الانكسارات الداخلية لا تقود إلا إلى الهزائم الخارجية

تحاول معظم النخب السياسية والفكرية العربية الحاكمة إشاعة مناخ ثقافي وسياسي عام يقوم على قاعدة الدمج والربط الكامل بين متطلبات التنمية الداخلية (للفرد والمجتمع) وبين استحقاقات المواجهة الخارجية مع الدول والمحاور والقوى الإقليمية والدولية الكبرى.. وذلك بغية تأجيل مقتضيات البناء الداخلي (بكل مفاعيله السياسية والاقتصادية القائمة على إعطاء الناس حرياتهم الطبيعية، وإعادة السياسة إلى حضن المجتمع، وتمكين الشعوب العربية من صنع قراراتها وتقرير مصيرها بنفسها، والعيش حياة طبيعية آمنة وسالمة مثل باقي خلق الله) ريثما يتم الانتهاء من إيجاد حول ناجعة لمجمل أزمات الخارج وتحدياته المفصلية التي يأتي على رأسها تحدي الصراع “العربي-الإسرائيلي” الذي يبدو أنه سيطول جداً، ولن تنتهي مفاعيله –المتزايدة والمشتعلة باستمرار- في المدى الطويل، حيث أننا لا نزال نلف وندور حوله منذ عقود طويلة، وندفع الأثمان الباهضة من دمائنا ومواردنا وثروات حاضرنا ومستقبل أجيالنا نتيجةً لسوء خططنا ومعالجاتنا الضيقة والمبنية على أنانية الكثير من النخب الحاكمة، وحساباتهم الخاصة في ديمومة بقاء سلطتهم واستمرارية التسلط والنهب المنظم لموارد البلاد وثروات العباد.
ونحن لا نشك مطلقاً في أن الدولة العربية الحديثة (المتشكلة بعد عهود الاستقلال الظاهري قبل حوالي ستين سنة) قد نجحت نجاحاً باهراً في استغلال ذلك الصراع مع إسرائيل وتوظيفه لتغطية فشلها في مجالات التنمية والحياة السياسية، وعجزها الفاضح عن الإيفاء بالتزامات بناء الداخل العربي الذي أصبح –نتيجة سياسات تلك النخب السلطوية- ضائعاً ومحطماً ومنقسماً وعرضة -على الدوام- لشتى أنواع القمع والكبت والإلغاء والنهب الذي تمارسه احتكارات عائلية وحزبية وطائفية وفئوية ليس لها من دور أو همّ أو أجندة سوى البقاء في الحكم ومراكمة الثروة، بما يجعلها بعيدة كل البعد عن التحلي والتخلق بأدنى مشاعر ومعاني وقيم الوطنية ومحبة الناس والوطن. 
طبعاً نحن لا نريد أن نزيد الطين بلة كما يقال، وليس لنا أي ثأر مع الحكام والزعامات (الوطنية!) الكبرى، كما أننا لا نرغب في تثوير الواقع وتجييش المشاعر وتسخين المواقف، فنحن بعيدون عن ذلك كلياً.. فالحكام المستبدون والقائمون على أمور وشؤون اجتماعنا السياسي والديني لا يتحملون لوحدهم مسؤولية تردي أوضاعنا، ووصولنا إلى القاع الحضاري العالمي حالياً على كافة المستويات والأصعدة (التي يمكن متابعتها بدقة وإمعان من خلال مطالعة كل تقارير وإحصائيات أهم وأرقى مراكز الدراسات الإستراتيجية السياسية والاقتصادية العربية والدولية). صحيح أنهم – ومن خلال سياساتهم التي طبقوها على الشعوب قد جلبوا الكوارث عليها، وهم تبعاً لذلك مسؤولون مباشرة  –دون ريب- ويتحملون القسط الأوفر من ثقل المسؤولية عن بقاء الأوضاع العربية على ما هي عليه من انحطاط وبؤس وتخلف، ولكن هؤلاء الحكام هم – في الأساس وبالعنوان الأولي – جزء من تقاليدنا وتراثنا وثقافتنا، ولم ينزلوا إلينا من كوكب آخر، فقد ولدوا في أحضان مجتمعاتنا التي تحكمها نظم وتقاليد ونمطيات فكرية وسلوكية محددة تقليدية وبدائية، كما أنهم تربوا على عادات وأعراف ثقافتنا ومناخاتنا الفكرية والسياسية المهيمنة منذ قرون وقرون.. وبالتالي فهم – بمعنى من المعاني- صورة لنا، يعكسون طبيعة الثقافة السائدة، ويشكلون قطعة أو جزءا من صورة وضعنا العام الذي تشكل منذ فترة طويلة في هذا العالم المشرقي المتخلف.
من هنا ليس من المنطق العقلاني والتقدير الحقيقي المتوازن للأمور والأشياء أن نوجه اللوم فقط لحكامنا ونخبنا السياسية الحاكمة، بل ينبغي علينا – من أجل فهم تلك الحالة من التخبط والانحطاط العربي، والفشل الذريع في مجمل خطط التنمية، والتبعية والاستلحاق شبه الكامل للآخر، وتقديم التنازلات له –  الوقوف ملياً ومطولاً أمام طبيعة البيئة والبنية “الثقافية-السياسية” السائدة التي تهيمن على وعي الناس عندنا، وتوجه مساراتهم، وتحدد اختياراتهم القيمية والعملية.
وبالعودة إلى تراثنا العربي القديم الحافل بشتى أنواع العبر والدروس، والذي لم يدرس بعد دراسة موضوعية ونقدية فاعلة، رغم  وجود بعض المفكرين الذين غطوا بعض الجوانب منه، وحاولوا مشكورين تقديم رؤى وعبر علمية مهمة عن تاريخنا العربي والإسلامي.. أقول: بالعودة إلى بعض هذا التراث التاريخي يمكن أن نحظى بمآثر جمة وغنية عما تركه لنا هؤلاء الحكام في تثبيت الملك العضوض، وفي “فن أصول الحكم”.. حيث رأينا كيف انبثق في تلك اللحظة التاريخية من تاريخنا العربي وعي زائف وإدراك قاصر لمسائل الدين والتدين والسلطة والحكم، أنتج فهماً خاصاً ضيقاً وعدوانياً لمعنى الدين والحكم الديني، وللعقل والانفتاح، والتسامح إلى أقصى الحدود. وهذا الفهم للدين والحياة الدينية والمجتمعية الإسلامية عموماً –الذي أضحى لاحقاً عرفاً وتقليداً دينياً مقدساً يدان به، له أفكاره ورموزه ودعاته- هو الذي ثبت في ذهنية الناس والمجتمع، وتحول إلى ما يشبه القانون والقاعدة الثقافية العامة، وهو الذي يسيطر حالياً على واقعنا اليوم محلياً وإقليمياً ودولياً.
ففي اللحظات التاريخية التأسيسية الأولى لاحظنا كيف سيطر الفهم القبلي العشائري للدين على ذهنية وتفكير وسلوك كبار القوم الذين أنيطت بهم مهمة رسالية سامية هي دعوة الناس إلى الحرية والحق والعدل، والسير بهم نحو كمالهم الممكن لهم… فها هو سليمان بن عبد الملك يأمر صاحب الخراج في مصر أن: “احلب الضرع، فان انقطع فاحلب الدم”. وها هو زياد بن أبيه في إحدى خطبه يقول: “نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ولنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا”. وفي الخطبة البتراء يقول: “وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح بالسقيم حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: أنج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم”. أما الخليفة المنصور فلم يتردد لحظةً واحدةً في القول: “أيها الناس إن الله ملكني رقابكم وأموالكم فإن شئت قبضت وإن شئت بسطت». ولعل شعرة معاوية بن أبي سفيان كانت لحظة نادرة في التاريخ العربي لم تتكرر إلا قليلاً، ولم تنقف براعمها على الإطلاق.
ومعاوية، باني الدولة العربية الأولى – دولة النخبة، لا دولة الأمة- في دمشق، هو القائل: “لا نحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا” (لاحظ كلمة ملكنـا التي يستخدمها معاوية وكأنها حق له ولأبنائه وأسرته).. وهو القائل أيضاً: “إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت أبداً. فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا مدّوها أرخيتها وإذا أرخوها مددتها”.. 
طبعاً لابد أن نذكر هنا –وليعذرنا القارئ إذا ما خرجنا قليلاً عن محور الموضوع، فالأمور أحياناً قد تقابل بنقائضها وتقاس بأضدادها، والشيء بالشيء يذكر- أن مواجهات حادة وانتفاضات وثورات عديدة دموية اندلعت في تاريخنا العربي والإسلامي بين رؤيتين ومنهجين للحكم والسياسة، بين من يمثل مشروع ونهج دولة النخبة “الملك العضوض” (=مشروع “الدولة-القبيلة”)، ومن يمثل مشروع ونهج “دولة الأمة”، كلفت (تلك المواجهات) المجتمع كثيراً من الدماء والدموع، حيث كان الهدف إسقاط عملية تدعيم وتكريس الحكم الوراثي القبلي القائم على النخبوية والفردية والتسلط والنهب وتكديس الثروات القادمة من الفتوحات الخارجية والنهب الداخلي.. 
لكن الذي حدث في تاريخنا العربي -منذ العهود الأولى لبداية صعود وانتشار الإسلام- هو انتصار أتباع المنهج الأول، مما أدى إلى طغيان ظاهرة القبلية الفكرية والسياسية القائمة على النسب والحسب والفئوية والعائلية والقرابة الدموية، وتوسيع رقعة انتشارها من أعلى هرم الدولة إلى قاع المجتمع والأمة.. ووصلت الحالة إلى مستوى عجز الدولة العربية المعاصرة عن تلبية الحد الأدنى من حاجات الأمة ومصالح مجتمعاتها الحيوية.
وحالياً لا تبدو ولا تلوح في أفق هذه الأمة الغائم والعاصف بالتحديات والمتغيرات الكبيرة أية إمكانية أو فرصة حقيقية للخروج من مأزقها الوجودي المقيم، حيث أنه طالما هناك هزيمة داخلية للفرد العربي في داخل مجتمعاته وأوطانه، وطالما أنه فاقد للثقة بنخبه وطبقته السياسية الحاكمة، وطالما أنه غير قادر على تحصيل معاشه اليومي بشكل طبيعي (مثل باقي الناس في المجتمعات الأخرى) من دون ذل أو مهانة، وطالما لا يشعر بالحرية الحقيقة في التعبير عن رأيه وممارسة النقد بحق حكامه والقيمين على مصيره، وطالما أن تنميته الداخلية مقرونة بحل كامل للصراع مع إسرائيل، فإنه لن يكون هناك أي أمل واقعي في تحسن الأمور وتطور البلاد ونهضة العرب على الإطلاق.
 
 فالهزائم الداخلية للشعوب والمجتمعات لا تقود إلا إلى النكبات والكوارث والهزائم الخارجية الدائمة.. وهاكم الدليل الأبرز على ذلك، فبعد أكثر من سبعة عقود تقريباً على صراعنا الوجودي مع عدونا الإسرائيلي، وبعد تطبيق استراتيجيات متعددة (اقتصادية وسياسية وعسكرية حربية وو..الخ) قامت بها قياداتنا العربية (البطلة والصامدة والراسخة في عروشها وكراسيها!).. لم نتمكن بعد من السيطرة على معادلة الصراع الأساسية.. ولم نصل إلى أية نتيجة مضمونة بهذا الخصوص؟!.. فهل تحررت الأرض والأوطان؟! هل قامت الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع وبعض فلسطين (حتى لا نقول فلسطين من النهر إلى البحر؟!)..
ثم وبعد صراع طويل مكلف مع إسرائيل لم يجد العرب من طريق لاسترجاع أرضهم المحتلة سوى طريق السلام مقابل الأرض (أو بعض الأرض مقابل السلام، ولا أدري لماذا لم يطرح العرب عودة باقي أراضيهم المحتلة الأخرى هنا وهناك؟!!) وطرحوا مبادرتهم الشهيرة بهذا الخصوص (السلام خيارنا الاستراتيجي- والسلام مقابل الأرض)، وذلك بعد حدوث جملة متغيرات إستراتيجية إقليمية ودولية على الصعيد السياسي والاقتصادي، أثرت آنذاك على الموقف العربي من قضية فلسطين، حيث كانت نهاية الحرب الباردة، وجاء انهيار المشروع الشيوعي، وسقوط جدار برلين، واندلاع حرب الخليج الثانية، ومن ثم بدء مفاوضات التسوية بين العرب وإسرائيل على أمل إيجاد حل دائم وشامل للنزاع مع إسرائيل. ثم أحداث 11 أيلول..
وهنا نفتح هلالين لنقول (سيبقى هذا الصراع ولفترة زمنية طويلة، في موقعه الهام والمصيري، وسيأخذ أبعاداً وتطورات جديدة – خصوصاً بعد زوال كابوس النظام العراقي، وتواجد القوات الأمريكية في منطقتنا، ووقوع عدوان تموز 2006، وتفاقم حالة الوضع اللبناني- طالما أن منطق القسر والظلم هو المنطق السائد حالياً في معالجة كل مشاكل الساحة الراهنة المتعددة والمتفرعة من المشكلة الأم، وأعني بها مشكلة “النزاع العربي الإسرائيلي”). 
ومن المعروف للجميع أن دخول العرب في مفاوضات سلام مع إسرائيل كان خياراً استراتيجياً على ما يقولون، ولكنه لم يقترن إطلاقاً مع خيار آخر وهو الاستعداد بالمقابل لحالة عدم تحقق السلام المنشود (بعدله وشموليته).. أي أنهم (العرب) اعتمدوا السلام كخيار استراتيجي وحيد، ولم يأخذوا بعين الاعتبار والوعي حقيقة أن قوة هذا الاندفاع نحو خيار السلام الأوحد لابد أن يكون مرتكزاً ومدعوماً بالخيار السياسي الديمقراطي قبل العسكري الذي يجب استحضاره دائماً، وعدم استبعاده أبداً كخيار استراتيجي أيضاً من الساحة.
ولذلك فإن ضرورة الاعتماد على الخيار العسكري المبني على قاعدة سياسية (تعطي الشعب كامل حريته في تداول السلطة والعيش الحر الكريم، والتغيير السياسي السلمي، وتجعل الحكومات خادمة فعلية لشعوبها، وليس على طريقتنا في تأليه الحكام، والتعبد في محرابهم ليلاً ونهاراً) واقتصادية وعلمية وتكنولوجية متطورة (تنتج وتبدع وتطور من ذاتها لا من العيش الطفيلي على فتات موائد الحضارات الأخرى) أقول إن هذا الاعتماد على كل تلك الأمور – في أية عمليات تفاوضية بين العرب وإسرائيل- هو الذي يكسب العرب قوة أساسية متقدمة في صميم العمل السياسي التفاوضي، وهو الذي يمكنه أيضاً أن يبعد عن هذه المواقف السياسية  دلالات الضعف ومظاهر الاستسلام والعجز التي قد تظهر عليها أحياناً.
ويبدو أن افتقاد كثير من العرب والمسلمين لهذا التصور الصحيح هو الذي تسبب لهم بحدوث انهيارات وتراجعات عسكرية واقتصادية كبيرة أمام إسرائيل منذ حرب الـ48 وحتى ما قبل تحرير الجنوب اللبناني عام 2000م (بعد انتصار المقاومة الوطنية اللبنانية إثر مواجهات طويلة دامية شهدتها تلك المنطقة أدت إلى زوال الاحتلال الإسرائيلي عنها) خصوصاً بعد أن عجزوا عن كسب ثقة الشارع بهم، وافتقدوا الشرعية الطوعية الحاسمة (واللازمة والضرورية والمطلوبة دائماً) منذ عهود الاستقلال الأولى وحتى الآن.. وأقول “حاسمة” لأنها المقياس الحقيقي والميزان الشرعي الوحيد الذي توزن (وتقاس) به قوة الدولة في الداخل، كما أن قدرة الدولة على مواجهة التحديات والأخطار (تحدي السلام مثلاً) هي المقياس الواقعي لمدى قوة الدولة في الخارج.
ويجب ألا يغيب عن أذهان العرب أن مجتمعاتهم قد وصلت إلى أدنى حالات السوء من تخلف وفقر وجهل وغلاء معيشة فاحش، وشارفت درجة الغليان من الإحباط والاحتقان الكلي الشامل نتيجة انعدام أملها ونفاذ صبرها في تحسن الأمور وتغير الأوضاع، واليأس شبه الكامل من قصة هذا الصراع الطويل جداً مع إسرائيل، ودفعهم –من دمهم وعرقهم وأموالهم ومواردهم وثرواتهم في حاضرهم ومستقبلهم و..- لفواتير حروب لم تقع، وأموال باهظة نهبت وصرفت في طرق غير مشروعة من استثمارات نخبهم السياسية والحزبية الحاكمة الخاصة هنا وهناك.. الأمر الذي يحتم على كل القوى والتيارات والنخب الحية الفاعلة في السلطة وفي المعارضة العربية –على حد سواء- أن لا يتناسوا أبداً حاجتهم الملحة لإعادة التوجه نحو داخل بلدانهم بما يسمح لهم بإعادة النظر في أسس تنظيماتهم السياسية والمدنية التي أصابها العطب في الصميم نتيجة لتاريخ طويل من تفشي النخر والفساد والإفساد والقهر والتسلط والظلم في كل مواقعها وامتداداتها، فأصبحت تعاني من القصور والشلل.. وذلك بما يساعدهم على الخروج من أزماتهم المقيمة الشاملة التي تتزايد وتتفاقم يوماً بعد يوم، معبرة عن نفسها من خلال ما بتنا نراه أمام أعيننا باستمرار من ازدياد مشاهد وحالات العنف والتوتر والإحباط واليأس والقلق السلبي في كل الساحات العربية والإسلامية تقريباً.
وطالما أن الوضع العربي الراهن مفكك ومتشظ إلى هذه الدرجة، ولا أمل بحدوث تغيير ولو جزئي بسيط لحالة اليأس والتخلف السائدة، فقد كان من الطبيعي جداً أن يخرج العرب من معركة (السلام!) المزعوم وهم أكثر تشتتاً وانقساماً مما كانوا عليه من قبل، وأكثر شكاً بقدراتهم وطاقاتهم وأنفسهم، وانعدام وجود إرادة تغيير حقيقي لديهم لمواجهة تهديدات أمنهم ومصالحهم، وأكثر قطيعة بينهم وبين شعوبهم المفقرة والبعيدة كلياً عن ممارسة (والتعاطي مع) الشأن السياسي.
وباعتقادي إن السبب الرئيسي لكل هذا الوضع المزري هو الطابع العام اللاعقلاني للسلطة العربية القائمة حالياً، والمسيطرة على العباد والبلاد بقوانين الطوارئ وأحكام الاستثناء، والتي يمكن أن نعتبرها امتداداً طبيعياً أو صورة واقعية عن دولة الملك العضوض التاريخية التي تأسست في ماضي العرب القديم، والتي تغيرت بشكلها (وإطاراتها) مع بقاء المضمون العملي ذاته..
وبالنتيجة نقول إن معادلة الصراع ضد إسرائيل لا يمكن أن تكون منتجة وفاعلة ومؤثرة في عالم في عالم اليوم إلا بتغيير مقدماتها الأساسية وهي هنا متمثلة في شروط النهضة العربية المنشودة بما يؤدي إلى تغيير موازين القوى الداخلية، ويقود مباشرة إلى إحداث تغير (واختراق) نوعي كبير في إستراتيجية السلام والتفاوض مع الآخرين.          
وهذا يعني -كما نذكر، ونحب أن نذكّر غيرنا- بالعنوان الجوهري إعادة الاعتبار للشعب والمجتمع في مشاركته الحقيقية في صلب العملية التنموية الشاملة.. أي نزع القيود عن مشاركة الناس والمجتمعات في الحركة الوطنية العامة، والتعاطي معهم كأفراد يحتاجون إلى الاحترام والتقدير والكرامة والعزة، والشعور بالحرية والثقة بالنفس.. كمقدمة أساسية للبدء الجدي بعملية الإبداع والإنتاج والتطور.
 
إننا نعتقد أن إصلاح الحاضر كمقدمة للنهوض به من أجل استثمار رابح للمستقبل لمصلحة الأمة ككل لابد وأن يمر أولاً على طريق إصلاح الماضي المسيطر عليناً حالياً وربما مستقبلاً. فالماضي –بما هو خزان الفكر والثقافة و ذاكرة الأمم والشعوب والحضارات ومستودع العناصر الروحية والمادية فيها- لن يموت، ولا أحد قادر على إلغائه وإزالته من ذهنية الناس، بل سيبقى فاعلاً بقوة في مختلف جوانب عالمنا العربي والإسلامي، خصوصاً وأنه هو المحرك الأكثر فاعلية وتحريكاً لطاقات شعوبنا، وهو المحرض الأهم لديها للفعل والإنجاز والعمل، إذا ما تمت تعريته من عناصر الجمود والتخشب والماضوية السلبية المهيمنة عليه حتى الآن.. 
من هنا إصرارنا على ضرورة تعميق الحالة النقدية للفكر والقيمة والسلوك التراثي الهائل المتحكم بكافة مفاصل هذه الأمة، ودراسة ووعي هذا التراث المادي والروحي الكمي الكبير المسيطر على العقول والأفئدة عندنا من داخله، وعلى ضوء معطيات الثقافة والفكر الإنساني المعاصر والمتطور.. وهذه العودة لا تعني أن ننساق وراء القديم وهي لا تعني مطلقاً أن نستعيد التاريخ المنقضي تكرارا واجترارا كما نقول دائماً، ولا هي اتباع وتقليد أعمى لكل ما هو جديد، وإنما هي حركة نقدية لواؤها العقل والتفكير النقدي الحر “ما حكم به العقل، حكم به الشرع”، ومصباحها الواقع والتطورات الكبيرة الهائلة في الزمان والمكان. أي أنها عودة عقلانية صرفة تعني رؤية التراث الماضي، في ما هو، وفي جميع أحواله، لكي نعرف كيف ننفصل لنغادر ونفارق، وكيف نتصل لنتفاعل ونتعاون.
وبالاستناد إلى ما تقدم نؤكد أن مواجهة الخارج مرهون كلياً لبناء الداخل، وإصلاح مكوناته الذاتية القائمة، وبناء فرد سليم معافى خال من الأمراض، يمكنه المساهمة – مع باقي أفراد المجتمع- في إبداع عناصر القوة الاجتماعية- السياسية والعلمية والتكنولوجية اللازمة للتحرر الخارجي.
 ونحن نجزم هنا بأن مجتمعاتنا وشعوبنا كانت واقفة على الدوام في موقع التضحية والبذل، وهي لا تزال مستعدة الآن وفي المستقبل أيضاً لتقديم المزيد من التضحيات والعطاء أكثر فأكثر –بالرغم من ظروفها الصعبة التي تكابدها حالياً من بؤس وإحباط وقمع وتجويع وقهر وحصار  روحي  ومادي – في سبيل الخروج من نفق الانهيار الوطني العام، شرط أن تكون لتضحياتها نتائج وفوائد ملموسة على صعيد العمل والبناء والتطوير والازدهار المجتمعي العام، خصوصاً إذا شعر –أبناء مجتمعاتنا- أن النوايا طيبة وصادقة، والعمل الجدي الصحيح يسير على طريق الإصلاح والتغيير الحقيقي. وإلا فإن المصائر المجهولة تتهددنا نحن العرب والمسلمين، وسنواجه لا محالة واقع الإفلاس والهامشية الحضارية، ولن ينفع عندها الندم ولطم الصدور والبكاء على الأطلال.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق