البحر و الحجاب …وأعين الرجال

قلت وكالة الأنباء أ.ف.ب من أم الدنيا مصر خبرا مفاده أن مصيف مارينا المصري المطلّ على البحر الأبيض المتوسّط قد خصّص شاطئا بطول خمسين مترا محروسا بسعف النخيل لا تدخله إلاّ النساء المتحجّبات اللاّتي يردن التمتع بالبحر والرقص والشيشة والبرامج الترفيهية الصيفية بعيدا عن أعين الرجال -الذئاب الشرهين للحم المنتشر على الشواطئ. وقد سمت إدارة هذا المنتجع السياحي الراقي الشاطئ بشاطئ “لافام” (المرأة) وهي تسمية تشي برطانة فرنسية تذكرنا بأمجاد السينما المصريّة التي لم تكن تتورّع عن تصوير فاتناتها بالمايوه ذي القطعتين إذا لزم الأمر وفي شواطئ مختلطة والعياذ بالله. فأين كنّا في مصر المحروسة وأين أصبحنا فللّه في خلقه شؤون وشجون.

ورغم تفتق العبقرية الإسلاميّة على فكرة لباس السباحة الشرعي فيبدو أنه لباس لا يحقّق لأخواتنا في الدين والإنسانيّة المتحجبات لذّة انتشار أشعة الشمس على البشرة ولا متعة تغلغل الماء المالح في مسام الجلد. وها أن العبقرية السياحية التجارية المصريّة تتفتق على فكرة الشواطئ النسائيّة التي تمكن المرأة المسلمة الملتزمة بدينها كأنها لا تموت أبدا أن تعيش دنياها كأنها تموت الآن لا غدا كما قال علي بن أبي طالب. فهذا الحل الإسلامي الأصيل الدال على اجتهاد ديني أين منه اجتهاد أبي حنيفة وجهد تنويري خارق للعادة يحقق المعادلة الصعبة التي تتطلب من المرأة ألاّ تظهر بلباس حواء أمام الأغراب وأن تعيش في آن واحد متعتها الصيفية كبقية خلق الله من الكافرات السافرات العاريات وإن في شاطئ ضيق لا يتسع إلا لعدد قليل من بنات اليسار والطبقات المترفّهة بما أن معلوم الدخول قد حدد بما يناهز ال15 دولارا.

ورغم أن الله خلقني، لأمر أجهله، مدافعا عن الاختلاط في كل مكان لا يرى الشيطان منتصبا بين الذكر والأنثى كلما اختليا أو اختلطا فإنني أهنّئ أخواتي المصريات بهذا الإنجاز العظيم الذي سيمكن جسدها من التمتع بدفء الشمس وبرودة ماء البحر ولطف رمال الشاطئ حتى لا يمتن كمدا وهن مختنقات في لباس البحر الشرعي. غير أن أخشى ما أخشاه أن ينتصب أحد شيوخ الأزهر الأجلاّء أو بعض صغار المدرسين المتسلقين فيه فيخرج لنا بنصّ من ابن تيمية أو ابن الجوزي مثلا يحرم فيه على المرأة أن تتكشف على مفاتن أختها المرأة درءا للمفاسد قبل وقوعها. وخشيتي الأخرى أن يستند هذا الشيخ الجليل أو ذاك غير الجليل لبعض ما ورد في الخبر المنقول من أن ” قوارب الجيت سكي تمر من حين لآخر من على بعد (…) يحاول ركابها الشباب اختلاس النظر لرؤية ما يحدث على شاطئ لافام”. ومنذ أن قرأت الخبر وأنا واضع يدي على قلبي خشية وقوعه بين أيدي هؤلاء الشيوخ.

وعلى كل حال فإن هذه الحجة الثانية يمكن تجاوزها لأننا نعرف أن شيوخنا يحبّون الشعر العربي ويعشقون المعلقات.فليتصوروا الأمر كما لو أن امرأ القيس عاد ليعيش مغامرة تشبه ما عاشه في دارة جلجل و”ذلك، كما يقول الخبر، أن الحي تحملوا، فتقدم الرجال، وتخلف النساء والخدم (..) فلما وردن الغدير قلن: لو نزلنا فاغتسلنا في هذا الغدير، فيذهب عنا بعض الكلال ! فنزلن في الغدير، (..) ثم تجردن فوقعن فيه، فأتاهن امرؤ القيس فأخذ ثيابهن، فجمعها وقد عليها، وقال: والله لا أعطي جارية منكن ثوبها، ولو قعدت في الغدير يومها، حتى تخرج متجردة فتأخذ ثوبها. فأبين ذلك عليه حتى تعالى النهار، وخشين أن يقصرن عن المنزل الذي يردنه فخرجن جميعاً، غير عنيزة: فناشدته الله أن يطرح ثوبها فأبى”…. إلى آخر الخبر. فأين من هذا الاعتداء السافر تلصص الشباب المصري؟.

وما دام الشيء بالشيء يذكر فليتمتع القارئ بهذه القصيدة الجميلة لأبي نواس الملعون وهي من أخوات قصة دارة جلجل وإن لم تكن في بحر أو غدير:

نضت عنها القميص لصب ماء…………فورد وجهها فرط الحياء

وقابلت الهواء وقد تعرّت……………….بمعتدل أرق من الهواء

ومدت راحة كالماء منها……………….إلى ماء معد في الإناء

ولما أن قضت وطرا وهمّت…………….على عجل لتأخذ بالرداء

رأت شخص الرقيب على التداني………..فأسدلت الظلام على الضياء

فغاب الصبح منها تحت ليل…………….وظل الماء يقطر فوق ماء

ومهما يكن من تشابه فإن قوارب الجيت سكي لا تمكن من الرؤية الواضحة وضوح هذا الرقيب المتلصص الذي قد يكون أبو نواس نفسه. ولكن أين منه ما صادف الشاعر العراقي المجيد مظفر النواب عند فراره عبر الأهواز من جنة المغفور له الشهيد صدام حسين التي يقتل فيها المعارضون والموالون على حد السواء:

في العاشر من نيسان

نسيت على أبواب الأهواز عيوني

وتجمع كل ذباب الطرقات على فمي الطفل

و رأيت صبايا فارس يغسلن النهد بماء الصبح

وينتفض النهد كرأس القط من الغسل

أموت بنهد, يحكم أكثر من كسرى في الليل

أموت بهنّ

تطلعن بخوف الطير الأمن في الماء

إلى قسوة ظلي

من هذا المتسربل في الليل بكل زهور النخل؟؟

تتأجج فيه الشهوة من رؤيا النخل الحامل في الليل

شبقا في لحم المرأة

كالسيف العذب الفحل؟؟

فليتأمل شيوخنا هذا التشبيه الرائق :”… ينتفض النهد كرأس القط من الغسل” بدل التفكير في حكم السابحات السافرات في الشواطئ غير المختلطة مع احتمال تلصص بعض الشبان عليهن.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق