البناء الثقافي للأمراض المنقولة جنسيا في المغرب: إشكالية الأسباب وأنماط الانتقال

تبين التمثلات المغربية عن الأمراض المنقولة جنسيا أنها بناء ثقافي اجتماعي أكثر مما هي مرآة للمنظور الطبي العالم. صحيح أن بعض العناصر العلمية تتواجد في المعرفة العادية حول تلك الأمراض كما يتبدى ذلك عند تاجر بآسفي حيث يقول: “البرد ميكروب… والسيدا (الإيدز) أصله ميكروب… فبمجرد أن يكثر الفرد من العلاقات الجنسية المختلفة، سرعان ما يصاب بذلك الميكروب”. لكن البعض الآخر يميز بين الميكروب والمرض، بحيث أن الإصابة بالميكروب لا تعد مرضا أو سببا في المرض، وإنما شيئا تافها لا وقع له على صحة الفرد. وبالتالي، نادرا ما يتم تشخيص الميكروب بصفته السبب المباشر (والوحيد) في الإصابة بأحد الأمراض المنقولة جنسيا. أبعد من ذلك، يوجد خلط بين مفهومي السبب ونمط الانتقال. “الأسباب؟ السيدا، النوار، الشنكر والبرد، كلها تأتي من العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة…” حسب بائع سجائر بالتقسيط في خنيفرة. وتضيف عاملة جنسية في طنجة: ” النوار يأتي من الفساد”. وفي نفس الاتجاه، يؤكد موظف في طنجة أن “سبب الشنكر هن البغايا”.

في نظر الأغلبية إذن، هناك ترادف بين السبب ونمط الانتقال: “السبب الأول هو الجنس”. فالمغربي “العادي” لا يرى في الجرثومة أو الفيروس سبب المرض، وفي العلاقة الجنسية أو العدوى بالدم نمط الانتقال. ومن ثم يظل التمييز بين السبب ونمط الانتقال تمييزا خاصا بالمنظور الطبي المحترف، ذلك المنظور الذي لا يزال غريبا عن التمثلات المتداولة في المجتمع المغربي. ما هو متداول هو أن أسباب الأمراض المنقولة جنسيا هي الميكروب، النساء، العلاقات الجنسية، التصافح مع مصاب بالسيدا، الفساد الجنسي، البغاء، عدم احترام النواهي الدينية، العقاب الإلهي… ويؤدي التداخل بين السبب ونمط الانتقال إلى الخلط بين السبب من جهة وبين العنصر الناقل وطبيعة العلاقة والسياق الاجتماعي من جهة ثانية.

إلى جانب علم الأسباب (étiologie) الطبي، لا بد من الإقرار بوجود “إتيولوجيا” عادية وعفوية، وهي المسؤولة بشكل كبير عن التدبير اليومي للأمراض المنقولة جنسيا في المجتمع المغربي الراهن. وانطلاقا من المعطيات الميدانية المجمعة، ارتأينا أن “الإتيولوجيا” العفوية تتوزع بين أربعة حقول هي : حقل البرد، حقل الفساد، حقل العدوى بالقرب الجسدي، حقل اللامرئي.
حقل البرد

يظل البرد العامل المفسر الأقدم، كسبب وكنمط انتقال. في هذا السياق، تقول ربة بيت، ذات مستوى تعليمي ثانوي: ” حين يتبول الإنسان في الهواء الطلق، أو حين يكون الجهاز التناسلي حساسا تجاه البرد، حين تتوضأ المرأة بالماء البارد، حين يمارس الرجل العادة السرية في الهواء الطلق… كل ذلك أسباب لتلك الأمراض التي تنتقل بعد ذلك عبر النشاط الجنسي من فرد إلى آخر”. وذهب بعضهم إلى الإقرار بأن الوضوء بالماء البارد من أجل صلاة الفجر سبب في الإصابة. إن البرد سبب في حرقة التبول وفي السيلان وفي النوار وفي “الشنكر” كما جاء ذلك على لسان الكثير من المبحوثين. وبإمكان السيلان أن يتحول إلى سفليس أو العكس حسب هذا المنطق الثقافي إذ ليس لكل مرض خصوصيته، فلا وجود لترابط بين مرض معين وجرثومة معينة.

واضح أن نظرية البرد موروثة عن الطب العربي الوسيط الذي ورثها بدوره عن الطب اليوناني والروماني. مفاد هذه النظرية أن المرض ينتج عن كثرة البرد وشدته، أو عن قسوة الحرارة بالنسبة لأمراض أخرى. ونظرية البرد لا تخص الأمراض المنقولة جنسيا لوحدها، بل تسري على الكثير من الأمراض وبإمكان الكثير من أعضاء الجسم أن تصاب بالبرد. فلماذا احتفظت الثقافة المغربية بكلمة البرد لتفسير الأمراض الجنسية خصوصا؟ لماذا استمر اللجوء إلى “البرد” خصوصا وأن تلك الأمراض كانت من أهداف الطب الاستعماري منذ العشرينات من القرن العشرين، بمعنى أنه من المفروض أن الساكنة المغربية قد تعرضت إلى تربية صحية تؤهلها إلى التخلي عن البرد كتسمية وكتفسير. فهل كانت تلك التربية ناقصة وكان التركيز منصبا على العلاج بدل الوقاية؟ أم أن التشبث بالبرد كتفسير يقوم بوظائف أخرى، غير ظاهرة، لا تزال مستمرة إلى اليوم؟

أهم تلك الوظائف الكامنة أن البرد يرمز إلى النساء، وهو ما وقفنا علية فعلا في المقالة السابقة، المتعلقة بالأسماء. فمن بين الأسماء التي تم تشخيصها، “برد العيالات”، وهو الاسم الذي يجعل من البرد خاصية نسائية. أما الرجل، فمصاب بالبرد فقط، ولم نصادف أبدا عبارة “برد الرجال”. في الرمزية التقليدية، يتم الربط بين المؤنث والماء والسائل والبرد. أليست المرأة فعلا سيلان ماء أبيض أو أصفر أو أخضر؟ أليست سيلان دم حيض أو نفاس، سيلان دم أحمر أو أسود؟ إن السيلان أمر أصبح محددا ومعرفا لهوية المرأة. وتبعا لهذا التعريف للمرأة كسيلان “خطير”، تغدو المرأة مصدر الأمراض التي تصيب الرجل أثناء العلاقة الجنسية. إنها السيلان الذي يحول الرجل إلى ضحية، إلى ضحية بردها المؤسس، الشيء الذي “يبرِّد” الرجل بدوره ليفقده رجولته، أي فحولته وخصوبته. إنها معركة بين الجنسين، معركة مفادها أن المرأة، باعتبارها بردا، شر يتوجب الاحتراس منه. وهذا طرح أبيسي ذكوري يعبر عن نفسه في الطب التقليدي كما في حقول أخرى. إن المرأة-السائل خطر على الرجل في إطار الطب التقليدي وعلى الرجل أن يتجنب ممارسة الجنس أثناء كل أشكال السيلان.

في هذا الاتجاه، تقر عاملة جنسية في طنجة أن “المرأة السليمة يابسة”. لكن هل توجد امرأة يابسة في منظور الأبيسية التي ترى في الأنثى سيلانا أبديا؟ ومن ثم، فإن الربط بين البرد والمرأة اتهام للمرأة في إصابة الرجل بأمراض في جهازه التناسلي وفي جنسانيته بشكل عام. وهذا ما تؤكده الكثير من تصريحات المبحوثين: “إن مرض السيلان (blennorragie) يأتي من المرأة… إنها مصدره… فالمرأة بما أنها متسخة تحتفظ بالبرد، وحين يجامعها الرجل، فإنه يمتص الميكروب الذي تختزنه”. وعليه، فإن الرجل ما هو سوى ناقل المرض من امرأة إلى امرأة، إنه ضحية في إطار نظرية البرد التي تعيد إنتاج كراهية النساء في لاشعور المعرفة الذكورية بكل أصنافها. إن البرد ملكية خاصة بالمرأة نظرا لأنوثتها، أما الذكر فهو حرارة وفحولة. كل هذا يجعل من إصابة الرجل بالبرد النسائي مصيبة أبيسية. خلاصة القول أن الصراع الجنسي صراع بين الذكر والأنثى، بين الرجل والمرأة، بين الحرارة والبرد، بين الصحة والمرض، وبين الخير والشر. وبديهي أن هذه الثنائيات الإيديولوجية ليست مجرد إيديولوجيا يوظفها الرجل عن وعي وعن قصد، فهي تطال ذهنية المرأة أيضا بحيث أن الإيديولوجيا لا تنجح في مفعولها إلا إذا انطلت على ضحيتها وساهمت ضحيتها في نشرها وإعادة إنتاج الإيمان بها. وفعلا، تقر ربة بيت في آسفي أن “المرأة هي التي تصيب الرجل بالبرد، هي التي تعديه، وليس العكس”.

في هذا الإطار، يتحول كل ما هو ساخن إلى دواء. فالمادة الساخنة في الدرجة الثانية غذاء ودواء في آن واحد (مثل النعناع الأخضر)، أما المادة الساخنة في الدرجة الثالثة فهي دواء فقط (مثل الحُلْبَة)، في حين أن المادة الساخنة في الدرجة الرابعة سم. وبالتالي، يعمل الطب التقليدي على معالجة البرد بما هو ساخن مثل البصل والثوموالأصَفِ و”رأس الحانوت” (مجموعة من التوابل) وأكلة مغربية تدعى “المساخن” بالضبط. ويؤكد أحد العشَّابين المستجوبين أن “النوار” (السفليس) نفسه يُضَادُّ ويُعالَج بما هو ساخن لأنه أيضا أحد تمظهرات البرد.

{{2) حقل الفساد}}

يحيل حقل الفساد على كل السلوكات الجنسية اللاشرعية واللاسوية (الشاذة). فهو حقل يشمل العلاقات الجنسية الحرة بين الرجل والمرأة، ، أو العلاقة بين العاملة الجنسية وزبونها، كما يعني أيضا ممارسات جنسية معينة مثل إتيان المرأة من الدبر أو العلاقة الجنسمثلية بين رجلين. وفي كل الأحوال، يعني الفساد الجنسانية السيئة التي تفضي حتما إلى الإصابة وإلى المرض. هذه الجنسانية السيئة تسودها فكرة القذارة الأخلاقية، وفكرة الوسخ. وهنا يصبح دور السبب (الجرثومة أو الفيروس) ثانويا جدا لأن الفساد مُمْرِض في ذاته وبذاته. إن المرض كامن في العلاقة الجنسية الفاسدة. وتذهب الكثير من أقوال المبحوثين في هذا الاتجاه:

“السيدا، إنه الجنس خارج الزواج” (طالب، خنيفرة).

“الإنسان الذي يفسد، لا بد أن يصاب بمرض… إذا فلت من مرض، سيصيبه مرض آخر” (تاجر).

“إن الله يمنعنا من اتباع طريق الفساد لاجتناب أمراض مثل السيدا” (فتاة).

بالنسبة للمبحوثين، تحيل الجنسانية اللاشرعية على الخيانة الزوجية وعلى تعدد الشركاء الجنسيين والخلط بينهم. وطبعا، يظل العمل الجنسي هو التعبير الرئيسي عن الفساد في بعده اللاشرعي. فهو يعني الشارع وتجارة الجسد والخلط بين الشركاء الجنسيين والوسخ والكحول والمخدرات. في هذا الإطار، ذهبت قوادة في خنيفرة إلى فك الارتباط بين الجنس والسيدا، قائلة: “السيدا يأتي من المخدرات… وليس من العلاقات الجنسية… لم أر قط في حياتي إنسانا أصيب بالسيدا من جراء علاقات جنسية”. وتذهب عاملة جنسية بطنجة في نفس الاتجاه: “إن استهلاك المخدرات يمكن أن يؤدي إلى السيدا… حين نستهلك المخدرات لمدة سنتين أو ثلاثة، يُعطَّب الرحم، يتطور المرض ونُصاب بالسيدا… فالمخدرات لا تتسبب في النوار، إنها تتسبب في السيدا”.

أما الممارسات الجنسية الشاذة، فتحيل أولا على تغيير الأوضاع (الهيئات)، ثم على إتيان المرأة من الدبر وعلى اللواط. “حين نمارس الجنس بشكل شاذ، وقوفا أو جنبا مثلا أو حين يكون الرجل تحت المرأة، لا يخرج المني بكمية كبيرة… ويتحول المني الذي يبقى في الجهاز التناسلي إلى قيح” (فلاح). ويصرح الكثير أن المرأة تصاب بأحد “الأمراض الزهرية” إذا وُطِئتْ بعنف أو أوتيت من دبرها. فإتيان المرأة في شرجها مرض في حد ذاته حسب عاملة جنسية، وهو فعل مُمْرض كما “يفسر” ذلك أحد الفلاحين في منطقة طنجة: “َفي الشرج جزء من 15 سنتيمتر كله ميكروبات، من الرِدْف إلى المصران الكبير… هل يجوز أن نضع قضيبنا في ثقب المرحاض؟ لا… إن الشرج مثل المرحاض… ينبغي أن يكون الإنسان جاهلا، وحشيا، حيوانيا لكي يلج المرأة من شرجها… 15 سنتيمتر من الميكروبات والرجل يلعب هناك، ياللحماقة”. في هذا السياق، يتم التنديد باللواط أيضا كسبب السيدا : “إن سبب السيدا في المغرب هم الأجانب، فهم مفعولون (بهم جنسيا)، هم الذين جاءوا بهذا الفيروس” (بائع سجائر بالتقيسط، خنيفرة). وهو موقف يشاطره الكثير من المبحوثين. لكن ما هو مثير للانتباه هو الاعتقاد بأن المفعول به لوحده سيصاب بالسيدا. فمن جهة، المفعول به يشبه المرأة من حيث هو مفعول به، ومن جهة ثانية، فهو لا يشبه المرأة لأنه لا يحيض، أي لا يستطيع تطهير جسمه بفضل الحيض (كما تفعل المرأة في إطار هذا الاعتقاد). وبالتالي، سيحتفظ المفعول به بالميكروب داخل جسده، و”سينتشر الميكروب في العمود الفقري الذي سيتهدم تدريجيا”. واضح أن هذا الاعتقاد الخطير يمدد بشكل لا شعوري التمجيد اللاشعوري، الأبيسي، للفاعل في العلاقة اللوطية، إذا لا يعتبر الفاعل شاذا لأنه لا يخون نموذج الإيلاجية، ذلك المحدد المحوري للهوية الرجالية. أخيرا، هناك من اعتبر العلاقة السحاقية بين امرأتين سببا في الإصابة بالسيدا لمجرد أنها شذوذ وفساد.

{{3) حقل العدوى (القرب الجسدي)}}

المقصود بالعدوى الإصابة بمرض منقول جنسيا دون اتصال جنسي، وهي مفارقة في المنظور الطبي. وفعلا، باستثناء السيدا (الذي ينتقل عبر الدم أيضا)، كل الأمراض المنقولة جنسيا تتطلب وقوع علاقة جنسية لكي تنتقل من شخص إلى آخر، ولذلك سميت أمراضا منقولة جنسيا. لكن المنطق الطبي الثقافي المغربي التقليدي يجعل من نمط الانتقال غير الجنسي أمرا ممكنا في الأمراض المنقولة جنسيا، وهو ما يفسر عدم رواج وتداول هذه التسمية-المنظور في الثقافة المغربية غير العالمة. وفي هذا الموقف استعادة لنموذج العدوى، أي انتقال المرض من شخص إلى آخر بسبب تجاور الأجساد كما هو الأمر في حالات الطاعون أو مرض السل مثلا.

في هذا الإطار، أكد المبحوثون أكثر من مرة أن الحمَّام العمومي التقليدي والمراحيض أماكن تنتقل فيها “أمراض البرد” دون حدوث اتصال جنسي. فالشخص المصاب يترك “برده” أو جرثوماته وفيروساته في المكان الذي يستعمل، وبالتالي يتوجب على كل مستعمل لنفس المكان أن يغسله وينظفه قبل استعماله، تجنبا للإصابة بأمراض الجنس. و يرتفع خطر الإصابة خصوصا في الحمامات التي يستعملها الرجال والنساء بالتناوب. ففي هذه الحمامات المختلطة دون اختلاط، تنتقل الأمراض بين الجنسين دون وقوع اتصال جنسي لأن الميكروبات تبقى في الحمام بعد مغادرة حاملها. وبشكل أدق، ينقسم حقل العدوى إلى نمطين، نمط الانتقال عبر الإفرازات الجسدية، ونمط الانتقال عبر استعمال حوائج المصاب (مثل الملابس أو فرشاة الأسنان…).

بالنسبة للنمط الأول، فهو نمط غير جنسي لأن الإفرازات الجسدية المعنية هنا هي التنفس، الدم والعرق، فليس المقصود بها المني. وهكذا يعتقد بعض المبحوثين أن احتكاك الجلد بالجلد ينقل “النوار” وأن التبول في مكان تبول فيه شخص مصاب “بالنوار” يصيب المتبول “بالنوار”، كما أن القبلة تعتبر ناقلة للإيدز… وأقرت امرأة من آسفي أن السفليس والإيدز أمراض تنتقل من شخص إلى آخر عبر التنفس. وفي نفس السياق، أكد مبحوث آخر أن “السيدا مرض معدي جدا، ويمكن أن ينتج عن المصافحة أو عن دخان السيجارة أو “الكِيف” (القنب الهندي)، أو عن كأس الخمر التي نشرب منها مع مصاب أو حين نقبِّل مصابا على خده…”. وبإمكان الدم أن ينقل “البرد” من شخص إلى آخر.

أما فيما يتعلق بالنمط الثاني، فإن استعمال حوائج المصاب يقود إلى الإصابة. في هذا الإطار، تتم الإشارة إلى الكأس أو الملعقة التي يستعملها المصاب بالإيدز، وتعتبر قدرتها النقلية مماثلة لقدرة الإبر. ويعتبر هذا المنطق أن ملابس المصاب بالإيدز معدية، مثلها مثل ملابس المصاب بالنوار أو بالقمل. والفوطات نفسها يمكن أن تنقل السفليس أيضا حسب ربة بيت. لكن يجب الإشارة هنا إلى أن مثل هذه التصورات تبدو نادرة، وهو الشيء الذي ستؤكده دون شك دراسات كمية إحصائية.

{{4) حقل اللامرئي}}

يربط المخيال الثقافي التقليدي بين الأمراض المنقولة جنسيا وبين السحر أو العين، كما يفعل مثلا في حالة العجز الجنسي، أو ما يسمَّى “الثْقَافْ” في الدارجة المغربية. هنا تلجأ بعض النساء إلى بعض التقنيات “السحرية” (مثل “التوكال” وهو وضع “أشياء” في الأكل، والحرز الذي يحرره فقيه أو “كركور” الأحجار الذي يتخطاه الرجل دون وعي) من أجل إصابة الرجل بالبرد، والمقصود هنا بالبرد العجز الجنسي. وهنا تجدر الإشارة إلى الترابط القائم بين ما هو نفسي (العجز) وما هو فيزيقي (البرد، السيلان). ومن جانب آخر، أقر البعض أن مرض الإيدز نفسه يمكن أن ينتج عن العين.

إن هذه الأنماط السحرية غير جنسية، لكنها لا تستحوذ كليا على حقل اللامرئي. ذلك أن الأمراض المنقولة جنسيا يمكن أن تنتقل عن طريق العلاقات الجنسية بين الجن والبشر، وهو اعتقاد لا يميز الثقافة المغربية لوحدها، وإنما يخترق كل المخيال الإسلامي. وهكذا، “حين يجامع جن ما امرأة، لا بد من أن ينقل لها مرضه إن كان مريضا”. فإذا كان الجن يتسبب في بكم وصم وإعاقات البشر، لا شيء يمنع من تسببه في الأمراض المنقولة جنسيا للبشر.

لكن الأغلبية من المستجوبين ترى أنه لا علاقة للجن بالبرد كمرض فيزيقي، وأن الجن أو السحر يتسببان في فقدان الرغبة الجنسية وفي العجز الجنسي. هل يسري فك الارتباط بين الأمراض المنقولة جنسيا وبين اللامرئي على الله؟ ما دور الإرادة الإلهية في الأمراض المنقولة جنسيا؟ هنا تبرز فرضية العقاب، أي ذلك التمثل الذي يرى في الأمراض المنقولة جنسيا عقابا يسلطه الله على “مرتكبي الفواحش”. ولا تتناقض هذه الأطروحة مع الانتقالية الجنسية بين البشر، بحيث أن الانتقالية الجنسية هي في الوقت ذاته معصية وسببا (في الإصابة). فالانتقالية الجنسية يمكن أن تكون السبب الذي يختاره الله من أجل إصابة فرد ارتكب معصية (ولو غير جنسية)، أي من أجل عقابه أو اختبار إيمانه وصبره. إن المرض علامة، أو رسالة يبعثها الله إلى الإنسان ليذكره بأن ما يقوم به حرام. في هذا السياق، يقول فلاح: “آكل لحم الخنزير يصاب بالسرطان أو بمرض القلب، أما الزاني فيصاب بالنوار أو بالسيدا… وكل تلك الأمراض عقاب من عند الله”.
خاتمة

من خلال استعراض الحقول الأربعة التي تخلط بين الأسباب وأنماط الانتقال، يتبين أن حقل البرد يسمح بفك الارتباط بين الأمراض المنقولة جنسيا وبين الجنس، ويعني ذلك إمكانية تبرئة “الزاني” أو “الزانية” من تهمة الزنا. فبعض الأمراض تقلق المجتمع إلى درجة أنه يضطر لإخفائها، ولإقصائها، وهذا ما يحدث بفضل نظرية البرد في المجتمع المغربي التقليدي. إن البرد كسبب يمكِّن المجتمع من نفي الانتقالية الجنسية عندما يجد مصلحته في ذلك. أما حقل الفساد، فهو الحقل الوحيد الذي يربط حتما بين الأمراض المنقولة جنسيا وبين الجنس، والفساد جنسانية سيئة، لا شرعية أو/وشاذة. وهو الحقل الذي يستعمله المجتمع قصد الحفاظ على الأخلاق وقصد إقصاء وتهميش بعض الفئات الاجتماعية “الخطيرة” مثل العمال والمثليين الجنسيين. على عكس حقل الفساد، يقوم حقل العدوى على نمط انتقال غير جنسي للأمراض المنقولة جنسيا، ويجعل من الأمراض المنقولة جنسيا أمراضا معدية دون حاجة إلى اتصال جنسي. خلافا لهذه الحقول الثلاثة، يقوم حقل اللامرئي على سببية عمودية تجعل الإنسان ضحية إصابات تأتي من عالم سفلي (الجن) أو من عالم علوي (الله)، وهي سببية توظف الانتقالية الجنسية وتشملها ولا تتعارض معها.

أمام الأمراض المنقولة جنسيا، يلجأ الفكر اليومي (المغربي) إما إلى حقل واحد قصد التفسير والتبرير، أو يؤلف بين هذه الحقول ويركب فيما بينها، كل ذلك مراعاة للمصلحة، أي حسب الوضع الاجتماعي للفرد المصاب (سنه، جنسه، وضعه الزوجي، مهنته…). إن البناء الثقافي للأمراض المنقولة جنسيا في المغرب يعبر عن عقل عملي بالأساس، عن عقل يهدف إلى ضبط التوازن الاجتماعي بفضل “علم” طبي متعدد المصادر والمراجع.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق