الباحث عبد الوهاب المؤدب للصباح: لماذا يرفض البعض أن ينزل النص القرآني في سياقه التاريخي؟ / حياة السايب

الكتب التي أصدرها عبد الوهاب المؤدب مؤخرا تجعلك تدخل في صلب الموضوع منذ العنوان . «رهان الحضارات» الصادر مؤخرا عن مؤسسة «سوي» «Seuil» الفرنسية أثار فضول التونسيين بشكل كبير. فقد انتهت مجموعة النسخ التي وقعها الكاتب في جلسة نظمها مؤخرا الفضاء الثقافي «آر ليبريس» بضاحية الكرم بالعاصمة بسرعة قياسية حتى أن كثيرا من المطالب أجلت في انتظار توفر عدد آخر من الكتاب الجديد. وكان حظ الكاتب كبيرا أيضا خلال اللقاء الذي نظم بنفس الفضاء حول أعماله . فقد شهدت الجلسة جمهورا واسعا ومتنوعا وكان النقاش طويلا وشاقا إلى درجة الإجهاد . وكان لنا بهذه المناسبة حديث مع عبد الوهاب المؤدب حاولنا فيه قدر الإمكان استدراج الكاتب خارج عالم المصطلحات الفلسفية الصارمة فكان كالآتي.

{{[*لئن تتعدد مؤلفاتك المهتمة بالإسلام وقضاياه فإن كتاب «علّة الإسلام الصادر منذ سنة 2002 عن دار النشر الفرنسية «سوي» يعتبر من بين أبرز المؤلفات التي صدرت في الأعوام الأخيرة التي تجازف بالقول أن موطن الدّاء في أمّة الإسلام بماتقدمه بعض التيارات من قراءات مختلفة من بينها تلك التي تستمد منها الحركات المتطرفة اليوم شرعية وجودها. إلى أي حد يمكن أن نعتبر أن هذا التحليل يملك ما يكفي من العناصر التي تجعله قابلا للإقناع؟*] }}

إن النصوص التأسيسية للإسلام وهي القرآن والسنة تفسح المجال لقراءات عديدة. هناك رغبة واضحة اليوم في تناسي حقيقة تاريخية مفادها أن القرآن لم ينزل دفعة واحدة بل كان منجّما وأن نزوله استغرق كامل الفترة الفاصلة بين بداية التنزيل ووفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم). هناك محاولة لتناسي قاعدة «الناسخ والمنسوخ» وبناء على ذلك نتساءل عن المنطق اليوم الذي يرفض أن ننزّل النص القرآني في سياقه التاريخي. ما كان ممكنا خلال القرن السادس والقرن السابع غير معقول بالنسبة للقرن الحادي والعشرين. وهذه حقيقة لا يفترض أن نتجاهلها.

أما بالنسبة إلى الأحاديث النبوية، أتساءل كيف يضع هؤلاء «المتاجرون بالدين» من بين مدّعي العلم والمعرفة والعقل كلاما لا يرتقي إلى المنطق على لسان رسول الإسلام . شخصيا أنزّه الرسول عن عدد هام من الأحاديث التي نسبت إليه وأعتقد أننا مطالبون بإعادة النظر في نصوص الأحاديث و تصحيح ما شابها من أخطاء متراكمة منذ قرون ووضع العقيدة الدينية في مستوى ما بلغه العصر من تقدم ومن وعي بالوجود وبالاستفادة ممّا خلقه الإنسان من أدوات للتفكير…

{{[*إن تركيزك على مسألة «الناسخ والمنسوخ» في القرآن واستغرابك من تضمّن النص القرآني لآيات معينة خاصة منها ما تسمونها بآية «السيف والقتال» يجعلنا نقدر أنك قد تشكك حتى في «قداسة القرآن» وحتى في مصدره؟*]}}

أفضّل القول أن القرآن مستلهم من الله، لكن صياغته تبقى صياغة بشرية. ليس الى هذا الحد ولكني اعتقد ان القرآن وإن كان كلام الله فقد كتب بلغة البشر. وإذا ما سلّمنا بذلك فإن الباب لن يبقى موصدا أمام القراءات المستنيرة التي تنزّل النص في سياقه وتأخذ بعين الاعتبار تطوّر العصر وتطور حاجات الناس و تغيير مجالات اهتماماتهم ورؤيتهم للحقيقة.

[*
{{ تحمّل المسلمين مسؤولية المشاكل التي تعيشها المنطقة الإسلامية والإشكاليات التي تطرح على العالم بسبب ما يصطلح عليه بالإرهاب فهل أن هموم هذه الأمة نابعة منها فحسب وكأن المسلمين في العالم لا يعانون من أي ضغط خارجي ؟}}*]

أعتقد أن النص التأسيسي للإسلام – وليست القراءة الحرفية لوحدها- يحمل عناصر إذا ما حللناها تجعلنا نفهم أنها يمكن أن تفضي إلى قراءات تشرّع للإرهاب تحت تسميات مختلفة من بينها الجهاد. وإذا ما عدنا إلى بعض الآيات التي يتضمّنها النص القرآني لاسيما منها التي تدعو إلى القتال وتحدد طرق التصرّف مع أهل الكتاب ندرك أنه يمكن أن يقع الإنطلاق منها لتبرير الأعمال الإرهابية التي تقوم بها الحركات المتطرفة بدون حاجة كي تخفي هويتها لأنها تدرك أنها تستند إلى شرعية ما موجودة داخل النصوص التأسيسية.

لا أنفي أن هنالك عناصر خارجية تساهم بدورها في تأجيج الشعور بالظلم ذلك أن الإنسان في المنطقة الإسلامية يتفطن إلى أنه خارج دائرة صنع القرار. لم يولد هذا الشعور تلقائيا وإنما نشأ عن وعي هذا الإنسان بتلك الهوة التي تتّسع مع الغرب مما يخلق شعورا بالعجز. ولكن علينا أن نبحث في أسباب عجزنا من الدّاخل. لقد توقّفت الأمة الإسلامية منذ قرون عن المشاركة في صنع تقدم الإنسان وتراجعت الحضارة الإسلامية التي كانت خلاقة عن الإبداع. وليس لنا أن نحمّل الآخر مسؤولية فشلنا.

{{[*صدرت لك نصوص بالصحافة الغربية تجعل الطرف الفلسطيني والإسرائيلي وكأنهما يتحملان بنفس القدر المسؤولية في عدم الوصول إلى تسوية للصراع مثلا بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟*]}}

أعتقد أنه من بين مشاكل العرب اليوم أنهم لم يتفطنوا بعد إلى ضرورة تغيير منهجهم في التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي . علمتنا الحضارات العظيمة أنك تقيم الحرب كي تربحها. وماذا فعل العرب في حروبهم مع إسرائيل . خسروا جميع الحروب . كانوا يتكلمون في الوقت الذي يعمل فيه الآخرون . مادمت لا تملك إستراتيجية تمكنك من الانتصار من الأفضل أن تصمت . اليوم يقع الشعب الفلسطيني من جهة ضحية الآلة العسكرية الإسرائيلية التي تستعرض القوة المفرطة أمام «خصم »ضعيف في حين يقوم الطرف المقابل بكل ما من شأنه أن يجعل موقفه مرفوضا أمام الرأي العام الدولي. وماذا نفعل في المنطقة العربية نتكلم ونزبد ونرعد. أين يتمثل حضورنا في الساحة اليوم. أين العلم والمعرفة, أين الكفاءات. أين الإستراتيجيات التنموية، أين المخابر العلمية ومراكز البحث العلمي. كم نترجم من كتاب وكم ننشر من مؤلف، لماذا يغادر المفكرون العرب أوطانهم؟ الأمر بسيط. لا مكان لهم في المجتمع.

{{[*إذا سلمنا بما تفترضه من تضمن النصوص الـتأسيسية في حد ذاتها لبوادر الإرهاب، هل ينبغي أن نركّز على هذا الجانب وأن نهمل الأبعاد الأخرى للحضارة الإسلامية؟*]}}

الحضارة الإسلامية من أبرز الحضارات التي عرفها الإنسان التي بلغت حسب العديد من المفكرين العرب أكبر درجة من الكمال في فترة ما. وكان ذلك بالخصوص خلال القرن الرابع للهجرة. وانطلاقا من ذلك هناك فكرة تشير إلى أن الإسلام كان أول من بادر بطرح مصطلح «نهاية التاريخ». كانت الحضارة الإسلامية قد أدركت درجة من النضج حتى انتشرت العلوم وازدهرت الترجمة والفلسفة. الحضارة الإسلامية أفرزت مفكرين وفلاسفة عظماء على غرار ابن عربي. وكان الإسلام في حد ذاته ثورة حقيقية. لكنها ثورة مقارنة ينبغي أن ننزّلها في سياقها التاريخي. جاء الإسلام بمجموعة جديدة من القيم وأدخل قوانين جديدة متقدمة على عصره لكنها لا تكون كذلك إلا إذا ما سلطنا عليها نظرة تضعها في سياقها الخاص. لا يمكن أن ننكر الأبعاد الإيجابية للحضارة الإسلامية ولكنها اليوم لم تعد فاعلة وفقد المسلمون موقعهم في صنع التاريخ. ولن يجدينا كثيرا التذرّع بالماضي المجيد كي نستعيد مكانتنا بين الأمم المتحضرة.

{{[*نشأ عبد الوهاب المؤدب في تونس العاصمة في عائلة محافظة جدا ومتديّنة مما يجعلنا نفترض أنه ربما سيكون قدره مختلفا وربما كان أكثر حلما في حكمه على أبناء جلدته وعلى حضارة الإسلام؟*]}}

نشأت فعلا بعائلة محافظة وتربّيت منذ الصغر على القرآن لكنني انفتحت على فلاسفة الأنوار واقتربت من عالم المفكرين والفلاسفة العرب والمسلمين الذين كان لهم دورهم في تنمية الفكر في العالم لكن شفائي التام من مرض الإنعكاف على الذات جاء بعد النكبة. كنت كغيري أصدق الخطابات الرنانة التي تعد العرب بنصر مبين ثم وجدنا أنفسنا في قلب الهزيمة. لقد كانت تلك الهزيمة جرحا ودواء في آن واحد. لقد أوجعتنا كثيرا لكنها حصّنتنا ضدّ أمراض الوهم.

{{[*عبد الوهاب المؤدب يعيش عن قرب الإشكاليات التي يطرحها وجود الإسلام بأوروبا فهل تؤيد فكرة انقلاب أوروبا على مبادئها وخاصة الدفاع عن حقوق الإنسان؟*]}}

العالم يتقدم بخطوات عملاقة وإذا بنا مازلنا نتحدّث عن أفضلية الرجال عن النساء ومن المخجل اليوم أن ترتفع أصوات بأوروبا حتى من بين النساء تطالب باسم الديمقراطية بفصل النساء عن الرجال. أما حكاية النقاب، فتلك قصة أخرى. أكتفي بتوجيه هذا السؤال إلى المسلمين: لماذا نخفي الوجه؟ أليس في الوجه تجلّ لجمال الخالق؟

{{عن جريدة الصباح التونسية}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق