“البجعة السوداء”.. تحفة سينمائية

   نهض فيلم "البجعة السوداء- Black Swan" من تحت وطأة أفلام الأكشن ثلاثيّة الأبعاد ونظيراتها من أفلام الأنيميشن التي احتلت شباك التذاكر الأمريكي للعام 2010، وابتدأ مسيرته مع افتتاحه مهرجان "فينيسا" لينتقل بعدها إلى أكثر من مهرجان، وينتهي بفوز بطلته "ناتالي بورمان" بجائزة "الغولدن غلوب" في أمريكا وأربع ترشيحات لجائزة "الأوسكار"، أهمها أفضل مخرج، وأفضل ممثلة، وأفضل تصوير. وفي هذا الصدد قد تكون مُفاجأة "الأوسكار" الوحيدة لهذا العام إن لم تخرج "ناتالي بورتمان" بالجائزة بين يديها. 

   تقدّم "بورتمان" اليوم للقيّمين على الجائزة تجسيداً واقعياً لكافّة توجّهاتهم التي يمكن ملاحظتها من مراجعة آلية عمل أكاديمية العلوم السينمائية الأمريكية عبر تاريخها الطويل، آليّة لم تستطع التحرّر من قيود الأهواء السياسية وإن أتت على حساب القيم الفنية. وتتعددّ الأمثلة : من فوز "التايتنك" وتقنياته السمعية- البصرية على "المصارع" صاحب الأفكار الإنسانية وقراءته السياسية التي تمتد بسهولة إلى أيامنا المعاصرة، وصولاً إلى إبعاد "ليلة طيبة وحظاً سعيداً" للممثل والمخرج "جورج كلوني" بأناقة البساط الأحمر، حيث حضر الفيلم مُرشحاً وخرج خالي الوفاض، مع ما يُشبه التعتيم الإعلامي، وليس انتهاءً بوهب "أوسكار" أفضل ممثلة في العام الماضي 2010 للممثلة "ساندرا بولك" وفيلمها "البُعد الآخر" الذي يطرح مجموعة أسئلة سياسية وفنية.  

   اليوم وفي مستوى اختيار الممثلة نجد الحكاية معاكسة تماماً لسيناريو 2010، فهنا ممثلة منذ كانت في الثالثة عشرة، ممثلة بقائمة طويلة من الترشيحات والجوائز، ممثلة ليست نجمة "شباك تذاكر" وإنمّا صاحبة مسيرة من الاختيارات الإشكالية في مستوى طروحات الأفلام السياسية، لكنها اليوم تخطو بفيلم قوامه الرئيسي الطرح الفني الجريء والنوعي وليس أي شيء آخر، الأمر الذي أوقف "بورتمان" كما "كلوني" من قبلها عند حدود الترشيح، لكن فيلم اليوم يُمكن القيّمين على الجائزة من التصالح مع "بورتمان"، خاصة إذا ما نظرنا إلى كونها إسرائيلية المولد- أمريكية الجنسية، النقطة التي قد تحسب لها، مقابل نقاط أخرى تحسب على آخرين، والأهم أنّ أداءها المتميّز جدّاً نجح في نقل الفيلم من فيلم جيد، إلى مصافّ أفضل الأفلام للعام 2011. علماً أنه ليس أداءً لم تقدّم "بورتمان" مثله من قبل، حيث سبق أن شاهدناها في فيلم "V For VENDETTA"، وفي أداءٍ يُقارب في سويّته أداءها اليوم، لكن الاعتراف بقدراتها كممثلة اليوم في فيلم يبتعد عن ضباب السياسة هو توازن لطالما حاولت الأكاديمية اعتماده بهدف الحفاظ على قيمتها الاسمية كجائزة للعلوم الفنية وليس السياسية. 

   يُمثّل فيلم "البجعة السوداء" تأكيداً على مقولتين هامتين طرحتهما مدارس النقد الأدبي والفني منذ زمن طويل. الأولى أنّ أفضل الأعمال تنهض من أبسط الأفكار وأكثرها حضوراً في حياة الإنسان، والثانية أنّ الكيفيّة التي نقول بها أفكارنا قد تجعلنا نعيد النظر في الأفكار ذاتها، وذلك عبر سحبها من سياقٍ دلالي ومعرفي، إلى سياقٍ آخر. فالفيلم يشتغل على حكاية كلاسيكية قديمة، قدّمها عام  1887المؤلف الموسيقي الروسي "تشايكوفسكي" (1840 – 1893)، وتتابع العمل عليها فشاهدناها أفلاماً سينمائية، وأعمالاً مسرحية، وصولاً إلى أفلام "ديزني". أنه باليه الأميرة الجميلة التي لعنها الساحر الشرير وقيدها بجسد بجعة لن يكون فكاكها منه إلاّ إن قبلها الأمير الوسيم. 

   اليوم وبعد أكثر من مئة وعشرين عاماً على تقديم باليه "البجعة السوداء"، يُعيد كل مارك هيمان وأندريه هاينز وجون. ج. مكلافن الذين كتبوا سيناريو الفيلم ومخرجه "دارين أرونوفسكي" تشكيل مفاصل الحكاية، بإزاحة الثقل الفني من حيّزه الموسيقي إلى مجاله البصري- الأدائي، وكذلك بنقل الصراع، من صراع مع الآخر، من مواجهة مباشرة بين الخير والشر، إلى صراع مع الذات التي تضم كلا الوجهين للحياة، الخير والشر.

   يتمّ التعريف بالحكاية في الفيلم على لسان مخرج العرض "توماس لوري- فينسنت كاسيل" في حديثه إلى راقصاته على أنها: "عذراء نقيه وجميلة، سجينة جسد بجعة، وترغب في التحرّر.. الحبّ الحقيقيّ فقط هو الذي سينهي السحر، وكادت أمنيتها تتحقّق مُجسّدةً في أمير، لكن وقبل أن يُعلن حبّه لها، تقوم توأمتها الشهوانية وهي البجعة السوداء بخداعه وغوايته. تقفز البجعة البيضاء من أعلى قمة تل، وتقتل نفسها، ومع الموت، تجد الحُريّة".

   بهذه المُباشرة تتكشّف أحداث الحكاية منذ اللقطات الأولى لمن يهتمّ بهذا المستوى، وينتهي خطّ التشويق السطحيّ هذا مع اختيار "نينا سيرز- ناتالي بورتمان" لتلعب دور البجعتين معاً. إلا أنّ هذه النهاية لخط ّ التشويق الكلاسيكي، ليست سوى نقطة الانفلات وبدء الغوص النفسي  المدروس والمتوالي في الذات الإنسانية حتى في أكثر حناياها ظلمةً. إذ نتعرّف إلى "نينا سيرز" الراقصة الطموحة والمجتهدة والمحافظة دوماً، نتعرّف إلى الفتاة التي تعاملها والدتها- راقصة الباليه سابقاً- كفتاة صغيرة تنفّذ كل ما يُطلب منها، نتعرّف إلى الفتاة التي لم تغدُ امرأةً بعد، الراقصة التي تبحث عن "الكمال". 

   "الكمال" في رؤية المخرج "دارين أرونوفسكي" الفنية هو معنىً مُتضمّن في الحرّية، يتجسّد في لحظة انعتاق. والفيلم ليس أكثر من كاميرا تصوّر سيرورة إنسانيّة بكل مُتطلباتها وشروطها، ولا أعتقد أنّ  رقص الباليه شكّل أكثر من غطاءٍ خارجي بصريٍّ لهذه السيرورة، فكما أنّ كل راقص باليه يقسو على جسده في التدريب المتواصل والشاقّ والذي لا يكاد يُقابله أجر مادّي من أجل لحظة وقوفه على الخشبة، فإنّ لكلّ إنسان هدفا، يبذل كل طاقاته الجسدية والنفسية والفكرية من أجل غاية واحدة، هي لحظة تمثّل هذا الهدف من مستوى الحلم المُشتهى إلى مستوى الواقع. وهو حال "ناتالي بورتمان" إن خرجت بجائزة "الأوسكار" بعد سنوات عملها التمثيلي الطويلة، وبعد أكثر من عشرة أشهر تدريب على دور راقصة الباليه "نينا سيرز"، والذي كلفها إرهاقاً نفسياً وجسدياً وضلعاً مكسوراً وإصابات أخرى. 

   ساحة الفعل هي ذات "نينا سيرز" التي تعيش سيرورتها من البجعة البيضاء إلى البجعة السوداء في إطار إصرارها على أنها راقصة ممتازة وقادرة على تأدية الدورين معاً بخلاف انتقاد مخرج العرض الدائم لها. أمّا ساحة الحدث فهي محيط هذه الراقصة المهني مُتمثلاً بالراقصة البديلة "ليلي- ميلا كونيس" التي تتجسّد فيها كل الصفات المطلوبة من البجعة السوداء، فتشكّل مصدر منافسة قويّا على الدور كما على فكرة الكمال والحرفيّة التي تستحوذ على فكر "نينا" حتى تغدو هاجساً. ومن جهة أخرى محيطها الشخصي ممثلاً بوالدتها "ميكا- باربرا هيرشاي" التي تُقيدها في رؤية واحدة، وهي أنّ هذه الراقصة هي أوّلاً وأخيراً فتاتها الصغيرة التي ضحّت من أجلها بحلمها في متابعة مشوارها كراقصة الباليه، وتحوّلت إلى أمّ لها. فإن كبرت هذه الصغيرة على حاجتها إلى أمها، لم يعد هناك من شكل وجود آخر لهذه الأمّ.

   بصرّياً شكّلت "ناتالي بورتمان" بوجهها، وجسدها، وصوتها، مساحة التصوير لهذه السيرورة وصراعاتها النفسية، في أداء متوازن وقوي ومشدود إلى درجة الإبهار، فهي تخلق تفاصيل البجعتين بذات الدقة والمهارة في التجسيد. هناك دوماً الفتاة التي يكتسي وجهها اللا تعبير في حضرة الآخرين، الفتاة ذات الصوت الهادئ الذي المُوحي بالانكسار، المُنعزلة عن المجموعة وأحاديثها، وكما يمر صوتها الضعيف كالهمس تعبر هي حتى نكاد لا نشعر بحضورها بين جمع الراقصات أثناء التدريب، أو حفل الإعلان عن العرض القادم لفرقة الباليه التي تعمل معها.  لكنها أيضاً الفتاة المتوترة، التي تجرح نفسها، التي تبدأ اكتشاف ذاتها أثناء محاولتها إتقان دور البجعة السوداء، وتعيش تحوّلها من فتاة صغيرة إلى امرأة تعرف جسدها وتعيش رغباتها وأنوثتها، وتمرّدها على والدتها.  

   تمرّدها العنيف على والدتها  يُطابق ردّ فعلها حين قبلها مديرها "توماس". فتلك الهامشيّة التي تمثّل البجعة البيضاء بكل صفائها وهدوئها وحزنها قادرة على العضّ وإسالة الدماء، قادرة على إطلاق العنف والقسوة من داخلها، وكأنّ هذا الداخل كائنٌ يتوق إلى الانطلاق ولكنه غير قادرٍ بعد على الفكاك من لجامه، وحيث أنّ "نينا" غير قادرة على تلمّسه في داخلها فهو يأخذ شكل "ليلي" بالنسبة لها. "ليلي" التي تعتقد "نينا" أنّها في قتلها لها قد انتصرت لذاتها، لكنّ ما تكتشفه "نينا" في النهاية أنّها قتلت المنافسة الفعليّة التي أمامها ألا وهي تقيّدها بمواصفات البجعة البيضاء، لتتحرّر من كل ثقل والدتها، وكل جماليات صورتها القديمة كفتاة صغيرة مُطيعة دوماً، وتصل إلى "الكمال" في رقصتها، وفي نفسِها كذات حاضرة نشعر بثقل حضورها هذا وهي تعبر في الكواليس قرب الراقصين معها يوم الافتتاح، حيث تملأ "نينا سيرز- ناتالي بورتمان" فضاء المكان ويتهمّش حضور الآخرين، وتصل إلى "الكمال" حتى في أنوثتها وذاتها كامرأة، عندما تندفع بقوة وانفعال صادق لتقبّل "توماس" دون ارتباك أو ضعف أو مراجعة لقرارها النابع من رغبتها الفعليّة. 

   تتأتّى الحرفيّة ليس فقط من أداء "ناتالي بورتمان" الدقيق والقويّ، بل كذلك من تكامل هذا الأداء مع رؤية إخراجية واضحة، تدرك غايتها، ألا وهي سحبنا كمشاهدين إلى ساحة الفعل في داخل "نينا سيرز"، كاميرا تأخذ دور عقل "نينا"، وكل ما نراه هو الكيفيّة التي ترى بها البجعة البيضاء الأمور من حولها، وهنا ننوّه باختيار المخرج للممثلة "وينونا رايدر" لأداء دور الراقصة السابقة "بيث ما كنتاير"، التي ترى "نينا" في سقوطها النهاية المُنتظرَة إن لم تستغل فرصتها في هذه الباليه لإثبات قدرتها على أن تكون "كاملة"، كما ننوّه بأداء "رايدر" وإن اقتصر على بضع مشاهد. 

   أن نشاهد الأمور من منظار البجعة البيضاء العقلاني، وما يُعانيه هذا العقل إثر الضغط النفسي الكبير الذي تعيشه الشخصية، وأفعالها التي تنحو إلى ممارسات مرضى "الاستحواذ القهري" أمر ألقى بالمشاهدين في هوّة الالتباس أكثر من مرّة، ومن يتابع الفيلم عليه التخلّي عن قراءاته العقلانية المُسبقة ويقبل محاكمة الأمور بصفته عقل "نينا سيرز". فقتلها للراقصة السابقة "بيث ماكنتاير" في المستشفى هو قتل مُتخيّل للفكرة التي مثلتها "بيث" في تلك اللحظة، حين قالت أنها "غير كاملة"، قتل لصورة الراقصة المُنهارة ذات الساق المُحطمة، هنا تقتل "نينا" في ذهنها هذه الفكرة، هي لن تكون هكذا أبداً. كذلك هو فعل قتلها لمنافستها "ليلي" ومشاهدتها الدماء ومحاولة إخفائها، فهي لم تشعر بالألم نتيجة طعنها نفسها بقطعة المرآة المكسورة لأنّ الحالة النفسية والذهنية التي عاشتها استحوذت عليها بالكامل، كمُغيّبٍ في دائرةٍ من النشوة المُطلقَة، وإلاّ لكان من غير المنطقيّ الطريقة الرائعة التي رقصت بها "نينا سيرز" وحلّقت بدور البجعة السوداء في العرض، ولم يكن في الإمكان فهم ريش البجعة الذي اكتسى جسدها ولا تحوّل يديها إلى جناحين، كل هذا يمكن إدراكه في مستوى الرمز، باعتباره صورة لإحساس "نينا سيرز" الداخلي وانعكاسا لإدراكها العقلي والشعوري له. 

   إلاّ أنّ الفيلم وقع في مطبّ الالتباس من حيث السيناريو، وتحديداً في شخصيّة الأم، التي لا نراها أو نسمعها سوى في حضور "نينا" إلى جانبها، وبالتالي نكاد نشتبه في حقيقة وجودها أو كونها وهماً من نسيج عقل "نينا" المُضطرب، علماً أنّ هذه الشخصية كان يجب أن تكون مستقلّة تماماً، وذات حضور لا يرتبط برؤية "نينا" له أو كيفيّة إدراكه، بقدر ما هو مُنفصل بذاته ومؤثّر في "نينا"، حضور مُستقل تمامً كحضور "توماس لوري"، وليس مُشابهاً لحضور "ليلي". 

   نتابع عبر ساعة وخمسين دقيقة صراعاً من أجل "الكمال" في تواتر بصريّ يحمل قدراً كبيراً من الضغط النفسيّ المستمرّ والمتتابع حتى لحظة التحرّر، صراع لا ينتهي بانتصار إحدى الذاتين، وإنما ينتصر في تحقّق لحظة "الكمال" هذه. بتكلفة قاربت 13 مليون دولار يرسم ""دارين أرونوفسكي" لوحة تعبيريّة لدراما نفسية مُعقدة، يربط فيها إمكانية إدراك المحيط الخارجي بتبدّلات الشعور الداخلي، مُذكراً بأفلام لم تحتج إلى الإبهار البصري المبنيّ وفق أحدث ما وصلت إليه تقنيات التكنولوجيا الحديثة، مُعيداً إلى الواجهة الفنية الذات الإنسانية بكلّ عظمتها وتناقضاتها وجمالياتها، بكل قسوتها وضعفها، مُذكراً كذلك بجماليات سحر الكاميرا التي تحرّر الصورة من قيود اللغة، من وطأة الحكاية وأحداثها. و"ناتالي بورتمان" ممثّلة تُذكّر بالزمن الجميل لـ"فيفيان لي" في "ذهب مع الريح"، و"ميرل ستريب" في "كرمر ضد كرمر" و"جسور بلدة ماديسون"، وأخريّات كُنّ ممثلات خارج مفاهيم مثل "نجمة شباك التذاكر" و"نجمة الإثارة" وسواها. 
 

ملاحظة : وصلنا النص قبل توزيع جوائز الأوسكار(المحرّر)
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق