الاستعمار وروَاسبُه في أنظمة ما بعْد الاستقلال 3/3

6-الحالة الاقتصاديّة إلى أيْن؟

لقدْ توسّع الثّعالبي، بشكل لافت، خلال كتابه “تونس الشّهيدة”، (61) في تشخيص الحالة الاقتصاديّة والماليّة والتنمويّة المتردّية التي فرضها الاستعمار الفرنسي على البلاد التونسيّة، وخلاصة ذلك فيما يلي:

 

*الاستحْواذ على أملاك الدّولة 

 

*إدماج مساحات ضمن أملاك الدولة حتّى يتسنّى الاستيلاء عليْها 

 

*حرمان التونسيين من حق استغلال المناجم،وتعدد الشركات المنجميّة وشركات الفسفاط والشّركات المتعهدة للمشاريع الكبرى الخاصة بالأشغال العامة والمواني وكلّ الأشغال ذات المصلحة و”هي مضخات هائلة تمتصّ رؤوس أموالنا ومنتوجاتنا كيْ تدفع بها –فرنسا- للخار

 

*تدليس عقود الملكية العقارية التونسية وانتزاع الجنسية التونسية عن الأراضي وتوفير الضمان للملكية الاستعماريّة، وقد انجرّ عن ذلك: انحلال الملكية الأهلية، ومنح الجنسية الفرنسية للأراضي المسجّلة، وتمكين الفرنسيّين من امتلاك تلك الأراضي أو تخصيصها لهُمْ من طرف الدّولة

 

*إلحاق الأراضي المشجّرة والغابات بأملاك الدّولة 

 

*نزع ملكيّة العروش 

 

*نزع أراضي الأوقاف العامّة 

 

*إضعاف إدارة الأوْقاف وتخريبها 

 

*تراجع قطاع تربية الماشية بسبب الانتزاع المتواصل لأملاك الأهالي، والتخفيض من عدد المراعي 

 

*اتباع سياسة الميْز في برامج التنمية الجهوية، وفي منح الامتيازات الفلاحين والعمّال، ومن ذلك حرمان التونسيّين من القرض التعاوني الزراعي، وتمكين المعمّرين الأجانب منه 

 

*الإبقاء على نظام “الخمّاسة” المنافي للعدالة والكرامة البشرية، لتعميق حالة البؤس 

 

*إغراق الفلّاحين والصناعيّين وغيرهم من التونسيّين بالقروض الربويّة الاستغلاليّة والرهون المالية المجحفة 

 

*منع التونسيّين من دخول المعاهد الفلاحية، ومعاهد التعليم المهني 

 

*تعْجيز الصناعة التونسية بفتح المنافسة الأوروبية المتطوّرة، وبفرض الضرائب الجمركية المرهقة على المواد الصناعية الأوّليّة الموَرَّدة 

 

*تعميق مشكلة البطالة والفقر بسبب تخلّي صغار الفلاّحين والحرفيّين عنْ أعمالهِم بسبب المعوّقات 

 

*تخفيض الاعتمادات المخصّصة للمخططات والمشاريع التونسية، وتحويلها إلى حساب الدوائر المهتمة بالمصالح الفرنسية الاستعمارية 

 

*إرهاق كاهل التونسيين ومنتوجاتهم الأهلية المستهلكة، دون الأوروبيين المعمّرين، بالضرائب والدفوعات التي تدْعم بها فرنسا ميزانيّتها 

 

لقد أوضح الثعالبي أنّ السياسة الاستعمارية الفرنسية عملتْ بكلّ التدابير الإجراميّة الوحْشيّة على تركيز تجهيز اقتصاديّ جعل المجتمع التونسي “مُنْخرمًا بالجهْل والمرض ومُعرَّضًا للآفات الفتّاكة بدون دفاع”، وجسّد عنصريّة الاغتصاب البشِع والجشِع للثروة الوطنيّة وللقوى المنتجة، مع اتباع سياسة التهميش والإقصاء. يقول الثعالبي: “وإنّ الإسراع بإنهاك البلاد التونسية يحصُل مِن نواحٍ ثلاث: اغتصاب التونسي، وتصدير الثّروات المحلّيّة دون مقابل، وتوريط الشّعب عن طريق الرّهون الماليّة الثّقيلة. ذلك هو مشروع النّهوض الاقتصادي والاجتماعي الذي تقوم به حكومة الحماية”.(62) 

 

ومِنْ مطالبِه الوطنية، الاعترافُ بحق امتلاك العروش للأراضي التي تقيم فيها، وإشراك التونسيّين مثل الأجانب في عمليّات بيْع الأراضي الدوليّة، ومنْع الحكومة مِن التدخّل في شؤون المنظمات الاقتصادية الناشئة عن المبادرة الخاصة إلاّ عن طريق المراقبة الحامية والتشجيعات التي هي داخلة في المشمولات الطبيعية والعاديّة لكلّ حكومة شرعيّة، وتنظيم القرض الزراعي والتجاري والصناعي الشعبي، ونشْر نظام الضمان التعاوني، وتعميم الأشغال ذات المنفعة العامة بالبلاد في كلّ مكان تدعو فيه الضرورة لذلك على أن لا تخضع تلك الأشغال إلاّ لاعتبارات اقتصادية فقط لا للمصالح(63) 

 

لقدْ كان “تونس الشّهيدة” ثورة على الأوضاع الاقتصاديّة والمعيشيّة المتأزّمة، والتي فُسّرتْ بأنّ تغيير قواعد التعامل الاقتصادي قد عجّل في إفقار شرائح عديدة مِن التونسيّين أو في تهميشها. وشمل التقهقر الاجتماعي الفئات الحضرية الوسطى أي جماعات الحرفيّين وصغار التجّار والمالكين الذين عجزوا عن التأقلم مع الأوضاع الاقتصادية الجديدة أوْ أفلسوا نتيجة لمنافسة هياكل الإنتاج والتوزيع الاستعمارية. أما في الأرياف فقد تعرّضت شرائح عديدة من الفلاحين إلى مختلف ضروب الابتزاز والإقصاء لاسيَما في المناطق المُجدبة وذات الاقتصاد الرّعَوي بعد انتزاع أراضيهِم ومسالك انتجاعِهِم وإلحاقها بأملاك المعمّرين، وآل تضييق الخناق على القبائل المنتجعة إما إلى الاكتفاء بموارد المناطق المجدبة أو إلى تحويل عددٍ من رجالها إلى أجراء عند المعمّرين أوْ إلى النّزوح إلى المدن.(64) 

 

ولئن شهدت البنية التحتيّة تطوّرا مشهودًا، فإنّ أغلب إنجازاتها موَّلتْها الخزينة التونسية من خلال القروض التي سدّدتْها، وهذا يعني أن تكلفتها تحمّلها بالأساس دافع الضرائب الأهلي فيما استفادت منها بالدرجة الأولى مجموعات أجنبية صغيرة ومنظّمة. ولمْ يكُن السياق الاقتصادي العامّ يُحَفّز على الاستثمار في الصناعات التحويليّة بالنظر إلى ندْرة اليد العاملة المتخصصة من ناحية، وإلى عجز المنتوجات المحلّية عن منافسة السلع المستوْرَدة، ومِن ثَمَّ كان إمداد هذه الأسواق بالسلع كاملة الصنع من الخارج أكثر ربحيّة من صناعتها داخل البلاد، وهكذا تمّ الإبقاء على التبعيّة الاقتصادية والصناعية. وانحصرتْ التجارة الخارجية التونسية في تصدير سلَع زهيدة القيمة تلبية لحاجيات الأسواق والمراكز الصناعية الأجنبية من الموادّ الأوّليّة، وجلْب الموادّ التجهيزية، والبضائع كاملة الصنْع والسلع الفاخرة من الخارج. وكانت تونس تختصّ في تصدير ثلاث سلع زراعية أساسية هي: زيت الزيتون والحبوب والخمور. وابتداءً من سنة1913 تراجعتْ نسبة الموادّ الفلاحية في التجارة الخارجية لفائدة الخامات المعدنية والفسفاط.(65) 

 

ولقد اندلعتْ الثورة التونسية سنةَ 2011 بسبَب فشَل المنْوال الاقتصادي والتنموي في تحقيق الاكتفاء فضْلاً عن الرفاه، وفي توفير السّلْم الاجتماعية. فإلى جانب العوامل السياسية المتمثلة في انغلاق الحياة السياسية، وفي احتكار الحزب الحاكم للشأن العام، وفي هيْمنتِهِ على دواليب الدولة، وفي سيْطرة المجتمع السياسي على مؤسسات المجتمع المدني ومحاصرتِها، وفي النمط العائلي للحُكْم، وفي احتكار منظومة الاتصالات والمجال الإعلامي، كانت الظروفُ الاقتصاديّة السيّئة من فقْر وبطالة وتضخّم وعجْز في الميزانية وارتفاع المديونيّة وتدهور المقدرة الشرائية وتراجع التغطية الصحية والحماية الاجتماعية واحتكار فئة قليلة للثروة في مقابل بقاء شرائح واسعة على حالة الإفلاس الدائم، أهمَّ عامل في تنامي الاحتقان وقيام الانتفاضة الشعبيّة التاريخيّة(66) فقد بلغتْ نسبة بطالة الخريجين الجامعيّين إلى موفّى سنة2009 : 44.9بالمائة.(67) وتكشف بعض إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء أن عدد العاطلين من العمل في فئة الشباب الحاملين لشهادات جامعيّة بلَغ: 217800، يمثلون 30.9بالمائة من عموم العاطلين المقدّر عددُهُم في الثلاثية الثانية لسنة2011: 704900وتفيد المعطيات ودارسوها نظام بن علي وفّر لليبراليّة الرأسماليّة المتوحّشة كلّ أسباب الرعاية من إعفاءات جبائية ورسوم التغطية الاجتماعية وغيرها من أساليب غير معْلَنة في التلاعب بالقانون والتحايل عليه، مما ساهم في إفلاس الصناديق الاجتماعيّة، ودفَع بالتضخّم المالي الذي عرفته البلاد إلى أقصى حدوده. كما أُغرقتْ البلاد في منظومة لا تعتمد الإنتاج بقدْر ما تنخرط في تبعيّة اقتصادية قويّة مثل أوروبا (دون دخول بقية أقطار المغرب العربي)، بشروط استعماريّة، وقد سُمِّيَت بـ”عقْد الشراكة” مع الاتحاد الأوروبي المُمْضى عام1995 على إثر دخول تونس منظمة التجارة العالميّة عام 1990. ويفرض هذا العَقْد على تونس فتْح أسواقها لكافة المنتجات الأوروبية وآخرها المنتجات الفلاحية سنة2012(68). 

 

وقد أثار حصول تونس على مرتبة “الشريك المتقدّم” مع الاتحاد الأوروبي جدَلاً واسعًا بين المحتفي به، باعتباره رسالة سياسية أكثر مِنْ أنّ له فوائد اقتصادية وماليّة، وباعتباره إعلانا يملأ فراغا امتدّ منذ سنة2010 حيث انتهى العمل باتفاقية الحوار دون اعتماد إطار جديد للتعاون، وبيْن الرافض له والمتوجّس منْه خيفةَ، باعتباره هيْمنة استعماريّة جديدة. ومن محاور “التعاون” بين تونس وأوروبا، وفْق هذه “الشراكة المتميّزة”: 

 

*تحرير تبادل السلع الزراعيّة والزراعيّة المُصَنَّعة والصّيْد البحري 

 

*تحرير الخدمات وحقّ الانتصاب 

 

*ضمان الاستثمار 

 

*ربط النفاذ إلى الأسواق باحترام المواصفات والمعايير 

 

*التقارب التشريعي(69). 

 

وتبيّن الدراسات الجغرافيّة أن الشريط الساحلي للبلاد التونسيّة قد حاز النصيب الأوْفر من التنمية على جميع المستويات وفي كلّ القطاعات ومثّل على امتداد العهديْن المنتهييْن العمود الفِقَري للاقتصاد التونسي، حيث تجمّع 62 بالمائة من السكان في ربع مساحة البلاد، وحصل منذ عام1970 على أكثر من76 بالمائة من الاستثمارات العمومية –باستثناء قطاعات الفلاحة والمناجم والطاقة-، ويغطّي المجال الساحلي للبلاد 60بالمائة من القيمة المضافة للمنتجات الفلاحية المصدّرة، كما يوفّر 85بالمائة من مواطن الشغل المعمليّة، و90بالمائة من القيمة المضافة للمنتجات الصناعية، و83بالمائة من صناعة المحرّكات، و66 بالمائة من الصناعات الحديثة، و95بالمائة من النزل السياحيّة، ويغطّي هذا المجال 82 بالمائة من حركة النقل البرّي، و88 بالمائة من إجماليّ الصادرات. وهو يتمتّع من جهة أخرى ب: 75بالمائة من إجماليّ المصاريف العامّة للدولة، وبنسبة تعادلها في مجال الاستثمارات التنمويّة، وذلك إلى حدود سنة1996(70). وفي المقابل، يتّضح معطى مجاليّ أوّل، من خلال تراجع نسبة الزيادة السكانية بمدن سيدي بوزيد إلى19بالمائة خلال الفترة الممتدّة بين سنتيْ1994و2004 بعد أن كانت في حدود125بالمائة بالنسبة إلى فترة1984-1994، وهو ما يعني أنّ تجاوزَ المدينة لمرحلة التشييد والبناء من جهة، وعدَمَ قدرتِها على توفير مواطن الشغل لكافة النازحين من الأرياف من جهة أخرى، جعَلاَ الاقتصاد العائلي موضع استهداف يعوّض بتغيير تركيبته نزوح الأسَر إلى مدن الدوْلة والإدارة بالمناطق الداخلية ويساهم في إنشاء علاقة مباشرة بكبرى المدن الساحلية. ولأنّ قيام هذه العلاقة المباشرة انبنى على تقاسُم جديد لأدوار أفراد العائلة فإن ميزانية الأسرة الريفية أصبحتْ تتشكّل على أساس عائدات مصدرها الأرض من جهة، والعمل بحضائر البناء من جهة أخرى. وهكذا أصبح سكان المناطق الداخلية، بعد إتمام الدولة لعمليّة التقسيم الإداري واستنفادها لجميع وسائله العمليّة والمنطقية التي قد تخوَّل لتقسيم جديد، يتوزّعون مجاليًّا إلى أربع فئات مختلفة من حيث مستوى العيش وعلاقتُها بهياكل الدولة كمصدر منَح وإعانة(71). 

 

وعلى إثر ما شهدتْه المناطق الداخلية من عملية استقرار داخليّ يعوّضها في ذلك دينامية سكان ونشاط في اتجاه المناطق الساحليّة يمكن أن نتبيّن الأربع فئات المعنية على النحو التالي: 

 

*فئة أولى تقطن بالأرياف ومقتصرة على تعاطي الأنشطة بها. 

 

*فئة ثانية تقطن الأرياف وتمزج في مستوى عائداتها بين النشاط الريفي والحضري. 

 

*فئة ثالثة تقطن بالمدينة ويمثّلها بعض المستثمرين ورجال الأعمال والموظّفين. 

 

*فئة رابعة يمثّلها النازحون إلى المدن تقطن الأحياء الطرفيّة لهذه الأخيرة ولا يتّسم نشاطها بالثبات في مستوى نوعيّته ومكان تعاطيه(72) 

 

ولعلّ اندلاع الثورة، بالذات، في المناطق الداخلية: سيدي بوزيد والرقاب والقصرين وتالة، دون أن تكون في المدن ذات الحركية الاقتصادية كصفاقس مثلا، أو ذات الحركيّة النقابية مثل مدينة قفصة، يعتبر ذلك من الدلائل على أن الثورة الشعبية “على ارتباطٍ كبير بموْرد رزق يُعَدّ تعطيل نشاطه الرئيسي مصدراً للبطالة والبؤس خاصة وأن المدن الداخلية لا توفّر بنيتها الوظيفية القدرة على استبدال الفرد للنشاط بالسرعة المرجوّة وبإمكانية تحصيل عائدات أهمّ من النشاط الأوّل المُعطّل”.(73) لقد تعالت الأصوات المنادية في تونس بتحقيق هدفيْن أساسيّييْن: 

 

*مواجهة الفقر(74) بمقاييس عادلة وموضوعية، والتقليل من نسبته التي كانت تعاني منها تونس حيث يمكن أن تتراجع النسبة من 70بالمائة سنة2011 إلى حدود 20بالمائة سنة2025، وذلك بتحقيق نسبة لا تقلّ عن 8بالمائة ولمدّة طويلة 

 

*العمل على إعادة هيكلة المجتمع لفكّ الارتباط بين الانتماء الجهوي والدور الاقتصادي من خلال انتهاج سياسة اقتصادية جديدة تعطي الأولوية للمساواة والإنصاف لجميع المواطنين دون التمييز بينهم على أساس جهوي أو قبَلي أو عروشي أو حزبي. 

 

كلّ هذا يقتضي تدخّلاً عاجلا في السياسة التنمويّة يهدف إلى تحقيق الوحدة الوطنية من خلال اعتماد منوال اقتصاديّ واجتماعيّ وثقافيّ يأخذ في الاعتبار التوزيع العادل للثروة بين مختلف الجهات والعمل على تحقيق التوازن الاقتصادي بين هذه الجهات وهذا لا يمكن تحقيقه دون إعطاء الجهات المحرومة معاملة تفاضليّة خاصة في المجال الاقتصاديّ على امتداد فترة زمنية طويلة من أجل إعادة التوازن. (75) وما انفكّت تونس تعاني المشاكل الاقتصاديّة والمالية والمعيشيّة بفعْل انعكاسات أوْضاع الثورة، فقد ناهز عددُ المؤسسات التي غادرت البلاد منذ الثورة:172مؤسسة، منها:63إيطالية، و60فرنسيّة، و11بلجيكية، و10ألمانيّة. وفي الوقت الذي بدأ فيه الاستثمار الخارجي يستعيد نفَسا بطيئا باستقطاب مؤسسات أجنبية جديدة، أعلنتْ وكالة الترقيم السيادي “فيتش رايتنج” إغْلاق مكتبها في تونس، وهو مكتب مخصَّص للدوَل الإفريقية الفرنكفونية، وأسستْه، منذ خمس عشرة سنة، لمتابعة المخاطر السيادية، ومؤسسات القروض، والمؤسسات الصناعيّة والتجاريّة الناشطة بالمنطقة.(76) 

 

من جهة أخرى يصرّح وزير المالية بالنيابة أن تونس تحتاج في سنة2013 إلى تمويل خارجي بسبعة مليارات دينار(4.4ملياردولار) لمساعدة الاقتصاد على التعافي. ويرى أن ميزانية العام 2013 تواجه ضغوطا بسبب نفقات تنمويّة واجتماعية لمساعدة آلاف العائلات الفقيرة(77). ويرى رئيس هيئة الخبراء المحاسبين بالبلاد التونسية أن حكومة الترويكا استعاضت عن تأسيس سياسة ماليّة جريئة تشجّع على التشغيل والاستثمار وتقاوم الفساد والتهرّب الجبائي، بالتساهل في الاقتراض الخارجي والترفيع في الضغط الجبائي لتعبئة موارد الميزانية وهي طريقة أثبتت التجارب أنها تؤدّي إلى التهرّب الضريبي والعصيان الجبائي وإنهاك بعض القطاعات. وقد وصف هذا الخبيرُ الوضعَ الاقتصادي والمالي التونسي بـ”الهشّ”.(78)

 

أما منظمة الدفاع عن المستهلك، فقد لاحظتْ التدهور الخطير والمتواصل للمقدرة الشرائية للمستهلك التونسي في وقتٍ قرَّرَ فيه البنكُ المركزي الضغطَ على القروض الاستهلاكيّة المباشرة. وذكّرت المنظمة أن 15.5 بالمائة من المواطنين يعيشون تحت عتبة الفقر، وتصل هذه النسبة إلى ما بين 28و32بالمائة في بعض الولايات على غرار تطاوين والقصرين وسليانة وتعيش هذه الفئة بحواليْ(02) دولاريْن في اليوم، وأنّ المليون وخمسمائة تونسيّ الذين لا يتحمّلون أيّ زيادة خاصة في المواد الاستهلاكية الضرورية. ونبّهت المنظمة إلى أن الطبقة الثانية المتوسطة التي تمثل ما بين 65 و70بالمائة، والتي هي مَدينةٌ للبنوك والصناديق الاجتماعية، هي الآن بصدد النزول تدريجيا إلى مرحلة الفقر نتيجة نزيف الزيادات، والتضخّم المالي الذي يتراوح بين 10و15بالمائة نظرا إلى الارتفاع الكبير في أسعار الموادّ الحرّة وفي معاليم الكراء.(79) 

 

خاتمة 

إنّ المتأمّل في كلّ هذه المعطيات يحِقّ له أن يتأكّد مِن تتالي الإخفاقات، متعدّدة الجوانب، التي أربكتْ أنظمة ما بعْد الاستقلال الوطني، وتونس أنموذج في ذلك. فلمْ تقدرْ أن تؤسّس لعقليّة وطنيّة نظيفة، في التسيير واستعمال السلطة، ولا أن تمْلك المسؤولية والنزاهة في إدارة الشؤون والمصالح، ولا أن تُرْسيَ دعائم اقتصادية متينة تحمي من التبعيّة والفشل، ممّا فاقَمَ المديونية، وضاعف المشاكل التنموية، وولّد الاحتقان. كما أنّ هذه الأنظمة عجزتْ تمامًا عن ضبْط رؤية ثقافية حضارية تُوائِمُ بين مقومات الهوية ومقتضيات العصْر، بِما يُحصّن من الذوبان والرجْعيّة، وبِما يكوِّن الشخصية الوطنية المتوازنة. 

 

 

************************************************

الهوامش

(61) انظر:الفصل الثامن:الحالة الاقتصادية. صص113-221/ الفصل الثاني عشر:المالية العامة التونسية. صص239-268 

(62) تونس الشهيدة ص268 (63) م.س. صص297-298 (64)نور الدين العرقي: المجتمع والاقتصاد.ضمن:تونس عبر التاريخ .م.س. ج3 ص47 (65) م.س. صص53-58 (66) زهير الخويلدي: فلسفة الثورة التونسية الدوافع والآليات والتداعيات والتحدّيات. مجلة الحياة الثقافية. العدد220، 2011، ص46 (67) المنصف ونّاس: م.س.ص24 (68)كمال العروسي: م.س. ص9 (69) الراضي المؤدب: حول مرتبة الشريك المتميّز مع أوروبا على درب قيَم الحداثة والتضامن والتميّز. جريدة المغرب، 27نوفمبر2012،ص2 / وانظر تصريحات وزير الاستثمار والتعاون الدولي ،وكاتب الدولة لدى وزير الخارجية المكلّف بالشؤون الأوروبية، التونسيّيْن. جريدة المغرب،23نوفمبر2012،ص14 (70) كمال العروسي: م.س.ص9 

(71)رحيم الفالحي: ثورة14جانفي2011: قراءة في مسار الثورة ودور المدن الصّغرى. مجلة الحياة الثقافية، العدد227،2012، ص49 (72)م. س. ص48 (73)م.س. ص49 (74)حافظ المداني: الاقتصاد اللاشكلي في تونس بين معالجة الفقر ودفع الحراك الاجتماعي. مجلة الحياة الثقافية م.س. ص109 (75)غيلوفي: م.س. صص74-76/الهمامي زايد:النسيج الجمعياتي:رهان تنمويّ مستقبليّ في المناطق الداخلية، معتمدية الرقاب نموذجا. مجلة الحياة الثقافية جانفي2012، ص83 (76)جريدة المغرب 27نوفمبر2012، ص13 (77) م.س.20نوفمبر2012، ص14 (78)م.س.16نوفمبر2012، ص 9 (79)م.س.9نوفمبر2012، ص9  

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق