الاغتصاب في الهند

جريمة اغتصاب جماعية أشعلت الهند مؤخراً بتظاهرات صاخبة ومصادمات مع الشرطة، وتعالي الأصوات المطالبة بإعدام الجناة. المؤرخ الفرنسي ميشال أنجو يفسر خلفيات ظاهرة تكاثر جرائم الاغتصاب في الهند، ويشرح التطورات الاجتماعية الجارية حالياً فيها، فضلا عن وضع النساء الهنديات (صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية 8 كانون الثاني 2013). هنا مقتطفات من هذا الحوار:

– لماذا كل هذه الثورة بسبب إغتصاب طالبة وقتلها؟

– جرائم الإغتصاب كثيرة في الهند للأسف، وقد يكون السؤال بالأحرى هو قدرة الهنود الهائلة، قبل ذلك، على تحمّل تفلت المغتصبين من العقاب. هناك وجهان للقضية: الأول هو جريمة الاغتصاب نفسها، ثم بعد ذلك ردة الفعل الشعبية القوية التي أعقبت واحدة منها.

المتظاهرون، المحتجون على تزايد الجريمة، طالبوا بردة فعل من قبل أجهزة الدولة. والحال ان الدولة في الهند كيان جديد. الهند قامت عام 1947، والبريطانيون هم الذين شرعوا في بناء الدولة الهندية في القرن التاسع عشر. والواقع انه في الهند التقليدية ليست سلطات الدولة هي التي تطبق العدالة في حال وقوع جريمة أو جنحة. في الريف، النظام والقانون هما من صلاحيات الطوائف والجماعات الأهلية والطبقات الخاصة (castes). هناك، لا أحد يطالب الدولة، الضعيفة الوجود أصلاً، إلا إذا فشلت الحلول أو الأحكام التقليدية. والحال ان ثلث الهنود فقط يعيشون في المدن، والباقي في الأرياف. جريمة الإغتصاب الأخيرة والتظاهرات الاحتجاجية عليها حصلا في نيودلهي، حيث المؤسسات التقليدية هي الأضعف. المتظاهرون طالبوا الدولة بتنفيذ القصاص بالمجرمين، لأن المجتمع، في نيودلهي على الأقل، لم يعد قادرا على حلّ هذا النوع من المشكلات. وعلينا الملاحظة من جانب آخر ان هذه التظاهرات جمعت نساء كثيرات ورجالاً كثيرين ايضاً.

– هذه الجريمة وردود الفعل عليها، هي إذن تعبير عن التغيرات الحاصلة في الهند؟

– “الحداثة” التي عرفتها الهند كان ممرها الطبيعي تحطيم العلاقات السابقة التي كانت تنظم العلاقات بين الناس، بما يسمح بالحدّ من الصراعات بينهم، أو في إيجاد حلول لها.

جريمة نيو دلهي تعبّر عن الإضطراب الشديد الذي أصاب الهند المتغيرة. انه يبرز التفكيك الاجتماعي الحاصل فيها جراء هجرة أهالي الريف إلى المدن الكبرى. أوروبا أيضا عرفت تطورا قاسياً من هذا النوع في القرن التاسع عشر. المجتمع الهندي يدفع غاليا ثمن التحضّر والتحديث القسريَين اللذين شهدهما في العقود الأخيرة (…).

يأتي الى هذه المدن قرويون، أحيانا هم الأفضل وأحيانا هم الأسوأ. هنا، ترتخي قبضة الرقابة التقليدية، ولا تستبدل برقابة الدولة. ما يجرّ الى عنف شديد يمارس على الجميع، رجالا ونساء، ولكن على النساء أكثر. الريف نفسه يعاني من هذه التغيرات، كما يدل ارتفاع نسبة الإنتحار وسط سكانه.

في حالة اغتصاب الطالبة في نيو دلهي، فان المجرمين كانوا ثمالى. وهذه اشارة اخرى الى التحولات الاجتماعية الحاصلة. فاستهلاك الكحول في الهند كان نادراً جداً في السابق.

– هذه القضية تبرز أيضا الوضع الصعب لنساء الهند….

– اولا، لا نستطيع التعميم، خصوصاً ان الهند بلد شاسع. أفضّلُ من ناحيتي التكلم عن الهند بصفة الجمع. ولكن مع ذلك يبدو ان دونية النساء، الموغلة في القدم، قد تصاعدت خلال القرن الماضي، خصوصا في الشمال.

ففيما هذه الدونية تجاه النساء مستمرة، يواجه الرجل الهندي مشكلة مع تصوره لذكوريته.

تاريخياً، المسلمون احتكروا صفة الذكورة في الخيال الشعبي بسبب قتالهم للاستعمار البريطاني. فالنخبة العسكرية وأمراء المهاراجا يعتبرهم القوميون، مثل جواهرلل نهرو، متعاونين مع الامبرطويرية البريطانية.

مكانة المرأة الهندية في الطبقات الخاصة الرفيعة مفارِقة للغاية: فخسارة الرجل لدوره كمحارب أفضى إلى إعادة تعريف موقع النساء؛ إعادة التعريف هذه ارتدت اشكالا مختلفة. ما أفضى، في نهاية القرن الثامن عشر، الى بروز ظاهرة “الساتي”، والتي تعني حرق االنساء حتى الموت بعد رحيل أزواجهن. في الأصل، تعود هذه الظاهرة الى ما يتبع الهزيمة العسكرية بوجه القوات المسلمة: النساء كن ينتحرن إثرها منعاً لوقوعهن في أيادي المنتصرين. وكنّ بذلك يعوّضن عن هزيمة رجالهن العسكرية. هذه الممارسة كانت سائدة وذات قيمة عالية في الطبقات الخاصة العسكرية.

ولكن، بموازاة ذلك، بعض نساء الطبقات الخاصة العليا كن يحتللن مواقع أزواجهن بعد مقتلهم في المعارك الحربية. تلك هي حالة لاشميباي، التي نسميها نحن الفرنسيين “جان دار الهند”، والتي ساهمت بالتمرد على البريطانيين عام 1857 واخذت مكان زوجها بعد وفاته.

مثل آخر: أنديرا غاندي، إبنة بطل الاستقلال جواهرلل نهرو، قادت حزب المؤتمر ومن بعده الهند كلها إثر وفاة والدها. وهي مثلها مثل العديد من القياديات السياسيات اللواتي قدن عددا كبيراً من الولايات الهندية. (…).

 

عن جريدة لوو فيغاروو الفرنسية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق