الاعتراف الأخير لمالك بن الريب / محمد علي شمس الدين

يوسف الصائغ في سيرته الذاتية «الاعتراف الأخير لمالك بن الريب»: سيرة كهنوتية

الشاعر العراقي الراحل يوسف الصائغ، ترك لنا سيرة ذاتية لم تنشر في حياته، بل تولت دار الشروق في القاهرة نشرها بعد وفاته (عام 2008) بعنوان «الاعتراف الأخير لمالك بن الريب» مع تقديم مختصر لإبراهيم أصلان.
وطبعة دار الشروق كانت ستكون جميلة وجليلة، لولا عشرات الأخطاء التي انطوت عليها، سواء كان ذلك في التواء الكثير من العبارات، والأخطاء النحوية واللغوية، ولعل أحداً لم يدقق في النصوص او يصححها، بغياب كاتبها في ملكوت الله، والتدقيق والتصويب واجبان على ما نرى، في الطبعة الثانية لهذا الكتاب، لا في ما ينال جوهر الكتابة وموضوعية السيرة والسرد، بل في ما يتعلق بسلامة اللغة والتركيب…
ويوسف الصائغ الذي ولد في الموصل (العراق) ومات في دمشق، شاعر ورسام ومسرحي عراقي معدود ولعله كان من أوائل الشعراء العرب الذين استعملوا التراث العربي والأسطورة العربية، في بناء ورؤية القصيدة الحديثة، مقيماً بذلك توازناً مع شعراء عرب آخرين، استعملوا الأقنعة والأساطير اليونانية او الرومانية القديمة في شعرهم، تأثراً بما فعله بعض آباء ورواد الحداثة الشعرية في الغرب. فظهرت في اشعار بدر شاكر السيّاب على سبيل المثال، رموز مأخوذة من الأساطير الإغريقية القديمة، مثل عيون ميدوزا، وكلب الجحيم سربروس، وعوليس وبنلوب وما الى ذلك. إن يوسف الصائغ بادر الى استيحاء التراث العربي والأسطورة العربية واستعان برموز وأسماء من التاريخ العربي القديم او الحكاية التاريخية او الدينية لصنع قصيدة عربية معاصرة من خلال القناع والإسقاط وتداخل الأزمنة. وأشهر قصائده في هذا الباب قصيدة «اعترافات مالك بن الريب»، حيث يلبس الشاعر العراقي المعاصر شخص الشاعر العربي القديم مالك بن الريب، الذي قال قصيدة يائية يرثي فيها نفسه بعد ان لدغته افعى وهو في الصحراء، وأحس بسريان السم في جسده، فأخذ قلمه وكتب يائيته الحزينة المشهورة، التي يقول فيها مخاطباً صاحبي رحله وهما رفيقاه في السفر:
«خذاني فجراني بثوبي إليكما
وردّا على عيني فضل ردائي
وخطّا بأطراف الأسنة مضجعي
فقد كنت قبل اليوم صعباً قياديا…»
واختيار يوسف الصائغ لمالك بن الريب ليكون السارد الموازي له في سيرته الذاتية، يجعل من هذه السيرة جزءاً من سيرة شعرية، ذلك ان الشاعر يستعيد من خلال بعض محطات ا لسرد ومواقعه، نصوصاً شعرية متفرقة كان قد كتبها في مثل هذه المواقع والمحطات، فقدم مواءمات شعرية مع مواضع من السيرة. فهو يكتب، على سبيل المثال، لحظة ربيعية وأمسية هادئة ألقت به في احد شوارع بغداد العابقة بشذى قدّاح مبكر، وإذ تذوق عميقاً وحدته، فإنه تذرع بالشعر ليحن الى السجن الذي كان كفاه التشرد:
«لا شيء يا أحباب في وطني
سوى القدّاح أزهر مرة اخرى وغالبني الحنين:
ـ نسيت؟
ـ بل عُميَ الفؤاد إذا نسيتُ
بيتي هناك سكنته خمساً/ وغرّبت الرياح حُمِلتُ عنه/ أين يا وطني أبيتُ؟
مسّا المسا
قلبي غريب الدار في وطني/ طرقت ديار أهلي/ ما ارتضيت ُولا ارتضيتً…»
أي سيرة
ما يفاجئ في هذه السيرة ويمنحها خصوصيتها، هي انها ليست بالسيرة السياسية للشاعر، ولا بالسيرة الشطارية على غرار ما كتب المغربي محمد شكري في «الخبز الحافي»، ولا هي بالسيرة الأدبية على غرار ما كتب طه حسين في الأيام، او ما كتب أحمد أمين في «حياتي»… بل هي سيرة طقوس دينية مسيحية، وتكاد تكون كهنوتية، مع ما يكتنف ذلك من تعاليم وأسرار وكلمات وصلوات وأدعية، عاشها يوسف الصائغ، في كنف عائلة مسيحية في الموصل، حيث يلعب العم الكاهن الأمير دوراً في تأسيس وتشكيل حياة ورؤية الشاعر في صغره، كما تلعب سيرة والده الطقوسية دوراً آخر… ويكون الدير والكنيسة والمعتكف (الآزيل) وتراتيل المصلين وطقوس عيد الميلاد، والساعور جاذب حبل الجرس الكنسي، والذبيحة، والصلوات… كلها تشكل البئر الاولى العميقة لمياه طفولته.
والشاعر فنان في رسم صور الاشخاص الذين التقى بهم وأثروا في تربيته، وتركوا في ذاته بصمات عميقة. الأب، والأم، والعم الكاهن الذي يسميه الأمير، والعمة الحولاء التي لا يذكرها في موقع من مواقع السيرة، إلا ويقرن اسمها بصفتها «عمتي الحولاء»… ويذكر فلسفتها في الحياة، وتعاليمها له، ونتلمس على امتداد فصول حياة الصبي والفتى والكهل يوسف الصائغ، أثيراً كهنوتياً مسيحياً وطقوسياً يتنفس فيه، ويختزنه في لا وعيه، ويملي عليه العبارة والاشارة كما يملي عليه الأحلام.
ولعل استعارته لكلمة «الاعتراف» في قصيدته المشهورة «اعترافات مالك بن الريب»، وللكلمة نفسها في تسمية سيرته الذاتية «الاعتراف الأخير…» مصدره سر الاعتراف في المعتقد المسيحي، وطقوسه، وعلاقة الإنسان في ما هو جسد ونفس، وأهواء وخطايا، بسر الاعتراف لدى الكاهن.
يذوب كل شيء في هذا الاعتراف. ويبرز معنى الخطيئة والغفران، والجسد، والتبتل، جلياً في سيرة يوسف الصائغ.
إن الفصل الثاني عشر والأخير في السيرة، يشكل بمفرده، فصلاً مفرداً على سوية عالية من السرد والتشويق؟ والغوص في أسرار الجسد والنفس، والجمال والعذرية والخطيئة والتكفير، من خلال أسلوب روائي يمزج بين الواقع والمتخيل، حيث يقود الكاتب نصاً أخّاذاً ونادراً من نصوص السيرة، يبدأ بوصف عرس مجلجل وشعبي يقيمه والده لأخيه الأكبر، حيث يشارك في إعداد اليوم المشهود للعرس وجلوة العروس، الارملة العوراء «لولو» والعمة الحولاء، وصانعة الحلوى، وصانعو الشراب، وحيث تبرز فجأة في المشهد، «انثى سرية» يسميها «جميلة»… وأوصافها تظهر انها امرأة بين الواقع والحلم، بين الشهوة والصلاة، بين الجسد والروح… ويصف جميلة، او يتخيلها، لا احد يعلم الفرق بين الرؤية والمخيلة، على ضفة الغدير في احد بساتين الدير «وكانت قد خلعت ريشها وجناحيها وراحت تغتسل بماء العين البارد القلق. ولقد رأيتها دون إرادتي من موقع سَمْتِ رأسها، فبدت مكتنزة ولامعة مثل حيوان كبير أملس…».
وأوصاف «جميلة» تظهر انها واقع وفكرة معاً… بل هي مختلطة، وحكاية ورؤيا بمقدار ما هي حقيقية. وتستولي «جميلة» على الدير بإنشادها.. ثم ماذا؟
الضربة الأخيرة في مشهد جميلة ضربة صاعقة. إنها تخص الأخ قرياقوس في الدير.
ـ ماذا به؟
ـ مريض وأخذوه للمستشفى.
ـ هكذا إذن. ما مرضه؟
فتحوا أيديهم وأغمضوا عيونهم، ولكن الظهيرة جاءت فوزعت مع الأرغفة وشايات لها رائحة الدم، وقد بلغت الوشاية أمي، وأبي، وبلغت جميلة، فوضعت يدها على فمها والتمعت عيناها وقالت شيئاً لم افهمه.
ماذا فعل الأخ قرياقوس بنفسه؟
كان عليّ ان انتظر عدة سنوات لكي أدرك أن الأخ قرياقوس اخذ فأساً وأهوى به على رجولته فامتلأ الدير بالدم والنميمة».
عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق