الامثولـة أعطيـت في الظلام / سمير عطا الله

في لحظات النزع، تذكر خطيب الثورة الفرنسية، ميرابو، امام طبيبه الدكتور جوليار، انه لم ينه قضية عمال المناجم، وعندما وصلنا الى لندن عام 1978 في المرحلة الاخيرة من هجرة الحرب، بقي في ذاكرتي حدث واحد من نشرات الاخبار الاولى: عمال المناجم يطالبون بزيادة رواتبهم: 28 جنيها في الاسبوع! وقد خطر لي يومها ان المهنة التي اقضت ميرابو، لعلها اكثر بؤساً من عبودية الدعارة، عتم وأقبية وخوف دائم من فركة حجر.

للمرة الثانية في فترة قصيرة، تبدو تشيلي، باحداثها، احرى بالكتابة من بؤس الشأن المحلي، 33 عامل منجم، يعيشون ملحمة بشرية بلا سابقة. و"ادنى" طبقة عمالية، تشغل دولة سوية – ومعها العالم – في عملية بحث ثم انقاذ عصيبة، موهلة، شاقة، ومدمرة للاعصاب. لكن العمال الغارقين في الرطوبة والظلام ومعانقة النهاية، كان لديهم أمل واحد: ان الرجال الذين فوق، من فئة الانسان وعائلة البشر، من طينة الرأفة والرفق لن يتخلوا عنهم.

ذهبت المرحلة التي كان فيها جنرال المفقودين، اوغوستو بينوشيه، يرمي الشبان من النوافذ، ويرسل الاحرار الى ساحات القتل الجماعي. الآن، في بلاد البشر، تتأهب الدولة برمتها لانقاذ 33 عاملاً فقيراً. اولئك العمال الذين كتب لهم بابلو نيرودا أجمل الشعر. واليهم وحدهم وجه سالفادور اليندي آخر الرسائل، وهو يصمد امام زحف القتلة في القصر الجمهوري، مثبتا ان شرف الرسالة في الموت لا في الاستسلام.

ثمة مؤهلات وتقاليد لا بَّد ان يرثها من يدخل قصر الحكم، عنوة أو شرعاً، أولها الشجاعة. حمل سليمان فرنجية شرف الجمهورية على كتفيه تحت القصف، من مكان الى مكان ولم يصغ الى دوي المدافع المطاردة، بل الى صوت اليمين التي أدَّاها. الى صوت الناس الذين استأمنوه سلامتهم وخيرهم وامنهم وبلدهم.

في 11 ايلول 1973 وجه سالفادور أليندي الرسالة الآتية: "من المؤكد ان هذه آخر مرة تتاح لي فيها فرصة التحدث اليكم. لقد قصفت القوات الجوية اذاعة بورتاليس وكرابوسيون. اتحدث اليكم بخيبة ولكن ليس بمرارة. لقد خان جنود تشيلي عهدهم. وعين الاميرال ميرينو نفسه قائداً للبحرية ولن انسى مندوزا، الجنرال الزاحف، الذي كان بالأمس فقط يبدي ولاءه واخلاصه للحكومة، وها هو يعلن انه اصبح قائداً. ازاء كل ذلك لا أجد الا شيئاً واحداً اقوله للعمال: لن استقيل. وفي هذا الموقف الصعب الذي يضعني فيه التاريخ، سأدفع حياتي ثمنا لولائي لشعبي". لا يترك التاريخ للشجعان خيارات كثيرة. اما الخلود، غالبا للامة ومثال لاحرارها، واما الاستسلام لاول خائن يقرع باب القصر. الحكم ليس شهوة، بل مسؤولية وامانة وشرف.

وخصوصا، هو خصوصاً، الوعي الدائم للمسؤولية حيال الذين منحوه حبهم وولاءهم. كان خيار أليندي سهلا: هو من ينتحر، لئلا يقع في يد الضابط الزاحف، ("المحتقر مندوزا") وهو من يدفع حياته ثمناً، وليس معاونوه ورفاقه.

تبدو تشيلي، في زمن أليندي الناصع والاخلاقي، ثم في زمن بينوشيه الحالك، المليء بالموت وظلمة الموت، والآن في عهد سيباستيان بينيرا، الذي ليس في اليسار العاثر ولا في اليمين القاهر، تبدو اليوم، وخصوصاً بعد الياذة المنجم، دولة الأمل في بلدان الصغار. دولة تنصرف خلال 69 يوماً الى شيء واحد: انقاذ 33 مسكيناً لم يستيطعوا العثور على مهنة فوق الارض، فراحوا يبحثون عن الرغيف في اعماقها.

كأنما الدرس الذي اعطاه الشعب التشيلياني، موجه على نحو خاص، الى بلد طاولة الحوار. أو هكذا، على الأقل، اتفقنا على تسميتها اكراماً للرئيس سليمان. فالذاهبون الى الحوار مدججون بروح الرفض، مجبولون بكره المساواة، يأنفون ثقافة الشركة الوطنية. فمن يريد العمران يرصف الحجارة فوق الجدران ليبني بها حصناً لا معزلاً. وانه لبلد سدود فاصلة تنمو كل يوم في كل مكان، بلد حرب دائمة وهدنات كاذبة. حرب بلا قرار، ودولة بلا قرار، ووطن بالف قرار. لقد كرست زيارة الرئيس محمود احمدي نجاد مجموعة حقائق معلنة. واذ لا يترك الاستاذ وليد جنبلاط سانحة الا ويعرب عن مخاوفه على المصير، ها هو هذه المرة يقول ان تحسن الحال مبني على تحسن العلاقة السعودية – الايرانية، قبله كان الرئيس نبيه بري يبلغنا ان التحسن رهن بالعلاقة السعودية – السورية. وأما الكتاب والمحللون فلا يكفون عن التشديد على أن الانفراج مرهون بحدوث اختراق ايجابي في العلاقة الايرانية – الاميركية ومسألة القنبلة النووية. وهناك طبعا المكملات الاخرى لخريطة "الساحة"، كالعلاقة السورية – الفرنسية، ووصول السفير الاميركي الى دمشق، والمفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية، التي هي في أي حال، مسخرة أخرى على الطريق الى ضياع فلسطين، من البحر الى النهر. أو بالعكس.

انتهى؟ طبعاً لا. هناك أيضاً المحكمة الدولية، كما اخبرنا الرئيس الايراني.

هل يعقل ان يحمل لبنان، بصرف النظر عن حجمه، مسؤولية كل هذه القضايا، التي يصدف ان لا قرار له فيها، واحيانا لا علاقة ايضا؟ ليس في الأمر من جديد. لقد كنا في الماضي نسمع اننا ساحة الحرب الباردة برمتها. وفي العام 1975 ارسلت لنا الولايات المتحدة سفيراً عائداً من سايغون فيما جاءنا قبله السفير السوفياتي من دائرة المخابرات وخبرة الحروب.

كان لياسر عرفات في السبعينات جملة شهيرة يرددها ولا يعنيها: "لا نريد بلقنة لبنان". فقد كانت الاشياء لا تزال تنسب آنذاك الى حروب البلقان، التي دمرت أوروبا الوسطى واقحمت جميع الامم. لكن النعت الرديء ما لبث ان صدىء وصار لا بَّد من وصف اعمق للخوف والرعب ومصائر الشعوب. وعندما قابلت في اوتاوا رئيس الوزراء وحامي وحدة كندا، بيار اليوت ترودون رأيته يقرع ركبته بعصبية ويقول حازماً: "لن نسمح بلبننة كندا".

منذ ذلك الوقت نسيت الناس مصطلح البلقنة، على رغم ما حدث في يوغوسلافيا، وساد سياسات العالم مصطلح جديد لحالات التردي الوطني في العالم: "اللبننة" والفارق بين دلالة المصطلحين، ان هذه بلقنة بلا نهاية وسدود بلا مخارج، تتناسل فيها الرداءات، وتنقرض فيها مشاعر الرحمة والتسامح والانصاف والتعفف عن سقط الخطاب.

69 يوماً وانا أقول في نفسي كيف يمكن ان يكون أمل لرجال عند 700 متر تحت الارض، ولا أمل اطلاقاً في الخروج من ظلام لبنان؟ هل وصل بنا الأمر ان نغبط عمال مناجم يعيشون على ملعقتي مياه وملعقتي تونا كل 48 ساعة، في صحراء اتاكاما؟ كان السَّر عند السنيور لويس اورسوا. لقد قال لرفاقه منذ اللحظة الاولى: إما ان نموت متفرقين، وإما ان نعيش معا. إما ان نتقاسم، بعدالة، الاوكسيجين وبقايا الطعام وما رشح من مياه من مكيفات الهواء، واما العتمة الابدية. اما التضامن وإما الذهاب من هنا الى عمق أبعد تحت الارض.

علقَّ السنيور اورسوا، بالاسبانية طبعا، كلمة صارت تافهة ومسحوقة بالاجترار في العربية: تضامن! قالها بمعنى الحياة والموت، لا في حديث اذاعي. ورفعها في صيغة نداء من أجل الحياة، لا في صيغة تهديد بالموت. وقال لهم، إن الذي ينتظركم في الضوء فوق، ليس فقط اطفالكم ونساؤكم وخلانكم، بل تشيلي التي، بسبب اوغوستو بينوشيه وبسبب ما وزع على النفوس من يأس وألم، لم تعد تسمح بفقدان مواطن واحد. حتى في انهيار منجم.

طوال ايام العتم والحرارة والجوع والخوف والحنين الى احضان الحياة والاحياء، كان السنيور لويس يقول لرفاقه، ان طريق الخلاص هو الشجاعة لا القوة. فهي لا تفيد شيئا في هذا الظلام. الذي يفيد، امران: الحكمة التي تعمل فوق في الضوء والشجاعة التي لا يتخلى عنها المتضامنون.

Solidaridad! كم تفقد من روعتها ومعانيها عندما نستخدمها بالعربية، حيث يزدهر التراشق بالصرامي العتيقة وجزم العمالة والخيانات. ومن أجل شيء من متعة الروح، القى العامل فيكتور زامورا على الرفاق الذين اطبقت عليهم أرض النحاس، شيئاً من قصائده، اليست هذه، بلاد نيرودا، وهذه لغته، ويمسح بها الملوحة عن السطح الاطلسي، ويعبر بلده الصغير في القطار العتيق ومن النافذة يرى شيئاً واحداً لا يتغير مع تبدل المشاهد: الخلاص.

 

بهجت جابر

غاب بهجت جابر، وحيداً وهادئاً. هكذا كان يأتي الى "النهار" طوال نصف قرن، وهكذا كان يخرج، وحتى هكذا كان يجلس على رصيف "الهورس شو"، كواحد من جيرانها ابناء رأس بيروت.

لذلك كان يمازحه زملاؤه بالميل الى الحرص والتوفير, وقد كان كذلك حقا. ولعلهم ينبغي ان يعرفوا الآن، ان بهجت جابر ترك، كل ما وفرَّه وحرص عليه، للايتام والبؤساء.

كان بهجت جابر يغطي "للنهار"، طوال ايام الاسبوع، اخبار الاردياء والمرتكبين: جريمة هنا واعتداء هناك وفضيحة هنا وهناك وانحرافات من كل نوع. وكان يدخل هذا الحمام ويخرج منه، كما يخرج عمود الضوء من الظلمة. وكان بهجت في أوساط الصحافة وفي اوساط المحاكم والقضاء والقضايا الصاخبة والقضايا العجيبة، موضوع وموضع تندر بالغلو في الخلق وفي الأدب.

مرت امامي مرة حادثة لا تنسى. كنت في زيارة القاضي الاستاذ سعيد ميرزا يوم كان مدعياً عاماً في جبل لبنان. ومرَّ بنا بهجت، فسلم على طريقته وبخفة حضوره، فاعطاه الاستاذ ميرزا ورقة اخذها ومشى. وبعدما ترك قال مضيفي: "وضعت له تلخيصاً عن قضية لانني لا أريد للصحافة ان تخطىء في عرض الموضوع، كم هو آدمي هذا الرجل".

لم افاجأ، وانما تنبهت، الى ان ثمة اجتماعاً بين عارفيه، على ما كان عليه، هذا الذي شهد على نصف قرن من المخالفات والانحرافات والفظائع، وظل شاهدا، لا يحكم ولا يحاكم ولا يطعن ولا يحيد، واضعاً بذلك الصحافة القضائية في مستوى التنزّه القضائي.

لو شاء، في مثل هذا الحقل من المهنة، لقطع العمر على حوافر الخيل، يثير الغبار ويمَّر صاخباً ويبني نفوذاً بل حتى يبني من حوله خوفاً اذا شاء لكنه قطع العمر طيباً وآدمياً وحصيناً. وعلى الطريق جمع كل ما جمع، للبؤساء".

 

عن جريدة النهار البيروتية 20/10/2010     

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق