البعد الديموقراطي في الفلسفة ورهان العقلانية

عندما أعلن هابرماس في أعقاب أحداث 11 أيلول أن الفلسفة كسولة بالمقارنة مع الإرهاب والشعبوية الإعلامية والسياسية المناهضة له، كان يسترجع زمناً ـ لطالما امتدحه ـ نشطت فيه الفلسفة والتصقت بالمجتمع نقداً وتمحيصاً. إنه زمن الأنوار في القرن 18، الزمن الذي أقام الحداثة على قائمتين متلازمتين: الكونية والعلم. فالكونية التي اتخذت من قول فولتير «العقل يحكم العالم» صيحتها، عثرت على أهم أسسها في الموضوعية التي أخذت تفاخر بها العلوم الطبيعية آنذاك. لقد غدا العالم واحداً، وفي المقدور تعريفه موضوعياً بالقوانين. وقد استجلب الأنواريون موضوعية العلوم إلى الفلسفة، فلا حقيقة، كما عبّر فولتير نفسه، إلا إذا قامت على «فرجار الرياضيات والتجربة وقوانين الفيزياء»، وستنهج النهج نفسه «علوم الانسان» التي ستبلورها الحداثة.

وهو ما سيبرز مع كانط أثناء انشغاله في «نقد العقل» النظري والعملي؛ فالمطلق مجالٌ للاعتقاد لا يمكننا معه أن نبرهن على شيء، ولن يراكم العقل الساعي وراء الميتافيزيقا إلا الوهم، لذا يجب على الفهم أن يشحذ مقولاته ضمن عالم الظاهرات (الفينومين). وبذلك يصل الانسان إلى الأنوار ويخرج من «قصوره الذاتي». لقد سبق وأن أشار فوكو إلى أن القرن 18 هو العصر الوحيد الذي سمّى نفسه بالأنوار، وحتى يكون جديراً به، كان لا بد من جهدٍ يقوم فيه أبناءه شكّل برأي هيغل «مصدر الحاجة إلى الفلسفة»، التي ستمسي رسول الحداثة إلى الكونية والتميز والهيمنة.

إنه اليونيفيرسال (الكوني والعام) الحداثي، الميتافيزيقا الكبرى للحداثة. لطالما كان العلم سليل الفلسفة في أزمنة القدامة، أما مع الحداثة فقد غدا العلم شرط الفلسفة وروحها، رغم أن صيرورة العلم (الطبيعي والإنساني) الحديثة ستقترن بالتأكيد المتزايد على هامشية الفلسفة وما تزعمه من حقائق؛ إذ أن الحقيقة العلمية المعتمدة على التكميم والتجربة والموضوعية والدقة ستغدو أكثر حضوراً وفاعلية من الحقيقة الفلسفية المعيارية والذاتية والساعية لأن تكون شاملة وكلية، وخصوصاً أن إنتاج الثروة ومراكمتها غدا الخاصية الأبرز للتطبيق العلمي، والتي ستلعب دوراً هاماً في إزاحة العلم إلى مواقع الأيديولوجيا المانحة للشرعية بما أوحاه من وعد بالحرية والوفرة والرفاه. وهو ما التقطته الدولة الحديثة التي ستحتاج بسبب طبيعتها التدخلية المستجدة إلى أن تجمع في يديها بين المعرفة والسلطة، ومن هنا كان صدامها الأول مع الفلسفة على يد روبسبير الطامح إلى إجماع يصون به نقاء الثورة والدولة، وهو ما لن توفره الفلسفة آنذاك بسبب من طبيعتها النقدية الهادمة لكل إجماع.

ومن حينه ستسعى هذه الدولة إلى الاعتماد على ذوي الاختصاص في العلوم التجريبية والإنسانية، بما يعينها على تحقيق وظائف الضبط الاجتماعي والتخطيط والإنتاج، وهو ما يؤكده ذلك الاهتمام الدولتي، في الغرب، بالعلوم التي تساهم في دفع عجلة الإنتاج المادي على حساب المعارف المنتجة للمعنى، خصوصاً الفلسفة.

إن هذا التحييد للمعنى، هو ما سيعجل ببروز فلسفات الاستلاب الناقدة للعلم أو لحضارته التي ستجعل إنسانها «ذو بعد واحد» (ماركوز) لأنها بتهميشها للمعنى الذي هو عصب التواصل تحول إلى الانسان إلى قيمة أداتية للإنتاج والعمل، لا بوصفه كما كان عند ماركس عنوان تحقيق الموجودية الإنسانية، وإنما كاستلاب لهذه الموجودية وتمييع لها (هابرماس). فهذا الجنون غير المضبوط للتكنولوجيا المحتكرة تأويل العالم، هو عنوان ما يعيشه الانسان من انحطاط روحي (هايدغر). هو أيضاً ما سيبرز في ولادة تلك الفلسفات المبشرة بنهاية ما أنجزته الحداثة من مفاهيم ومقولات (التاريخ، التقدم، الأيديولوجيا، الانسان…)، مستلهمة التراث النيتشوي المنقلب على كوجيتو ديكارت، أحد أهم أعمدة الحداثة؛ وهو ما سيجد أحد تعبيراته في ذلك الإعلان بالتلاشي القريب للإنسان بتلاشي العلوم والمعارف الحداثية التي اخترعته وادّعت انتماءها له (فوكو)، مما سيستدعي استنفاراً فلسفياً، سيقوده هابرماس، يذود عن الحداثة عبر استعادة أنوارها واستئناف تنويرها المنتجين للغة التواصل الكوني، والذي لم يؤد استبعادهما إلا لتكريس وقائع ومفاهيم الإرهاب والصدام بين أرجاء ما سبق أن وحدته الحداثة.

أما عربياً وإسلامياً فنسجل بداية تضادنا مع مقال استشراقي تعسّف عندما حكم بالطلاق بين الفلسفة وبين عقل عربي/ إسلامي لا يحتملها بالماهية. ولنقرر، من ثمَّ، أن صيرورة الفلسفة التي انتسبت إلى الفضاء المعرفي لهذا العقل، هو صيرورة أزمتها المستمرة. إذ باتت معروفة المآلات القاسية لفلسفات ما قبل الحداثة على يد أهل السياسة والدين من نكران وترهيب وحصار، رغم أنها أعلنت مراراً انتسابها إليهما بغرض الحماية والحصانة؛ فخسرت بذلك استقلالها بداية ووجودها بالنهاية. وأيضاً، كانت تلك الفلسفات اقتدائية. حتى وهي تتناول واقعها استعانت بنموذج لا يقارب علاقاته. ويبدو ذلك في غياب نص سياسي يؤسس مراميه على الإحاطة والفهم لما هو قائم، في مقابل زخم نصوصي مترجم عن اليونانية أو الفارسية، مفارق لواقع الحال الذي سيغدو مجال الفقهاء. وهو ما حكم على الفلسفة بالاغتراب عن الناس/ العامة الذين كانوا على الدوام موضع تحقير الفلاسفة الذين سيلوذون إلى مدنهم الفاضلة ذات الإنشاء العقلي المجرد، ليحضر الواقع الفعلي بلغة الإدانة، فيغدو جاهلياً أو ضالاً أو فاسقاً (الفارابي).

أما مع الحداثة، وبما أن العلاقة مع الغرب المهيمن، «الآخر»، كانت سؤال حداثتنا الأهم؛ فقد كان استقدامنا لمنتجه الفلسفي انتقائياً، فحضرت عندنا الفلسفات الخاصة بالتاريخ والإرادة والتغيير واللغة لتلعب دوراً وظيفياً يغني وقائع الصراع والتبلور وتأكيد الذات والسلطة بالمفردات. أي حضرت الفلسفة ولكن بعد أن جُردت من كونيتها بتحزيبها ودون استعادة الأسئلة التي حاولت الإجابة عليها، فتعرفنا عليها كأيديولوجيا لا كفلسفة. هذا عدا عن بؤس تعاطيها في مختلف المستويات التعليمية، وخاصة العليا منها، لما تعانيه، مثلها مثل كل الفروع المختصة بإنتاج المعرفة الاجتماعية، من امتثالية لهيمنة السياسات الحاكمة.

العقلانية غير ممكنة بلا فلسفة.

والفلسفة غير ممكنة إن لم تستأنف كونيتها، أي فاعليتها التواصلية الرافضة للتحزب، المتسائلة والناقدة. والكونية هنا لا تعني تمييع هويتـ«نا» ووجود«نا»، كما يطيب للبعض أن يذهب؛ فلا هوية تروم الحياة إن لم يكن الانفتاح على العالم أحد أهم أبعادها.

إن النقد الفلسفي مؤسس للعقلانية من حيث انتظام البديهيات والمسلمات والخطوط الحمراء في الدين والسياسة والثقافة والمجتمع، أمام أسئلة الحياة والحرية والمعنى والعقل. وهو يطال حتى النزعة الموضوعية للعلوم الحديثة من حيث نتائجها وكذلك تنصيب نفسها بعداً تفسيرياً أوحداً لهذا العالم، ما سهّل تورطها في وقائع السيطرة والهيمنة. إن الزمان الفلسفي زمان مفتوح، فالفلسفة كالعالم لم تنشأ دفعة وإلى الأبد، وبهذا فان انفتاح العقل على الفلسفة هو انفتاحه على تاريخه وتاريخ العالم، والعكس ليس إلا بديلاً شعبوياً يتأسس على الدوغما والانعزال. ومن هنا فالفلسفة، في أبعادها الكونية والنقدية، تتضمن بعداً ديموقراطياً من حيث تعدد رؤاها وعدم اعترافها بالبدايات والنهايات، بل على العكس، انفتاحها على التاريخ والحداثة.

نشر في الحياة في 11/3/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق