الباكستانية مختار ماي تكسر قانون القبائل / نجم والي

حكايتها طافت حول العالم: إمرأة شابة، عاندت الفضيحة والعار؛ ضحية بريئة، لُطخت بالعار وأذلت، تحولت إلى بطلة، إلى رمز لا يعرف الخوف في ما يخص حقوق النساء. والأهم من هذا، أن ذلك حدث في بلاد خاضعة لسلطة الرجال، مثل الباكستان. مختار ماي، الفلاحة البسيطة، التي لم تذهب للمدرسة يوماً، والتي لم تحصل على أية فرصة للتعليم، القادمة من قرية صغيرة «ميروالا» الواقعة في مركز البلاد الآسيوي الجنوبي، مختار ماي هذه كانت قبل سبع سنوات ضحية ما يُطلق عليها «ضحايا جريمة شرف». أربعة رجال من قريتها قاموا بإغتصابها، وبطريقة وحشية، في وضح النهار وتحت أنظار الرأي العام، بأمر من محكمة القرية. رغم ما حدث لها، لم تشأ مختار ماي الرضوخ لقدرها والبقاء صامتة.

في القرى البعيدة من المدن الباكستانية يتحكم في حياة الناس القانون القبلي القديم، الموروث من عصور سحيقة. لم ترتكب مختار ماي أية جنحة. أخوها البالغ من العمر إثني عشر عاماً، عبدالشكور، كان هو الذي ضُبط يمارس الحب مع فتاة بمثل سنه تنتمي إلى قبيلة «ماتسوي»، إحدى تلك القبائل المتنفذة في المنطقة. رجال قبيلة «ماتوسي» طالبوا إثر ذلك بالعقاب، لكي يثأروا لـ «شرف البنت». وعندما إجتمع مجلس شيوخ القرية «جركة» وقع إختيارهم على مختار ماي لكي تقع عليها العقوبة التي وقعت على عائلتها. مختار التي كان لها آنذاك ثلاثين عاماً من العمر، كانت تعيش في كنف عائلتها بعد طلاقها. لم تعرف آنذاك القراءة أو الكتابة، وكانت تعمل في الحقول وتهتم بالشؤون المنزلية، بكلمة واحدة، كانت تقوم بكل ما عليها أن تقوم به إمرأة ما في مجتمع مسلم محافظ. كلما كان عليها مغادرة البيت لسبب ما، كأن تذهب للطبيب مثلاً، كان عليها أن تطلب الإذن من أحد الرجال في البيت. فضلاً عن ذلك لم تطأ قدمها أبداً أرضاً أبعد من حدود قريتها.

رغم ذلك، فجأة وفي حزيران 2002، خرج عالمها الصغير، السليم، عن طوره. جاءت الشرطة ذات يوم إلى بيتها لتعتقل أخاها الذي رآه الناس مع البنت «صديقته»، والذي حسب قانون القبيلة، لطخ عار البنت تلك بهذا الشكل، لذلك على عائلته أن تدفع ثمن ذلك.

الـ «جيركة»، مجلس القبائل، إجتمع، لكي يحكم بـ «الحق»!! لأن حكم القانون الرسمي للدولة الباكستانية يفشل إذا ما تعلق الأمر بالناس الفقراء، كما أنه يعمل ببطء وناهيك عن التكاليف الباهظة لإقامة دعوى ما، كما لا يستطيع فيه إنسان فقير دفع أجور المحامي أو المحكمة، في حالة خسارته القضية. لم تعرف مختار ماي، ما قرره لها مجلس «حكماء!!» القبيلة، وهذا ما جعلها تخرج طيعة، عندما جاءها أبوها وعمها ذات يوم، وطلبا منها أن ترافقهما ذات مساء، ليقطعوا مسافة طويلة في الحقول، حتى يصلوا إلى شُونة هناك، مخزن للغلال، في أراضي قبيلة «موستاي». كان على عائلتها أن تجلس هناك مكتوفة الأيدي، تسمع صراخ مختار ماي وهي تطلب «رحمة، شفقة، رأفة، عندما إنقضّ عليها أربعة رجال «متطوعون» ليغتصبوها سوية. ولكي يذلونها أكثر، ولكي يجعلوا منها مثالاً، أقتيدت المرأة الشابة عارية عبر شوارع القرية، ليتطلع الى عريها المئات من الذين وقفوا ينظرون لها بفضول. في النهاية غطاها أبوها بشال وقادها إلى البيت، وهو صامت.

أغلب ضحايا «جرائم الشرف» من النساء ـ ومن ذلك هناك الآلاف في الباكستان ـ يعانين ذلك بصمت أو ينتحرن لاحقاً لتحرير أنفسهن من العار. لكن على عكس بقية النساء زميلاتها، قررت مختار ماي الحديث عن الجريمة، بل قررت أن ترفع دعوى أمام المحكمة، أن تنهض بطول قامتها، ولتكسر بذلك أحد أكبر التابوات في المجتمعات المحافظة. قالت، إنها تفضل «أن تموت على إيدي حيوانات مثل هؤلاء، على أن تتنازل عن حقها بالعدالة». وبهذا الشكل تحولت، دون أن تدري، إلى أيقونة في الكفاح ضد التقاليد والعادات البربرية.

قضية مختار ماي ليست قضية نادرة في البكستان. في الأشهر الأولى في العام الماضي أحصت اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان 96 جريمة «غسل للعار» ضحيتها نساء طبعاً. أغلبية منفذي تلك الجرائم لم ينالوا عقوباتهم. لكن في حالة مختار ماي جاء قرار القضاة في النهاية إلى صالح مختار ماي. ستة من الرجال الذين كانوا متلبسين بالإغتصاب، صدر عليهم الحكم، بل أن إثنين منهم صدرت بحقهم أحكام بالموت شنقاً. على اية حال ما يزال تنفيذ الأحكام مؤجلاً حتى الآن. القرارات مجمدة، وبشكل متواصل تحت تأثير أعضاء القبائل المتنفذة في الباكستان، أو معطلة بسبب مطحنة بيروقراطية القضاء في الباكستان.

لكن مع ذلك، دفعت الدولة الباكستانية مبلغ 8000 دولار إلى مختار ماي كتعويضات. مختار ماي إستفادت من المبلغ لكي تفتح مدرستين في قريتها «ميرولا». وهي تريد أن تساعد على نشر التعليم أكثر في محيطها. فقط عن طريق التعلم يمكن أن يكنس المرء العديد من العادات والتقاليد البالية، كما صرحت للصحافة العالمية . فضلاً عن ذلك، وافقت على كتابة سيرتها (بعد أن تعلمت القراءة والكتابة في السنوات الأخيرة)، التي صدرت تحت عنوان «الذنب، أن تكون إمرأة» عام 2005 في الولايات المتحدة الأميركية، والتي تحولت مباشرة إلى بيستسيلير وتُرجمت إلى العديد من اللغات العالمية (الألمانية في مقدمتها). عام 2005 إختارتها أيضاً المجلة الأميركية «غلامور» في إحتفائية كبيرة بصفتها إمرأة العام. في العديد من المقابلات التي أعطتها مختار ماي، أوضحت، بأن الثمن الذي دفعته بعد تلك الشهرة، وبعد المحكمة التي اشتهرت عالمياً، أنها لن تعثر بعد ذلك على أي رجل سيقبل الزواج منها. رغم ذلك، وعلى عكس ما توقعت، فها نحن نقرأ قبل أيام في الصحف، كيف أن قصتها إنتهت أخيراً إلى «هيبي أند» على الطريقة الهوليوودية «نهاية سعيدة». في يوم الأحد الماضي إحتفلت مختار ماي في مدينة إسلام آباد بحفل زواجها! وماذا عسانا أن نقول لها لها غير: مبروك، ونتمنى لها حياة سعيدة!

عن جريدة المستقبل 27/9/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق