البعد الديني في الفكر الخلدونيّ مكوّنا مخياليّا واستراتيجيا حِجاجية

يعدّ عبد الرحمان ابن خلدون رائدا من روّاد الفكر العربيّ في العصر الوسيط وعلما من أعلام الفكر الإنساني، أقرّ ذلك جلّ الباحثين عربا كانوا أم أعاجم، وهو ما يعني أنّ للرّجل منزلة بدت لدى من أجاز ذلك أمرا مسترابا وحدثا مستغربا نظرا إلى ما ساد العصر الوسيط الإسلامي وغيره من الأعصر من علامات التراجع و أمارات الانتكاس، أثّرت في أبنية الفكر تأثيرا ساد بمقتضاه الصمت وخيّم العدم، عدم الفكر وعدم الإنسان، حيث كثر التكرار وخبا الاجتهاد.

والاشتغال بالفكر الخلدونيّ أمر دونه محاذير كثيرة واحترازات وفيرة أهمّها:

· كثرة البحوث المنجزة حول الرّجل وفكره

· تشعّب المدوّنة الخلدونيّة مواضيع وخلفيّات

· انطواء الخطاب الخلدونيّ على ظاهر لا يقول الحقيقة وباطن يلوذ في صمت الكلام فلا يبدو ولا يظهر.

فهذه المحاذير تجعلنا ننتحي جهة لم تسل حبرا كثيرا ونطرق موضوعا نستلّه من القضايا الّتي ترشح بها المدوّنة الخلدونيّة، نعيّن مقتضياته ونجلّي استراتيجياته عسانا بذلك نردّ للرّجل مزيّة كونه بنى في الفكر العربيّ قواعد علم العمران البشريّ الّذي أقام منهاجه على النظر والتحقيق فيما سلف من الأخبار الّتي خالطها الدس وأدركتها الطعون حتّى صارت كالأساطير لا تؤدّي الحقيقة بل تخفيها في اهاب التهويل والترويع وهو ما يشي به قول ابن خلدون “ولمّا طالعت كتب القوم وسبرت غور الأمس واليوم نبّهت عين القريحة من سنة الغفلة والنوم وسمت التصنيف من نفسي وأنا المفلس أحسن السّوم فأنشأت في التاريخ كتابا رفعت به عن أحوال الناشئة حجابا وفصّلته في الأخبار والاعتبار بابا بابا و أبديت فيه لأوّليّة الدّول “والعمران عللا وأسبابا– المقدّمة، ص 17.

لذلك سنبني قيلنا في هذا المقام على البعد الديّنيّ في المقدّمة باعتباره مكوّنا مخياليّا يستدعيه المفكّر الّذي ينتمي إلى دائرة الفكر الإسلاميّ يحتجّ به ويبني عليه حدوسه التّأويليّة ليعمّق حضوره ويرفد نذوره وباعتباره كذلك استراتيجيا حجاجيّة تبطن تصوّرات وتخفي مواقف.

نقصد بالمكوّن الديني في هذا المقام المخصوص المرجعيّة الإسلامية المتكوّنة من النص القرآنيّ باعتباره نصّا مؤسّسا ومدوّنة السيرة والحديث النبويين باعتبارهما نصّين رافدين حدث بينهما التكامل حتّى صارا لدى البعض ممّن اعتنى بالظاهرة الدّينيّة، فساءل مسلّماتها وخاطب الصامت فيها، النّواة الّتي تبني الخطاب القرآنيّ وتكوّن سداه.

وهذا المفهوم الّذي علّقنا به المكوّن الديني أجراه ابن خلدون إجراء بدا في المقدّمة ظاهرا وفي كتاب العبر باديا، حتّى صار أمرا لافتا وظاهرة مطّردة تقبل الدرس وتقتضي المساءلة.

والناظر في المقدّمة لواجد أنّ فيها فصولا كثيرة دائرة على نواة هذا المكوّن واليك على ذلك أمثلة.

· الفصل الخامس والعشرون – في معنى الخلافة والإمامة –

· الفصل الحادي والثّلاثون – في الخطط الدّينيّة الخلافيّة –

· الفصل الثّامن – في علم الفرائض –

· الفصل التّاسع – أصول الفقه وما يتعلّق به من الجدل والخلافيّات –

· الفصل العاشر – في علم الكلام –

· الفصل السّابع عشر – في علم التّصوّف –

· الفصل السّابع والعشرون – في علم الإلهيات –

· الفصل الخامس – في علوم القرآن من التفسير والقراءات –

إن هذه الفصول التّي استرفدناها في هذا المقام أمثلة على حضور المكوّن الديني في مقدّمة ابن خلدون ليست تامّة بل إنّ لها أشباها كثيرة وهيآت وفيرة دونها العدّ والحصر وما يعنينا من تواتر تلك الظاهرة ما يرشح عنها من دلالات مدارها على أنّ المكوّن الديني بالنسبة إلى الفرد المسلم يعتبر القيمة الواجبة لتحصيل المنزلة وإدراك التّسمية وهذا الأمر يبدو ظاهرا في مفهوم العلم في العصر الإسلاميّ الوسيط، إذ العالم هو من حصّل علوم الشرع والدين وتفقّه فيها حتّى غدا لها مالكا ولنكتها مدركا، فهذا الإرث المخياليّ هو الذي جعل عبد الرحمان ابن خلدون يخوض في العلوم الدينية خوض المؤمن بمنزلتها الواثق من سلطانها في تنفيق الخطاب وجعله يحظى بضرب من المقبوليّة تقوّي في كيانات الجمهور فعله، يؤمن به ويعمل من خلاله. وقد وقفنا في سياق أوسع من هذا على دور المكوّن الدّينيّ باعتباره رافدا مخياليّا في تنفيق الخطاب وترسيخه داخل سنّة ثقافيّة تحضن الأول وترفد المفسر، فكأنّ ربط العوارض بالأسباب الدينية هو بالنسبة إلى العالم المنتمي إلى الحوزة الإسلاميّة شارة عبور وإجازة انخراط في دوائر التّفكير والاجتهاد ومراجعة النظرات البائدة الّتي تعكّر الصّفاء وتُذهب البريق.

وقد شعر ابن خلدون بعسر تلك المهمّة وشدّة تلك الوطأة فاستجار بصريح لفظه في خطبة مقدّمته ممّا آل إليه تدوين الأخبار وإيراد التّواريخ، إذ يقول ” ثمّ لم يأت من بعد هؤلاء إلاّ مقلّد وبليد الطبع والعقل أو متبلد ينسج على ذلك المنوال ويحتذي منه بالمثال ويذهل عمّا أحالته الأيّام من الأحوال واستبدلت به من عوائد الأمم والأجيال فيجلبون الأخبار عن الدول وحكايات الوقائع في العصور الأول صورا قد تجرّدت عن موادّها وصفاحا انتُضيت من أغمادها ومعارف تستنكر للجهل بطارفها وتلادها، إنما هي حوادث لم تعلم أصولها وأنواع لم تعتبر أجناسها ولا تحقّقت فصولها ” – المقدّمة ، ص 17.

وبذلك يغدو البعد الدينيّ بمختلف مكوّناته وفي متباين هيآته مكوّنا مخياليّا يرسّخ الخطاب الخلدونيّ داخل أسيقة الثقافة لاسلاميّة ترسيخا يجعله ذا نسب ويصيّره ذا مرجعيّة تحصّن محتواه وتوسّع دوائر الإيمان به وهو ما سنعمّق فيه النّظر في بيان وظيفة ذاك المكوّن باعتباره استراتيجيا حجاجيّة يُبنى وفقا لها الخطاب وتلتئم مكوّناته.

في مفهوم الاستراتيجيا الحجاجيّة ووظيفتها في ترسيخ قواعد المنهاج الخلدونيّ وبناء النسق المستفرد
يعدّ مفهوم الاستراتيجيا الحجاجيّة مفهوما مركزيّا في تحليل الخطاب نظرا إلى ما له من صلات ببيان مضمرات القول التي هي في منتهى الأمر مقتضياته وحقائقه التي تشدّ نسقه الجامع وتقيم وحدته والتئامه.

وقد تعلّقت بهذا المفهوم حقول من البحث مختلفة أجلاها حقلا اللّعب والحرب باعتبارهما الحقلين الأساسيّن اللذين يتوسّلان بمبدأي الاستراتيجيا والتّكتيك، وحتّى لا يطول الكلام في التنظير والتجريد ننتخل من تلك الحدود المتعدّدة بعض ما له بالمشغل المطروق صلة.

لقد عرّفت- ماريانا تتيسكوMARIANA TUTESCU أستاذة الألسنيّة وعلوم اللغة في جامعة بخراست- في كتابها L’ARGUMENTATION introduction à l’ètude du discours – الحجاج مقدّمة لدراسة الخطاب/ لتحليل الخطاب، الصادر عن جامعة بخراست سنة 2003، الاستراتيجيا الخطابيّة قائلة ما تعريبه:”الاستراتيجيا الحجاجيّة هي جملة الأعمال اللغوية المتأسّسة على منطق خطابيّ وهو ما يجعلها متضمّنة قوّة حجاجيّة وغاية برهانيّة”.

وقد علقت المؤلّفة نفسها الاستراتيجيّات الحجاجيّة بوظائف الخطاب الأساسيّة وهي عندها

· التمثيل

· البيان والتبرير

· الانتظام والانسجام

وهذه الوظائف الثلاث، لها في المقدّمة حضور، تصير بمقتضاه ضربا من التنفيذ العقليّ لسياسة تصوّريّة تجعل المكوّن الديني آليّة استراتيجية تختزل تمثيليّة الذهن الخلدونيّ وهو ينحت قواعد العلم الجديد ويصوغ أجروميّة المعارف الناشئة في الاجتماع والتاريخ وسالف الأخبار والمواعظ.

وبذلتبنى المقدّمة باعتبارها خطابا فاعلا آل صاحبه فيه على نفسه بيان فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والإلماع بمغالط المؤرّخين – المقدّمة، ص 18- أفقا حجاجيّا ومدارا برهانيّا باعتبار الحجاج في غايته ” أن يجعل العقول تذعن لما يطرح عليها أو يزيد في درجة ذلك الإذعان ، فانجح الحجاج ما وفّق في جعل حدّة الإذعان تقوى درجتها لدى السامعين بشكل يبعثهم على العمل المطلوب إنجازه أو الإمساك عنه أو هو ما وفّق على الأقلّ في جعل السامعين مهيّئين لذلك العمل في اللحظة المناسبة” – عبد اللّه صولة، الحجاج أطره ومنطلقاته وتقنيّاته من خلال مصنّف في الحجاج – الخطابة الجديدة –لبرلمان وتتيكاه – ضمن كتاب “أهمّ نظريّات الحجاج في التقاليد الغربيّة من أرسطو إلى اليوم”، منشورات كليّة الآداب منّوبة، تونس ، د. ت ، ص 299.

وبذلك يؤول بنا هذا الاعتبار الافتراضيّ إلى إثبات المصادرة آلّتي أقمنا عليها البحث نعني اعتبار البعد الديني مكوّنا مخياليّا واستراتيجيا حجاجيّة يضمن بها ابن خلدون تنفيق خطابه والاندراج في محيط سنّة ثقافيّة إسلامية ترتهن التسمية فيها بمدى خدمة العالم لما تقتضيه الشريعة وما يطلبه المعتقد، ممّا قضى أن يكون لهذا البعد في المقدّمة حضور حتّى يثبت علم صاحبها ويقوى سلطان كاتبها، يفتكّ الإمرة ويحوز المرتبة وهو الذي طعن في انتمائه فحورب ولوحق ولكنّه في الأخير فاز بنفسه إذ هاجر ورحل، ليخطّ بقلم المغترب ما نفى الغربة وأنطق عقدة اللسان نعني “كتاب العبر وديوان المبتدا والخبر في أيّام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي آلسّلطان الاكبر”،ليكون شاهدا على أنّ الأحداث في دوائر النفوذ الإسلاميّ ذي الحدود والسنن ، فعل استراتيجي ونشاط تأويليّ يكابد من جرّائه المنشأ الويل والضّيق، لذلك يلجأ لتحصين خطابه إلى المسايرة والموافقة درءا للتّعارض ونفيا للمخالفة وهما شرطان يبنيان دائرة النفوذ الإسلاميّ المتسنّن الذي كتب ابن خلدون في فضائه تاريخه وخطّ في محيطه ديوان عبره.

انّ هذا المبحث لا يعدو أن يكون سوى حدس نظريّ يتضمّن طموحا كبيرا يتجاوز حدود هذا المقام ليتنزّل في مدارات معرفيّة أخرى نعيد في محيط جذبها قراءة تراثنا العربيّ القديم قراءة تصله بأبنيته المخياليّة وباستراتيجياته الخطابيّة حتّى تنكشف حقائقه وتتجلّى مقاصده الجلاء الذي يظهر قوانينه ويعيّن أنظمة أشكاله وبذلك نستطيع أن نتخلّص من قراءات الأدلجة آلّتي توظّف التراث ولا تنطقه وهو ما يشغل بالنا في سياقات غير هذه نبسط في محيطها القضيّة بسطا تفصيليّا يؤصّل الشّواغل التّراثيّة ويفكّ خرسها الّذي استدام.

{{في مفهوم المكوّن الدّينيّ وحظّ المقدّمة منه}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق