنقسم المتفرق يتجمّع ويتمازج ويدخل في المدار العام. والسلطة هي القطب الجامع والمحرّك ومنظّم الإيقاع.

إنه تجسيد مكثّف لتحولات بدأت تتمثّل في انفجار أشكال التجمّع والتعبير القديمة. وهذا الاحتفال استعراض، غير واعٍ تماماً بموضوعه بجميع أبعاده، وبناء لهندسة اجتماعية لا تنفصل عن نمو المدينة الجديدة. فأشكال التجمع لا تنفصل عن مفهوم الجماعة وطبيعة حدودها. وهذا تجمّع يؤلف بين عناصر مختلفة من حيث الطبقة والدين والمذهب والمنشأ السلالي والقومي وحتى الجنس.

هذا التجمّع يتلاقى ويدور معاً حول قطب واحد مؤلِّف جامع: الدولة. الدولة (أو من يمثلها) تحلّ هنا محلّ المقدس وتمتلك قوته وسلطته بل تجعله ملحقاً بها.

بدل آلية العيد كتذكُّر وعودة حلّت آلية الاحتفال باللحظة والحدث كأنه تأسيس لعيد. الاحتفال استعار شكل الطواف الطقسي بلا طقوس، وشكل التبادل والإنتاج بلا أسواق، وشكل الحرب بلا صراع.

اختيار المكان له دلالته في هذا الاحتفال: هو مكان بلا ذاكرة دينية. ذاكرته تتصل بقوة الدولة. أماكن الاحتفالات ولا سيما الدينية لها عمق تاريخي وذاكرة وطقوس. وهنا لا تتداخل المظاهر الدينية بتفاصيل الاحتفال.

إنها هندسة الحاضرة الجديدة والدولة الجديدة التي تعلن شعاراتها وقيمها عبر هذا الاحتفال، وترسم المواقع وتحدّد الحدود وترسي المعايير؛ كل ذلك بلغة الإشارة المحسوسة المشخّصة واللعب الدالّ. إنه تأسيس عفوي لمعانٍ ودلالات وتقسيمات جديدة.

ففي هذا الاحتفال، الغائب يُستحضَر والمضمَر يُشخّص، والمعنى والمرمى يُمَثّلان في رموز وكنايات مصوّرة وأشكال محسوسة. فمن سمع بالحرب ولم يرها سوف يراها ممشهدة “ممثَّلةً” أو مصوّرة؛ ومن لا يعرف قوة جيش السلطة سوف يتلقّى بحواسه كلها صورة حضوره وفعل حضوره. إذ تُشخَّص وتُمثّل صورة السلطة بحسب تراتباتها ومتمّماتها الإشارية: فقد ” نصبت الصواوين خارج “باب النصر”. وتوسطها ديوان الباشا.

إذ كان ينبغي أن يأخذ الديوان محلّه ويلتحق به باقي الأمراء والأعيان ليكتمل الهرم حول القطب. فمن يملك السلطة يملك فعل الترئية، ومن يملك سلطة الترئية يملك سلطة نظم المرئيات بموجب الدلالة المقصودة، ويحتلّ في المنظومة موقع القطب والسلطة التي تملك شرعية الترئية وشرعية إنتاج الصور. نحن هنا بإزاء ما هو أكثر من سلطة التأريخ؛ إننا أمام نظم لملحمة البداية حيث البطل هو نفسه ناظم الملحمة والمشهد وباني الدلالة.

منحى الخروج والانتقال من الطي إلى الظهور والنشر والإعلان لا يتوقف عند المحسوس، بل يتعداه إلى المعقول والمتخيل؛ فـ”كل من تخيّل بفكره شيئا ملعوبا أو تصويراً “… عمل “حتى يبرزه في الخارج” ليصبح مرئياً معلَناً معلوماً. إننا هنا أمام فوران تعبيري تشخيصي تمثيلي أول، يستنطق الأفكار ويجسّد التخيلات. فوران ينقل الصور من الذهني والباطن إلى المشخص المادي العملي.

عملية النقل هنا ستكون باستحضار الفعل التاريخي المتمثل في الخطر. ومجموع السكان الآمنين سيشاهدون التاريخ والخطر بينما هم ينعمون في موقع الآمن. وتكون لحظة المعجزة مزدوجة: معاينة للهول بينما هم في موقف الترفيه والتسلية، بحيث يتحقق استحضار البعيد والمنقضي ويكاد الماضي يصير حاضراً. ويصير الهائل الفظيع مادة تسلية وترفيه. هنا يقوم التجاور والبعد في لحظة واحدة، تجاور الهول والخطر مع حال النجاة والسلامة (كما في مشاهدة أخبار الفظائع على التلفزيون تلك المادة التي تُستَهلَك بمتعة لتجاور أحاسيس متضادة.) وتلك ذروة المتعة.

والدافع الحافز لهذا الخروج من الإضمار إلى التحقق والإظهار قادم من مركز هو مركز السلطة. وهو منضبط في حيّز مرسوم وموجّه لغاية معلومة مرسومة. إنه لعب غايته الجدّ ما دام سيقدّم تمثيلاً للانتصار ولصورة الدولة المنتصرة.

{{ب ـ الانقسام إلى مشاهدين ولاعبين}}

إننا هنا بإزاء احتفال يختلف عن الاحتفالات الشعبية أو الدينية الموروثة. الاحتفال الوداعي للمحمل (وهو من أضخم الاحتفالات الدينية غير الشعائرية) هو تجمّع أقرب إلى العفوية وإن ترأسه والٍ أو أي شخصية تمثل الدولة. وهو احتفال غير تصويري ولا انقسام فيه إلى لاعب ومشاهد. وكذلك الأمر في احتفال عاشوراء، حيث الكل منضوٍ أو مشارك بشكل ما. فوق أنّ تلك الاحتفالات لا تندرج في باب اللعب.
أما في هذا الاحتفال فإنّ “اللعب” حاضر وإن كان موظّفاً، ولم يُترَك للعفوية والمصادفة. إذ “رسم الباشا” هذه اللعبة. وكان الجبرتي لو عرف مصطلحات المسرح سيقول “أخرج الباشا”.

هكذا رسم الباشا صورة الحرب وصورة الجماعة وصورة المراتب ومراكز القوة وموقع الأمر والنهي، أو صورة العالم كما ينبغي أن يراها الناس. حدّد المواقع ورسم شكل الحوادث أي مجراها وتاريخها كما عيّن المراتب وقرّر النتائج ورتّب المكافآت.

{{ج ـ اللعب والتمثيل}}

ما يشهده الجمع الذي يمثل المدينة وتراتبها هو صورة “تمثل” الحرب التي دارت وسمع الناس عنها ولم يروها. صورة ليست إلاّ لعباً أو تمثيلاً، لكن يُراد لها أن تضاهي الأصل، بل أن تبزّ الأصل في أثرها دون أن تكون الأصل ذاته. الصورة هنا ليست الأصل الغائب بل بديله الرمزي. والخروج ليس النزهة الاختيارية بل الإخراج بأمر الدولة. واللعبة ليست عفوية بل تمت بموجب تخطيط. كما أنّ اللعبة هي صورة عن الأصل الغائب. أي أنها ليست الأصل ذاته ولا هي منفصلة عنه بما أنها تستحضره بالإشارة. والإشارة ليست إيماء محضاً أو كلاماً بل هي لعب أجساد ومغامرة أرواح تواجه خطر الموت. الصورة ليست الأصل، ولكنها إذا كانت أقل منه فهي ترمي إلى تعظيمه وتضخيم صورته. إنها المرآة السحرية. لأنها على محدودية حجمها تعظّم الصورة. ولا يتحقق هذا التضاد إلا باللعب. الصورة هنا ليست في موقع النسخة ولا الصدى أو الانعكاس عن أصل. بل لعبت دور الإسقاط على الأصل وإلقاء ضوء لعبي إيحائي على الأصل الغائب وقامت بتأطيره ووضعه في سياق على شيء كثير من الغرابة بفعل انفصاله عن سياقه الطبيعي. إذ حركت اللعبةُ صورةَ الحرب القاتلة في إطار التسلية و”النزاهة ” بحسب تعبير الجبرتي أي النزهة. وهو تضاد شديد الفاعلية والتأثير.

الصورة هنا لا تصوّر المعركة إذ “تصوّرها”. إنها تصوّر ما لا يُرى أو تمثّله. بل هي تصوّر ما لا يراه حتى المقاتل الفعلي في المعركة بما أنه لا يرى كلية الحرب بل يرى ضمن حدود موقعه ودائرته. أي أنّ الصورة هنا ليست انعكاساً وإنما هي “تمثيل” للكلّ.

والدولة ممثَّلة بالباشا (ابراهيم، قائد الحملة) إذ تنظّم هذا الاحتفال أو خروج السكان وإعادة ترتيبهم حول هرم السلطة أو الموقع الذي توسّطه الباشا فإنها تصوّر ما لا يُرى، أو تمثله أو ترمّزه (بما أنّ الرمز إشارة إلى غائب). هكذا فإنّ ما نراه (أي ما يراه السكان ويصفه الجبرتي) ليس الأصل سواء مثّل المعركة أو مثّل هيكلية الدولة الجديدة. إنه صورة ترميزية وحتى استعارية فيها تُعَلَّق سائر العناصر الجزئية التي لا تستدعيها الصورة. الدولة لا تحكم الحدث وحده، بل تحكم سلطة استعادة الحدث وسلطة “تمثيل” الحدث وكذلك سلطة التحكّم بالدلالة وباتّجاه الدلالة ومضمونها. فالحدث غائب وملك للماضي، ولكن استعادة الماضي هي محض تصوير وإعادة تملّك ومن ثمّ توظيف أي استنطاق، والأصح “تقويل” وهي كذلك تفعيل. إنها عملية نموذجية لسلطة الإظهار الدالّ التي تتقاسمها سلطتان (وإن تباينت الغايات)، الدولة والفنان ـ المؤرخ.

مع ذلك فإنّ الفجوة هنا (وإن كانت ملغومة بمقاصد الدولة) تحقق المتعة الذهنية. الفجوة بين صورة الفعل ومفعوله، حيث الفعل مرفوع مستبعَد مع ذلك يحضر العنف كله (ضوئياً وصوتياً وحركياً) لينصبّ على استقبال المفعول وعنفه بدون نتائجه (بالنسبة للمشاهدين، وهذا قريب من مفعول الدراما المسرحية). لكن الانفعال هنا قائم وماثل. هياج ولا خطر. رعب ولا إصابة. وهم نجاة. هول معلَّق ونجاة بلا مجازفة. هذه الأرجوحة بين المفتَرَضات والأخطار المنزلقة من ساحة الموت الفعلي إلى المشهد المثير هي ما يسمح بوصف الاحتفال بـالمسرحة.

هذه الصورة هي البديل الرمزي للغائب. غير أن هذه الصورة، ككل بديل رمزي، قد خضعت للتصعيد والتوتير والتكثيف عبر البدائل الإشارية الرمزية، ولبست حالة المطلقية والكمال. لا لأن “الحرب” في الصورة ـ اللعبة بريئة من أوشاب الحروب وخسائرها وسقطاتها وآلامها التي لا ينجو منها المنتصر كالمنهزم وحسب، بل أيضا لأّنها مؤطّرة مضغوطة في لوحة محدّدة وفي زمن مكثّف ومن ثمّ ذات إيقاع مُعظّم، وألوان أكثر حدّة، وعناصر دلالية مرسومة بقصد، ومشغولة لكي تهاجم الحواس وتطبعها بكثافة متوترة. وفي الوقت نفسه سيأخذ الاحتفال هيئة تمثيل وتصوير شاملين شاسعين. والشاهد (لا المشاهد) يتلقى الصورة أو تغرق فيها أحاسيسه دفعة واحدة وفي زمن محدد مكثّف.

نحن، من جهة، إزاء إيقاع موتَّر معظَّم وصورة حادة، ومن جهة ثانية أمام لعبة أو محاكاة تريد أن توهم بالأمانة وأن تعيد إنتاج صورة الواقع أو ” تضاهي العالم ” ( كما يعبر جان دوفينيو عالم اجتماع المسرح، انظر، Les Ombres Collectives, p. 284) لكنها مهما سعت أن تضاهي الواقع فهي محكومة بهوية اللعب والتمثيل. إذ إنّ العدوّ هنا غائب ولكنه ممثَّل وهناك من يلعب دوره.

{{د ـ المشهد كنص أو خطاب}}

نحن هنا أمام استعارة كبرى أو بديل رمزي فيما يُكثَّف ويصعَّد يقدّم النجم الصاعد للدولة الجديدة. وليست الدلائل السياسية المعقّدة هي ما يعنيني هنا، بل طبيعة الخطاب الذي يقدم هذه الدلائل، والحقل الذي يُصاغ فيه هذا الخطاب. إن الخطاب السياسي هنا يعتمد أساسيا هذه المشهدة الاستعارية الدالة التصويرية الحركية الضوئية الصوتية الموقّعة، التي تقدّم الدوالّ الآتية:

ارتسام صورة المدينة بمختلف فئاتها وألوانها وفق مخطط الباشا،

التراتب والتمركز حول القطب،

الشمول،

الحاكم “اللاعب” والأحرى “المخرج” الذي يسيّر اللعبة،

الاحتفال الذي يستعير صورة الدولة كقوة غلاّبة،

الحاكم كمصدر للنعم والمكافآت.

وهو ما يظهر جليا في كيفية “رسم الباشا” للاحتفال. هذه المشهدة، بل الاستعارة الممسرحة تقدم صورة الدولة الجديدة بقدراتها وسحرها الجديد، وكذلك بحيويتها الجديدة. وأبلغ مظاهر النصر والقوة هو ما تعبر عنه، بشكل غير مباشر، السيطرة على آلات وفنون وتقنيات جديدة يصفها الجبرتي بأنها “على طريقة الفرنج في الحروب”.

إنه تملّك عيني للقوة الماثلة كتحدٍّ. تملّك لغة الغازي الإفرنجي (السابق والمهزوم المنسيّ موقتاً في اللعبة). وتملّك فنونه هو تملّك لقوته. إنه استيلاء على لغة وأدوات. هذا التمثيل الرمزي مقصود به الإعلام وأين منه الاستعراضات الحديثة! إنه استقطاب ونشر للهيمنة المعنوية. استعارة مشهدية، بل حتى مسرحية، تتم عبرها صياغة صورة للدولة الجديدة بقدراتها وسحرها الجديد، وكذلك بحيويتها الجديدة التي يعبّر عنها، ولو دون “رسم”، الاحتفال اللعبي الآخذ شكل الفوران الضوئي الصوتي الحركي: حرائق و”سواريخ” وصور من البارود وحرّاقات ومدافع توالي القصف “على طريقة الفرنج”. هذا التوكيد المتكرر للشبه بالإفرنج (أو اللعب للتطابق مع صورة الإفرنج) بالغ الدلالة من حيث أن الإفرنج في ذلك الوقت كانوا عنوان القوة والتقدم التقني والحربي.

هو إذن مهرجان أضواء ونيران وألوان وأصوات، حركة فورانية انبثاقية صاعدة في حدّها الأقصى:
“السواريخ من خشب الزان بدل القصب …بحيث أنها تصعد من الأسفل إلى العلوّ مثل عمود النار ” و “حول محل الحرّاقة دائرة متسعة حولها ألوف من المشاعل الموقدة.”

إنها حركة فورانية توسعية نشط فيها إفرنج وأرمن إلى جانب النصارى والمسلمين من أهل البلد، نشط فيها مختلفون لا يعني الاختلاف بعضَهم بعضاً ما داموا ينتظمون حول قطب السلطة.

تلك بداية تصوّر جديد (محلياً) للدولة: الدولة هنا تمثل نقطة التقاء المختلفين ومصب الفاعليات على تباينها. لسنا هنا أمام مشهدة للخبر السلطوي وحسب، بل أمام مشهدة للتصوّر السلطوي للدولة والعالم: تنوّع جماعات تتلاقى، وتنوّع فنون وحمّى ابتكار. إنه مسرح للسلطة ليس كأي مسرح؛ فيه يكون الموت موتاً بالفعل، لكن ليس موتاً لتحقيق النصر ولا حتى لتوكيد صدقية التمثيل بل لتوكيد صدقية الصورة والتصوّر. فذلك كله يدور حول قطب السلطة التي تعلن عن حضورها وترسم موقعها المركزي الذي يحكم هذا الفوران كله، يمسك بخيوطه ويقود حركته ويفرض الإيقاع ويقرر المكافآت: ذلك أن طبلخانة الباشا لا تتوقف.

و”البقشيش عند الباشا “.

إنها مشهدة محسوسة لولادة التمييز بين السلطة والديني. فالباشا، هنا، ومن يمثّل، لا تنسب إليه صفة دينية، تماماً كما أن المشاركين لم يُدعَوا ويشتركوا على أساس الانتماء الديني. إنّ هذا الاحتفال لا يحلّ محلّ المقدّس أو ينال من قيمته ودوره ولكنه يقف بمحاذاته دون أن يتوسطه أو يستحضره، ودون أن يتوسّل به أو بلغته وطقوسه وسائر تعبيراته. إنها، في الوقت نفسه، مشهدة (عفوية) محسوسة، وأقول تاريخية، لولادة التمايز بين السلطة السياسية والسلطة الدينية.

{{المرحلة الثانية}}

{{المشهدة الاستعارية والتمثيل}}

المرحلة الثانية من الاحتفال جرت بعد رفع الصواوين وعودة الباشا إلى داره بالأزبكية. وإذ ذاك “دخل العساكر والبينبات بمتاعهم وعازقهم أفواجاً إلى المدينة” دخولاً استعراضياً. وكان للمرحلة الثانية تهيؤ جديد لتصعيد الترئية أو المشهدة ودفعها إلى مستوى آخر، إذا كان أقلّ صخباً فقد كان أعظم إدهاشاً. هنا ساحة العرض هي “بحر النيل ببولاق”. الانتقال الذهني الخيالي من صورة بحر النيل إلى “البحر المالح” سيأتي بعفوية. في اللوحة السابقة أو الفصل السابق كانت معارك البرّ. هنا معارك البحر، حيث تتكرر العبارة “على طريقة الفرنج في الحروب”. فالبحر باب هذا العالم الذي جاءت منه المدافع والحروب ومنه تجيء القوى التي يُحسب لها حساب ويقاس بها في القوة والتفنن.

في هذه المرحلة ستكون الغلبة لعمليات التصوير والتمثيل (بمعنى صنع الصورة المحسوسة وصنع المثال أو التمثال المجسّم). التصوير والتمثيل يتوخيان هنا الإدهاش والمبالغة والإعجاز. الإدهاش بهذا التملّك للفنون والمهارات المعجزة. ونلاحظ مدى الاهتمام بإخراج الأمانة في الصور أو التمثيلات. لإخراج هذه الأمانة كان اللجوء إلى التصوير والنقش، أي اعتماد الألوان والأصباغ. فالصورة قائمة هنا كلعبة لإعادة إنتاج العالم وإعادة تمثيله (أو مضاهاته على حدّ تعبير دوفينيو). وسوف تتعدد القلاع وتجري على النيل وتتبادل القصف المدفعي “على هيئة المتحاربين” أي مستعيرةً أفعال المتحاربين. فالتصوير والتمثيل ومحاكاة الهيأة هنا انزلاق نحو التخيّل واللعب، نحو الابتكار والتفنن. وهذا هو الشعار الفعلي أو المرمى الفعلي لهذا القسم الثاني من الاحتفال.

هذا القسم الثاني، الذي يتجاوز تصوير هيبة السلطة ومركزيتها وغلبتها إلى استعراض ما تحكمه من الفنون الجديدة، سينحو هو أيضاً منحى الكشف والخروج وتمظهر الخفي وتجسيم الذهني والإلحاح على الحسي ولا سيما الملوّن والمتحرك، مع جنوح إلى التفصيل يشي بالعجب والاندهاش:

“بستان على سفائن. وفيه الطين، ومغروس به الأشجار، ومحيط به درابزين مصبغ، وبه دوالي العنب وأشجار الموز والفاكهة والنخيل والرياحين”. وكذلك “صورة عربة يجرها أفراس، وبها تماثيل صور جالسين وقائمين، وتمثال مجلس وبه جنك رقاصات من تماثيل مصوّرة تتحرك بآلات “.

التدرّج في وصف المبتكرات يبطن تدرّجاً تقويمياً. ينتقل هنا من صورة القلاع المحمولة على سفائن إلى صورة بستان على سفائن، حيث يُقدَّم الإعجاز في عملية نقل البرّ اليابس وحياته الزراعية إلى البحر، وكل ذلك بقوة التمثيل والتصوير. قفزة كبيرة في اتجاه التحكم بالطبيعة وخرق قوانينها وإظهار ذلك في صور لعبية استعارية مجسّدة: برّ على البحر، وبستان في سفينة، وراقصات من آلات. حشد من دلائل قهر الأضداد وتحدّي المستحيلات. فالحركة الآلية تبدو كذروة للمبتكرات الجديدة التي تُعرَض للدلالة على بدء زمن جديد يتميّز بتملّك قدرات جديدة معجِبة بل خارقة تؤشر إلى التقدم في تحويل العالم.

لعلّ الجبرتي المؤرخ يتدرج في هذا الوصف بحسب توالي المشاهد. ولكنه بلا شكّ قد فطن إلى هذا التدرج في العجب والإدهاش.

هذا احتفال استعاري تمثيلي تصويري ترميزي لتجسيد الدخول في عهد جديد. وهو احتفال يكشف عن مؤشرات ونزعات جديدة :

إننا هنا بإزاء طفرة للصور والقيم البصرية من ألوان وأشكال وأضواء وحركة.

ولا تخفى نزعة التثمين وتقدير المحسوس ومتع الحواس.

كما تبرز نزعة التثمين والتقدير للجدة والابتكار.

وتظهر نزعة المقارنة بالآخر بروح من الإعجاب لم تخلُ من التحفظ.

إنه الدخول الكثيف للمنتَجات والإشارات الثقافية الجديدة. والتثمين العالي للاختراع والقدرة على المحاكاة والتمثيل.
ومن ثمّ فإننا إزاء مؤشّرات تدلّ على تخلخل وتحوّل في معايير التقويم، كما أننا بإزاء نزوع للمشهدة وتشخيص الأفكار والاتجاهات والخطط ومحاكاة الأفعال.

والخلاصة أننا إزاء لحظة اختراق بنيان ثقافي حركي رمزي قيمي لنظام آخر؛ إننا بإزاء لحظة مكثفة للتفاعل الثقافي والاقتباس.

إذا كانت أهمية هذا النص تجيء من معاصرته للحدث ومن دقة الوصف والتأريخ وملاحقة التفاصيل، فإن الجبرتي يظهر هنا أكثر من مجرد مؤرخ حيادي. فهو يقدّم شهادة كاملة عن مشاعره ومواقفه وعن مشاعر الناس ومواقفهم، وكذلك عن موقع الاحتفال في سياق زمانه ووعيه بهذا الموقع.

إن نوعية تتبعه للوقائع وطريقة وصفها وما يختار لتشبيهها من كلمات، والدقة في ملاحقة تفاصيلها تشي بالعجب والاندهاش والتثمين. وهو في الوقت نفسه يسجل ظاهرة تأثر الناس واستمتاعهم بهذا العيد الفوراني اللوني الحسي بل انجرافهم فيه، إذ يقول: “وعند الأعيان، حتى المشايخ، في القنج والسفائن المعدة للسروج والتفرج والنزاهة والخروج عن الأوضاع الشرعية والأدبية”.

وهو إذ يقوّم ما يرى من فنون ومبتكرات، يفضح، في الوقت نفسه، دخول معيار جديد للتقويم؛ إنه معيار عملي وضعي من خارج المعايير الأخلاقية الموروثة، كما أنه من خارج المعايير الدينية والثقافية. إنه معيار، إن لم يكن دخيلاً فهو على الأقل متعاظم ومتقدم على غيره. ويتمثل في تثمين أمور ثلاثة:

–الجدة والابتكار (أشياء لم يسبق نظائرها، تفنن في صنعها …)

–النظر إلى صنع الأرمن والفرنج نظرة إعجاب وتثمين عال إن لم نقل اندهاش. (وإن لم يلغ دور أهل البلد من مسلمين ونصارى “في جهات المسلمين بخان الخليلي والغورية والجمالية”).

–وأخيراً، وهو الأهم في هذا السياق، براعة التمثيل (صنع المثال) والتصوير والتشخيص.

غير أن هذا التقويم وهذا المعيار لا يلغي المعيار الأصلي لدى الجبرتي وما يمثله، وهو المعيار الأخلاقي الديني الذي رأى في هذا كله “خروجاً على الأوضاع الشرعية والأدبية “. ومع أنه لم يحدد هذه الأوضاع فإن شعوره الديني وحسه الأخلاقي ـ الديني وهو ابن الأزهر، لا بد أن يكون قد صُدم بكل هذا الفوران الحسي المنفلت وهذا الإنتاج الكثيف للمحسوس وللتماثيل والصور والمشاهد فعبّر عن ذلك تعبير تبرم وإدانة غامضة.

لكن كما أن شعور العجب الذي نمّ عنه الوصف المفصّل والتعبير والتعليق لم يبطل موقف الإدانة، فإن موقف الإدانة الأخلاقية الدينية لم يقمع شعور العجب والدهشة، فتجاوَرَ المعياران. وربما كان هذا أوضح انشقاق معياري أو ازدواج في النظر التقويمي إلى التغيرات الحادثة، وهذا بعد آخر من أبعاد هذه الشهادة.

لهذه الشهادة، إضافة إلى ما تقدم، بعد التأريخ للتحول الكبير أو وضوح معالم زمن ترتفع فيه لغة الإشارات البصرية والعلامات المحسوسة وتبدأ طفرة في إنتاج الصور ومحاكاة الأشكال والأفعال. وهو يكشف عن جانب لا تكشف عنه التواريخ العامة، أعني إيقاع التغير السريع وكثافة العناصر المستجدة الطارئة في مدة زمنية محدودة، مع الوعي بهذا التغير بل صدمة الشعور بالتغير وفجائيته، ومن ثمّ الإشارة إلى بداية تحوّل وانشقاق. وهو ما دفع الجبرتي إلى الدقّة في التصوير وإلى التساؤل، ومن ثمّ تحديد الموقف.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق