الانتحار، وظاهرة الضحية في عالمنا العربي “جدلية الأنا والأنا الأعلى” (2/1)

 
تمهيد لتقديم المفهوم:

الانتحار هو قتل للذّات، ولكن هو في الوقت ذاته يمثّل مشكلة عامّة، فهو بذلك عمل أنانيّ غريب، أنانيّ لأنّه يسيء لأهل الضحيّة، من كونه يمثّل عملاً انتقاميّاً موجّهاً ضدّ العائلة أولاً وضدّ المجتمع ثانيا، بعيداً عن كونه يتعدّى الاحتقار للحياة وللأحباب… فهو لذلك موصوف بالعمل المشين اجتماعياً، أمّا الأمر الذي يؤكّده الفرد الذي يقدم على الانتحار أنّه: ليس إلاّ أنّه الوحيد المعني بحياتي، أمّا الآخر فهو خارج الحسبان. كما أنّ هذا القتل للذّات لا بدّ أن يتأسّس على أرضيّة اكتئابيّة حكماً. وذلك من كونه يحصل انخفاضا في تقدير الذّات عند الشّخص المنتحر لفترة من الزّمن، نتيجة اختلال العلاقة بموضوع الحبّ والأمان، فكلّما طال هذا الاختلال، يتمّ استهلاك طاقة الأنا ليقع الشّخص فريسة الإحباط، ومن ثم الاكتئاب. وبذلك فإنّ فَقد تحقيق الحياة من خلال تقدير الذات، والأمن النّفسي البعيد عن الإحباط، ينقلب إلى الصّراع بين الرّغبة ونقيضها، ممّا يستوجب النّكوص للحالة العدميّة “الموت” وبذلك يحصل الانتحار الذي يكون ممثل “لسلوك مازوشي”، حيث الأنا في الآخر تكون قد انسحبت منها الطاقة الانفعاليّة، المتّصلة بالموضوع العاطفي الخارجي. وبذلك يستطيع “الأنا” حينها أن يشنّ العداء ضدّ نفسه، فيعاملها كموضوع خارجي، إشباعاً لمازوشيّته، من أنّه يستطيع أن يبرّر عدوانه على الموضوع، ويخفّ لديه الشّعور بالإثم من جرّاء دفعاته العدوانيّة هذه… 

1- الانتحار كمعطى نفسي لظاهرة تتكرّر:

 لمّا كان الاكتئاب هو ردّ فعل دفاعي ضدّ حالة فقدان تقدير الذّات، وتعبيراً عن حالة متفاقمة لجراح نرجسيّة في نموّ الأنا، وحيث يعدّ فقدان تحقيق رغبات الحياة والأمن، وتقدير الذات المطلوب 

ظرفا ممهّدا للشّخص المكتئب لينقلب إلى حالة مهاجمة، تستوجب هذه الحالة في الوقت نفسه دفاعات أخرى، التي من أهمّها النّكوص والاستدخال والتّطابق، وصراع بين الرّغبة ونقيضها، الذي يميّز الوجود البشري، سواءً على مستوى الفرد والمجتمع، إذ يغدو التثبّت / التثبّت على مرحلة عمريّة أو على عَرَض / دفعة خادعة ضدّ الاكتئاب. وهذا ما نجده عادة عند الوسواسيين بدرجات مرتفعة، للتّعبير عن “ميكانيزم” لاشعوري، هدفه التخلّص من الحياة، كما أنّنا قد نجد أحياناً محاولات انتحار، تنطوي على طابع استعطافي أو إكراهي، تكون بمثابة محاولات لخدمة الأنا، واستجابة للرضوخ للأنا العليا، من خلال استعطافها للكفّ عن العقاب. “مصطفى زيور ” يقول: الاكتئابي بعذابه الأليم، يحاول أن يظل مرتبطا بموضوعه، كما يحاول أن يطلب الغفران والشّفقة، فلعلّه أن يرضى، عذبني، طهرني من أنني جدير بحبّك، إذ مثل هذا الشّخص يرى: أنّه يحمل كلّ آثام العالم، وأنّه يحتقر كلّ النّاس، ومن ثم فهو يحتقر ذاته، ليصبح لسان حاله يردّد: العدل أن أموت وتسلم الذات نفسها للموت، بسلوك هدّام للذات واتهامها بالتّقصير وعدم الأحقيّة بالحياة ، وكأنّه يطلب الموت وكأنّه راحة وخلاص: يا ليتني أموت لأستريح، وفقاً لما يؤكّده “فنيخل”: يموت الشّخص أو يموّت نفسه، لأنّ هذا الأمر قد ارتبط بآخاييل لاذة عنده مليئة بالأمل، ليست لتدميره بل لأهداف ليبيدية” أهداف متّصلة بالرّغبة الجنسيّة”، هذه الأهداف تصبح مرتبطة بأفكار تتمخّض عن تدمير الذات، وتعبّر عن ديناميّة الرّغبة في الموت والانتحار.

من ذلك لابدّ من الإشارة أنّ نزوة تدمير الذات، تنشأ من خلال العدوانيّة المكفوفة، التي يمكن أن تغدو ضارّة للغاية بالصحّة ومسبّبة للمرض، ليصبح كلّ شيء يجري عند الشّخص المكتئب، كما لو أنّه مكروه لفعل أي أمر، كيلا يستسلم لنزوعه إلى الهدم الذاتي، فنجده يلجأ لتدمير نفسه، حتّى لا يدمّر النّاس من حوله. وبذلك يكون الحال أنّه كلّما يزيد إحجام الشّخص، عن العدوانية تجاه الآخرين، كلما يصبح ضميره أكثر تشدّداً وحساسيّة، لتصبح بذلك المازوشيّة الأخلاقيّة الدّليل على وجود التحام غريزي، وبذلك تكمن خطورتها في أصلها الذي يرجع إلى نزوة الموت، ويمثل ذلك الجزء منها الذي أفلت من الانحراف نحو العالم الخارجي، في شكل نزوة تدمير ذاتيّة.

أمّا الأنا الأعلى الذي احتفظ بالسّمات الجوهريّة للوالدين، اللذين اجتافهما / تمثلهما/ أو امتصّهما عن طريق الإسقاط إلى داخل الأنا، من كونه احتفظ بسلطتهما وقسوتهما، وميلهما إلى المراقبة وإنزال العقاب، إذ من الممكن نتيجة ذلك أن تشتد هذه القسوة خلال تفكك النزوات، الذي يتمّ في وقت واحد مع هذا الاندماج في الأنا. ووفقاً للفهم النفسي التحليلي، فإنّ فكرة نزوة الموت تحمل مفهوماً جديداً، من أنّها تجعل النّزعة إلى التّدمير، كما يتبدّى في السّادو-مازوشية على سبيل المثال، لترتبط كل رغبة عنده سواء أكانت عدوانيّة، أم جنسيّة برغبة الموت، باعتبارها تكون أقصى ما هو نزوي. رغم أن أساس نزوة الموت توجد باستقلال عن النزوة الشهويّة. 

وهنا يستدعينا الوقوف لتفسير الفعل الانتحاري، بغية فهمه وإرجاعه للأصل، إذ نجد وحسب دراسات حول ذلك أن هذا الفعل هو فعل مركب، بحيث تحكمه رغبات ثلاث وفقاً لكارل منجر 1938م، وهذه الرّغبات هي:

1-رغبة في أن أَقتل: to kill 

2-أن أُقتل: to bekill

3-أن أموت: to die

فرغبة أن أقتل هي رغبة داخليّة ناجمة عن نزعة مازوشيّة، واستمتاع بالخضوع والانهزام والتلذّذ بمعاناة الألم نتيجة فقد مشاعر الإثم، وما يتبعها من توبيخ واتهام الذّات يكشفان عن حاجة ملحة إلى العقاب، وبالتالي نجد أن الصّراع بين الأنا، والأنا الأعلى هو دائماً المحرّك، فمثلاً لسان حال المنتحر، يقول: إنّ أحبّ موضوع تسبّب في كلّ آلامه، وتخلت عنه أناه العليا بإمداداتها، فلم يعد هناك من تعذيب، إنّني مذنب والعدل أن أموت وتسلم الذّات نفسها للموت، من خلال الشّعور بالذّنب الذي يعزّز مواقعه، عن طريق تحويل الأنا الأعلى إلى طاقة، ويكون هذا الشّعور تعبيرا عن صراع الازدواجيّة الأبدي بين الأيروس ونزوة التّدمير. يحصل ذلك بتمثل الموت داخلياً من خلال العدوانيّة، ويتمّ تأسيس الأنا الأعلى، في أن يستبعد خاصيّة العدوانيّة هذه، التي من المفروض أن توجّه نحو الخارج ضمن وظائف الأنا الأعلى، ليوجد الضّمير الأخلاقي، الذي بفضله سيشدّد الأنا الأعلى رقابته على الأنا، ويكشف عمّا يكنّه له من قسوة صارمة، وبذلك يدلّل الأنا الأعلى بصفته ضميراً أخلاقياً تجاه الأنا، على النّفس العدوانيّة المتشدّدة، التي كان سيحلو للأنا إشباعها ضدّ أفراد غرباء، فينشأ توتر خطير بين الأنا الأعلى المحاسب، وبين الأنا الذي أخضعه لأمرته، ويتجسّد ذلك في شكل شعور بالذنب يتسم بالعصاب الوسواسي. هذا الشّعور ينشأ من حالة بدائيّة مؤسّسة للمجتمع الإنساني، المتمثل في المشاعر تجاه المحارم والممنوع الوالدي، والطاعة المرجأة للأب المهيب للنظام، ولمّا كانت العدوانية ضد الأب تعاود الاضرام، من خلال الشّعور بالذنب، فيكون هذا الشّعور تعبيرا عن صراع مزدوج متمثل “بعقدة أوديب”، إذ يؤسّس الضّمير أوّلا شعورا بالذنب، حين تنزع الجماعة البشريّة إلى التوسّع، ويبقى هذا الصراع قائماً من خلال تلبسه أشكال مرتهنة بالماضي… من هنا نصل إلى كون الانتحار كنتيجة لصراع الأنا والأنا العليا، هو الباعث والمحرّض على دفاعات لمغالبة شعور الذنب، وسلوك هدم الذات واتهامها. حيث أن “الأنا” يعيش شعوراً من البؤس، وانهياراً لتقدير الذات، عندما لم يعد المحبوب يفي بمتطلبات الذات.

وبذلك إن مآساة الاكتئابي تبلغ ذروتها عندما يشتد به العذاب، وتصبح الحياة لديه أزمة كراهية لا تحتمل، حيث يتصدع معها الكيان الشخصي، ويصبح اليأس من ربط الحب بموضوعه، فلا يرى خلاصاً إلاّ في خبرة الموت لموضوعه المستدمج ولذاته معاً.

 ولمّا كان حبُّ الاكتئابي لموضوعه هو حب غير شرعي، من هنا يضطرب إدراك الأنا العاجز، عن التنازل عن موضوعه إرضاءً للواقع، وتخطيه إلى عالم الموضوعات السوّية البديلة، وذلك نظراً للعلاقة وحدوديّة الموضوع، في إطار النرجسيّة التي تعقد الصورة… فالموضوع المحبوب لا يتيح لموضوعات الغير المشاركة في هذا الحب. كما أنّه في الوقت نفسه يمثل استحواذه، تخطياً لحدود الواقع والأنا العليا… ويكون الاكتئاب هنا تعبيرا عن اختلال للعلاقة بالموضوع الأساس / حب الأم / حيث يكون العرض الأساسي للاكتئاب متمثلاً بانخفاض تقدير الذات، ففي الحالات التي يطول فيها الحرمان، يتمّ استهلاك طاقة الأنا، ويفشل في إنكار حالة القلق لفقدان أو غياب الموضوع وبالتّالي يقع فريسة الاكتئاب… 

فنيخل” عالم النفس التحليلي الشهير، يقول في تفسير الاكتئاب: إنّ الأنا ترى نفسها، وقد تخلت الأنا العليا عنها، ومن ثم تسلم نفسها للموت، الرّغبة في الحياة تعني بوضوح الشعور، بقدر من قيمة الذات، بمساندة قوى الحماية “للأنا العليا”، فإذا ما اختفى هذا الشعور، فإن الانمحاق للطفل الجائع المهجور يظهر من جديد، لكن “فرويد” يؤكد أهميّة الوجهة النرجسيّة / أي اضطراب الشخصيّة النرجسي / كشرط ضروري سابق للاكتئابات، فبدون هذه الوجهة النرجسية، فإنّ النكوص من حبّ الموضوع إلى التطابق، لا يحدث بهذه الشدّة، لذا نجد قبل تفجّر المرض أن النرجسيّة، قد تترجم عن نفسها في نمط انتقاء الموضوع، وفي الطبيعة العاطفيّة الاستقباليّة والمتناقضة للحب عند المريض (386،387، فنيخل ) 

كما تكشف لنا المازوشية عن وجود ميل إلى تدمير الذات، من كون الأنا يحتوي جميع النزوات الغريزية، ومن ذلك نصل لكون المازوشية أقدم من السادية، السّادية التي هي نزوة الهدم، المتجهة للخارج، التي ليس لها طابعاً عدوانياً على الذات.

 أما في حال عيش السّوداويّة “melancalie” في الأنا الأعلى، ذي البأس الشّديد والمهمين على الوعي، فنجد الأنا الأعلى يثور ضدّ الأنا في غضب لا يعرف الرحمة، وكأنه استحوذ على مجمل النزوع السادي الموجود في الشخص، هذا يعني أنّ الجزء الهدام في النزوة، قد استحكم في الأنا الأعلى، وأخذ يتجه ضد الأنا. أي بقدر ما يصبح الإنسان أقل عدوانيّة بالنسبة إلى الخارج، يصبح عدوانياً في أناه المثاليّة، يبدو ذلك كأنّه إبدال أي تحول ضد أنا الشّخص نفسه، حيث أن عمل الأنا تكون حصيلته تحرير نزوات العدوان، في الأنا الأعلى في صراعه ضد “اللبيدو”، و ضد أي خطر أن يتحول هو ذاته إلى موضوع للعدوان والانهزام، فالآلام التي يعانيها الأنا من واقع عدوان الأنا الأعلى عليه، يمكنها أن تؤدي أحياناً إلى الموت. 

ممّا تقدّم نصل لكون الانتحار هو سلوك سادي يظهر لدى السوادويين، من خلال تجريد الأنا من اللبيدو النرجسي، في هذه الحالة يعاش حب الأنا في الآخر، حيث في حال انسحبت الطاقة الانفعاليّة /اللبيدو/ المتّصلة بالموضوع الخارجي، فيصبح هذا الشّخص يعامل نفسه كموضوع خارجي، وبذلك يستطيع أن يشنّ ضد نفسه العداء المرتبط بالموضوع. و إشباع مازوشيته، يبرر له عدوانه على الموضوع، ويخف لديه الشعور بالإثم من جراء دفعاته العدوانية، من خلال انتحارات جزئية، متمثلة بأفعال تدمير الذات، من مثل الجراح التي تؤذي البدن، وضرب الرأس بالحائط، وأفعال أشدّ سوءاً كمحاولات انتحاريّة غير مكتملة، وتعاطي المخدرات… إلى سلوك الهجرة الذي هو بمثابة موت معنوي للصّلة مع الموضوع العاطفي الأصيل / الأم والأرض /…

إنّ قسماً من نزوة الهدم هذا في داخل الشّخص، وتبعاً للفهم النّفسي التّحليلي، تحمل مفهوما جديداً، فهي تجعل من النّزعة إلى التدمير، كما يتبدى في السادو-مازوشية على سبيل المثال، ترتبط بكلّ رغبة سواء أكانت عدوانيّة أم جنسيّة، برغبة الموت باعتبارها تصل إلى أقصى ما هو نزوي، ولما كانت نزوة الموت وجدت باستقلال عن النزوة الشهويّة، فقد مكننا فعلهما سواء في حالة الاتحاد أم في حالة التعارض من تفسير ظواهر الحياة. النزوعات الجنسيّة و(التدميرية،

( detructiv / الايروسeros: ، الثاناتوس: thanatos).

هاتان النزوتان /الحياة والموت/ في صراع دائم بينهما، مدى الحياة ومن خلال هذا الصّراع يتحدّد النّشاط البشري بمجمله.


قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This