الانقلاب ضد حزب دولة الخلافة: روايات مكثفة لتجارب شخصي

في حكايا ألف ليلة وليلة الخاصة بعوالم المعتقل السياسي، غالبا ما تهمل بعض التفاصيل التي تقوم عليها الحكاية لصالح تفاصيل أخرى: المحقق، الدولاب، الصمود، عوالم السجن والحنين إلى الحرية. بينما تغيب في ذلك كله نقطة البداية. حيث قرار خوض تجربة الانتماء إلى إطار فكري وتنظيمي ما. الإيمان بمبدأ ونذر الذات من أجله. الإغراق في هذا الإيمان أو الانحراف عنه أو الانقلاب إلى ضده. هذه التفاصيل المُغيّبة، قد تغدو أكثر أهمية إذا ما تعلقت بمنتسب إلى حزب إسلامي أصولي، بالبدايات الأولى للإيمان بإقامة “دولة الخلافة الإسلامية”، وبالتخلي عن هذا الإيمان عبر رحلة طويلة حافلة بالتجربة والاطلاع والمعرفة.

هذه التفاصيل، تقربنا أكثر إلى عوالم تحيط بنا وتؤثر على مجرى حاضرنا ومستقبلنا. عوالم يتم النظر إليها في أحيان كثيرة بعدائية واستعلاء، أو بتسطيح وتقليل من شأنها.

التفاصيل المكثفة للحكايات التي يرويها سالم وجابر، تتعلق بتجربتهما مع حزب التحرير “ولاية سوريا”، من بداياتها الأولى. نتحفظ على الأسماء الحقيقية، حرصا على أصحابها. فمثل هذه التجارب قد تنتهي على أرض الواقع بالنسبة لشخوصها فقط، كما سنرى!

{{حزب التحرير الإسلامي}}

ألقي هنا في عجالة نظرة على تأسيس ومبادئ “حزب التحرير” الإسلامي، الذي يمكن اعتباره حزبا وسطا بين حركات الإسلام السياسي المنخرطة في الحراك السياسي في الكثير من الدول العربية، كجماعة الإخوان المسلمين، وبين التنظيمات الجهادية والتكفيرية التي تنأى بنفسها عن العمل السياسي بمعناه المباشر، لصالح العمل السري بأدوات عنفية.

تأسس حزب التحرير الإسلامي عام 1953 في القدس على يد تقي الدين النبهاني، وامتد إلى عدد من الدول العربية وغير العربية كلبنان والأردن وسورية وتركيا وأوزبكستان.

يقوم الحزب على هدف “إعادة دولة الخلافة الإسلامية إلى الوجود حتى يعود الحكم بما أنزل الله” (من موقع الحزب على الانترنت) .يتبع أسلوب العمل السياسي، ويرفض العمل العنفي واستخدام السلاح. و يقوم على مبدأ طلب النصرة من أصحاب النفوذ لإقامة دولة الخلافة.

للحزب مشروع دستور “دولة الخلافة الراشدة”، الذي يتعرض فيه لمختلف نواحي الحياة، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. يتجلى عمل الحزب في “التثقيف والصراع الفكري والكفاح السياسي”، وهذا الأخير يهدف إلى “مصارعة الكفار المستعمرين.. ومقارعة الحكام وكشف خياناتهم للأمة ومؤامراتهم عليها ومحاسبتهم والتغيير عليهم إذا هضموا حقوقها أو قصروا في أداء واجباتهم نحوها أو أهملوا شأنا من شؤونها أو خالفوا أحكام الإسلام”. هدي الحزب في ذلك هو الحكم الشرعي وفقا للطريقة التي يؤوله بها.

ينتشر الحزب في العديد من الدول العربية والإسلامية، وهو مرخص في بعضها ومحظور في أخرى، مثل سوريا، كغيره من الأحزاب على أية حال، ويتعرض أعضاؤه للاعتقالات بين حين وآخر، وغالبا ما يكون ذلك على خلفية توزيع منشور للحزب، أو اكتشاف صلات جديدة له بأعضاء في الجيش – من أجل طلب النصرة. ويقدر عدد أعضاء الحزب في سوريا ببضعة مئات فقط، حيث يمكن وصفه بأنه “نخبوي” وغير شعبي، يضم بين صفوفه نخبة متعلمة من أطباء ومهندسين ومدرسين.

حاضنة: البيئة الاجتماعية والظرف السياسي:
سالم ينحدر من ريف دمشق من عائلة متوسطة الحال. والده كان مدرسا. تميز في مرحلة دراسته بالتفوق وبعلاقته القوية بالكتاب كما يقول “لدينا مكتبة غنية في المنزل ساعدتني كثيرا في هذا المجال. كنت متدينا لكن غير متزمت. في الريف هناك نوع من الاهتمام بالسياسة، وهو ما يشكل رافعة اجتماعية للناشط السياسي، هذا بشكل عام، كان ظرفي قبيل انخراطي في الحزب.

في فترة الثمانينيات، وفي ظل ما بات يعرف بأحداث الإخوان “المصادمات الدامية بين السلطة وجماعة الإخوان المسلمين”، وسلوك أجهزة الأمن إزاء تلك الأحداث، كل ذلك يجعل المرء رغما عنه على علاقة جدية بما يحدث حوله. تخيلي فتى بعمر 15 أو 16 سنة، متفوق بالمدرسة و معتز بنفسه!، يرى سيارة مخابرات تمشي في الشوارع وتروع الناس. يوميا نسمع خبرا، اعتقل فلان واختفى فلان، وهذا الفلان قد يكون جارك أو صديقك أو قريبك. هناك ممارسات رهيبة تقوم بها أجهزة الأمن، ولا يوجد وعي كامل بتفاصيل ما يحدث. يتولد إحساس عميق بالقهر، وعندها، تصبحين جاهزة لأي شيء في تلك اللحظة. وفي ظل تلك المشاعر التي تتولد، يأتي شاب ويخبرك “إن أوامر الله تقول بأنه يجب أن تكون هناك خلافة، وأنها هي التي سترفع الظلم وتحقق العدالة على الأرض..الخ”.

أنا من بيئة متدينة، وبالتالي أنا عبد الله، وأسمع أن “من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية”. إذن، أنت في وضع استعداد لشيء ما، وذلك الشاب يقدم لك حزبا يقول بأن أمر الله في الخلافة، وهي وحدها تحقق العدالة.

من ناحية أخرى، فهذا الحزب لا يحمل السلاح، وبالتالي ضمنيا يعطيك شعورا نسبيا بالارتياح، بأن العمل معه لا يشكل خطورة كبيرة. وهكذا، انتسبت للحزب عام 1986 وكنت حينها طالبا في المرحلة الثانوية.”.

أما جابر، فهو ابن مدينة، ومن بيئة متوسطة أيضا. والده من “مفقودي” مرحلة الثمانينيات على ذمة جماعة الإخوان المسلمين المحظورة: “كنت في الثامنة عشرة حينها، في بداية دراستي الجامعية، وكان التفكير في التغيير أو فعل شيء ما للوقوف في وجه الظلم والبؤس موجود دائما في ذهني ومنذ الصغر. فحسب المفاهيم التي نشأت عليها، على المسلم أن يهتم بأمور المسلمين ويسعى لنهضتهم ونصرتهم. ولأن والدي سابقا كان من الناشطين إسلاميي التوجه المعروفين، استطاع أن يسخّر قدرته الأدبية ككاتب إضافة إلى معرفته التاريخية كمؤرخ والعملانية الموضوعية لديه كناشط، من أجل غرس أفكار التمرد على الظلم والقهر في من حوله، وبالأولى أبناءه. ورغم أنه اعتقل إلى غير رجعة -الشيء المألوف عن معتقلي الثمانينات في سورية، رغم أنه لم يكن من الإخوان المسلمين بالمناسبة- عندما كنت في العاشرة، إلا أن تأثيره كان قد نقش في الحجر كما يقال، وربما جاء اعتقاله ليكرس التمرد لدى أبنائه ولدى جميع الذين عرفوه وأحبوه!. وقد قيض الله طوال الوقت من يهتم بي كناشئ ويعمل -حسب فهمه واستطاعته- على أن أستمر في العيش والنمو بناء على الأسس والمفاهيم التي أراد والدي أن أنشأ عليها، كحسن الخلق، التدين والالتزام، والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين والاهتمام بما يصيبهم.

كنت قارئا نهما طوال الوقت، بحكم نشأتي في منزل تكسو جدرانه الكتب المتنوعة المذاهب والاتجاهات والمحاور، وبحكم كون والديّ كانا من المثقفين المتعلمين القارئين. كل ذلك كان في متناول يدي وشكل عاملا مهما في استمرار شعلة التطلع لعالم مختلف عما أقاسيه ويقاسيه أهل بلدي من قمع وإرهاب وتنكيل لم يفرق بين المذنب والبريء، بل أحيانا بين المؤمن وغير المؤمن طالما اشتركا في قول “لا” للظلم والإرهاب”.

وهكذا، كان من الطبيعي ومن المفروغ منه أن تكون فكرة الانتماء إلى عمل تكتلي منظم ينسجم مع الجذور الثقافية، الدينية والحركية، أمرا واردا من حيث النتيجة. وهكذا كان بالنسبة لي. فما بين عامي 1988 و1989، طرح علي صديق يكبرني سنا، الانخراط في دراسة ثقافة ومفاهيم وكتب حزب التحرير بشكل رسمي مع أحد الأشخاص المنتمين تنظيميا بشكل فعلي لحزب التحرير، وكنا قبلها نتدارس أحد كتب الحزب (أنا وهذا الصديق) على أساس اجتهاد شخصي منه، حيث كان هو على صلة بالحزب عن طريق علاقة شخصية وغير تنظيمية أيضاً”.

{{لماذا حزب التحرير؟}}

{{بالنسبة لجابر:}} “كان الاطلاع على فكر الحزب ومفاهيمه عن طريق الصديق الذي ذكرته سابقا هو البوابة الرئيسية للاهتمام، وكان لما يتمتع به هذا الصديق من قوة في الحجة وسعة الإطلاع وجاذبية كارزمية أيضا دافعا إضافياً. أما الناحية العقلية (الفكرية) فإن الأفكار التأسيسية للحزب ما هي إلا استمرار للبناء على المعتقدات والمفاهيم التي يحملها أي فرد ذو نشأة أو خلفية ثقافية إسلامية، الأمر الذي ينطبق على جميع المسلمين ابتداءا، أما من الناحية النفسية فلا شك أن الشعور بالانتماء إلى كيان أكبر وتلبية الحاجة الغريزية للتواجد ضمن مجموعة متناغمة ومتعاونة من الأفراد يؤطرها نسق فكري واحد، هو الدافع النفسي وراء الانجذاب إلى فكرة الانخراط في حزب معين، ولا أغفل عامل القطيع في ذلك أيضا.

“وأود أن أذكر هنا أن عملية التسويق لهذا الحزب كانت ذات أثر كبير في التشجيع على الانضمام له، حيث صوّر لي الوضع على أن الأمر هو مسألة وقت فقط، وما أن يطلق البيان رقم “1” من الإذاعة مابين ليلة وضحاها، معلنا نجاح الحزب في الانقلاب ومستهلا بداية دولة الخلافة الإسلامية التي طال انتظارها، فإن الحزب على أتم الجهوزية لذلك، بل لديه كادر مستعد لمباشرة مهامه من الوزراء في جميع الأصعدة في اليوم ذاته!”.

أما سالم، فلديه اعتبارات أخرى: “أنت ضمن مجموعة من الشباب، تجدين اعتبارك. أنا بشر، أريد اعتباري. يطلقون عليك لقبا، “أبو فلان”. يدعونك إلى مناقشة كتاب، ويطلبون منك رأيك… أنت تماما في وضع تشعرين فيه باعتبارك الذاتي ضمن حزب سياسي. تحصلين على التوازن النفسي وتقولين، سأصل لمرحلة أُبعد فيها أولئك الظلاّم وأحقق العدالة على الأرض. في هذا الحزب، يشعر الشخص مباشرة بالاستعلاء على من حوله، ويعامل جميع من حوله – خارج الحزب- على أنه متمكن ومختلف.

أما ما يجذب إلى هذا الحزب من الناحية الفكرية، فهو تركيبته البسيطة، الله فوق، وعلى الأرض النص التشريعي متمثلا بالقرآن والسنة، ويجلب أنصاره منهما كل ما يؤكد أفكارهم، وبالتالي تصبحين مكبلة في الزاوية بدون أية حركة.

أنا رأيته وقتها بتلك التركيبة المنطقية الإسلامية، التي تشكل ثورة على من حولك. فالآخرين جميعهم معدومون أمامك. مهما كنت “مثقفة”، يوجد رداء أساسي ديني، يقدم بشكل عقلاني ومنطقي. الحزب يقدم المعادلة البسيطة، الله يمثل النص الشرعي.

{{الخيارات العلمانية}}

سألت كلا من جابر وسالم، ما إذا كان من الممكن أن ينتسبا في ذلك الوقت إلى حزب غير إسلامي، لو تسنى لهما الاحتكاك بالأحزاب الأخرى التي كانت ناشطة على الساحة:

{{يقول جابر:}} “إن احتمال الانخراط في تنظيم غير إسلامي أو غير مبني على أسس إسلامية هو أمر غير وارد بطبيعة الحال والنشأة، وهذا يخرج من الحسبان جميع التوجهات العلمانية، الاشتراكية أو الشيوعية، لأنها ترفض التدين (رغم أنها عقائدية في كثير من الأحيان) من حيث مبادئها ومنطلقاتها؛ مما يبقي في المعادلة الحركات ذات التوجهات الإسلامية الثورية الراديكالية، أو الاجتماعية التربوية، أو الحركية السياسية؛ وللحقيقة فقد كان لي اطلاع على الاتجاهات الثلاثة الآنفة الذكر، وقد أفادتني أدبياتهم وطروحاتهم النظرية بمقدار كبير وربما دفعتني أيضا (رغم أن ما أقوله قد يثير الاستغراب) لاستطلاع فكر حزب التحرير وتلمس مكامن القوة فيه. وأنا أعتقد بناء على خبرتي السابقة مع حزب التحرير أن البنية الفكرية والسياسية الحزبية استطاعت أن تثبت قوتها وقدرتها، وفي مواضع متنوعة مرونتها وقدرتها العالية على الاجتهاد المنفتح، بل ربما تفوّقها لدى حزب التحرير من الناحية السياسية على بقية الحركات الأخرى. وأستطيع القول أن حزب التحرير من الناحية الهيكلية كحزب سياسي ومن الناحية العملية كصاحب مشروع تغيير سياسي واجتماعي، له كيان واضح ومتبلور يمكن التعامل معه ووضعه تحت المجهر ودراسته على عكس أقوى المنافسين له (من وجهة نظري) جماعة الإخوان المسلمين. فلحزب التحرير جميع مقومات أي حزب سياسي ذو مشروع واضح بأجندة واضحة، مبنية على أسس نظرية موجودة في كتب الحزب القديمة والحديثة أو المتبناة، بغض النظر عن موافقتي أو عدمها على هذه الأسس النظرية أو تلك، أو هذه المفاهيم التأسيسية أو تلك. وأظن أن جميع الدوافع التي ذكرتها كان لها دور بدرجة معينة، وتكاتفت لتوصل إلى النتيجة النهائية وهي قراري بمباشرة الاحتكاك مع الحزب كـ”دارس” بداية، ومن ثم احتمال الاستمرار كحزبي إن عرض الأمر علي ولاقى قبولا لدي حال حصوله، وهو ما لم يتم”.

“من ناحية أخرى، فقد كانت الأحزاب العلمانية –الاشتراكية والشيوعية- مرفوضة إن لم أقل محاربة من الأوساط والاتجاهات الإسلامية. فهي تحاول أن تخاطب وتفرض على مجتمعات دينية خطاباً ومشروعا سياسيا غريبا عنها، بل هو أقرب إلى عملية زراعة كبد بقرة في جسد قطة!.

“أيضا يضاف إلى ذلك مسألة الارتباطات الخارجية لتلك الأحزاب بحكم نشأة الفكر العلماني ككل، حيث استخدم حزب التحرير مثلا هذه الارتباطات لتقويض شرعية هذه الأحزاب، وبالتالي إقصاءها من التواجد في ساحة العمل الاجتماعي السياسي بشكل جذري في أدبياته. ولا يخفي حزب التحرير رفضه لوجود الأحزاب العلمانية ضمن جسد “الدولة الإسلامية” حال تحققها، فالآخر بالنسبة له هو القائم على الأساس الديني الإسلامي فقط. ومن المفيد ذكره هنا أنني لم يسبق لي قبل معرفتي للحزب أو أثناءها أن التقيت بمن يحمل أفكارا علمانية في إطار جهود تنظيمية أو من يدعو إليها، فأستطيع القول أنه لم يتسن لي الاحتكاك بأحزاب علمانية مطلقا”.
أما سالم فيقول:

“في المنطقة التي جئت منها، هناك إلى حد ما اتجاه علماني وإلى حد ما اتجاه إسلامي. لكن في ظل أزمة الأخوان، فالإنسان المتدين، ينتمي إلى الله، ولا يعنيه أي شيء علماني”.

أزمة الإخوان كما يفهمها كثيرون باعتبارها “حربا ضد الإسلام”، يمكن إسقاطها على الوضع العام للمسلمين حاليا في أي مكان. يقول سالم: “بعد أزمة العراق، أصبح الجو السياسي مهيأ أكثر لعمل حزب إسلامي. الناس تنتظر شيئا ما. هناك شحن إسلامي مستمر، وأمام العولمة التي تكتسح العالم، أنت أمام نداء أساسي هو الإسلام، الذي هو جزء من تكوينك ويستطيع حمايتك. نحن متصلون بالله، بالقوة المطلقة التي تحمينا. رؤية أناس من المسلمين يموتون يوميا، جرح ينزف وكرامة تهدر، امرأة محجبة تبكي وتلطم على ابنها القتيل، هذا لا يموت، بل يجعل منك شخصا مستعدا لحمل السلاح. هذا السلاح يحقق لك التوازن النفسي والاجتماعي، وأنك قادرة على أن تردي اعتبارك. في ظل هذا الوضع، العلماني لا يؤثر. طرحه بعيد عن الله، والناس مرتبطة جدا بالله، تلك القوة التي تستطيع حمايتك من كل الشرور التي تحيط بك”.

{{في التحول عن الحزب}}

فيما توقف جابر في علاقته بالحزب عند مرحلة “دارس”، كان لسالم تجربة أطول تحمل خلالها مسؤوليات ومهام كثيرة في إطاره التنظيمي. وفي الحالتين، كان قرار التحول عن الحزب نابعا من دوافع متشابهة:

{{يقول جابر :}} “صلتي بالحزب –رغم إيماني وحماستي له ولأفكاره وأهدافه في البداية- لم تتعد المرحلة التي يطلق عليها المرحلة التثقيفية وخلالها لا يعتبر الشخص حزبيا، ويطلق عليه تسمية “دارس” . أما إنهاء علاقتي مع الحزب فكانت في عام 1991، إذ أبلغت “مدير الحلقة” (الشخص الذي يقوم على تثقيف الدارسين) آنذاك بقراري إنهاء الصلة. طبعا كان هناك اضطراب بسيط من طرفه إلا أنه كان نوعا ما يتوقع هذا الأمر، خاصة وأن نقاشات كثيرة حول أفكار تأسيسية لحزب التحرير كانت تجري بشكل متكرر، وكنت أعبر فيها عن تغير قناعتي تجاهها؛ بعد أن شرحت لممثلَي الحزب موقفي وأفكاري الجديدة التي أؤمن بها شعروا بجدية وصدق خطابي، واستطعت أن أبين حقيقة امتناني واعترافي بالفضل لحزب التحرير في توسيع أفق تفكيري وتزويدي بمفاهيم وإضاءة زوايا من العمل والحراك الاجتماعي السياسي لم يكن لي أن أصل إليها بمفردي، إلا أن هذا لا يعني استمرار صلتي بهم فالأمر بالنسبة لي هو مفترق طريق. عندها قال لي أحدهم: حسنا… يبدو أن قرارك نهائي، على كل حال… أدعُ الله لنا بالتوفيق؟ فأجبته: من طرفي سأدعو لكم… لكن ظني أن الله لن يوفقكم. وصافحتهما مودعاً. كان هذا قبل اعتقالي بحوالي تسع سنوات على ذمة تلك الصلة القديمة!!

نأتي الآن للإجابة عن لماذا؛ بشكل أساسي و دون الخوض في التفاصيل، كان الشيئان أو المفهومان الأساسيان اللذان تغيرت قناعتي تجاههما ومن ثم بناء عليه كان قراري بالانسحاب هما “العمل السري” وما يطلق عليه “طلب النصرة،” وقد كان لاحتكاكي و متابعتي للمفكر جودت سعيد وطروحاته الأثر الأساسي في تغيير هذه القناعات، بالإضافة إلى إدراكي لحقيقة أن تغيير الواقع الذي نعمل على إصلاحه وتحسينه لا يأتي بتغيير شكل السلطة أو بالإتيان إلى رأس الهرم وتغييره على أمل أن تعكس القاعدة هذا التغير بشكل أوتوماتيكي. وكان هذا بتأثير أفكار جودت سعيد ومالك بن نبي ومفكرين آخرين كمحمد عابد الجابري ومعظم المفكرين الذين كانوا يشيرون إلى أن الخلل حقيقة ليس في السلطة السياسية من حيث الجذر، بل بالأفكار والعقل المريضين الذين سينتجان مرة بعد الأخرى جميع الأمراض التي نعاني منها كمجتمعات مسلمة، بما فيها الدكتاتورية والفرقة الداخلية والقابلية للاستعمار الداخلي والخارجي. ووصلت إلى النتيجة التي تقول أن الخلل هو في العقل وبنية العقل لدى الأمة، أما السلطة السياسية فما هي إلا انعكاس لما تحمله الأمة وثقافتها من أفكار ومن ثم تعكسها طبيعة هذه السلطة مجددا على الأمة، ورغم أن الجدل (الديالكتيك) موجود ما بين قطبي الأمة والسلطة، إلا أن التغيير الجوهري يجب أن يحدث في الأمة.

والحال كذلك فإن “طلب النصرة” الذي يمكن أن أشرحه ببساطة بأنه طلب دعم مراكز القوة في الهيكل السياسي للمجتمع الذي ينشط به الحزب، وهو بناء على قناعة الحزب يكمن في القوة العسكرية للجيش وجنرالاته في معظم البلدان التي يتواجد بها الحزب؛ وهذا يعني بساطة أن الحزب يهدف و ينشط عمليا –رغم أنه يولي أهمية لعملية تثقيف الأمة- في طلب السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية، أي احتمال العنف الداخلي موجود بشكل كبير ومتوقع، وهذا كان مرفوضا بالنسبة لي، لأنه في النهاية يعيد تكرار مأساة فرض أنماط الأفكار والحياة على المجتمع بقوة السلاح والعسكر لا بقوة الأفكار والمبادئ وهذا سبيله إلى الزوال. وكل ما سبق يترافق مع “العمل السري” بشكل لازم، الأمر الذي تعيه السلطة الحاكمة بشكل متيقظ دائم التحفز، لا بل وتستخدمه للصيد في المياه العكرة. ففي الظلام يسهل اتهام أي ناشط بجرائم ضد الدولة والمجتمع دون أن يكون له القدرة أو السند الاجتماعي الذي يعينه على دحض ما يمكن أن ينسب إليه، ويحرمه من احتواء المجتمع له ولنشاطه بما يضمن استمرار تأثره به، إضافة أنه قد سبق لمحاولات انقلابية قام بها الحزب أن باءت بالفشل باعترافه، وهذا كان طريقا مسدودا بل جدارا أصر الحزب على أن يحطم نفسه عليه مرة تلو المرة دون جدوى!

وأذكر من مقابلتي الأخيرة لعضو حزب التحرير، عندما سألني إن كان هناك أمر يمكن أن يقوم به الحزب ويجعلني أعدل عن قراري بالانسحاب؟ أنني أجبته: نعم… هناك، إن أعلن حزب التحرير في جميع الوسائل الإعلامية الممكنة أنه تخلى عن طلب السلطة وأنه سيخرج من العمل السري إلى العلنية فسأعود عن قراري! مقتل حزب التحرير هو في طلب السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية أي العنف، وفي العمل السري. وأنا لم أكن مستعدا للاستمرار بالسير في طريق نهايته الفشل حتى إن واتته رياح ما ونجح!”

{{أما سالم فيقول:}}

أنا شخص قارئ و مطلع. وعندما أتيح لي السفر إلى إحدى الدول الغربية، أصبت بصدمة. كيف يقوم أولئك البشر بصناعة ما يصنعون؟ الناس بإنجازهم، فهل يعقل أن هؤلاء أصحاب هذه الإنجازات الكبيرة سيذهبون جميعا إلى جهنم؟ بدأت أطلع أكثر وبدأ ذهني يتفتح أكثر، كما أن اتساع دائرة معرفتي واحتكاكي بالكثير من الناس من مختلف الأصناف والتيارات – بحكم تخرجي وانخراطي في الحياة العملية- وسعا دائرة معارفي وفهمي إلى حد بعيد. بدأت أفكر بالنص الشرعي، سلاح التيارات الإسلامية ضد الآخرين، فما الذي يلزمني مثلا بتفسير الشيخ تقي لهذا النص؟ وهو بشر مثلنا وقد اجتهد وقد يكون قد أخطأ أو أصاب؟ بدأت أبعد بمسافة كبيرة وأشعر أن القضية أعمق مما كنت أعتقد. وبدأت بدراسة للسيرة النبوية من منطلق فكري جديد، غيرت نظرتي إلى كثير من الأمور.

وعودة إلى حزب التحرير، فقد كانت تركيبة الحزب توحي لك بالقوة، بمعنى البساطة والمنطقية. وذلك بالضبط ما وجدته فيما بعد مصيبة الحزب. أستطيع أن أصف تلك التركيبة من خلال مثال أسطورة بروكرست، قاطع الطريق اليوناني الذي يقف في الطريق إلى جانب سرير، فيأسر الشخص ويقوم بتمديده على السرير، فإذا كان الشخص أقصر من السرير، يقطع رجليه، وإذا كان أطول، يقوم بشده حتى الموت، ولا ينجو إلا من كان بطول السرير إياه. فكر حزب التحرير شبيه بذلك. حيث يمسك مسطرة يقيس عليها أي شيء في هذا العالم ويختصره بها. مثلا، الجمهورية الإيرانية ما بعد الثورة الإسلامية، لا تؤمن بالخلافة، نضع إشارة اكس عليها وانتهى الأمر. حماس لا تؤمن بالخلافة، لا يهم إن كانت حركة إسلامية، لا يهم مبادئها ولا أي شيء آخر، انتهى الأمر.

حزب التحرير هو مع الحكم الشرعي، وبغض النظر عن النتائج. مثلا، له فتوى بالسماح بالمصافحة والقبلة بين الجنسين من باب التحية، وهذا تفسير حرفي لـ”من يحيك بتحية فحيه بأحسن منها”، كذلك له فتوى بإباحة الموسيقى. أيضا هناك فتوى “ظريفة” تقول أن أبناء الطوائف الأخرى هم أبناء ردة، ويعاملون معاملة الذميين، وبالتالي اليد ممدودة للكل. يعني، كدولة إسلامية، اليهود والدروز والعلويون…، جميعهم ذميون طالما أنهم أعلنوا الولاء لدولة الخلافة، هذا ما يقوله الشيخ تقي.

مثلا، هناك فتوى تبيح دخول الفتاة “متفرعة” أمام الخاطب. لأن هناك حديثا صحيحا مفاده أن الرسول قال لابن مسعود الذي كان يريد أن يخطب، إذا استطعت أن ترى ما يدعوك إلى نكاحها فلتفعل، وهذا يعني أن يرى أكثر من وجهها ويديها.

محمد كان يدعو البشر للإسلام، فيأتي إلى رئيس القبيلة، إن أسلم هذا الأخير، أسلمت القبيلة. وبإسقاط ذلك على واقعنا، اعتبر الحزب رؤساء القبائل في ذلك الوقت هم أهل الحل والعقد في وقتنا، فالحزب لا يعنيه المجتمع، بل أولئك الذين بيدهم ما يمكّن من إقامة الخلافة. ربما الشيخ تقي كان متأثرا بالانقلابات العسكرية في المنطقة، فارتأى أن ضباط الجيش ذوي الوزن، هم من يمكن أن يوصلونا للحكم. بالتالي، فأنا كعضو منتسب للحزب، هدفي أن أتفاعل مع الأمة من أجل تحميلها فكرة ذلك الفرض الغائب وهو الخلافة. الآخرون في الحزب، وهم جهاز طلب النصرة، مهمتهم التواصل مع الضباط وطلب النصرة منهم.

الحزب لا يؤمن بالسلاح، لأن محمدا لم يحمل السلاح إلا عندما أصبحت عنده دولة! وبالتالي، لا يجوز لنا رفع السلاح، فهذا الموقف مستند على قراءتهم للسيرة أيضا.

لكن بالمقابل، فهناك أمور يتشدد فيها الحزب إلى درجة كبيرة، مثل تطبيق الحدود والخلافة والفائدة البنكية وغيرها. إذن، السهولة والمرونة التي يتحلى بها الحزب في بعض جوانبه، مبنية على حكم شرعي وليست نتيجة انفتاح فكري”.
مرة ثانية مع الحزب..في المعتقل

غادر كل من سالم وجابر حزب التحرير قبل سنوات على اعتقالهما، الذي جاء على أية حال، لاتهامهما بالانتساب إلى الحزب ذاته!

بالنسبة لجابر، فقد اعتقل بعد حوالي تسع سنوات من مغادرته الحزب، خطفا من الشارع. بعد عدة أيام في مركز التحقيق: “أخيرا أتت اللحظة التي كنت أنتظرها، السؤال الذي طرق أذناي مبددا كل حيرتي وتخبطي في معرفة سبب اعتقالي، فبعد أن قدمت نفسي بالطريقة التي تم تعليمي إياها “الموقوف فلان سيّدي المحقق”… سألني الضابط: ما علاقتك بحزب التحرير؟ وتنفست الصعداء، وحدثت نفسي، “إذن هذا هو السبب، يا لهذه المشكلة التافهة، هذا أمر قديم ولا شك أنهم عندما يعرفون أنني منقطع عن الحزب منذ سنوات، سيدركون تفاهة المسألة.”

لكن في حقيقة الأمر، فالمسألة لم تكن بـ”التفاهة” التي توقعها جابر. حيث وجهت له مع الآخرين تهمة الانتساب إلى الحزب، ولم يفرج عنه قبل مرور عام على اعتقاله، ضمن “عفو” عام صدر بحق عدد من المعتقلين السياسيين في ذلك الوقت. يتحدث جابر عن علاقته بأعضاء الحزب الآخرين أثناء فترة الاعتقال قائلا:

“مما لفت انتباهي من خلال احتكاكي مع معتقلي حزب التحرير -الراهنين حينئذ- أن السوية الثقافية الحزبية وسوية المحاكمات العقلية العلمية والمحاججات المنطقية قد انخفضت بشكل ملحوظ عما كنت عرفته قبل تسعة أعوام، وقد عزوت هذا إلى حقيقة اعتقال عدد لا بأس به من أعضاء الحزب المهمين في بداية التسعينيات وانسحاب عدد ملحوظ من الدارسين في ذلك الوقت، مما دفع الحزب حينئذ إلى انتقاء قيادات بديلة بشكل إسعافي لم يتوخ الحرص على سوية ثقافية أو علمية عالية كما هو المألوف عادة، مما أدى إلى تحويل نشاط الحزب بشكل أكثر مما مضى إلى زيادة الانتشار الأفقي بتسارع كبير عاد بأثر سلبي على سوية التحصيل والبناء الثقافي الفردي، أي بكلام آخر أن الحزب عمل بشكل واضح على زيادة أعداد الموالين له على حساب إعداد نخبة قيادية راسخة، الأمر الذي كان موجودا دائما ضمن النهج العملي للحزب إلا أنه لم يسبق له أن كان على الشكل المرضي الذي خبرته.

وأيضا قد يعود تقييمي السابق للسوية المتواضعة لأعضاء حزب التحرير، ولاية سورية، إلى حقيقة استمراري بالاحتكاك أكثر وأكثر بعالم الفكر ووجهات النظر والتحاليل المختلفة للخلل الذي يعاني منه العالم الإسلامي، والانفتاح الفكري الكبير على جميع الطروحات المتواجدة على الساحة والتي تنوعت مابين الإسلامي واللاإسلامي والليبرالي والمحافظ والعلماني…. الخ.

“نتيجة لكل ما سبق فقد كان الاحتكاك مع الحزب في المعتقل يتراوح مابين النقاش الفكري للجذور المفهومية التي بنى عليها الحزب هيكله الفكري، وما بين المشاحنات الكلامية والمواقف المتصلبة العدائية التي تولدت نتيجة تصنيفي مع مجموعة من الأشخاص على أننا نشكل خطرا فكريا ويجب نبذنا! إلا أن هذه الفترة أتاحت لي اختبار جميع المفاهيم التي كنت أحملها كمسلم “لا عنفي” والتي كنت أعيشها وأطورها بناء على ما اكتسبته من المفكر جودت سعيد ومالك بن نبي بشكل أساسي والفكر الليبرالي بشكل عام، وكان من نتيجة ممارستي لحياتي وسلوكياتي بناء على هذه القناعات أنني تركت السجن وقد اكتسبت من الأصدقاء والمتعاطفين العدد الكثير رغم إدراكهم بشكل واضح لا يخالطه شك أنني مختلف عنهم.

“الشيء المهم الذي لا يجب أن يتم تناسيه هو وجود براعم تيار إسلامي تنويري متحرر قادر على التواصل مع الأطراف جميعها، الإسلامية وغير الإسلامية التي تنشط في الساحة السورية والعربية بشكل أوسع. تيار يعتقد أن «ما ينفع الناس يمكث في الأرض، وأما الزبد فيذهب جفاء» كقاعدة تحكم جميع مشاريع النهضة والإصلاح أو التغيير. تيار يعتقد أن «العدل» و«النفعية» هي المقدسة وليس الأشخاص أو الكلمات أو الحروف بحد ذاتها. هؤلاء كانوا بعض الذين التقيت بهم هناك.

“وللمفارقة بعضهم أيضا كان من «التيارات العلمانية» الذين كنت أستطيع وأستمتع بالحوار معهم على عكس معظم من كانوا حولي من المنتمين إلى التيارات الإسلامية التي تحجرت على تقديسها لقادتها أو مشايخها بشكل أعمى ومنزه عن النقد الذاتي الضروري لأي حركة تتوخى البقاء والتطور، بمن فيهم حزب التحرير الذي قدس النبهاني لشخصه لا لإبداعه و قدرته على الاجتهاد، والله أعلم”.

سالم أيضا اعتقل عام 1999، ولم تكن له حينها أية علاقة بالحزب. “كنت في ذلك الوقت قد نسيت أمر الحزب. وضعي المادي ممتاز وعملي ناجح جدا، متزوج ولدي عائلة رائعة، فضلا عن أنني كنت على مسافة كبيرة من الحزب وفكره. في ظل ذلك كله، وجدت نفسي فجأة وبغير سابق إنذار، قيد الاعتقال بتهمة الانتماء إلى حزب التحرير الإسلامي. لذلك وفي الأيام الأولى لاعتقالي، كنت عدوانيا جدا ضد أعضائه المعتقلين معي.

“بداية وضعت في الزنزانة إلى أن انتهت فترة التحقيق التي امتدت حوالي ستة أشهر. ما لفت نظري وقتها، أنني التقيت بأشخاص أميين من بين المعتقلين على ذمة الحزب، وكان ذلك تغيرا ملحوظا بالنسبة له، بأن يضم مجموعة غير متعلمة. وربما كان ذلك، إثر زيادة نشاط الحزب بعيد حرب الخليج الثانية. أيضا لفت نظري أن كثيرا من أولئك، لا يعرفون شيئا حقيقة عن حزب التحرير، ولا يعرفون تماما ماذا يقول الشيخ تقي ولا المبادئ الأساسية للحزب، وبالكاد جلسوا مرتين أو ثلاثة مع أعضائه.

أول احتكاك لي مع أعضاء الحزب كان في “الجماعية”، وكان بنتيجة نقاش حاد خضته مع أحدهم اتهمت على أثره بأنني أثير الفتنة، وأنا لا أنكر أنه في ذلك الوقت كان سلوكي عدوانيا إلى حد ما معهم. لكنني كنت أشعر بعمق الأزمة، ما بين لؤم المخابرات التي تعمل فينا ضربا وتعذيبا وبين “دروشة” أولئك الشباب وسذاجتهم. على سبيل المثال، وفي ذلك الاحتكاك، كان ذلك الشخص يتحدث عن أننا حين نقيم الخلافة الإسلامية، سنصطدم بأميركا، لذلك علينا أن نتخذ من الصين حليفا! هكذا!.

عندما انتقلنا إلى سجن المزة، أصبحنا ثلاثين شخصا في مهجع واحد. “إذا كنتم ثلاثة في فلاة يجب أن تؤمروا أميرا” يقول الرسول، وبالتالي، كان يجب أن ننتخب أميرا للمهجع. كان ذلك بعد نصف ساعة فقط من وصولنا للسجن. قلت معترضا، يا جماعة، علينا أن نناقش فقه الحديث بداية، الحديث يقول ثلاثة أشخاص في فلاة، أي أحرار، ونحن محتجزون في السجن، فالحديث لا ينطبق علينا، لكن كان هنالك إجماع وانتخب الأمير.

أذاقنا الأمير من الدكتاتورية مالا يمكن تصديقه. بالمقابل، كانت بعض ردود الفعل أيضا مما لا يمكن تصديقه. فعلى سبيل المثال، قضى الأمير في إحدى الأيام بأن زميلا لنا قد أخطأ وأن أحدا لا يجوز أن يتكلم معه لمدة ثلاثة أيام. فذهبت إلى هذا الزميل وأخبرته أنه من غير المنطقي أن لا نتكلم إليه وأنني مع آخرين لن نطيع أمر الأمير، فما كان منه إلا أن وقف ضدي، واتهمني بأنني غير ملتزم، مصرا على أن الأمير موجود بحكم شرعي وأمره مثل أمر الله، وبالتالي فهو سوف يخضع للعقوبة.

ذلك اضطرني وآخرين إلى عمل “جبهة” لمقاومة تلك الأجواء، فافتعلنا مشكلة، وأسقطنا الأمير بالفعل، مرة وللأبد- حتى آخر فترة اعتقالنا. هذا إن دل على شيء، فعلى أن الممارسة تحدث تغييرا. الشباب بعد أن لمسوا ما لمسوا من الأمير وممارساته، اصطفوا سوية لإحداث التغيير. طبعا هذا لا ينطبق على الجميع. البعض من الصعب جدا إحداث أي تغيير في فكرهم ومن ثم سلوكهم. مثلا، يختلف ذلك من بيئة إلى أخرى. ولا ننسى، أنه من الصعب جدا كسر قناعات هي التي تحقق التوازن النفسي. بمعنى، أن أولئك الشبان اعتقلوا من أجل شيء محدد، فعندما تناقشيهم بشأن خطأ ذلك الشيء، أنت تزعزعين نقطة توازنهم. بالمجمل، فإن طريقة الصدام معهم كانت تؤدي إلى مقاومة كبيرة، بينما اختلف الأمر إلى حد بعيد، عندما بدأ الأمر يتم عبر المكتبة الواسعة والاطلاع على الكتب المتنوعة وقراءة وجهات نظر مختلفة عما كانوا يقتنعون به”.

{{خلاصة تجربة}}

{{سالم:}}

“لو كان هناك جو سياسي منفتح يسمح لمثل حزب التحرير بممارسة السياسة على أرض الواقع، لكانت هناك إمكانية ليتطور. هذا حزب غير تكفيري وغير جهادي، ويقول أن السلاح من شأن الدولة، هذا كلام راق يستحق أن يتم التوقف عنده.

“أما على الصعيد الشخصي، فمن يقول أنه إسلامي ( تيار إسلام سياسي) أقول له أنا معك، نعمل حكم إسلامي سوية وندخل الجنة سوية، لكن فقط دعني أرى شيئا مما تقوله له علاقة بالزمن والواقع. لا يجوز أن نبقى مثل العصافير في الجو، ليس لنا أي احتكاك بالواقع، وأن يكون فكرنا مجرد مجموعة إنشاءات عقلية غير واقعية تبقينا منعزلين عن ما يحيط بنا”.

{{جابر يقول:}}

“إن كان هناك من حزب أرتضي الانتماء إليه الآن، فسيكون حزبا قريبا من نموذج حزب العدالة والتنمية التركي. إن طبيعة إيماني بالإسلام كفلسفة حياة وكون لا تخلق تضاربا أو تناقضا ما بين الإلهي والموضوعي وهما بالنسبة لي وجهان لعملة واحدة. إن الإيمان بالله بالنسبة لي يعني الإيمان بالحرية كشرط لازم غير كاف للتنمية والعطاء والعدالة.

“ما يصنف اليوم على أنه إسلام سياسي هو تعبير موضوعي عن فكر وثقافة موجودان موضوعيا، وكان يمكن لتيارات الإسلام السياسي الحالية أن تجد نفسها على المحك إن أتيح لها الوجود والحراك إلى جانب مجموع التيارات الأخرى العلمانية الليبرالية اليسارية… الخ، إلا أن القمع والمنع والإقصاء سيؤديان في النهاية إلى تفجر عشوائي مدمر سيأخذ معه الأخضر واليابس. ومن غير شك أن تصلب بعض تيارات الإسلام السياسي في رفضها للعملية الديمقراطية من حيث المبدأ كحزب التحرير على سبيل المثال لا الحصر، تخلق لنفسها كابحا ذاتيا سيزيد من احتقانها الداخلي وبالتالي يزيد من تشنجها وتمسكها الشديد بمواقفها الإقصائية المتطرفة للآخر المختلف.

“ليس كون الأحزاب دينية أو لا دينية هو المشكلة، الخطر يكمن في الثقافة الإقصائية الشمولية التي تعاني منها المذاهب أو الاتجاهات أو الجماعات والطوائف والحركات، حتى العلمانية منها”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق