الاستعمار ورواسبُه في أنظمة ما بعْد الاستقلال 3/2

3- الإدارة: مِن العنصُريّة إلى المَحْسوبيّة والوَلاء 

أكّد الزّعيم الثّعالبي على أنّ السّياسة الإداريّة الفرنسيّة كانت تنتهج إقصاءَ كلّ مترشّح تونسيّ تتوفّر فيه المؤهّلات الكفيلة بتمْكينِه من إدراك مصالح وطنِه والدّفاع عنها. ولا يستطيع الموظّف التّونسي أن يرتقيَ إلى الوظائف السّامية التي من شأنها أن تُطْلعَه على شؤون الدولة.

وفي المقابل تُسنَد الوظائف، المخصّصة للفرنسيّين بلا تمييز، إلى عدد من المهاجرين غير ذوي الكفاءة وأحيانا بعدم النزاهة. وتنصّ القاعدة التي اعتمدتْها الحكومة –حسب الثّعالبي- على أنّ الموظّف التونسي لا يمكن أن يتقاضى إلا مرتّبًا أقل بكثير من مرتّب زميله الفرنسي وذلك في حالة التّساوي بينهما في العمل والكفاءة بدعوى أنّ العمل الذي يقوم به التونسي أقل جودة من عمل الفرنسي وأنّ حاجات التونسي أقل من حاجات الفرنسي. وينضاف إلى هذه السياسة العنصريّة نظامُ الترقية الطبيعية الجائرُ الذي تفرضه الإدارة الفرنسية على الإداريين المحلّيين. كلّ ذلك كان أهمّ أسباب حالة البؤس التي يعيشها الموظّفون. يقول الثعالبي: “وهل لمزيد الاطلاع على ما تستنبطه الحكومة من مواقف إزاء الموظّفين التّونسيّين؟ إنّها أعْربت عن ذلك بكل وضوح أثناء إضرابات موظّفي وعمَلة الترامواي بالعاصمة.

فلقد عمدت الشّركة إلى تقسيم أعوانها إلى ثلاثة أصناف: الفرنسيّين والأجانب والتونسيّين. وخصّت تلك الأصناف بمرتبات ومكافآت تتفاوت فيما بينها تفاوتا فظيعا. وبمناسبة الترفيع في منحة غلاء المعيشة واعتمادا على المبادئ المذكورة لم تَمنح الشركة التونسيّين إلا 0.75 فرنك، بيْنما كان نصيب الفرنسيّين 1.50فرنك، والإيطاليّين 1.25فرنك. وقد استاء الرفقاء الفرنسيون لهذه المظلمة فتضامنوا مع الغاضبين وأعلنوا الإضراب العام حتى يتحقّق للجميع التساوي في الأجر عند التساوي في العمل”، (38) فلم يجْحد الثعالبي فضل النقابات الفرنسية التي كان لها “موقف فاضل ونزيه للغاية “افتتحت به” عهدًا من الأخوّة الاجتماعية الحقيقية والسليمة” وتحققتْ به المساواة في منحة غلاء المعيشة.(39) 

 

وقد طالب الثعالبي بالمساواة بين الجميع أمام القانون وأمام الوظائف العمومية، وبحقّ التونسيّ مهما كانت ديانته ومهما كان الجنس الذي ينتمي إليه في المشاركة في جميع مناظرات الوظائف العموميّة ولا يُحدّد حقوق كلّ أحد إلا المقدرة والكفاءة.(40) ولعلّ الإدارة التونسية، رغم ما قدّمته من خدمة لا تُقدَّر بثمن في أصعب فترات تونس خلال اندلاع ثورة2011، من حيث ديمومتُها وسلاستُها ووطنيّةُ موظّفيها، مما يدلّ على عراقة عاداتها الطيّبة في سيْر العمل وأداء الواجب، وعلى تماسك هياكلها ومصالحها،(41) فإنّها لمْ تتعافَ مِن عاهاتٍ كثيرة ظلّت تلازمُها رغم مرور أكثر من نصف قرن على استقلال البلاد. فكان من مطالب ثورة14جانفي2011 : 

 

* مراجعة بعض قوانين الوظيفة العمومية(42)، وتشبيب الإدارة التونسية وتأهيلها باعتماد مبدإ الكفاءة لا الولاء والانتماءات الحزبية والإيديولوجية 

 

*تنسيب الحوافز المادّيّة بالمستوى النوْعي والكمّي للخدمة المسداة مع الاستئناس بتجارب الدّول المتقدّمة في مجال تسيير الإدارة الرشيد. 

 

*التفكير في آليّة لمتابعة الأداء الإداري والمالي والتنفيذي للمشاريع الجهوية والمحلّيّة حيث يكون مجلسٌ جهويٌّ منتخَبٌ وحريصٌ على التزام الشفافية 

 

*إعادة تبويب ميزانية مصاريف الدولة، مِنْ خلال الحدّ من مصاريف شراء السيارات الوظيفية ومستلزماتها من أوراق إدارية وضمانات ومقتطعات بنزين وصيانة وتصليح، ومن خلال القطع مع سياسة “المخزن” الاستعمارية التي مورست في الإدارة التونسية وتهدف إلى “إحلال مبدإ التنافس بين إطارات الوظيفة العمومية في خدمة الحاكم المستبدّ والتفنّن في تفريخ سياساته الجائرة في المجتمع”، وتخصيص الاعتمادات في ذلك لإدماج عشرات الآلاف من المعطّلين عن العمل – من حاملي الشهادات الجامعيّة البالغ عددُهُم، إلى موفّى الثلاثية الثانية لسنة 2011حسب إحصائية المعهد الوطني للإحصاء:704900 – في سلك الوظيفة العموميّة.

 

*إعادة النظر في سلّم الأجور للقطاعيْن الخاصّ والعام بما يتماشى مع مفهوم العدالة الاجتماعية المنصفة والرفع من المستوى المعيشي للمواطن التونسي أيْنما كان(43). فمن المشاكل التي أفرزت الاضطرابات الاجتماعيّة أنّ النموّ في الأجور لم يكن يتماشى مع الزيادة في الأسعار مما عمّق معضلة غلاء المعيشة، رغم أن الناتج الداخلي الخام بلغ سنة2009 :48.972 مليار دينار، وهو ما يعني أن تونس أصبحتْ أغنى من ذي قبْل. ولكنّ فئة واسعة من المواطنين أُرهِقتْ بالمديونة من أجل توفير الضروريات الاستهلاكية، وأنّ 10 بالمائة من أغلب أغنياء تونس يستحْوذون على 30 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، بينما 30بالمائة من الأكثر فقرا في تونس ليس لهم إلا 10بالمائة من الناتج الداخلي الخام. إضافة إلى أنّ الضرائب تعمّق هذا التباين عوض أن تعدّله، وأنّ حصيلة الأداءات متأتية أساسا من المستهلكين والطبقة الشغّيلة لا أصحاب الثروات الطائلة وأصحاب النفوذ(44). 

 

 

 4-الأنظمة التّعليميّة وضبابيّة الرّؤية  أمّا في مجال التّعليم فقد سجّل الثعالبي أن التّعليم الوطني قد تعرّض منذ سنة1881 إلى أقسى ضروب الاضطهاد، مبيّنا أن الحكومة عوض أن تساعد على تطوير المؤسسات القائمة بالبلاد عمدتْ إلى ضرْبها في الصميم، وتجاهلتْ معاهد التعليم العربي، وعارضتْ كلّ محاولة للقيام بإصلاحات جدّيّة صلب هذه المؤسسات التعليمية، وألْغتْ الاعتمادات المالية المخصصة لها، وكان دعمها محْدودا ولمْ يكنْ إلا تحت الضغط الشعبي.

 

 وغرَس التّعليم الرّسمي في نفوس النّاشئة “احتقار حضارة آبائهم وتاريخ وطنهم مع حشو أدمغتهم بعبارات فرنسية لا يفقهون معناها ولا مرماها إلا من خلال كلمات عربية ذات المعنى المستهجَن”. وقد سعتْ حكومة الحماية بالتوازي مع ذلك، أوّلَ الأمر، إلى “فرنسة” التونسيّين عن طريق تعليم اللغة الفرنسية “كلغة قوميّة” بغية “الإدماج”، لكن سرعان ما تراجعتْ عن ذلك تحت ضغط المعمّرين إرضاءً ل”شهواتهم المادية الشرسة”، فكان “أوّل ما قامت به الحكومة هو حذف اللغات الأجنبية من برامج المعهد الصادقي كما دعت الطلبة المتمتّعين بمنح إلى الرجوع من فرنسا حيث يمكن أن تكون لتأثير الفكر الفرنسي فيهم عواقب مؤسفة وربما وخيمة”. وتمّ غلق المدارس الابتدائية الفرنسية التي يؤمّها أبناء التونسيّين. وتمّ تقنين سياسة التفرقة والميْز بين تلامذة المعهد العلوي. وعارضت الحكومة بكلّ شدّة الإصلاحات التي طالب بها المنتسبون إلى جامع الزيتونة. وعملت فرنسا إلى جانب ذلك، على التقليل من المعاهد الثانوية، وعلى منع إنشاء الكليات ومعاهد التعليم العالي، وحرمان الطلبة التونسيّين مِن المِنَح، وحرمان التونسيّين من الدخول إلى الإدارات الفنّية، ومِن تعاطي مهنة المحاماة صدًّا للطلبة من التوجه إلى كليات الحقوق والمعاهد التقنية العليا. إلى غير ذلك من مشاكل التعليم التي رصدها الزعيم الثعالبي في كتابه “تونس الشهيدة”(45). 

 

إنّه رغم تحقّق نسْبة عاليَة مشرّفة من الهدف الأساسي من الإصلاح التربوي لدولة الاستقلال وهو التمدرس الكامل، فقد بقي قطاع التربية والتعليم في تونس منذ 1956 إلى ثورة 2011، ولعلّه سيتواصل كذَا بعدها، يعاني مشاكل قديمة متجدّدة وطارئة جديدة، جعلتْ النظام التربويّ عرْضة للتجاذبات الإيديولوجية والسياسية، ولِصراع المرجعيّات الفكرية والثقافية، وللحسابات المصْلحيّة الضيّقة، ولمْ تظفر “الإصلاحاتُ التربوية”، عموما، بغيْر الإخفاقات، في المناهج، والبرامج، وتنمية الشخصية الوطنيّة المتوازنة، وتطوير الكفايات والمهارات والقدرات، وتحقيق الأهداف الفنية والمعرفية، وتحصيل النتائج المبتغاة عالميّاً. وقد كانت هذه المحاولات المتتالية في ملاءمة المنوال التعليمي للمُبتغى محلّ جدل واسع، ما دفَع ببعضِهِم إلى وصْفها بـ”الإفساد والإرْباك”.

 

ففي الوقت الذي رأى فيه عبد الجليل بوقرة أن التعليم التونسي استفاد من قانون 1958 الذي استهدف إنشاءَ مدرسة جديدة، عصريّة، موحّدة، مجانية، في متناوَل كلّ التونسيّين مهما كان انتماؤهم الاجتماعي أو الجغرافي، مستوحاة من تجربة المدرسة الصادقيّة القائمة على الازدواجية اللغوية والثقافية، حيث ازدادت أهمية اللغة العربية في التعليم، في حين احتفظت اللغة الفرنسية بمكانة متميزة باعتبارها أداة تدريس العلوم الصحيحة وأغلب العلوم الإنسانية، (46) يذهب محمود الذوّادي إلى أنّ أغلبيّة التونسيّين، اليوْم، تلوذ بصمْتٍ شبْهِ كامل حيَال الإرْث اللغوي الثقافي الاستعماري الذي عمل نظام بورقيبة وبن علي على تجذيره في شخصيّتهِمْ وفي مؤسساتهِم وفي ثقافة المجتمع التونسي عامة، حيث أصبح معظمُهُم – شعوريًّا ولا شعوريًّا- يفتخرون بذلك الإرث وينادون بالإبقاء عليه وبصيانته. كلّ ذلك على حساب الاستقلال اللغوي الثقافي عن المستعمر الفرنسي.

 

ويرى الذوّادي أن مناداة بورقيبة وبن علي بصيانة الإرث اللغوي الفرنسي على حساب لغة البلاد وثقافتها هي شهادة على ضعف رؤيتهما للوطنيّة الحقيقية. وهو يدعو إلى ثورة تُطالب بإسقاط نظام التعليم الذي تهيمن فيه الازدواجية اللغويّة على تكوين التونسيّين في المدارس والجامعات قبل الاستقلال وبعده، وتضع مكانه نظاما تعليميًّا بديلا ملتزما بأخلاقيّات الثورة دائما على كلّ معالم الازدواجية أو الثلاثية اللغويّة لكسب رهان الانتصار الحقيقي للثورة التونسية، إذ أن الشعوب الفاقدة لسيادتها اللغوية لا تستطيع التحكّم في التخطيط المستقلّ لصنْع مستقبلها الآمن على طول المدى. وهذا لا يعْني أبدا التخلّي عن تعلّم اللغات الأجنبية وفي طليعتها اللغة الإنجليزية لغة العلوم اليوم، بل يجب أن يصبح إتقان لغة أجنبية على الأقلّ من ثوابت المدرسة التونسية لكن دون أن تقود معرفة اللغات الأجنبية إلى إعادة نشر شبح الازدواجية أو الثلاثية اللغوية(47). 

 

ويبيّن منصف وناس أنّ مراجعات بنْية النظام التربوي والتعليمي كانتْ دون المأمول، فلمْ توفَّق في ربط المدرسة والجامعة بمحيطهِما الاجتماعي وفي جعْلهما أداة مهمة في الارتقاء الاجتماعي وتحسين أوضاع الخرّيج وأسرته في الآن نفسه، ولمْ تساعد على مزيد تطوير المؤسّستيْن، بل تراجعتْ مستويات التكوين المدرسي والجامعي، ولمْ توفّر في الواقع تكوينا يضمن للخرّيجين أيَّ إشعاع فعليّ أو مساعدة على الحصول على موقع عمل في سوق الشغل. وعلى النقيض من كلّ هذا أنتجت المدرسة والجامعة في تونس أعدادا متزايدة من الشباب غير المؤهّلين للعمل أو بعث مشروع استثماري خاص. فتراكمت بذلك البطالة مولّدة حالات الإحباط والقلق والتوتّر وخاصة الشعور بانسداد الآفاق، هيّأت تدريجيا منذ أواخر التسعينيات من القرن العشرين لحالة الاحتجاج العارمة. ولذلك فإن المجتمع التونسي محتاج إلى مزيد الاستثمار في تدعيم النظام التربوي والتعليمي والتدريب المهني من خلال شراكة بين القطاعيْن الخاص والعام تحدّث هذا النظام وتطوّره وتؤمّن نجاعته التكوينية وخاصة التشغيلية. ويحتاج القطاع الخاص، وفق ذلك، إلى مزيد البرهنة على هذا الحرص على دعم النظام التعليمي والتربوي وعلى المساهمة في مدّه بالإمكانات الضرورية التي تضمن متانتَه، من جهة، وقدرتَه التشغيلية، من جهة أخرى.(48)

 

ويؤكّد الزعيم عبد العزيز الثعالبي في مؤلَّفه “تونس الشهيدة” على أن سياسة التمييز والتضييق والرقابة الشديدة والشحّ المادّي التي تعتمدها الحكومة الفرنسية، فإنّه لمْ يتمّ خنْق الحياة الاجتماعيّة التونسية ولا النشاط الثقافي التونسي، فبقدْر ما تزداد تلك السياسة مناهضة للتونسي ومعارضة لتطوّره الحرّ يزداد شعوره بالحاجة إلى الوجود. وفي مقابل ذلك فإنه ولئن أقرّ بانسياب الجمعيات الموسيقية والأدبية والتمثيلية والوداديات فيما بين سنتيْ1904 و1912، فإنّه يستنكر حالة الحصار التي أقرّتْها فرنسا منذ1912 على الإبداع والنشاط الثقافي “وحكمتْ بالشّلل على هذا الحماس البديع”، وانعدمت متاحف الفنّ التونسي، وأُلْغيَت اعتمادات صيانة المعالم الأثرية، “فتلك المتاحف وتلك المعالم وتلك الجمعيات الفنية والأدبية وكلّ مظاهر الفنّ التونسي يكون من آثارها إحباط سياسة حكومة الحماية وذلك بتمكين التونسي من الشعور بشخصيّته وبقيمته الفكريّة”.(49)

 

 

5-معضلة الحرّيّات 

إنّه لَمِن الجدير بالمعالجة العاجلة غير الآجلة، حالُ الثقافة والإعلام والإبداع والنشاط الجمعيّاتيّ في تونس اليوم، فهذا القطاع الحيويّ ذو المسالك المتعدّدة والتأثير البالغ في الفكر والسلوك والمجتمع عامّة، كان ولا يزال، ضحيّة الحسابات السياسية، والتوظيف السّمِج، والإلْجام، والتقتير، والتهميش، والإهْمال، وغير ذلك من المعوّقات التي تعمّق عزْلته وفقْره. فرغم وجود –مثلاً- مايقارب10 آلاف جمعية تونسية أو تزيد (وهو عدد يتجاوز نظيره في فرنسا‼)، فإنّ عدد المنتسبين إلى بعضها لا يتجاوز عدد أصابع اليدين، وهي، في كثير منها، لا تُقدّم أيَّ خدمة للمواطن، ويحصل بعضها على التمويل العمومي وتستنزف أموال المجموعة الوطنية لإهدارها في أنشطة هامشية سياسويّة. ومن غير اللائق أن عدد الجمعيات النسائية إلى حدود سنة2000 لا يمثّل إلاّ1.1 بالمائة من العدد الجملي للجمعيات. 

 

واللافت للانتباه أن الجمعيات تطوّرت عدديا ولكنّ نجاعتها بقيَت منقوصة لاعتبارات متعلّقة بطبيعة النظام السياسي والإداري في تونس. وكان بالإمكان جعل الحياة الجمعياتية فاعلا سياسيّا وثقافيا واجتماعيّا مشاركا للدولة ومؤازرا لها وقطْبا تنمويّا يوَفّر الشغل لطالبيه ويؤمّن المشاركة بكلّ معانيها ويشكّل صمام أمان من كلّ التوتّرات وينظم الاحتجاجات ويكون وسيطا ناجعًا بين الدولة والمجتمع ومخاطبًا كفؤًا لمكونات المجتمع المدني كما هو الشأن في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا حيث التجارب الديمقراطية العريقة، كما كان بالإمكان الاستثمار في الحياة الجمعياتيّة وفي بناء المجتمع المدني لتجنّب كلّ أشكال التطرّف والعنف. كما كان من الممكن تحويل الجمعيات إلى قطاع يتوسط القطاعين العام والخاص ويعاضدهما في تأطير الشباب والإحاطة به وتشغيله وتنظيم تطلّعاته والإيفاء بانتظاراته أو الاندراج في المعارضة السياسية مثلما هو الشأن في المجتمعات الديمقراطية. فقد بلغ عدد الفرنسيّين الذين يشتغلون في القطاع الجمعيّاتي جزئيّا أو كلّيّا 12مليون نسمة.(50)

 

وليْست الحقوق الفكرية والسياسية والثقافية والحرّيات بأحسن حالاً، فهي عرضة للانتهاكات والتجاوزات، ولمْ تزل المطالبُ الشعبية والنخبويّة –إلى اليوْم- في هذا المضمار هيَ نفسها التي نادى بها الثعالبي قبل اثنيْن وثمانين عامًا: -الحرية الفرديّة المضمونة بنجاعة والتي لا ينبغي أن تتعرّض لأيّ استثناء ما عدا الحالات الشرعية التي يُعْهد النظر فيها إلى مَحاكم الحق العام حرية الشغل حرية التجمّع 

حرية القوْل 

حرية الصحافة 

حرّية التعليم 

حق تقديم العرائض 

عدم الاعتداء على حرمة المسكن والمكاسب الذي ينبغي أن يؤول إلى إلغاء الطريقة الحكومية المقيتة والمتمثّلة في مصادرة الأملاك(51) ولئن تحقّق بعض هذه الحقوق والحريات ،جزئيًّا أوْ كلّيًّا،فإنّ البعض الآخر لايزال رهين التجاذبات السياسية والديكتاتوريّة الثوريّة الجديدة.

 

 

6-صحّة المواطن:هلْ تعني شيْئًا ؟ 

 نالَ قطاعُ الصحّة العموميّة، في النصف الأوّل من عهد الحماية، نصيبَه من تحْليل الثعالبي. فتكلّم عن محدوديّة ميزانية مستشفى عزيزة عثمانة المسمّى بالمستشفى الصادقي، وهو الوحيد بالعاصمة التونسية، وتزيد عنْه ميزانية المستشفى الفرنسي بقرابة الستّة أضعاف، ويستنتج الثعالبي “الظلم الصارخ في معاملة هذيْن المستشفييْن وينعكس هذا التحيّز على الحالة الصحّيّة التي هي غير مُرْضية بالبلاد وحتى في الأرياف”.(52) ويحْشد الزعيم الأرقامَ والإحصائيات ليستدلّ على استهانة فرنسا بصحّة التونسيّين وبحياتهم، لاسيما المعوزين مِنهُم، وليصوّر “وضعيّة المواطن الأهلي المحزنة”، ويختمُ بالقوْل، قبل عرض إحصائية في عدد وفايات مدينتيْ تونس والقيروان: “إننا ندرك أنه يُراد الشرّ لأراضينا، وأنّ دخول الإدارات العمومية محجَّر علينا. ولكن لا ندرك ما هو الضرر الذي يمكن أن يلْحق مصلحة التعمير أو السيطرة الفرنسية من الحرص على صيانة وجودنا؟ فهل تكون الغاية النهائية للحماية هي القضاء علينا؟”(53) ونسأل نحن بدوْرنا: ماذا قدّمت الحكومات التونسيّة المتعاقبة على امتداد أكثر من نصف قرن على جلاء القوّات الفرنسيّة؟

 

لا يمكن تجاهلُ مكاسب دولة الاستقلال من مجانية العلاج، وتقريب مؤسساته من المواطن في مختلف جهات الجمهورية، وأنظمة التغطية والضمان الاجتماعيّيْن، وتركيز أسس أوّليّة متينة للصحّة الأسَرية وسلامة العمْران البشري.(54) كما لا يمكن التغافل عمّا قامتْ به الحكومة التونسية منذ تسعينيات القرن الماضي بإرساء عدّة مشاريع لدعم قطاع الصحّة العمومية منها: 

 

*مشروع الصحة العائلية والسكان الذي أُنجز من أجل تدعيم الهياكل الصحّيّة بالخطوط الأولى والحدّ من الفوارق بين الجهات وذلك بإدماج خدمات صحة الأم والطفل 

 

*مشروع الإصلاح الاستشفائي في المؤسسات الاستشفائية الجامعية لمجابهة أهم العوائق التي تعترض الهياكل الصحية العمومية في القيام بدوْرها المتمثّل في تحسين جدوى الخدمات الصحّيّة وتخفيف عبْء نفقات المستشفيات الجامعية التي تتحمّلها الدولة 

 

*المشروع القطاعي للصحّة لدعم المستشفيات الجهوية وتأهيلها، بهدف تحسين الخدمات الصحية والإحاطة بالمرضى وتقليص المتوافدين على المستشفيات الجامعية وتطوير النظام المعلوماتي وتطوير الطبّ الاستعجالي.(55) 

 

ولكنْ، لا علاقة للوضع المزْري الراهن بهذا البرنامج النظري المثالي. فالواقع يكشف، كما ألمحْنا فيما سبق، أنّ وَفايات الأمهات عند الولادة لاتزال مرتفعة جدّا وفق تقرير منظمة الصحّة العالميّة، ومقارنةً بالأهداف المرسومة حيث تقدّر إلى سنة2007، حسب المصرَّح به، بحواليْ48 حالة لكل مائة ألف حالة ولادة حيّة، 75 بالمائة من الوفايات كان من الممكن تلافيها، و55 بالمائة راجعة إلى نقْص العناية. وقد سعى المخطط الخماسي إلى تقْليص هذا النوع من الوفايات فلم تبلغ في نهاية سنة2011 :35 حالة حسب البيانات الرسميّة التي شكّك البعض في مصداقيّتها.(56) ويستنتج الدارسون أن هدف تحسين جودة الخدمات الصحّيّة للمريض من خلال مشاريع الدعم والإصلاح للصحّة العمومية لا يزال بعيد المنال. 

 

فالخدمات الصحية لرعاية الأمومة، كمًّا ونوْعًا، ضئيلة، وعدمُ المساواة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين الجهات (الشريط الساحلي والحدودي) لمْ يزلْ واقعًا مرًّا، وغالبُ الأطباء المتخصّصين المتخرّجين لا يرغبون في الخدمة بالمناطق الداخلية التي تشكو نقصا في الإطار الطبّي المتخصّص ونقصا في التجهيزات. أمّا إدارة المستشفيات وكذلك وزارة الصحة وأقسامها الإدارية غالبًا ما تُسيَّر من قِبَل أطباء لم يتكوّنوا في العمل الإداري، و”تطبيبُ الإدارة واقتحامُها من طرف الأطباء يُعَدّ عائقا من العوائق أمام التقدّم في المجال الصحّي ولا يمكن تطوير خدماتنا الصحّيّة إلا بخروج آخر طبيب من إدارة المؤسسات الصحّيّة كما هو الحال في فرنسا”.(57) وتثبت الدراسات أن الأخطاء الطبّيّة، البالغ بعضها حدّ الوفاة، في تونس، قد تحوّلت إلى ظاهرة بدأت تبرز بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يدلّ عليْه تنامي عدد قضايا التعويض المادي المعروضة على القضاء المدني والقضاء الإداري. وفي غياب إطار تشريعيّ خاص بمسؤولية الطبيب في تونس عن الأخطاء والتقصير، واعتمادًا على فقه القضاء والقضاء المقارن، فإن الأخطاء الطبية وما تسبّبه من أضرار مادية ومعنوية تُحَدّد بإثبات نوع من الإهمال والتهاون وعدم التنبّه وعدم الاحتياط أي ما يخالف واجبات الطبيب تجاه المرضى المنصوص عليها في مجلة واجبات الطبيب، وكذلك تُحَدّد بمدى قيام أركان المسؤولية العقدية أو التقصيرية (الخطأ والضرر والعلاقة السببية) المنصوص عليها بمجلة العقود والالتزامات.(58) وتنضاف إلى هذه المشاكل التجاوزات التي تحصل بمقتضى نشاط الأطباء الخاص التكميلي، مما حدا بوزارة الإشراف أن تصدر منشورين اثنيْن خلال سنة2011. فغالب الأطباء لا يكتفون بحصّتيْن في الأسبوع بل امتدّ نشاطهم الخاص وخلافا للأوامر المنظمة للنشاط التكميلي كامل أيام الأسبوع، متخلّين أو متباطئين في حضورهم بالمستشفى.

 

وقد شهد عدد الأطباء المرخّص لهم لممارسة هذا النظام التكميلي الخاص من الأساتذة المحاضرين والمبرزين والأساتذة في الطبّ والاستشفائيّين الصحّيّين العاملين بمستشفيات المناطق الداخلية ارتفاعا بالغا ولم تكن جلّ هذه التراخيص تسند على قاعدة معايير موضوعية بقدْر ما كانت تُسند مباشرة بقرار من وزير الصحة بمقاييس ضيّقة كالولاءات الحزبية وغيرها. إلى جانب استغلال بعضهِمْ لموارد المستشفى المادية والبشرية لحسابه الخاصّ، وتحويل المرضى إلى عياداتهم الخاصة للترفيع في مكاسبهم المادّية.

 

وكانت لهذا النشاط وهذه الممارسات تداعيات وخيمة على المنظومة الصّحّية برمّتها، “من ذلك ظهور خدمات صحّيّة متوازية داخل المستشفيات العمومية واحدة موجّهة للفقراء العاجزين على تحمّل أيّ مصاريف للعلاج وأخرى للأغنياء القادرين على دفع معلوم تلك العيادات والفحوصات التي يمارسها أولئك الأطباء في إطار نشاطهم الخاص مما ساهم في تعميق الفوارق الاجتماعية ليس داخل المجتمع فحسْب وإنما داخل المستشفى بصفته مرفقًا عاما يُفترض أن يسود فيه مبدأ المساواة بين المواطنين. فأصبح القادرون على الدفع يتمكّنون من إجراء الفحوصات آنيًّا ويتمكنون من كلّ التجهيزات المتوفرة لهم دون سواهم أما العاجزون عن الدفع فيُضرب لهم موعد بعد مدّة وفي ظروف غير متساوية وبتجهيزات معطّبة أو غير متوفّرة. وتحوّلت الصحّة بذلك من شعار الصحّة للجميع إلى الصحّة لمن يدفع أكثر، وغابت أو تكاد تلك المبادئ الإنسانية التي قامت عليها مهنة الطب..”.(59)

 

وقد تورّط بعض الأطباء في ارتكاب عمليات وهميّة مكّنتْهُم من استخلاص عشرات آلاف الدنانير من خزائن الصندوق الوطني للتأمين على المرض على بغيْر حقّ، وهو ما أثبته الخبراء الماليّون للصندوق الذي بادر إلى جملة من القرارات الفوريّة بفسخ التعاقد – وقتيّاً – مع الأطباء المشار إليهِمْ وفق إجراءات(60)

 

إن هذه الوضعيّة التي لا تُحْسَد عليها الصحّة العمومية في تونس، قبل الثورة وبعْدها، بالتأكيد، ليس وراءها نيّات استعماريّة عنصريّة مُبَيَّتة، كما في عصر الزعيم الثعالبي، ولكنّ السؤال الملحّ: ماذا كسبَتْ البلاد حينما استردّتْ حكْمها بيدِها؟ وهل الخطرُ من الخارج فقط، أمْ أنّ أبناء البلد هُمُ “الاستعماريّون” بحقّ، حينما ينساقون إلى مختلف أوْجُه الفساد بأنانيّتهم وانتهازيّتهم وبانعدام وطنيّتِهِم ومسؤوليّتِهِم أو بضعفهِما؟

 

 

 

 

 

*********************************

 

الهوامش: 

(38)تونس الشهيدة صص44-45 (39) م.س. ص45 (40)م.س. ص294 (41) ومن العجيب أن نسْمع زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي يتهم الإدارة التونسية بأنّها “مُلَغَّمَة” ببقايا النظام السابق‼ وأنّ وزراء الترويكا الحاكمة لا يأمنون على تنفيذ برامجِهِم من الموظَّفين ‼ ارْجِعْ إلى الفيديو المسرَّب لحديثٍ بين الغنوشي وعدد من “السلفيّين”، وقد نشرته جريدة المغرب (التونسية) مكتوبًا.11أكتوبر2012،ص5 (42)انظر: شريف (صلاح الدين) وكمون(ماهر): الموظف في القانون التونسي. ط.دار إسهامات في أدبيات المؤسسة 1999 (43)العروسي: م.س. صص10-11

(44)معزّ السالمي: ماذا حدث في تونس، انتفاضة أمْ ثورة؟ محاولة لقراءةٍ وتحليلٍ. مجلة الحياة الثقافية العدد220 ،2011. ص71 (45) تونس الشهيدة، الفصل السادس: التعليم صص57-83 (46)بوقرة: م. س. ص184 (47) محمود الذوادي: أيُّ معنى للثورة التونسية دون استرجاعها للسيادة المفقودة؟ مجلة الحياة الثقافية م.س. ص 18 (48)المنصف ونّاس: الانتحار حرْقًا أوْ كيف يمكن أن نستثمر في تحصين الشباب من التوتّرات ؟ مجلة الحياة الثقافية م. س. صص28-30 (49) تونس الشهيدة ص238 (50) ونّاس: م.س. ص26 

(51) تونس الشهيدة صص293-298 (52) م.س. ص227 (53) م.س. ص235/ وانظر: الفصل العاشر: الصحة العمومية. صص223-235 (54) الأخضر نصيري: العائلة والمسألة الديمغرافية في التراث العربي الإسلامي – تونس أنموذجًا – .مجلة الحياة الثقافية العدد215 صص58-71 (55)محمود ذكار: الثورة من أجْل الصحّة، العيش في حياة صحّيّة كريمة حقّ أساسيّ من حقوق الإنسان. مجلة الحياة الثقافية عدد227،2012 ،ص34 (56) م.س. صص34-35 (57) م.س. ص37 (58) م.س. ص40 

(59) ذكار: م. س. صص38-39 (60) م.س.ص39         

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق