الاستقلال التام ومعاداة الإمبريالية: المظاهرات العلمانية في تركيا وشعار الاستقلال التام – باسكن أوران

{{تقديم:}}

فيما يلي مقالتان (ننشر الأولى اليوم والثانية غدا) للبروفسور باسكن أوران، علق فيهما على بعض الشعارات التي رفعت في المظاهرات الجمهورية التي أقامها “العلمانيون” في أبريل ومايو الماضيين، فاختار منها شعاري الاستقلال التام ومعاداة الإمبريالية، خص كلاً منهما بمقالة منفصلة.

باسكن أوران أستاذ جامعي يحظى بشعبية واسعة في استانبول وتركيا في الأوساط الديموقراطية، يساري مستقل. رشح نفسه، بتشجيع من أصدقائه ومحبيه، للانتخابات النيابية الأخيرة، وعُلقت على وجوده في البرلمان آمال عريضة. وصف بأنه المرشح المستقل الوحيد المستقل فعلاً. حصل على نسبة عالية من أصوات الناخبين، لكن منافسة مرشح كردي من حزب المجتمع الديموقراطي له على المقعد البرلماني نفسه، أدت إلى فشلهما معاً. بعد أيام قليلة من إعلان النتائج اضطر حزب المجتمع الديموقراطي، الذي استطاع دخول البرلمان بعشرين نائباً، إلى الاعتذار من باسكن أوران، وقبل هذا اعتذار الحزب. راهن محبوه على أنه سيكون الصوت المختلف في البرلمان، وأن يلعب دوراً مهماً من وجهة نظر التحول الديموقراطي. وفي ما يلي نص المقالة الأولى…

المترجم

هذه المظاهرات مهمة حقاً. علينا أن نخضع ثيماتها لدراسة دقيقة، لنستخلص الدروس إذا توجب ذلك، أو نعطيها إذا توجب. كان الموضوع الرئيسي الذي تناوله أساتذة الجامعات، ممن تحدثوا من فوق المنبر، هو العلمانية. إذا وضعناه جانباً، سيبرز موضوعان آخران، هما “معاداة الإمبريالية” و”الاستقلال التام”. لنبدأ بالثاني. أولاً التعريف: الاستقلال، مصطلح ينتمي إلى مجال السياسة الخارجية، ويعني “عدم خضوع دولة لإدارة وتحكم دولة أخرى”. هذا المفهوم الذي نعرفه منذ العشرينات، ثم في عقدي الستينات والسبعينات، يواصل الآن مرحلته الثالثة.

ولكن بطريقة مفارقة زمنياً. لأن شعار مصطفى كمال في العشرينيات “الاستقلال التام” كان يحيل إلى فكرة أن الاستقلال السياسي وحده غير كاف، معطوفة على ضرورة التقدم الاقتصادي. والحال أن أساتذة الجامعات في مظاهرات اليوم، لم يؤكدوا على أي شيء يمت بصلة إلى التقدم الاقتصادي، باستثناء الاحتجاج على الخصخصة. أما شعار “تركيا المستقلة تماماً والديموقراطية” الذي رفعه الشباب اليساري في الستينات والسبعينات، فمضمونه واضح من منطوقه. إن كثيراً من أساتذة المظاهرات اليوم يفهمون الديموقراطية كما في عبارة: “الجيش الكمالي سيقول كلمته!”. وبما أن غير المسلح سيلزم الصمت، حين يتحدث المسلح، فلا بد أن شعار الاستقلال التام يعني، عندهم، “الابتعاد التام” عن أوروبا. يمكن إرجاع سبب موقف الأساتذة هذا إلى مسألتين، لا يمكن عزلهما عن مجالات احترافهم البعيدة كل البعد عن السياسة الخارجية (علوم عسكرية، علم الاجتماع السياسي، الفيزياء، الإدارة المحلية، الطب): أولاً، جهلهم بدلالة المفهوم ومحتواه؛ وثانياً، عدم إدراكهم أن الوضع اليوم مختلف في تركيا والعالم، عما كان عليه في العشرينات أو عما كان عليه في عقدي الستينات والسبعينات، بما يعادل مئة وثمانين درجة. قد يكون من المفيد طلب مساعدة من المختصين.

ليس ثمة استقلال (ındependence)، بل سيادة نسبية (autonomy)
إن مفهوم الاستقلال يعبّر، لا عن “اللامحدودية”، بل بالعكس، عن “المحدودية”. ذلك أنه كما تتحدد حرية الفرد بحريات الآخرين، كذلك تتحدد استقلالية الدولة باستقلالية الدول الأخرى، على الأقل. أقول على الأقل لأنه ثمة عاملين إضافيين يحدان من الاستقلالية: الأول، أن الدول تنتقص من استقلالها بنفسها، إذا ما رأت في ذلك أفضليات (بلغاريا وغيرها من البلدان، مثلاً، حين ترغب في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي)؛ والثاني، ثمة ديناميات داخلية وخارجية تضع حدوداً لاستقلال الدول (سنعود إلى هذه الفكرة لاحقاً).

للأسباب المذكورة سأقولها حالاً، مخاطراً بذلك بإثارة استياء كثيرين منكم: ليس ثمة في عالم اليوم ما يدعى بالاستقلال التام للدول، ولن يكون ذلك ما دام الانعزال التام عن البيئة الدولية غير ممكن. ها هي الولايات المتحدة نفسها، وهي قوة عظمى بلا منافس، تحتاج، لغزو عراق صدام حسين، إلى جنود إحدى وعشرين دولة. لنتمادَ أكثر: ليس ثمة استقلال بالمطلق، بل ولا سيادة تامة.

ولكن لا تقلقوا، ثمة في الأدب السياسي ما يدعى “السيادة النسبية للدولة”. أي أنه ثمة مراحل مريحة نسبياً للدولة المرتبطة، كقاعدة عامة، بشروط داخلية وخارجية. ليتسنى لنا تحليل هذا المفهوم الذي لقنونا إياه في عبارة الاستقلال (بل والاستقلال التام)، يمكننا تقسيمه إلى شقين:

1) السيادة الداخلية النسبية للدولة، وتعني تحررها النسبي من تأثير الطبقات الاجتماعية في البلد، في حالات معينة. وهذه الحالات هي إما عدم تبلور الطبقات (تركيا في عهد أتاتورك)، أو وجود توازن فيما بينها (عقدي الستينات والسبعينات). لكن هذا خارج موضوعنا.

2) بل يتعلق موضوعنا بالسيادة الخارجية النسبية للدولة (سأدعوها من الآن وصاعداً بالسيادة، اختصاراً). يعبر هذا المفهوم عن التحرر النسبي للدولة، في ظروف معينة، عن تأثير الدول الأخرى أو النظام الدولي الذي يحد من سيادتها. يحدث ذلك في تلك الحالات حيث تنعدم فاعلية العاملين المذكورين. بعد الأزمة الاقتصادية الكبرى في 1929 وصعود هتلر وموسوليني، مثلاً؛ أو في عقدي الستينات والسبعينات مع التوازن القطبي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.
لنمعن النظر الآن عن قرب إلى الخطابات التي ألقيت في المظاهرات:

تتعلق حيازة الدولة للسيادة بعاملين، هما البيئة الدولية والبيئة الوطنية، أي بالديناميات الخارجية والداخلية

1) الديناميات الخارجية: ليس بوسع دول بحجم تركيا أن تؤثر فيها، لأنها تتشكل من قوتين هائلتين، هما العولمة، ويمكن تعريفها بانتشار رأس المال؛ والنظام السياسي الدولي.

لنبدأ بالقوة الأولى. ثمة اليوم أكثر من ستين ألف شركة متعددة الجنسيات، يبلغ عدد فروعها في مختلف البلدان أكثر من نصف مليون فرع، تساهم بعشرين في المئة من إجمالي الناتج العالمي الخام (البالغ 44 تريليون دولار)، وسبعين في المئة من إجمالي التجارة العالمية. كيف لكم أن تؤثروا في هذه الدينامية بالتشدق حول أهمية تركيا “الجيو – استراتيجية”! فقط عشرة في المئة من المعاملات النقدية اليومية عبر العالم (وحجمها تريليون ونصف التريليون من الدولارات) هي مقابل سلع وخدمات، في حين تشكل النسبة المتبقية المضاربات التي هي كاللغم الذي يمكن أن ينفجر في كل لحظة. بأي مصرف مركزي يمكنكم التحكم بكتلة نقدية بهذا الحجم؟

أما البنية الفوقية للعولمة فهي موضوع آخر. منظمات المجتمع المدني التي كان عددها في تركيا، 371، في العام 1909، يبلغ عددها اليوم أكثر من خمسة وعشرين ألفاً. الأمة – الدولة التي تتمثل مهمتها في الدمج، تزداد سيادتها صعوبة، حينما تقول إنها لن تسمح بالتدخل في شؤونها الداخلية، وإنه من حقها معاملة مواطنيها بالطريقة التي تراها مناسبة.
ولنتناول الآن القوة الثانية، أي النظام السياسي الدولي. توازن القوى الذي استظلت به تركيا (وقبلها الدولتان العثمانية والبيزنطية)، أعطاكم عمره. لقد استفادت تركيا تقليدياً من التوازن بين الشرق والغرب، وبغيابه التوازن بين مختلف قوى الغرب. كلاهما لم يعد موجوداً اليوم.
في الوقت الذي اختفت فيه البيئة الملائمة لاستقلال الدول لمرحلتي الثلاثينات والستينات – السبعينات، يهدر الخطباء في مظاهرات اليوم بشعار الاستقلال التام

2) الديناميات الداخلية: يتمثل المخرج الوحيد لتقوية السيادة في تصويب الديناميات الداخلية. كيف؟ بتقوية البنية التحتية لأية سياسة خارجية، وهي تتشكل من ثلاث حلقات متداخلة (العسكرية والاقتصادية والاجتماعية). والحال أن القوة العسكرية لتركيا مرتبطة بالسلاح الذي توفره الولايات المتحدة، في حين ترتبط قوتها الاقتصادية بصندوق النقد الدولي. وسوف يستمر هذا الوضع في المستقبل المنظور.

{{الخلاصة}}

في هذه الشروط، ثمة شيء واحد يمكن القيام به لتقوية السيادة: تقوية الحلقة الاجتماعية. أي أن تواجه بشجاعة مشكلات الأكراد والأرمن والإسلاميين، وصولاً إلى حلها. والحال أن أساتذة الجامعات الذين خطبوا في المظاهرات، قد واصلوا سلوك النعامة الذي طالما اعتادت عليه تركيا منذ خمسة وسبعين عاماً، أي أنهم اكتفوا بالمطالبة بإخفاء جميع المشكلات تحت السجادة.

تريد أن تحل المشكلة الكردية بتتريك جميع الأكراد، ثم تنشر بياناً تعلن فيه من يرفض منهم ذلك “أعداء للجمهورية التركية إلى الأبد” (جاءت هذه الجملة، فعلاً، في بيان قيادة أركان الجيش، في السابع والعشرين من أبريل الماضي، في سياق (!) رفض العسكر لترشيح عبد الله غل رئيساً للجمهورية – المترجم -)؛ وتريد أن تحل المشكلة الأرمنية بالقول: “مع هطول الأمطار، جرفت السيول الهياكل العظمية، ولكن انظروا، ثمة في المغارة قطع فخارية تعود إلى الرومان” (تصريح ليوسف حلاج أوغلو، رئيس هيئة التاريخ الرسمي في تركيا، تعليقاً على اختفاء هياكل عظمية بشرية تم اكتشافها شرقي الأناضول، ويعتقد بأنها تعود إلى مقتلة العام 1915 التي تعرض لها الأرمن – المترجم -)؛ وتريد حل المشكلة الإسلامية بتحريم الخروج من البيت على المحجبات. في النتيجة، حل نفسك أيضاً والسلام. وبعد كل هذا تطالب بالاستقلال التام. هكذا إذن؟!

أما خطاب أساتذتنا الجامعيين “المعادي للإمبريالية” فهو أكثر سقماً وضرراً. سنتناوله في مقالة لاحقة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق