الاستقلال و ثورات التحرر و الحرية / الحبيب الجنحاني

– قال صاحبي : أحيا الشعب التونسي أول أمس ذكرى الاستقلال السابعة و الخمسين، و قد أذكت دون ريب في نفوس البقية الباقية من الجيل الذي أسهم في المعركة الأخيرة من معارك التحرر الوطني، معركة جانفي 1952، شعور النخوة و الاعتزاز، و لكن لا أدري : ما هي المعاني التي غمرت نفوس الأجيال التي ولدت، و شبت في دولة الاستقلال ؟

– قلت : هذه الذكرى الثالثة التي تعيشها البلاد بعد الحدث الأخير التاريخي الذي مرت به يوم الرابع عشر من جانفي 2011، و لم يشعر بها جل المواطنين إلا عبر اسم العطلة التي تمتعوا بها، و لا أدري ماذا يمكن أن نسمع من معلومات تاريخية عنها لو تم استجواب الشباب الذي قاد ثورة الحرية الأولى غداة الاستقلال، مبادرا إلى القول : إن ما حدث يوم الخميس الأسود في جانفي 1978، و في مطلع ثمانينات القرن الماضي، ثورة الخبز، و كذلك انتفاضة الحوض المنجمي 2008 يتنزل في ظرفية تاريخية أخرى مثلت إنذارا بعاصفة هوجاء ستهب يوما ما، إن لم يحدث تغيير جذري في المنوال التنموي، و مثل تجاهل ذلك عاملا حاسما من عوامل اشتعال انتفاضات “الربيع العربي”.

– قال صاحبي : أنت تعرف أنني أنتسب إلى جيل الاستقلال، و قذفت القلعة الاستعمارية بأكثر من حجر، من هنا تألمت لما أحيت الذكرى في المناسبات الثلاث الأخيرة بألوان باهتة، وأصوات مبحوحة، بل بلغ الأمر بالبعض قائلا : إن ذلك لم يحدث صدفة، إن هنالك خطة للتعتيم عن الحدث ؟

– قلت : سمعت هذا الكلام، و أنا لا أصدقه، إذ لا أستطيع أن أتخيل أن التفاهة يمكن أن تبلغ هذا الحد، فليس أخطر على أي نظام سياسي من توظيف التاريخ، أو محاولة تزييفه، فلو صدقت هذه الرواية التي سمعتها فإنها تعني محاولة غبية لإلغاء التاريخ الوطني، بل تنكرا لنضال أجيال من أبناء هذا الشعب من أجل استقلال البلاد، و حرية شعبها، لذا قلت لك : لا أصدق هذه الخرافة.

– قال صاحبي : اسمح لي أن أعلن هنا : إنني أميل إلى تصديقها خلافا لما تذهب إليه، فالتعتيم وراءه مخطط لطمس الدور البارز الذي قام به الزعيم بورقيبة في قيادة المعركة الحاسمة من معارك التحرر الوطني، و التي كللت بالاستقلال التام في 20 مارس 1956 ؟

– قلت :

أولا : عندما نمعن النظر في تاريخ الثورات، و تاريخ حركات التحرر الوطني نجد تنافسا على المكانة الأولى في قيادة الدولة غداة الانتصار، و لكنه تنافس بين من قادوا المعركة، أما من تتهمهم بمحاولة الطمس و التزييف فلا ناقة لهم، و لا جمل في معركة التحرر، و لا في مرحلة بناء الدولة الوطنية، حدث التنافس في تونس، و في الجزائر، و في مصر، و في كوبا، و في الثورة البلشفية، و الفرنسية، فهو صراع بين رفاق الدرب صححه التاريخ لاحقا.

ثانيا : من هو الساذج الذي لا يعرف أن نيل الاستقلال هو تتويج لنضال الشغب التونسي منذ أن حمل السلاح في وجه الجيش الاستعماري عم 1881، و ما تلا ذلك من مقاومة مسلحة، و معارك سياسية تزعمها زعماء أبطال من طينة علي باش حانبة، و الثعالبي، و محمد علي الحامي، و الحبيب بورقيبة.

ثالثا : الشعوب تغفر أخطاء زعمائها، و لكنها لا تقبل من يفتري عليهم، و يحاول المس بنضالهم، و هي واعية بالفرق الكبير بين الأقزام و العمالقة، فالقزم لا يتحول إلى عملاق مهما نفخ في صورته.

رابعا : للعمالقة أخطاء، و أحيانا أخطاء فادحة، و لكن بالرغم من ذلك لا يستطيع أحد أن ينكر دورهم الريادي في قيادة مراحل تاريخية حاسمة في تاريخ شعوبهم، و بورقيبة من هؤلاء، و اليوم يكتشف المواطن دوره من جديد.

هنا تسعفني الذاكرة بأبيات من قصيدة رثا بها الشاعر العربي الكبير الجواهري عبد الناصر :

أكبرت يومك أن يكون رثاء
الخالدون عهدتهم أحياء
لا يعصم المجد الرجال، و إنما
كان العظيم المجد و الأخطاء
تحصى عليه العاثرات و حسبه
ما كان من وثباته الإحصاء

عنن جريدة الشروق التونسية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق