البلوتوث يقتل والجريمة تستمر
شيرين الخطيب

هذه ليست المرة الأولى التي تتسبب فيها التقنيات الحديثة بجريمة ( شرف ) جديدة، وقد لا تكون الأخيرة إذا لم يوضع حدّ لجرائم الشرف بكل أنواعها، وإذا بقي استخدام التكنولوجيا عشوائياً وبلا ضوابط اجتماعية وقانونية. وقد تكون جريمة الشرف التي نحن بصدد الحديث عنها مناسبة أخرى لفضح النفاق والتواطؤ الاجتماعيين، وأيضاً مناسبة للحديث عن جريمة (الشرف ) كجريمة جماعية، وإن تم تنفيذها من قبل شخص واحد.

الجريمة الأخيرة التي أحدثت ضجة كبيرة وقعت في محافظة الحسكة السورية، عندما أقدم شقيق على قتل شقيقته (23) عاماً رمياً بالرصاص، بعد أن تعرّض لضغوطات اجتماعية كبيرة، حيث كانت تصل إلى أسماعه الهمسات التي كثرت بين الناس، وهم يتناقلون باستمتاع، بواسطة البلوتوث، تسجيلاً يحتوي على وضع حميم وساخن للأخت مع أحد الشبان. أي أن الناس كانوا يتداولون التسجيل فيما بينهم، وفي الوقت نفسه يدينون عائلة الفتاة لأنها ( قليلة الشرف ولا تجد حلاً لغسل العار الذي لحق بها)!.

إشاعات كثيرة رافقت الجريمة، إذ قيل إن الأهل سجنوا ابنتهم لمدة يوم قبل قتلها، وفي هذه الأثناء قاموا بالبحث عن الشاب لقتله أيضاً. قيل إن الشاب كان يبتزّ الفتاة بالتسجيل، وقيل إنه وثق بصديق له فأرسل إليه التسجيل، ثم انتشر عبر ذلك (الصديق ). الخلاصة في كل ذلك أن الفتاة المغدورة لم تحسب حساباً لتهاون الشاب، فتحولت حياتها الشخصية من قضية حب إلى قضية قتل و(غسل عار) و(شرف). لم تفعل الفتاة سوى ما يفعله الكثيرون، بمن فيهم أولئك الذين روجوا للفضيحة، وأوصلوا العائلة إلى قتلها، وهذا ما يحدث في العديد من جرائم الشرف إذ يؤدي الضغط الاجتماعي أو الخوف من الآخرين بالأهل إلى ارتكاب الجريمة، مما يضع المجتمع بمثابة المحرض على القتل وهذه مساهمة فعلية في الجريمة.

في هذه الحالة كانت المساهمة الجماعية أكبر، لأن المشاركين تناقلوا المشاهد الخاصة بالفتاة، وانتهكوا خصوصيات الآخرين بلا رادع أخلاقي. فهؤلاء الناس أحرار في أن يشاهدوا فيلماً جنسياً معدّاً للانتشار والمشاهدة أصلاً، أما أن يروا مشاهد خاصة لشخص ما نشرت دون إذنه فهذا هو الجرم الذي لا يلتفت إليه أحد، مع أنه يستحق العقاب. تعاقَب الفتاة التي لم ترتكب أي ذنب سوى أنها أحبت شاباً ووثقت به بحيث وافقت على تصوير المشهد الجنسي، وموضوع التصوير في هذا الموقف هو أمر عائد لمزاج الشخصين وكل شخص له طريقته الخاصة في الاستمتاع كما نعلم. لكن لا توجد فتاة ترضى بأن تكون عرضة للتداول بين الناس، وإذا أخطأت بأن وثقت بمن ليس أهلاً للثقة فهذا لا يُقاس بجريمة الشاب وهي التسبب بالقتل، لأن نشر التسجيل من قبله لا يعدّ خطأ، فهو يدرك سلفاً، ولو بنسبة ضئيلة، أن انتشار التسجيل قد يتسبب في قتلها.

هذه الحالة تعيد إلى الذاكرة ما حدث للشخصية الاجتماعية المعروفة، والحائزة على أكثر من لقب جمالي في لبنان، نيكول بلان. حيث كانت على علاقة بشاب قام بتصوير مشاهد جنسية ساخنة بينهما، ثم قام بتوزيع الشريط الإباحي ما أثار فضيحة جعلت نيكول تعتكف عن الظهور بعد إصابتها بانهيارات عصبية عديدة. وما أدى إلى انهيار وضعها الأسري، وزيادة وزنها بسبب تناولها المهدئات. بعدها بفترة طويلة عادت نيكول إلى الأضواء بصورة منكسرة وخجولة، لكن هذه المرة بواسطة تصميم العباءات وليس بصفتها وصيفة سابقة لملكة جمال لبنان.

المشترك بين حالة نيكول وحالتنا هذه هو أن هناك من لا يرتدع عن التلصص على خصوصيات الآخرين، ولا يميز بين استخدام التكنولوجيا لأسباب شخصية واستخدامها لأغراض عامة، ومع اختلاف الدرجة فإن المرأة في الحالتين هي التي تدفع الثمن الأغلى تحت أنظار لامبالية أو متشفية بها. وحتى إن لم يصل الثمن إلى درجة القتل علينا أن نفكر في الحالة التي ستكون عليها المرأة، وهي تواجه الأعين التي تلصصت على عريها في مجتمع ينظر إلى الجسد كعيب، وكم هن القادرات على مثل هذه المواجهة؟

لقد أصبح انتشار التكنولوجيا أمراً واقعاً، وأصبحت الثقافة التي تنتشر عبر الفضائيات والانترنت متاحة للكثيرين، لكن الثقافة التي تفصل بين ما هو شخصي وما هو عام مفتقدة في مجتمعاتنا، بل إن ما هو خاص يجلب تهافت الناس على رؤيته، ولهذا نشهد إقبالاً على تناقل المشاهد الخاصة، مع أن بإمكانهم رؤية أفلام جنسية بتقنيات أفضل. ومع التطور التقني المتسارع أصبحت الفجوة كبيرة بين ثقافتنا والتكنولوجيا المستوردة، وصار ضرورياً وجود ضوابط اجتماعية وقانونية تمنع استخدام التكنولوجيا في الإساءة أو التشهير بالآخرين.

تقدّم التكنولوجيا الحل الأسوأ في مجتمعاتنا، ومن ذلك ظاهرة التواصل الاضطراري عبر الانترنت بدلاً من التواصل الجسدي الطبيعي، فهذا النوع من التواصل مأمون لأنه لا يخلّف آثاراً اجتماعية، وبإمكان المتصلة أن تستخدم اسماً مستعاراً، وأن تقيم ما يطيب لها من العلاقات فتعوض بذلك عن حريتها المحدودة أو المفقودة. وقد حدثتني إحدى الفتيات عن هذه الظاهرة قائلة: ((إن أهلي يحاسبونني على كل كبيرة وصغيرة، وينظرون إلى كل شيء يبدر مني بنظرة واحدة خلفيتها الشرف. إنني أعيش في عزلة قاسية وضغوطات نفسية هائلة فهم يراقبون كل تحركاتي حتى علاقاتي الخاصة مع صديقاتي، حتى أصبحت أتعب نفسياً عندما يبادرونني بالحديث عن أي شيء لأنني أعرف الحكمة من وراء كلامهم سلفاً، فصرت أقضي معظم وقتي أمام شاشة جهاز الكمبيوتر لأنه الوحيد الذي لا يحاسبني أهلي على التعامل معه. وقد أصبح لدي الآن علاقات على الانترنت من خلال المحادثة حتى أنني أمارس الجنس مع أكثر من شاب أثناء الاتصال)). فهل المطلوب من الفتيات في مجتمعاتنا أن يمارسن الجنس بطريقة هذه الفتاة كي يأمنّ على أنفسهن من القتل؟

بالعودة إلى جريمة القتل التي بدأنا بها، فما حدث قد حدث، ونعلم مع كل جريمة من هذا النوع أن الكلمات لن تعيد القتيلة إلى الحياة، لكننا نأمل دائماً بأن يتوقف هذا النوع من الجرائم. وما يحزّ في النفس أن حدث القتل في هذه الحالة يوقظ فضول المزيد من الناس من أجل مشاهدة التسجيل الذي تسبب به، أي لا يكفي موت الفتاة بل يستمر انتهاكها وهي قتيلة، وتبقى الجريمة مستمرة ما دامت أداتها متداولة بين الأيدي. إن أقل ما ينبغي أن نفعله من أجل هذه الفتاة هو أن نوقف الجريمة، فنمتنع عن مشاهدة التسجيل، ونطالب الآخرين بالامتناع عن مشاهدته، ونعلن بأن كل من شاهده أو سيشاهده مشارك في جريمة القتل، وعليه أن يتحمل وزر جريمته أمام ضميره بما أن العدالة ما تزال غائبة حتى الآن.

مع الانتهاء من كتابة السطور السابقة ورد الخبر التالي في جريدة الوطن السورية، تاريخ 10/8/2009: أقدم أب شك في سلوك ابنته، لمجرد جلوسها مع زميل لها في مكان عملهما، على ضربها بكبل كهربائي ضرباً مبرحاً أدى إلى وفاتها، وقد تبين فيما بعد أن الفتاة عذراء، ولم يمسسها أحد. وفي التفاصيل، اصطحب الأب ابنته من مكان عملها، وأخرج زوجته وأولاده من المنزل، وضربها بالكبل الكهربائي ولم يقم بإسعافها حتى فارقت الحياة. وبيّن الكشف الطبي أن الوفاة نتجت عن النزف الدموي الصاعق على الكلية اليسرى والطحال، ما أدى إلى توقف ضخ الدم والقلب والتنفس. كما تبين أن الفتاة عذراء على عكس ما كان يتوقع والدها الذي ألقي القبض عليه، واعترف بقيامه بضرب ابنته “لسوء سلوكها”، كما ألقي القبض على شقيقها لعلاقته بارتكاب الوالد هذه الجريمة.

انتهى الخبر. ولم تذكر الجريدة سوى محافظة حماة التي تنتمي إليها الأسرة والحرف الأول من اسم الأب، وقد يكون السبب هو الحرص على سمعة العائلة، مع أن هذا الأب يستحق التشهير أكثر من الفتاة التي يتناقل الناس صورها بواسطة البلوتوث.

مرة أخرى، الجريمة تستمر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق