البدر المنير / محمود الزيباوي

تحت عنوان “قرن ونصف قرن من التنوير”، احتفى “معرض القاهرة الدولي للكتاب” بمرور مئة وخمسين عاما على ميلاد جرجي زيدان، في ندوة أدبية استعادت مسيرته الفذّة وذكّرت بدوره الريادي في عالم الأدب والتاريخ والصحافة. أثار منشئ “الهلال” في زمنه غضب البعض، واتُّهم بـ”تحريف الكلم وتمويه الباطل وقلب الحكاية والخيانة في النقل وتعمّد الكذب”، وتجدّدت هذه التهم بحدّة قلّ مثيلها في العقود الأخيرة، كأنّ معركة التنوير لا تزال في بداياتها الأولى.

 

هو بحسب تعريف الزركلي في “الأعلام”: “جرجي بن حبيب زيدان (1861 – 1914 م)، منشئ مجلة الهلال بمصر، وصاحب التصانيف الكثيرة. وُلد وتعلّم ببيروت، ورحل إلى مصر، فأصدر مجلة الهلال وتوفى بالقاهرة”. قدّم نظير مارون عبود سيرة مفصّلة للكاتب في كتابه “جرجي زيدان، حياته، أعماله”، ونقع على سيرة أخرى بالإنكليزية في بحث لتوماس فيليب حمل عنوان “جرجي زيدان، حياته وفكره”. إلى ذلك، نجد في “رواية البطلين” عرضاً أدبياً ممتعاً لسيرة هذا الكاتب منذ طفولته حتى عام 1889، تاريخ صدور الرواية. توسّل مؤلف هذه الرواية بالاسم المستعار، ووقّعها بـ”ذاك”، في زمن “كان المتذكّر يستحي أن يقول هذا أنا”، على قول جان داية. أبى “زيدان المعروف بتواضعه” أن يكتب “بتوقيعه الصريح عن تفوقه ونبوغه”، وقدّم في هذه الرواية “باكورة السير الذاتية في اللغة العربية”، “ناهيك بأنها باكورة الروايات التاريخية لجرجي زيدان نفسه”.

هو سليل عائلة كادحة من قرية عين عنوب تعود أصولها إلى حوران، انتقلت إلى العاصمة بيروت طلباً للرزق، واستقرّت فيها. كان لوالده “الأمّي” مطعم متواضع في ساحة البرج، ولم يكن في طفولته ما ينبئ بمستقبله الأدبي. تلقّى علومه الأولى في مدرسة “كانت عبارة عن قبو واسع في بناية ليعقوب ثابت أصبحت بعدها فرناً، وكانت أشبه بالزريبة حيث يجتمع أبناء أهل الحي من سن الرابعة إلى العاشرة، ذكوراً وإناثا”. انجذب مبكراً إلى عالم الأدب والفكر، وعلّم نفسه بنفسه، ولم يعرف التعليم النظاميّ، وتخطّى بجهده كل الصعاب. أراد والده أن يفيد به في تدوين حسابات مطعمه، غير أن طموحاته كانت مغايرة تماماً. عزم على الالتحاق بكلية الطب، ونجح في اجتياز امتحانات الدخول إليها، وسافر بعدها إلى القاهرة لمواصلة الدراسة، وترك الطب، منصرفاً إلى الأدب والصحافة. عمل محرراً في صحيفة “الزمان” اليومية، ثمّ رافق كمترجم حملة الانكليز النيلية إلى السودان، وعاد إلى مصر، وانتقل بعدها إلى بيروت حيث درس في “المجمع العلمي الشرقي”، ووضع أول أبحاثه في عام 1886: “الفلسفات اللغوية والألفاظ العربية”. نشر في مجلة “المقتطف”، ثم تولّى إدارتها في القاهرة لمدة سنتين، وواصل نتاجه الأدبي والعلمي، ووضع مجموعة من الأبحاث، كما ألّف أولى روايته التاريخية، “المملوك الشارد”.

دخل مع مؤسس “دار المعارف” نجيب متري في مشروع إنشاء مطبعة، ثم استقلّ عنه، وأنشأ “مطبعة التأليف”، وأصدر في أول أيلول 1892 مجلة في اثنتين وثلاثين صفحة أطلق عليها اسم “الهلال”، وقال إن اختيار هذا الاسم جاء “لثلاثة أسباب، أولاً: تبركاً بالهلال العثماني الرفيع الشأن، وثانياً: إشارة لظهور هذه المجلة مرة في كل شهر، ثالثاً: تفاؤلاً بنموّها مع الزمن حتى تتدرّج في مدارج الكمال. فإذا لاقت قبولاً وإقبالاً أصبحت بدراً كاملاً بإذن الله”. حصدت “الهلال” نجاحاً عظيماً وانتشرت انتشاراً واسعاً، وواصل صاحبها نشاطه الأدبي من دون أي انقطاع، ونشر سلسلة من الأبحاث التاريخية، واشتهر بروايات “تاريخ الإسلام” التي ضمت ثماني عشرة حلقة، وتوفى في 21 تموز 1914، جالساً على مكتبه، عند انتهائه من كتابة آخر سطر في آخر جزء من “تاريخ آداب اللغة العربية”، ورثاه بشارة تقلا في “الأهرام”، وقال: “لو قاس المؤرخون مدى عمره على آثاره لاعتقدوا أن صاحب الهلال قد بلغ المئة سنة، وهو لم يتجاوز نصف هذه المرحلة من العمر”.

 

 مصر الحرة

جاء جرجي زيدان من بيروت إلى القاهرة، وأنشأ فيها صرحاً أدبياً بات علماً من أعلامها الأدبية. تحوّلت “الهلال” إلى بدر منير، كما حلم، وأنعم الخديوي عباس حلمي الثاني على صاحبها بلقب البكوية عام 1908 تقديرا له على إنجازاته العديدة. بدأت هجرة الصحافة “الشامية” إلى مصر مع لويس صابونجي الذي أصدر “النحلة الحرة” عام 1871، بعد واحد وثلاثين عددا منها في بيروت، وكتب في افتتاحية أول الأعداد المصرية: “النحلة الحرة تُطبع في بلاد حرة، تُنشر عند اللزوم ودون ميعاد لإصلاح ما تفسده الجنّة والجنان بين العباد”. تواصلت الهجرة إلى هذه “البلاد الحرة” في عهد الخديوي إسماعيل. أصدر الأخوان سليم وبشارة تقلا صحيفة “الأهرام”، وأصدر أديب إسحق صحيفة “مصر” في رعاية جمال الدين الأفغاني، وانقطعت الهجرة لفترة وجيزة عند تولّي الخديوي توفيق الحكم. وصل جرجي زيدان إلى مصر في مرحلة عودة الهجرة المشرقية إلى بلاد النيل، وحظي بحرية كبيرة في النشر، وتناول العديد من المواضيع التي تُعتبر حساسة، وواجه الكثير من الحملات الضارية، وسانده العديد من أعلام الفكر والسياسة.

أثار كتاب “تاريخ التمدن الإِسلامي” حفيظة شبلي حبيب الله بن سراج الدولة النعماني، أحد أبرز علماء الهند في العصر الحديث، وجاء ردّه على صفحات مجلة “المنار” التي كان يصدرها الشيخ رشيد رضا، وقال في هذا الردّ الناري: “إن الدهر دار العجائب، ومن إحدى عجائبه أن رجلاً من رجال العصر، جرجي زيدان صاحب الهلال، يؤلف في تاريخ تمدن الإسلام كتاباً يرتكب فيه تحريف الكلم، وتمويه الباطل وقلب الحكاية والخيانة في النقل وتعمّد الكذب، ما يفوق الحد ويتجاوز النهاية. ويُنشر هذا الكتاب في مصر، وهي غرة البلاد وقبة الإسلام ومغرس العلوم، ثم يزداد انتشاراً في بلاد العرب والعجم، مع هذا كله فلا يفطن أحد لدسائسه”. اعتبر النعماني أنّ زيدان طعن بكتاباته في “إحساس الأمة وعواطفها، ولما لم يتنبه لذلك أحد، ولم ينبض لأحد عرق، ووجد الجو صافياً، فأرخى العنان وتمادى في الغيّ، وأسرف في النكاية على العرب عموماً، وخلفاء بني أمية خصوصاً”. في الخلاصة، رأى النعماني أن الغاية التي توخّاها زيدان “ليست إلا تحقير الأمة العربية وإبداء مساوئها”، وقد غيّر في سبيل ذلك “مجرى القول ولبس الباطل بالحق”، وحمل على بني أمية “حملة شنعاء، فما ترك سيئة إلا وعزاها إليهم، وما خلّى حسنة إلا وابتزّها منهم”. كذلك، اتّهم النعماني المؤلف بـ”الخيانة في النقل وتحريف الكلم عن مواضعه”، و”الاستشهاد بمصادر غير موثوق بها، مثل كتب المحاضرات والفكاهات”، “متابعاً كتابات المستشرقين في اتهام العرب بانتقاص الموالي”.

من جهة أخرى، كتب في ذمّ جرجي زيدان، مدرّس في الحرم النبوي بالمدينة يُدعى أمين بن حسن الحلواني المدني كتاباً نُشر عام 1889 عنوانه “نشر الهذيان من تاريخ جرجي زيدان”، ورأى أن “العلّة الأولى في نشر هذا التاريخ من الكذب بمصر مع ما عليه من الكذب، هو أن المصريين لما أغفلوا أمر بلادهم واستولى على بعض أمرائهم الجهل المركب، دخل فيهم نصارى الشام، وامتزجوا بهم امتزاج اللحم بالدم، واستحوذوا عليهم من الجهات الستّ، ولم يتركوا شفيعاً يتوسلون به إليهم إلا وقدّموه، من كل منتعل وحفيان، ومنذر وعريان”، و”اعتبرهم بعض الأعيان، وروّج لبضائعهم وجرنالاتهم مع عدم التأمل لما هي محشوة به من الإضلال والبين”. حدث ذلك “بمرأى ومسمع من بعض الأمراء المصريين”، وهم “لا يعرفون مقاصد نصارى الشام”، “وعلماء مصر أكثرهم لا يحسن علم التاريخ، كما يدّعي جرجي زيدان، أو يحسنه لكنه استكبر أن يردّ على نصارى مثلا، أو محسن لكنه يخاف من نصارى الشوام، لأنّ الحكومة المصرية بأيديهم كيف لا؟ ومنهم خمسمئة موظف بالديار المصرية، منهم قضاة في المجلس، ورؤساء كتبة في الدواوين، ورؤساء في الكمارك”.

بدوره، انتقد الشيخ رشيد رضا بازدراء مؤلف “تاريخ التمدن الإسلامي”، ورأى “أنه يكاد يكون من الشعوبية الذين يتحاملون على العرب، ويفضلون العجم عليهم، وكان هذا هو السبب في ترجمة هذا الكتاب إلى التركية”. ردّ جرجي زيدان على الحلواني المدني بـ”ردّ وثان على نبش الهذيان”. وأيّدته كوكبة من أدباء مصر، من طه حسين، إلى محمد حسين هيكل إلى مصطفى لطفي المنفلوطي، وبدا أنّ المعركة حُسمت لصالح التنويريين، غير أن الحملة عادت واشتدت في العقود الأخيرة. نشرت “دار الهداية” كتاباً بعنوان “كتابات جورجي زيدان، دراسة تحليلية في ضوء الإسلام”، وضعه الدكتور محمود الصاوي، وهو من أساتذة جامعة الأزهر الشريف وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وتحوّل جرجي زيدان في هذا الكتاب “داعية للصهيونية”. وجمع أبو التراب سيد بن حسين بن عبد الله العفاني في “أعلام وأقزام في ميزان الإسلام” الأقوال التي “تثبت” أن “صاحب مجلة الهلال شعوبي كاره للإسلام يحرف الكلم ويخون في النقل ويتعمد الكذب”. كذلك، وضع شوقي أبو خليل كتابه “جرجي زيدان في الميزان”، وجزم بأن الكاتب الشهير يعمد في رواياته “التخريب والكذب لأجل تحقير العرب”، وذلك “لعمالته الأجنبية، ولتعصبه الديني، الذي جعله ينظر إلى تاريخنا العربي الإسلامي، وآداب اللغة العربية، بعين السخط والحقد”. 

قدّم أنور الجندي قراءة مماثلة في “إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام”، واعتبر فيه أنّ “المجال الذي استطاع جرجي زيدان أن ينفث سمومه فيه بحرية” هو مجال القصص، “فقد ألّف عدداً من القصص تحت اسم روايات الإسلام، دسّ فيها كثيراً من الدسائس والمؤامرات والأهواء، وحاول إفساد مفهوم الشخصية الإسلامية والبطولة الإسلامية”. ونجد “مراجعة” تؤكد هذه التهم في كتاب هو الأول في “سلسلة المفسدين في الأرض”، عنوانه “جرجي زيدان مشوّه التاريخ الإسلامي”، من تأليف الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحصين.

 

إعادة الإعتبار

في نهاية الشهر الماضي، احتفى “معرض القاهرة الدولي للكتاب” في ندوة، بمرور مئة وخمسين عاماً على ميلاد جرجي زيدان. جاءت هذه الالتفاتة أشبه بإعادة اعتبار إلى صاحب “الهلال”، وذكّرت بعطائه ومواقفه الكبيرة. في هذه الندوة، شدّد الكاتب والمؤرخ حلمي النمنم على الدور الكبير الذي لعبه جرجي زيدان كمؤرخ للتراث الإسلامي والعربى، ورأى أن كتابه “تاريخ مصر في العصر العثمانى”، “وهو عبارة عن مجموعة من المحاضرات كان يلقيها لطلبة كلية الآداب عند افتتاح الجامعة المصرية، يُعدّ إضافة مهمة للمكتبة العربية. لكن طيور الظلام في تلك الفترة هاجموا تدريس جرجي زيدان المسيحي للتاريخ الإسلامي مما أدّى في النهاية إلى غلبة المتعصبين الإسلاميين واعتذار جورجي زيدان عن عدم إلقاء هذه المحاضرات.. وهؤلاء المتعصبون لم يخجلوا بعد ذلك من أن يدرّس في الجامعة مستشرقون أجانب!”. من جهة أخرى، سلّط حلمي النمنم على جانب آخر من نتاج جرجي زيدان الصحافي، وأكّد أنّه “كان أول من حذّر من خطر الحركة الصهيونية على ارض فلسطين”، “حيث زار كل المستوطنات وكتب حلقات عدة في الهلال أشار خلالها إلى أن فلسطين ستضيع إذا استمرت الحال على ما هي عليه”، و”ما حدث بعد ذلك من صدور وعد بلفور وضياع جزء كبير من فلسطين عام 1948 وما تلاه من مآس فلسطينية، يجعل ما قاله جرجي زيدان نبوءة تحققت”.

من جهته، أوضح رئيس تحرير مجلة “الهلال” عادل عبد الصمد أن “جرجي زيدان كان من ابرز المدافعين عن حرية الصحافة وكذلك عن تحرر المرأة، فسبق في ذلك محرر المرأة المصري قاسم امين”. في المقابل، ردّ أستاذ النقد في جامعة حلوان حامد أبو أحمد على القائلين بأن كتابات جرجي زيدان تدسّ السمّ في العسل، وقال: “هذا كلام مغلوط والحضارة العربية لا يوجد فيها هذه التفرقة بين المسلم والمسيحي واليهودي وجرجي زيدان، وأنا أدرّس في الأزهر، وأراه يكتب في التاريخ الإسلامي بحبّ واعتزاز”.

 

عن ملحق النهار الثقافي 12/2/2012

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This