الانتحار، وظاهرة الضحيّة في عالمنا العربي “جدليّة الأنا والأنا الأعلى” (2/2)

1- الانتحار كمعطى نفسي لظاهرة تتكرّر (2/1)

2- الانتحار كمفهوم نفسي اجتماعي

 هناك حقيقة اليوم باتت تتمثّل في أنّ الظّروف الاجتماعيّة القاسية، خلال فترات الاضطراب تزداد فيها حالات الاكتئاب والانتحار. كما أنّه في المجتمعات التي تعجز عن توفير الإشباعات الضروريّة لأفرادها، يخلق بالضّرورة عدداً هائلاً من الشّخصيات ذات التبعيّة له، هؤلاء الأشخاص الذين تكوّنت لديهم نتيجة لخبرات الطفولة تبعيّة فميّة، بحيث يكونوا أسوأ حالاً في مثل هذه الظروف الاجتماعيّة، لعجزهم عن أن يعيشوا الاحباطات، دون أن يستجيبوا لها بطريقة اكتئابيّة. إنّ الحياة ونزوة التّدمير، وصور التّناقض بين الطبيعة والمجتمع، يمكن أن تتغيّر ببعض التّطوير لبنى المجتمع، وطريقة عمله. وبذلك الإطار الاجتماعي القمعي، يطبع حياة الفرد الإشباع بالاكتئاب، بحيث يتقدم مبدأ الواقع على مبدأ اللذة، مبدأ الواقع المشتت غير الآمن، هذا الذي كَثُر الحديث عنه مؤخراً في خطب الرّؤساء العرب، في الدّول التي شهدت حراكاً جماهيريّاً، ضدّ القمع في السّنة الأخيرة من تاريخ بلادنا، حيث وجدناهم يساومون المواطنين عل التخيير بين الأمن، أو الانجرار للفوضى وبين عيش الحريّة، يقول “فرويد”: “بمقدار ما ينتج مبدأ الواقع في فرض ذاته كمبدأ منظم للعلاقات الإنسانيّة، فلا يعود البحث عن إشباع الرّغبات، يتم من خلال أقصر الطرق حتى لو كان السبيل لذلك التفافاً على الأسلوب المناسب المتوافق مع الضمير الأخلاقي / الأنا الأعلى /. ويؤجل الحصول على نتيجته تبعاً للشروط التي يفرضها العالم الخارجي، ومبدأ اللذة في كلّ الأحوال ما كان ليكف عن منازعة مبدأ الواقع أبداً. من هنا يجد “فرويد” أنّ الحضارة جاءت كوسيلة لقمع الطبيعة البشريّة، ومن جهة أخرى تعالج هذه الظاهرة كحافز لتعبير الإنسان الإبداعي عن الذات، الحضارة تتطلب نكران النّزوات الجنسيّة، إنّ هذا النّكران الثّقافي، يحرّك الميدان الواسع للعلاقات الاجتماعيّة، من خلال “نزوة الموت” وارتداد عدوانيّة الإنسان الهدّامة على نفسه.

ففي الأزمات التي تعصف بأيّ بلد، سواء كانت هذه الأزمات طبيعيّة أم اقتصاديّة أو سياسيّة، أو في حال الحروب، نجد أنّ هذه الأزمات تطال المتعة وفقدان موضوعها -موضوع المتعة- على حدّ سواء، فمن هنا نجد أنّ هذه المتعة المخفيّة التي تحرّك السّياسيين، وقادة الجماعات المسلّحة الشبيحة والبلطجية / أوالمقاتلين النّظاميين، تحرّكهم على حمل السّلاح والإمساك بيد من حديد، فإطلاق القذائف أو الصّواريخ يندرج وفق المنظور النّفسي التّحليلي في إطار المتعة القضيبيّة.

وقد نجد أنّ الشّعارات السياسيّة، والدينيّة، تجيز لمنافع خاصّة، سياسيّة مالية، بحجج مختلفة مثل الدّعوة للقضاء على الشرّ، والتذرّع بالصّدق أنهم في خدمة الجميع، لذا يلاحظ أن هناك مد من الشباب يتحمّس لدعواهم، حتّى ينكشف لهم بعد فترة عدم صدق شعاراتهم، وشعارات الإخوان المسلمين في مصر خير شاهد، كذلك الأزمة التي تعاش في سوريا اليوم من عدم مصداقيّة المجلس الوطني وباقي أطياف المعارضة، خلافاً لأزمة الثقة المتجذّرة من عدم صدق نظام الحكم في سوريا وشعاراته السياسيّة… إنّ تعلّق الشّباب بالمثال الأخلاقي المبرّر لاندفاعهم، يحول دونهم ودون تقبّل هذه الحقيقة، فهم لا يدركونها إلاّ بعد فوات الأوان، وفي حال سقوط المثال الأعلى. وغياب عمليّة التّرميز أو إعادة التّنسيق، يجد الجسد لكي يستعيده لصالحه، مع وجهتيه معاً المتعة وفقدان المتعة. حيث الحدود للمتعة غير القابلة للتحقق، سوى على حساب جسده الذي يذوب، ويستهلك تدريجياً في الوقت الذي يجري انسلاخه عن الواقع الاجتماعي، بحيث لا يقدر على التكيف، فإن لم يمت يبقى آداة في يد أجهزة الأمن، أو الجماعات الدينيّة المتطرّفة أو يختار هو هدفه بنفسه ويندفع للموت كحتميّة نفسيّة لصراع طويل.

– ظاهرة الضحيّة أو الضّحايا في الشّارع العربي 

هذه الظاهرة تمثّل انتقال حوافز العدوان، إلى فرد معيّن أو جماعة بأسرها، وهي تتبدّل حين يكون التّعبير المباشر عن هذه الحوافز محفوفاً بالأخطار المتخيّلة والعمليّة… ولتبرير اختيار الضحيّة يتفنّن القادة في اختلاق المعايير المنطقيّة التي تستهدف منع وخز الضّمير، وتخفيف وطأة الشّعور بالذّنب عن طريق الأفعال الحاصلة على الأرض…

وبذلك تغدو العمليّات الإرهابيّة، وخاصّة العمليّات الانتحاريّة، هو عرض ذاتي وسياسي ناتج عن حالة إخفاق لمعالجة الأوضاع والتبدلات في الوعي الاجتماعي في عالمنا العربي ومثال

“البوعزيزي و خالد سعيد” شاهدين بارزين على ذلك، من حيث أن “البوعزيزي” ضحيّة انتحار اجتماعي و”خالد سعيد” ضحيّة إرهاب سياسي، وكذلك انتفاضة شباب مدينتي حمص ودرعا السّوريتين، في مواجهة الموت المنتظر لهما، في تحدّي النّظام السّياسي في سوريا بدواعي مختلفة إيمانيّة أو سياسيّة… حيث أنّ القوى الدينيّة بالمعنى النّفسي، هي قوى جامحة لا حدّ لها، ولا تعرف الفارق بين الحياة والموت. من حيث أن الانتحار يحيلنا إلى ضرب آخر من الموت الذي هو الإعدام، فهل يغدو الإعدام نوعا من طلب الموت، مهما كانت جرائم الإنسان، فإنّه لا يمكن أن يقبل أن يُقدَم قرباناً على مرأى المجتمع الدولي الإنساني، لأن هذا الفعل يجعل الإنسان بصفة عامة، يدخل في دوّامة الماضي العتيق بدلاً من الدخول في حداثة القانون والفهم الموضوعي للسلوك المضطرب. هناك موت أقسى من الموت، وقبل الموت، عندما يفقد الإنسان كرامته، يموت قبل أن يموت ويصبح الموت حدثاً جسدياً، وما يمكن أن تستبقيه النّفس هو خلاص أخير كما يقول “المحلل النّفسي الجزائري فتحي بن سلامة”. و يصبح خيارنا إمّا أن ندفن موتانا، وننعي زوالهم ونعيش الحزن عليهم، ونظلّ لاهثين وراء بقائهم مستسلمين للكآبة ومقلدّين الموت في موتهم، رافضين الحياة ومباهجها.

ممّا هو ثابت في علم النّفس التّحليلي، والذي أكدته كتب ودراسات مختلفة، إنّ أقوى نزعة في النّفس البشريّة، هي نزعة تملك الآخر، ومتعة التملّك هذه في حال الحدّ منها في العلاقات الإنسانيّة بدءاً من العلاقة القائمة بين الأب والابن والزّوجة، إلى العلاقة بين الحاكم وشعبه، من حيث مؤدّاها السّعي في سبيل الاستمتاع بالسّلطة، لذا نجد القوّة الجسديّة والقوّة البوليسيّة والقوّة باسم الله تحضر، ويحدث الخلط بين الدّين والإيمان به، من حيث أنّ الدّين بات يمثّل آليّة طقوسيّة خالية من الإيمان. فلمّا كان الإيمان يعني الإيمان بالآخر، “الله هو الأوّل والآخر” الإيمان بمبدأ العقل، المبدأ الإنساني العام الذي يعني التّمييز بين الآخر والغير، الآخر الذي هو كلّ مثيل لي في علاقاتي اليوميّة، فأنا أيضاً آخر. الآخر هو مبدأ إيمان في العقل، في السّماع والنطق. أمّا الغير فهو كلّ مثيل لي في علاقاتي اليوميّة، فأنا أيضاً غَير بالنّسبة إليه، الغير ممكن أن لا يحترم، فمبدأ الآخرية المؤسّس في العقل، تحكمه الغيرة والتّنافس على السّلطة، أمّا النّداءات الإنسانيّة فتُلبِس الآخر صفات كثيرة، هذا المبدأ الإنساني المتأسّس في العقل والموجود في كلّ نفس ويمارس ويعاش في ميادين مختلفة. فمثلاً في الجانب السّياسي الرّاقي، يكون المعنى العام للإنسانيّة، يشير إلى تدبير الشّأن العام في جميع الميادين، فيما يخصّ الدولة المدنية، إذ يبقى مكان الآخر مكان فارغ. ولا يمكن لأحد أن يستحوذ عليه، ويحل فيه كذات فرديّة، حيث ظهرت بذلك مفاهيم الديمقراطيّة، هذه المفاهيم التي حرّكت النّاس، لطلب الكرامة، وعيش حرارة الفراغ الديمقراطي، التي دفعت بالكثير من الشّباب في عالمنا العربي للدعوة، والتوق إلى تفجير النّفس عند الكثيرين منهم، ليكونوا ضحيّة لغيرهم، وهذه الظاهرة هي في الحقيقة مرتبطة بدافع الموت، الذي تعزّز كثيراً في الحياة اليوميّة المعاشة بفعل الخيبة والإحباط لدى الشّباب بعدم تحقيق ذواتهم، كقوّة فاعلة في الوقت الحاضر، أو أن تسير إلى المستقبل بأمل. 

وهذا الأمر هو ذاته الذي أدّى إلى استفحال ردّ أفعالهم في السّاحات العربية، كنوع جديد من السّلطة، حتّى لو كانت هذه السّلطة، لا تطال إلاّ سلطتهم على أجسادهم، من خلال المتعة الانتقاميّة بالانتحار سبيلاً للحياة، وسبيلاً لاسترداد الكرامة، لذا المراقب لما حصل في العالم العربي، يمكنه أن يقيّم أن الذي عِيشَ وتكرّس في سنة واحدة من عمر الحراك الشّعبي للشّباب العربي، بأنّه بمثابة تحطيم جذري للمثل العليا المكوّنة لإنساننا في هذه المنطقة العربيّة، كما أنّ هذا التّحطيم أجده وقع نتيجة تظافر عاملين هما: مسار التّحديث – ووضعية القوى الحاكمة الدّاخليّة في ائتلافها بمصالح خارجيّة، المقصود هنا التّحديث الوحشي، من حيث هو تدمير للتماهيات القديمة دون خلق تماهيات جديدة تعوضها، ودون خلق عمل ثقافي كاف، يجعل هذا التحوّل ممكناً ومفهوماً ومعبراً عنه.

لتغدو العلمانيّة وكأنّها تواضع حقيقي، يحدّ من النرجسيّة أوليات المتعة بالسّلطة، ويحمي النرجسيّات الجريحة في الوقت نفسه، ولكن علينا أيضاً أن ندرك أنّ العلمانيّة ليست مطلقة، بل هي مشروع لا ينفي وجود هذه القوى، وحقيقتها في النّفس البشريّة، بل يرمي إلى وضع المعاملات الاجتماعية، والسياسيّة في مجال يحميها من هذا التّضارب بين النّقيضين. فالثّقافة العلمانيّة التي باتت اليوم متوفّرة للجميع من خلال وسائل الاتّصال الاجتماعي الحديثة، هدفها الأولي تحرير القيد عند الشباب، حتى لو كان هذا القيد يقتضي التحرير من الإيمان نفسه، المثقل بثقل التّشريعات الدينيّة، التي ربّما كانت تتلاءم وشروط التّنزيل التّاريخي في وقت سابق، ولكنّها – هذه التّشريعات اليوم – باتت تكبّل المرء في سيرورته الرّاهنة والمستقبليّة، حتّى ليغدو الكلام حول ذلك كأنّه “هوس”، والهوس كما تعلمون هو خوفاً ممّا لا يخيف. ومن ذلك نشاهد مرّات خطابين متناقضين للشّباب وذويهم المتشدّدين الثّابتين على فهم معين للممارسة الدينيّة والشرائع.

 ولكن من خلال البحث والمعرفة بالنّفس البشريّة، لابد من الإشارة لحقائق معيّنة وثقّها علم النّفس الحديث، في دراساته على الإنسان من عمر الطفولة المبكرة، في دراسات عشوائيّة عند أغلب الشّعوب، وهنا أستعير الأبحاث المتّصلة بالطّفولة البشريّة من كوننا نجد في هذه المرحلة ارتباطا وثيقا، بما يسمّى الإحيائيّة بكافة أنواعها، من كونها تعاش عند الطفل البشري، بدءاً من الفهم الديني، وكأنه -أي الطفل- نوع من الإحيائيّة.

ومن حيث أن الدّين والتّدين يشكلان قوّة نفسيّة، لا حدّ لها كما يقول “مصطفى صفوان” في أحد كتاباته، فلابد هنا من تأكيد أن هناك مرحلة من النمو النّفسي عند الطفل، والتي تسمى بالمرحلة الإحيائيّة، ومن لديه أطفال ويراقب لعبهم، في عمر من سنتين ونصف لخمس سنوات، يجدهم أحياناً يكلمون لعبهم، وكأنّهم بذلك يبثون فيها الحياة، فالطفل يحيي كلّ الأشياء ويمنحها روحاً، ويكلمها ويلعب معها، وينزع منها ويضع على لسانها حكايات عجيبة، فهو بذلك يغدو خالقا بطبيعته الفطريّة، ولكن في ذات الوقت ضعيفا، وعرضة إلى الجزع إلى من يحميه، ويتخيّل أن هناك خالقاً له مثل أبيه وأمه، هو خالق مخلوق ” ابن عربي: خالق لخالقه”.

 المحلّل النّفسي الألماني “فينيكل “يقول: من الأسس التي تقوم عليها نفسيّة التجمهر، أن تخف لدى الفرد حدّة الشّعور بالذّنب، عن طريق الشّعور بأن غيره يجسر على إتيان ما يؤنب ضميره هو، بارتكابه كثيراً من الفضائع، هذا الأمر هو ما يصحب الإسقاط، أي نقل نزوة العدوان في السّلوك الجماعي إلى مواقف الضحيّة. فمثلاً إذا كانت المطالب التي يفرضها القائد مغالى فيها، وإذا منع كلّ تعبير عدواني، وإن كان غير مباشر منعاً باتاً، انقطعت الرّوابط الموجبة التي تربط الأعضاء بالقائد، لذلك يَعمد القادة المستبدون، إلى تزويد أبنائهم بضحيّة مختارة، حيث لابدّ من متصرّف لهذا العدوان (التّحليل النّفسي والسّلوك الجماعي، ص160) 

ومن خلال ذلك نجد أنّ الشباب يفرغون موقع اللغة، ومصدر الحقيقة ليصبح الآخر هو المخدوع والخادع. فيتحوّل الإكراه الخارجي إلى إكراه ذاتي، إذ أنّ الأنا الأعلى ممثل القوانين الأخلاقية، وما يدعو إلى الكمال، ينشأ وفق المنظور النّفسي التّحليلي، إثر زوال عقدة أوديب واختفائها، كما أثّر القمع على المستوى الفردي على مدى التاريخ، بتسبب في تحوير نزوات الفرد وتغيير أهدافه، من كون تاريخ الإنسان مبني على العنف والهدم. 

 يقول “فرويد” : لا ريب أن ثمّة شيء فينا يدفعنا إلى الإحساس بالانفعال نفسه، الذي نرى علاماته في غيرنا من النّاس. من هنا تكون التّضحية بالنّفس، وكأنّها إضفاء قيمة إنسانيّة كبيرة للفرد، تغطي العجز، والضعف لديه. لتجعله بطلاً وأيضاً شهيداً وفق التوظيف الدّيني للظواهر الاجتماعية، إذ هو قدم نفسه على مذبح الجماعة فداءً وجرأة… بغية النّصر على الظّلم والفساد في الأرض.

3 الفروقات بين الانتحار، وفق متغيّري العمر والموضوع:

 إنّ الطفل لا يتفاعل بنفس الطّريقة التي يتفاعل بها الرّاشد مع الرّصاصة أو القذيفة أو الانفجار، فهو غير قادر على تصوّر أيّ تعدّ خطير دون أن يجسده حسيّاً بتصوّر خاص به، القذائف كالحرامي… لا سيطرة لأهله عليه لأنّهم مرعوبون مثله. فالخطر الآتي من الخارج لا يستطيع بلوغه إلاّ عندما يفقد هذا الواقع بنيته أمامه بشكل فعلي، فمثلاً انهيار “أم” أمام طفلها، له انعكاسات مباشرة على حماية الطفل، إذ أن هذا الطفل قد بنى ماهيته تجاه العالم الخارجي، على ثقة “بأم” حاضرة في المواقف كافة، تقوم بحمايته بشكل متواصل ومبالغ به، وتظهر على أنّها جبارة، فرؤيته لهذا المشهد مباشرة دون وسيط، أو قدرة رمزيّة من هنا يظهر انكفاء نفسي موروث كما تبرزه التّجربة. إذ أمام الخطر يتّخذ الإنسان عفوياًّ وضعيّة التقوقع الجنيني، ويتمّ استحضار خيالي لاستيهام الولادة، بحيث يظهر لديه انكفاء نفسي موروث. 

والمراهق يتجاذب ويتآلف ذلك الخطر، أكثر من أي عمر آخر، لأنّه في سنّ المراهقة تتم مواجهة الإشكاليّة الأوديبيّة، إشكاليّة الاختلاف وإشكاليّة الحقّ في التّماهي مع جنسه. وبذلك يغدو الانتحار عند الشباب وكأنه فوران، يتجلّى برفضهم للسّلطة بدءاً من السلطة الأبويّة، وكلّ رمزيّتها وطموحها لوجود مثل أعلى تذوب فيه. وبذلك يأمل الشباب التهرب من حتمية خصيهم الرمزي ، عن طريق حملهم للسلاح ، فالسّلاح كرمز قضيبي، يمتعهم بنرجسيّة لا حدود لها، بحيث يصبح السّلاح رمزا قضيبيّا، يكرّس الأمل لديهم، في استعادة الشيء بدل الحداد عليه، فلذّة الشّباب بإطلاق النّار. والاستمتاع لصوت الانفجارات، وقنص الرّجال والنّساء عن بعد، يضاعف من سلطتهم التي تضخمها مخاوف الآخرين وخضوعهم. كما أنّه في حال الاستغراق بالمخدرات مثلاً كتحايل على الموضوع من خلال وضع الشاب جسمه كوسيط، بينه وبين الآخر الكبير. ليكون السّلاح بديل القضيب، مروراً بالمخدرات، من كون المخدّرات منبع متعة لا توصف، يكون الدّفع لمواقع الموت، وجعل الجسد أرض معركته المميّز ليتصارع الألم واللذة، في حين الحوار الذاتي منقطع مع الآخر الكبير، والانخراط الاجتماعي ليختصر نفسه في ما يتسنى للشخص، أن يشعر أن داخل جسمه انحراف في السّلوك الذي قد يكون بنيويّاً.

 لذلك فإنّ عدد المنتحرين الشباب، يكون في الطليعة بالنّسبة إلى مراحل العمر الأخرى على صعيد الانتحارات في البلدان المتحضّرة بخاصّةّ، أمّا في البلدان الغارقة في الحروب، حيث شخصيّة المراهق تتميّز بفورانها الدّاخلي، ورفضها للسّلطة بدءاً من السّلطة الأبويّة، وكل رمزيتها وطموحها لوجود مثال أعلى تذوب فيه. من خلال محاولة الفصل بين عالم عدائي وآخر مطمئن، يقلب النّظام الطبيعي الذي يسمح للولد أولاً من التّحرر من سلطان أمّه، عندما يجدها خائفة من كونها تحثه على الانقلاب والعودة لمراحل أكثر طفلية، فنجده مثبتاً بهذه الوضعيّة في حالة الارتباط بمطالب الأم، المبنيّة على التّخويف، إذ من خلال منطق الخوف والعنف المجسد في خطاب الأهل، ليعيش الطفل تحت تصرّف العارض الذي يأتي من الأهل، ليبرّره من خلال جعله عقلانياً.

 وتبعاً للتّفسير النّفسي التّحليلي للموت عند الأطفال، فإنّ مفهوم الموت عندهم يمرّ بمرحلتين:

المرحلة الأولى: نرجسيّة 

والمرحلة الثانية : أوديبيّة 

في المرحلة الأولى: نجده يتساءل ماذا يشكّل بالنّسبة لوالديه ودرجة محبتهم له، وإن كان وجوده ضروري أم لا.

أمّا في المرحلة الثانية: فتساؤله يكون حول: ماذا سيحصل إن هو مات؟ أو فقده أهله بالمعنى الحقيقي للكلمة…

وبذلك نجده يضع نفسه تجاه غيابه هو، بغية قياس الأسى الذي قد ينجم من جرّاء ذلك عند أهله، والقيمة التي يمثلها بالنّسبة إليهم. الطفل بحاجة إلى تقويم مكانته في المجال الخيالي، من أجل التمكّن من ترميز هذه القيمة على أرض الواقع، لذا من الضرورة تعبيد الطريق للرّهان الأوديبي والخصاء الرّمزي، حيث لا يمكن للطفل أن يتخطّى الرمزيّة، من تصنيف نفسه على أساس مستقبلي، إلاّ من خلال تحديد ما قد يمثله غيابه بالنّسبة للآخر، إذ بهذا المفهوم الأولي لمماته، لا يمكن أن يتّخذ دلالة إلاّ في مجال الآخر الكبير، انطلاقاً من تناوب الحضور والغياب معاً… هذا المفهوم للموت بحاجة إلى دمج في معنى الحياة في سيرورة الترميز، إذ هو في وضعيّة أخرى بمواجهة صعوبات وجدانيّة، نجدها في حال الاضطرابات السلوكيّة الخطرة، عنف مجاني، عدوانية، عدم انصهار، حيث نجده يضع نفسه تجاه غيابه هو، بغية قياس الأسى الذي قد ينجم من جراء ذلك عند أهله والقيمة التي يمثلها بالنسبة إليهم، الطفل بحاجة إلى تقويم مكانته في المجال الخيالي، من أجل التمكن من ترميز هذه القيمة على أرض الواقع.

 وبذلك إن الحديث عن الانتحار، يحيلنا إلى ذكر دواعي الموت، وهذه الدواعي مختلفة ومتعددة أذكر منها تبعاً لموضوعاتها:

1-الأب المنزوعة عنه صفة المثالية، يظهر أمام ولده الشاب على حقيقته، بأخطائه وضعفه ودونيته، لاسيما بعجزه عن الاضطلاع بوظيفة المثال الذي ينتظرها منه ابنه.

2-الطفل الذي يكون قد تخلص من سلطة أهله، سيحاول أن يبلغ هذا المثال خلال تلك الفترة ، انسجاماً مع شخصيته ، فالموت يصبح مألوفاً عنده لأنه لا يجد ما يخسره ، فما من استثمار أناوي يعترض سبيله، اللهم إلاّ حبه الأمثل لأمه فهو يتصوّر بالطّبع مدى العذاب الذي قد يولده لأمّه لو فقدته، ولكن إن حصل ونما، فسوف يعيش هذا المثال مع حبّ أمّه المفقود، ويصبح بذلك الموت أمراً بسيطاً، وممراً وأمنية يأمل أن تتحقق. 

3-ينبغي إعطاء الشاب قضية يموت لأجلها بحيث تكون تضحيته المدونة في سجل رمزي قابلة للضّبط، وبالتّالي تستجيب لرغبة الشّاب في التحامه بمثاله. التماهي مع مثال أعلى يجيز الموت في مقابل وعد بالذوبان الرّوحي والخلود والجنّة.

4-الايديولوجيات والتوجهات الثقافيّة والفنيّة والمهنيّة الكبرى التي تضرب جذورها في مرحلة الشباب. فهي لا تقبل التشكيك في صحّتها أو في مصداقيتها، ولكنّها تعاش بجدّية، إمّا أن تقبل بكل شيء وإمّا أن ترفضه. 

5-فالإيديولوجيا الدينيّة التي تتسم بمعاييرها الأخلاقية، فهي لا ترى حركة المجتمع كحركة صراع طبقيّة بل تعزوها إلى صراع بين الخير والشرّ، بين الإيمان والكفر بين العثور على صمام آمان. بحيث يكون اختيار الشّخص الموت، أو الاستشهاد كخيار ديني من خلال عمليّة انتحاريّة من كونه يضع نفسه هو كشخص ملغى، لصالح هدف مثالي وقضيّة عليا، فنجد الشّخص لا يقدر على العيش في وسط جماعة عدوانية بدءاً من أهله، فيغدو كلّ شيء يدعوه للكراهيّة والحقد والقتل. 

6-كما أن الواقع الجيوسياسي العربي يجعل الشّباب لا يتوافقون مع آبائهم، من كونهم لا يمثلون لديهم المثال الأعلى الذي يتلاءم وطموحاتهم، لذا قد يكون عرضة لاستجابات ودعوات دينيّة يجذبه منها شعار السّلام، والتّضحية المفضّلة على الحياة الدّنيا الملوّنة بالفساد، إهمال دروسهم والتخلي عن الملذات والتسالي، فنجدهم ينقادون خلف مثال الأنا الذي جذبهم مساره. 

وأخيراً إنّ أهمّ ما يميّز مرحلة الشباب، هو الانتماء العنيد لنسق من التفكير التسلطي، بحيث نجد الشاب المراهق في الواقع، بحاجة لإسكات كلّ الأفكار التي تشغل باله، للحصول على تأكيد يسمح له بتحقيق حلمه بالإنسان المثالي… لاسيما بوالديه، لذا يمكن القول أنّه في هذه المسيرة للشباب يبدو كل شيء قابل للتضحية به، من مثل: اللذة، العلاقة الاجتماعية، الأصدقاء، الروابط العائلية، المراهق مستعد لتقديم كل شيء، بما في ذلك حياته، وان كانت هذه الأخيرة تكفل بقاء القضية الأساسية، وأن تسمح ببلوغ المثال المقدس الذي يمثل نموذجه الأعلى ( حب الله، ص79). 

 وحيث أن الشهيد له في موروثنا الديني والاجتماعي مكانه في الجنة، إلى جانب المؤمنين الأبرار، نجد بعض الشباب ينجذب لهذا النوع من الخطاب، الشباب المشدودين للموت الجميل والواعد… بينما حياتهم الأرضية الواقعية، لاشك تكون موسومة بالبؤس والمهابة، وانعدام الكرامة عند الأهل خاصة، والمحيط عامة، إضافة إلى أن استمتاعهم بملذات الحياة، ينغصه شعور بالذنب لا واعي، فيعيشون في حالة من الحداد اللا منتهي. لذا قد يكون الموت البطولي، هذا مخرجاً خلاصياً وحلاً لجميع صراعات الحياة، فأمام تألم أهله، وشكواهم وبؤسهم، يلجأ الشباب إلى حلم العمل البطولي الخلاصي للخروج من هذا المأزق، هذا حال جميع المراهقين الشباب، ولكن مرات يكون الرهان على الهوية الدينية، بحيث يفتح المجال أمام احتمال هذا المصير. حيث أن الشباب الذين لا يجدون بآبائهم مثال الأنا الديني، الذي يجذبهم مساره بعد أن فقد مثل هؤلاء الشباب إيمانهم بالأب، في إطار ظروف التنشئة المستمرة، حيث مثل هؤلاء الشباب بحاجة إلى خطاب مطمئن لهم، ليبنوا لأنفسهم نظام حماية لضبط عنفهم انطلاقاً من المحرمات الدينية، فالقطيعة بين الأب والابن بين الجيل السابق والجديد، تفجرها الأزمات، ويعمل بها حيث نجد الشباب ينخرطون في الصراع، هذا متمردون بداية على السلطة الأبوية، حيث يشعرون أنه خلف خطاب أهلهم، أكاذيب وألاعيب أنانية وانتهازية، لذا نجدهم يسعون للبحث عن الحقيقة، لكن مجهودهم يذهب إلى مكان الخطأ، لنجدهم مرات يستغلوا بواسطة خطاب فضفاض ديني، أو وطني متعصب، فإن لم ينتحروا نجدهم يبحثون عن مكان ليبعدهم عن أهلهم، فيلجؤون للسّفر سعياً منهم لمواجهة حقيقة أخرى، يستعيدون بها الصدق ويتنشقون نسيم الحرية والديمقراطية، ليغدوا بعد تخطيهم هذه المرحلة دون انتحار، نجدهم تحولوا إلى رجال آليين بلا شفقة وبلا إنسانية، ويرتكبوا مثل هذه الجرائم، حيث يغدو كذلك هؤلاء الشباب كمخدوعين بايديولوجيات، تحولهم إلى مستغلين لغيرهم، ويفسدون بدورهم الشباب الأصغر منهم، وذلك من خلال تماهيهم مع قادتهم الأوائل، ليبرروا روحية الانتقام تجاه ما هم عليه اليوم، فنجدهم قساة القلب، لا يتأثرون لا بصراخ النساء، ولا ببكاء الأطفال. 

 ويصبح القتل والمجاز لم يعد يثير عندهم، لا توبيخ ضمير، ولا أزمة أخلاق ولاشعور بالذنب، ليتحول الآخر المشابه لهم في شخصه الاجتماعي، مجرّد رقم لا يقلقه حذفه ولا يستثير مشاعره.

وبذلك فإن مقتل الأنا في حقل الآخر، مكوناً انطلاقاً من مقتله الأول، حيث تحل محل الكوابيس ومشاعر الذنب والقلق والخوف الليلي، مواقف قمعية شرسة هدفها إسكات هذا الآخر الذاتي، والانسلاخ عنه، إذ أن الحياة لمثل هذا الشخص الذي ينشأ هذه النشأة مقطوع الصلة بمصدر طمأنة والديه، كما يصبح لديه استعدادا للهرب للأمام في العمل، حيث الآخر الموجود في داخل هذا الشخص فَقد الطابع الحميم، والطيبة ليتحول إلى كائن غير متجانس، وغريب وعدائي ومدقق بل وحتى معتدي. دون الانقسام الداخلي للشباب، كما يصبح العالم الخارجي عنده متناقضاً، فيجد نفسه أنه لا يقدّر العيش في وسط جماعة عدوانية بدءاً من أهله، ويغدو كل شيء بدفعه نحو الكراهية والحقد والقتل. الواقع الجيو سياسي يلزم التجاور السلمي بين الطوائف، ولكن الواقع النفساني لا يرضخ بسهولة لهذا الواقع الخارجي، حيث ما تم التنشئة عليه، وما تم ارتكابه من أفعال تدريجية توصل الأشخاص إلى عيش انقسامات ايديولوجيا تبرر القتل، وعيش عدم الاعتراف بالآخر.

فمن خلال هذا التناقض الجيوسياسي والايديولوجيا يكون المخرج في إحدى أمرين لا ثالث لهما، إما الهجرة أي الهروب أو الانتحار، للوصول إلى الجنان المصطنعة. لأنّ الشاب الذي نشأ في قطيعة مع تاريخه، فذكريات الماضي تجعله مطرودا، خارج الزّمان وخارج المكان، كما هو الحال في عيش الأحلام التي نعجز كبشر عن ضبطها، وبالتالي فإن الانكفاء على الجسد يهدف إلى إيجاد اللذة، في ما يلي حدود الواقع، الذي يمثل تجاوزاً يتطابق تماماً مع هروبه الذاتي، فهو في الوقت نفسه خارج القانون، وفي ذلك المكان الحدودي القائم بين السجلين، كما هو سارق اللذة بنظر الآخر الكبير. حيث أن للقانون سلطة على أجسادنا، طالما أنها جزء من الجسم الاجتماعي العام. 

 2– مقاربات علاجيّة للتّخفيف من هذه الظاهرة:

ينبغي الاعتراف أنّه من واجب الحضارة التي تمارس في سبيل مصلحة البشريّة ضغطاً مستمراً في اتجاه كبح النزوات العدوانية وتحويلها عن مجراها… ولكن الأكيد أنّه ليس سهلاً على البشر العزوف عن إشباع تلك العدوانيّة المميزة لهم. إذ يتّضح أن الامتناع عن العدوانيّة، أمرٌ صعب بسبب عدم قابليتها للتحطيم، إنّما يكفي تحويلها لتسخر للحياة، وسيمارس القمع الاجتماعي من هنا فصاعداً على تلك النّزوة العدوانيّة… حيث كما هو واضح لدى جميع المشتغلين في العمل النّفسي أن العلاقات الإنسانيّة لا تقوم على الاتفاق والتفاهم، وإنّما بالعكس تقوم على الصّراع والتّنافس والعداء، الإنسان هو كائن تنطوي معطياته الغريزية، على قدر لا يستهان به من العدوانيّة، والمجتمع الحديث أدرك هذا الصّراع والخلل، لذلك عمد إلى تعبئة دينيّة سعى بواسطتها إلى التقرب بين النّاس وربطهم إلى بعض.

وبدءاً من الوصيّة الدّينيّة السّامية أحبب عدوك، التي تفرض التّسامح تجاه الخصوم وتدعونا إلى الحياة الإنسانية القاطبة، سرعان ما ينتهي الأمر بكلّ واحد منا، إلى أن يرى الآمال التي علقها على تلك الوصايا أوهاما ينفض يده منها، الايديولوجيا الدينيّة تتّسم بكونيتها ومعاييرها الأخلاقيّة فهي لا ترى حركة المجتمع كحركة صراع طبقيّة بل تغزوها إلى الصّراع بين الخير والشر، بين المؤمنين والكفرة، وهذا يعني أنّ حل الصّراع الاجتماعي، يكمن في تغيير الأخلاق والنّفوس وإصلاحهما وتهذيبهما للسيطرة على العدوانيّة في النفس، وهذا أمرٌ يصعب بسبب تجذّره في بنية النّفس الإنسانيّة، من هنا الوسيلة للتكيّف ليست في إلغاء الصراع، وإنّما في أن تعثر له على مخرج أي صمام آمان. وبذلك ، نجد أن العلاج يكمن في قبول الانفصال عن الأهل في الطفولة، حيث الحركة مزدوجة، لأنّ الطفل بحاجة إلى موافقة أهله الضمنيّة لكي ينفصل عنهم، وليس الأمر مرتبطا به فقط. إنّ سنّ الأربع سنوات هي السنّ التي يبدأ فيها الطفل بالتساؤل عن أهميته بالنّسبة إلى الآخر، وعن قيمته قبل أن يشخّص نفسه كعنصر ناقص.

 تكمن أهميّة عمل المحلليين النفسانيين في إعادة وصل الدّائرة في نظامها الدّلالي لدى الشّخص المكتئب، بدءاً من المرور بتصحيح بعض المفاهيم عبر التكنيك العلاجي المتمثل بالتداعي الحر، ليصل الشّخص الخاضع للعلاج النفسي التحليلي، إلى أن الأب كآخر واقعي، بإمكانه حتّى ولو اختفى أن يعاود الظّهور في المخيال… الأب الذي يموت من أجل أن يحيي أبناءه، حيث أن الغياب الجسدي يستتبع عودة حيّة على مستوى الذاكرة، لفكرة الإله الحامي السّاهر، على فترة النوم. التي يتكرّر ورودها في كل الأديان، من حيث أن الإنسان لا يستطيع اعتبار نفسه حاضراً على خلفيّة من الغياب، إلاّ في حقل الآخر الكبير، حيث كل واحد مديون تجاه الحياة، وحيث الحياة التي تتمتّع بها هي أمنية الأب المتحققة في الأحداث المرعبة التي تعيشها الأسر، إذ نجد تورطا للطفل فيها من كون خياله لا ينفصل عن الواقع، فهو دائماً يتعرض لخطر الموت… والكارثة أن هذا الاحتمال قد يحقّق الأمنية الخياليّة التي ينسجها الطفل، لكن المأساة إذا ما حصلت يمكن أن تتّسم بانعكاسات بالغة التأثير عليه، ويبقى الرّهان الأوديبي للطفل خيالي تماماً، حتى لو تراءى له أنّه واقعي في اللحظة الحاسمة، والمأساة الجماعيّة من خلال مقتل الأب كصدى لذاتيّة كلّ واحد منا، تربط الطفل بين استيهامه وبين الواقع، ويكون المسرح الخارجي الذي يدور عليه الحدث بالنّسبة إليه هو مركز الاهتمام، حيث يورّطه بكلّ ذاتيته.

وبذلك فإن فكرة نزوة الموت تمثل تحولاً جديداً، لمطلب أساسي وثابت في الفكر الفرويدي، فلا يمكن أن تفوتنا الإشارة إلى أنّها تحمل معها مفهوماً جديداً، فهي تجعل من النّزعة إلى التّدمير، كما تتبدّى في السّادو- مازوشيّة على سبيل المثال، معطى غير قابل للاختزال إلى ما عداه، وهي إلى ذلك تشكّل التّعبير المفضّل عن المبدأ الأكثر جذريّة للنّشاط النّفسي، كما أنّها تربط أخيراً وبشكل لا فكاك له كلّ رغبة، سواءً كانت عدوانيّة أم جنسيّة، برغبة الموت باعتبارها تكون أقصى ما هو نزوي.

المراجع 

1-فيصل عباس، الإنسان المعاصر في التحليل النفسي، دار المنهل اللبناني، 2004م 

2-عكاشة، أحمد، الطب النفسي المعاصر، طبعة منقحة، 1988 ، مكتبة الأنجلو المصرية 

3-شيدلنجر، سول، التحليل النفسي والسلوك الجماعي، ترجمة سامي محمود علي، دار المعارف، القاهرة، ط2، 1970م.

4-عبدالله، عسكر،الاكتئاب النفسي بين النظرية والتطبيق، مكتبة الأنجلو المصرية، 1988 م.

5-جان، لابلانش، وج.ب ،معجم مصطلحات التحليل النفسي، بونتاليس، ترجمة مصطفى حجازي، ط، 1985م. المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر والتّوزيع.

6-عدنان حب الله، جرثومة العنف، الحرب الأهلية في صميم كل منا، دار الطليعة، بيروت،ط1، 1988م.

7-أوتو، فنيخل، نظريّة التّحليل النّفسي في العصاب، الكتاب الثّاني، ترجمة: صلاح مخيمر، عبدة ميخائيل رزق، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط1، 2009م.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This