الانبثاق دون أصل

{{(وعدت نفسي وعدا قاطعا بأن أكون جديرا بفنّ الرسم، طاهرا من جميع الأدران طوال حياتي، محترما الفنّ حتّى مماتي)

عمّار فرحات

(ليس هناك أكثر إصابة بالعمى من هؤلاء الذين لا يريدون أن يروا)

جوناثان سويفت}}

أنا، السيّد نصر سامي، أحمل في نفسي نقائض الدّنيا كلّها. أنا اللّيل وأنا النّهار. ولا يعجبني هذا الحال. أقول لكم شيئا ربّما لن يعجب الكثيرين. لست سعيدا بكتابة الشّعر. الشّعر ليس غير قبر، أنا مجبر على فتحه عديد المرّات في اليوم الواحد. وعلى تصوّر نفسي الجثة المدوّدة من الدّاخل. لست أكره شيئا أكثر من الشّعر، ولست أيضا، ويا للمفارقة، أحبّ شيئا غيره.

لديّ الآن شجرة قول مسكونة بالنبوءات والحكم تحمل عنّي عبء الإنسانية. أوراقها الخضر ينابيع محبّة، وأوراقها الصّفر سماء تنطلق فيها شجيرات الأزليّة بحثا عن الضّوء. ولديّ نجوم… كلّ هذا كامن في الأبجديّة التّي تنام تحت أصابعي كقطعة من الطّين الحيّ.

أركض وخلفي عربة الأساطير والأحلام كبراق ضالّ. أغطّس اسفنجتي لأمتصّ اللّيل والأحزان والفجائع. وأملأ كؤوس الهمّ كأسا كأسا، وأنظر إليها نظرة اليائس. لو كان باستطاعتي نسيانها، لو كان باستطاعتي كسرها. لكنّها كؤوس رائعة، أبديّات من الصّحو الجميل تخيّم عندها شبابيك اللّيل بشرفاته المغلقة.

أتقدّم في شكل هبّة ضوء فجئيّ، في شكل صرخة مبطّنة بالدمّ، في شكل فرحة اغتصبها الوقت وملأ نواحها الغابات. أتقدّم كريح. تلك حقيقتي، ليس الضّوء حقيقتي. وليست تلك الكائنات النّاعمة: الفراشات والطيور والنّسائم العليلة والعطر حقيقتي. الموت حقيقتي، والحياة ليست غير قناع زائف. العطش حقيقتي، والارتواء هو القناع. الكره حقيقتي، وليس الحبّ غير قناع زائف. مللت الاجتماعيّات القذرة. الصّدق والطّهارة، البراءة، كلّها كلمات أقنعة. يختفي وراءها جوهر الوجود: القسوة والإلغاء والإماتة واللّون الأسود العظيم بأجنحته النّهارية.

أعرف الكثير، وأتذكّر الكثير، وأرى. بهذا أخترق الزّمان والمكان. أطلّ على الرّيح في لحظة الخلق. أطلّ على الطّين وهو يُرمى بنبل التفسّخ والكون. أكوّن وأعيد التّكوين، أرى النّهر في صيحة امرأة تمرّ من الزّقاق. أرى الماء في صخرة يابسة. استطيع اختراق الضّياء لألمس فضّة الظّلمات وذهبها الصّامت العميق. أصير سماء، وأنا داخل حجرتي. الحجرة نفسها تصير قارة. أمّا الشّارع البارد الحزين المبلّل بمطر اليأس واللاّمبالاة والقسوة فيصبح ريشة أسقطها الطّائر من جناحيه وهو يخبطهما بعنف ليصعد الجبل.

ليست الكتابة صعبة. الهدم هو الصّعب. ليس الضّوء هو الصّعب. الظّلمة هي الأصعب. ليس الصّدق صعبا. الكذب هو الفعل الأكثر صعوبة في هذا العالم. أن تكون مظلما وقادرا على تحطيم أسطورة الظّلام. أن تكون ليليّا وقادرا على تحييد اللّيل وجعله كائنا هشّا وناعما وقابلا للزّوال. أن تكون صهارة دكنات وشفافا إلى حدّ التحوّل إلى روح. أن تكون غامضا ويراك الجميع وأنت تغربل ضوء هذا العالم السّكران. أن تكون كذلك فهذا ليس صعبا. الأصعب هو أن تهدم باستمرار، أن تعصف باستمرار، أن تجعل الرّيح غاية لا وسيلة، والإمطار غاية لا فصلا، والشّعر إنقاذا أو إغراقا أبديّا، وليس قارب نوح. أن تكون سمّا، لا أفعى. إحياء أو إماتة، لا ماء أو ثلجا أو ندى.

الأبديّة تتثاءب على الرّمال. تسرّح شعرها بيدها الإلكترونية، وتضغط على الرّيموت كنترول لتسمع الأخبار. شعرها مختلف ولكنّه فاتن ورسوليّ. ويداها مختلفتان ولكنّهما فيوض محبّة دافقة وينابيع ألفات غضّة. تتثاءب وهي تنزع طاقم أسنانها. تعيد تركيبه ثانية. تتذكّر أنّه كان لها منذ قرون بعيدة أسنان طبيعيّة. تهطل غيمة الحزن على وجهها. تتذكّر تلك الغيمة التّي كانت تهطل على وجهها عندما كانت طفلة. تتكثّف الغيمة أمام وجهها. وتبدأ في التبخّر حاملة معها الماضي بشجيراته الصّغيرة ومراكب الورق المبلّلة بمياه الشّوق وأقواس قزح وأصابع الشّوكولا الذّائبة. هذه المرأة بجمالها ومياهها الميّتة المعلّقة عاليا فوق الأبراج، هذه المرأة التي لا تزال منذ آلاف السّنوات تفرّق الأنوار وتفرّق الحظوظ، هذه المرأة السّاكنة كأفعى في منبع الحياة، لا أستطيع الإقرار بحبّها ولا بكرهها، أبدو مذهولا أمام قدرتها على التّظاهر بالجدّة وعلى الوقوف أمام الضّوء والظلام بقامة الشّجر العالي.

أتمسّك بالشّعر الآن. أتمسّك به كخيار حياة، كعشبة خلود. أقول الآن ولا أعرف كيف يكون الأمر في الغد. أكتب بالطّريقة نفسها التي تولّد بها الشّجرة تفّاحها أو زيتونها. بالطريقة نفسها التّي تستقطر بها الأعالي ضوءها وظلامها. وليس مهمّا مصير الثّمر ولا مصير الضّوء، وهو غالبا الهباء، المهمّ أنّ فاعليتي تتطور باستمرار، فتكسر وتغيّر وتشير وتختلف. وتؤسّس فيما هي تنقال خصائصها:

1) السّردية، وليس الحبكة، هي إحدى الخصائص الكبرى لهذا النصّ الذّي أكتبه.

2) ليس قارئ هذا النصّ سجين حدث دراميّ متطوّر داخل عمارة السّرد العالية. إنّه بالكاد كائن يرى ويراقب ما يحدث. بإمكانه التوقّف والعودة متى شاء. فليس هناك فيما يقال ما ينسيه روحه. لا يوتّر هذا النصّ، ولا يريح. لا يضحك، ولا يبكي. لا يدفعك إلى شيء محدّد. لا يستهلك قدرتك على الفعل ولا يستجدي أحاسيسك. يتقدّم كإمكان، كبرق ضالّ ببساطة وعمق.

3) إثارة القدرة على الفعل في القارئ، تلك غايته.

4) دفع القارئ إلى اتّخاذ قرارات، غاية أخرى.

5) تصوير العالم عقليّا لا عاطفيّا، غاية أخرى.

6) الانطلاق من درجة من الغموض للوصول إلى درجة من الغموض أعلى فأكثر علوّا. فالوضوح لم ينفع العالم. والتفكير بطريقة تجعل الشّعر معلّما للإنسانية مثلما كان. فالشّاعر كالعالم معنيّ أيضا بتحسين مصير الإنسان على وجه الأرض.

7) إذا كانت نتيجة النصّ نقاشا وجدلا وحجاجا فهذه غاية لا بأس بها أيضا.

8) دفع الوعي إلى أقصى حالات التيقّظ وتفادي إثارة الغرائز بطريقة مباشرة.

9) الكفّ عن إيهام القارئ بأنّه طرف في مأساة ما، وجعله خارج الحالة، بعيدا عن الحدث، ودارسا إذا شاء.

10) ليس الإنسان شيئا ثابتا، ليس موضوعا محدودا، الإنسان في هذا النصّ كائن خاضع للتفسير والمناقشة والبحث. طين قابل للتغيير والتّحويل. وليس طير خرافة، ولا فكرة مطلقة، أو مفهوما متعاليا. داخل النصّ يكتشف هذه القدرة على التجدّد.إذا لم يعطه النصّ هذا الشّعور فعليه أن يقلق بجدّية، وأن يتساءل، وأن يفكّر بعمق.

11) لا يبدو هذا النصّ معنيّا بالنّهايات. المهمّ هو المسار. المهمّ هو الحدث نفسه. ليس المصبّ هو الهدف. الهدف هو الطّريق.

12) ينهض كلّ مقطع من النصّ لقيطا، مليئا بالعار دون ترابط. الرابطة العائلية لا قيمة لها. ليست المقاطع إخوة من أب واحد. تستحقّ الرّجم تلك هي الحقيقة. لا توالد في هذا النصّ. بل الانبثاق دون أصل، الإشراق دون زيت، الإسراء دون براق.

13) للحدث في هذا النصّ بناء غريب. نموّه لا يعرف الخطوط المتصاعدة. ولا يؤمن بالترابط. أحيانا يعتمد القطع، وأحيانا المونتاج، وأحيانا البنى الهندسيّة. هل لا يكون الحدث حدثا إلاّ إذا كان في خطّ تصاعدي؟ لا يؤمن بالحتمية هذا النصّ ولا منطق له. القفز أو الرّكض أو اللّعب هو أحد أهدافه.

14) السّيرورة في كلّ شيء، وليس الثّبات، جوهر رؤية هذا النصّ للإنسان.

15) ليس الشّاعر المفكّر شيئا في حساب النصّ. فالأشياء لا تتحدّد عبر الفكر. الوجود الفكري الرّاهن، والوجود الاجتماعي، والوجود الاقتصادي… كلّ هذا يحدّد بعض طبائع هذا النصّ، ويقرّر بعض توجّهاته.

16) ليس لهذا النصّ أن يدّعي شيئا. بإمكانه فقط أن يسخر من قارّة الأحاسيس ومن شموع اللّهفة والشّوق ومن ورود سان فالنتان وقصائد نزار قبّاني وأن يخاطب الوعي والعقل دون تقدير كبير لهذين التّافهين الحقيرين.

17) يريد هذا النصّ من القارئ أن لا يصدّق حرفا واحدا ممّا يقال، أن يحافظ على الشكّ والحيرة والارتياب، وأن لا يندمج، وأن يكفّ عن ممارسة دور الحبيبة المغفّلة والزوجة المخدوعة. يريده أن يقرأ بسخرية واستهزاء، وأن يحافظ على مسافة. إذا كان الاحتراق حقيقيّا فليكن بلطف. إذا استطاع هذا القارئ أن يكون ممثّلا فليمثّله، أو راقصا فليرقصه، أو موسيقيّا فليغنّه… إن لم يتمكّن من فعل شيء كهذا فهو “عليل المزاج ليس له علاج”. وإذا استطاع فلا يجب أن يغفل على الحقيقة التّالية: هذا النصّ كتب دون غاية، فكيف تطلب له غاية؟ هذا النصّ كتب دون اندماج، فكيف يطلب له اندماج؟ هذا النصّ كتب في الظلام، فكيف يطلب له النّور؟ رواية هذا النصّ دون تأثّر مبالغ فيه هي غاية أخرى.

18) ليس هذا النصّ نصّا واقعيّا وإن شعر القارئ بلزوجة الدمّ وهو يلمس الجمل. ليس واقعيّا وإن بدا المكان مألوفا. ليس واقعيّا وإن وجدتم طاولة للجلوس ومدرّجا للصّعود وسريرا للنّوم.

19) هذا النصّ يتنزّل في أفق موسيقي عذب، متجانس، وخاضع للتكثيف، لكنّه لا يعمّق حالة القارئ الشّعورية ولا يسعى إلى جعله قارئا مطيعا ليّنا. الكسر والفزع والسّخرية وتعطيل الألفة ومنع الاندماج والمساعدة على التحفّز والتيقّظ… هي بعض الغايات التي يريدها هذا النصّ.

20) “الشّعر هو أن تحلم النّفس بكلّ شيء”. يبدو هذا الكلام هدفا تافها حقّا. كيف مرّت علينا عقود طويلة ونحن نصدّق مثل هذا التّعريفات الحقيرة للشّعر؟ كيف قبلنا بتسليم مخز هذا الإرهاب الفكريّ النّاعم؟ كيف اعتدنا هذا الفصل الغريب بين أجسادنا وعقولنا؟ نسخر من هذه التّعريفات. ونتمسّك بالحلم كفاعليّة متحرّكة هدفها تثوير الواقع وتغييره. أليس الحلم نفسه منتجا واقعيّا؟

بهذه النّقاط أنتقل بالنصّ من الموضوع إلى الحالة. من الإنسان إلى الطّينة المبلّلة بحليب اللّيل وسحاب الألفة. من التّسمية إلى خلع الاسم والطّواف في الشّبيه والمماثل والسّميّ.

لا أفكّر في فكرة محدّدة. المشروع هو التّسمية الصحيحة لما أحاول أن أشير إليه. وهذه العتبات ليست إلاّ محاولة لفتح نقد النصّ الشّعري على النصّ الثّقافي بشكل عام. ليس النصّ الشّعري كائنا معزولا في أدبيّته، وإن كانت شرطا لوجوده. ليس أبدا جزيرة معزولة في قارة شعريّته الخاصّة. النصّ الشّعريّ هو هذا الكائن المتعدّد المنفتح على الفنون كلّها والخارج من رماده باستمرار.

تتتابع نصوص هذا الكتاب زمنيّا لتنشئ حالة العاشق المخلص للفنّ التّي كنتها دائما. تلك الحالة التّي هي الخيط العميق الذّي يربط أعمالي كلّها. ما من أحد مهمّ، ما من مكان، ما من شكل. الإخلاص للفنّ والإيمان التّام بأنّني أُشكّل من جديد في كلّ كتاب. وأُخلق من جديد في كلّ صورة. وأتخلّى بشكل تدريجي عن عالمي القديم.

هذه هي بعض الحالات التّي أحبّ أن تلازم القارئ. ليس ما أريده تصديقا، لا.. أريد فاعليّة، أريد تشوّفا وسؤالا وبحثا ومحاولة إكمال.

قراءة هذا النصّ تتطلّب العودة إلى كتب المؤلّف الأخرى بالقراءة والنّقد والمراجعة، وإلى أعمال جيله من الشّعراء الذّين تميّزت إصداراتهم وتواترت.

القراءة مع (…) وبـ (…) وفي (…) تمكّن القارئ من التقاط فضّة الصّدى وذهب الالتماعات البرقيّة الخاطفة. وتوضّح العمق الذّي تتحرّك فيه هذه التّجارب. وتبرز الاختلاف. وتلتقط مظاهر الحساسية المفارقة للسّائد في ليل هذا النصّ المصهود بنار الخلق.

“هذا الكتاب” ليس غير بداية. ليس قمرا، بل ضوء.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق