الاستفـتاء التـركي في 12 أيلول: المعركـة الفاصلة / خورشيد دلي

تبدو الديبلوماسية التركية منشغلة هذه الأيام بمعركة الاستفتاء أكثر من أي شيء أخر، فحتى صاحب نظرية (صفر مشاكل) وزير الخارجية البروفيسور احمد داود أوغلو والذي لا ينتمي إلى أي حزب سياسي انخرط في هذه المعركة لمصلحة حزب العدالة والتنمية، حيث يجول على المدن الكبرى داعيا إلى التصويت بنعم في الاستفتاء.

قبل أيام من موعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية المقرر في الثاني عشر من الشهر الجاري ثمة معركة متعددة الجانب مشتعلة بين حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يرى في الاستفتاء خطوة لتعزيز الديموقراطية في البلاد وإعطاء قوة دفع لخيار الانضمام إلى العضوية الأوروبية وأحزاب المعارضة التي ترى ان حزب العدالة والتنمية يهدف من وراء التعديلات الدستورية إلى السيطرة على الجسم القضائي والقانوني في البلاد تمهيدا للمزيد من خطوات أسلمة الدولة والمجتمع.

وعليه، تعيش تركيا حالة من الانقسام السياسي، فحزب الشعب الجمهوري برئاسة زعيمه الجديد كمال كليجدار أوغلو وحزب الحركة القومية المتطرفة بزعامة دولت باغجلي يعتقدان ان نجاح الاستفتاء لن يؤدي إلى تحقيق إصلاح سياسي حقيقي بقدر ما سيؤدي إلى تعزيز سيطرة حزب العدالة والتنمية على المؤسسات المحسوبة على القوى العلمانية وتحديدا المحكمة الدستورية العليا (من خلال زيادة عدد أعضاء المحكمة الدستورية من 11 إلى 17، وعدد أعضاء المجلس الأعلى للقضاء والمدعين العامين من 7 إلى 22) وإعادة النظر في هيكلة هذه المؤسسات وآليات تعيين أعضائها، في المقابل فان حزب السلام والديموقراطية الكردي الممثل في البرلمان وبدعم من حزب العمال الكردستاني يدعو إلى مقاطعة الاستفتاء، حيث يرى الأكراد ان التعديلات الدستورية جاءت خالية من أية بنود من شأنها ملامسة المسألة الكردية التي تشهد مرحلة جديدة من العنف الدموي، وقد اشترط الأكراد مسبقا دعم التعديلات بخطوات تمس مشكلتهم كالاعتراف بلغتهم وتغيير نسبة القانون الانتخابي (شرط الحصول على 10 في المئة من نسبة الأصوات للدخول إلى البرلمان) وهو ما لم يلحظ في التعديلات. وقد قيل بأن سبب ذلك حرص حزب العدالة على عدم الاصطدام مع الجيش من جهة، ومن جهة ثانية الحرص على ضمان نجاح الاستفتاء.

 في الواقع، تكتسب معركة الاستفتاء أهمية كبيرة في مسيرة حزب العدالة والتنمية وحساباته السياسية، فمن شأن تصويت الغالبية بنعم أي أكثر من خمسين في المئة في الاستفتاء الانتقال إلى مرحلة جديدة في المسيرة الصاعدة للحزب وهو يتطلع إلى تحقيق جملة من المكاسب والانجازات في المرحلة المقبلة، لعل أهمها: 1- ان نجاح الاستفتاء سيكون بمثابة تصويت على شعبية حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية المقررة في تموز المقبل، والحصول على نسبة كبيرة سيريح الحزب كثيرا ويساعده على الانخراط أكثر في برنامجه الاقتصادي بحثا عن شعبية أكثر في هذه الانتخابات. 2- ان نجاح الاستفتاء يعني إمكان وضع دستور جديد للبلاد بدلا من تعديله، وهذه المرة من داخل البرلمان بعيدا عن سطوة المحكمة الدستورية التي تحولت أهم معقل للقوى العلمانية. إذ ان الحزب يعتقد ان الإصلاح الحقيقي لا يكون الا من خلال دستور جديد وشامل وليس مجرد تعديل بعض بنود الدستور أو القانون. 3- ان النجاح يعني تسجيل انتصار جديد على الجيش في الصراع الخفي – العلني الجاري بين الجانبين، إذ ان التعديلات ستسمح بمحاكمة العسكريين بما في ذلك كبار قادة الجيش أمام المحاكم المدنية بما في ذلك قائد الانقلاب العسكري عام 1980 الجنرال كنعان أيفرين والذي هدد بالانتحار في وقت سابق إذا ما سارت الأمور على هذا النحو.لكن المسألة الأهم بالنسبة لحزب العدالة هو القضاء على شبكة (أرغينيكون – الوطنيون الجدد) خاصة بعد ان اتهم بعض قادتها بالتورط في محاولات انقلابية ضد حكومة اردوغان كتلك التي عرفت بـ "المطرقة".

مقابل تطلعات حزب العدالة هذه، ثمة محاولات من قبل القوى العلمانية لتوحيد صفوفها خلف حزب الشعب الجمهوري برئاسة كمال كليجدار أوغلو الذي تشير استطلاعات الرأي إلى تزايد شعبيته، حيث يواصل أوغلو هجومه اللاذع على التعديلات الدستورية، وهو هنا يستشهد بالمادة 35 التي لم يطرحها حزب العدالة والتنمية للتعديل أو الإلغاء، وهي مادة ثبتت في دستور عام 1983 اثر انقلاب عام 1980، وتقول: (ان وظيفة القوات المسلحة هي حماية الوطن والحفاظ على الجمهورية التركية كما هي محددة بالدستور) وإذا كان مفهوما ان وظيفية أي جيش في العالم هي حماية البلاد الا ان إشارة "وفقا لما حدده الدستور" فيها عودة إلى المادة 85 التي تعطي للجيش صلاحية التحرك بالسلاح حتى في مواجهة الداخل، بمعنى بقاء إمكانية قيام الجيش بانقلاب عسكري في هذا الظرف أو ذاك. ومع ان مثل هذا الانتقاد يبدو منطقيا الا ان حزب العدالة يرى فيه نوع من المزاودة أو التشويش السياسي على مسيرته السياسية.

في الواقع، بغض النظر عن هذا الجدل، فإن الاستفتاء المرتقب يعد أهم محطة سياسية في مسيرة حزب العدالة والتنمية وفي الوقت نفسه امتحانا لقيادته في المرحلة المقبلة، ولعل هذا ما يفسر تهديد رئيس الحزب رجب طيب اردوغان بالاستقالة إذا خسر حزبه الانتخابات المقبلة أو جاء ثانيا في إشارة إلى ضراوة المعركة الجارية، فالاستفتاء الذي هو بمثابة بروفة حقيقية للانتخابات يرى فيه العدالة والتنمية أن التصويت بـ (نعم) سيكون أشبه بثورة دستورية ديموقراطية على إنهاء نظام الوصاية العسكرية والقضائية المستمدة من الدستور القديم.

واللافت ان موعد الاستفتاء حمل رمزية قوية، فهو يأتي في 12 أيلول أي الذكرى السنوية الثلاثون للانقلاب العسكري الذي أعدم الجيش اثره المئات واعتقل الآلاف وحظر الأحزاب السياسية قبل ان يضع دستورا جديدا على مقاسه، والذي يتلخص بـ (الجيش يحمي الدستور والدستور يحمي الجيش)، وعليه فان موعد الاستفتاء يحمل رمزية طي أو وضع نهاية سلمية لمرحلة سيطرة النظام العسكري. وفي الوقت نفسه انتقال حزب العدالة والتنمية إلى مرحلة جديدة من صوغ سياسات تركيا في الداخل والخارج، حيث قيل الكثير عن تطلع أردوغان إلى الجلوس في قصر تشانقايا الرئاسي بعد انتخابات 2012 وبصلاحيات رئاسية قوية على الطريقة الأميركية.

 

عن جريدة النهار البيروتية 9/9/2010

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق