البناء الثقافي للأمراض المنقولة جنسيا في المغرب: الإبدميولوجيا العفوية

في الأصل، كانت الإبدميولوجيا (épidémiologie) تهتم بالأوبئة (épidémie) فقط لكنها أصبحت اليوم ذلك الفرع من الطب الذي يدرس ظهور وتكرارية ونمط انتشار وتطور الأمراض التي تصيب مجموعة من الأفراد. بتعبير آخر، تجيب الإبدميولوجيا، الوصفية منها على وجه الخصوص، على التساؤلات التالية: ما هي الفئات الاجتماعية التي تمرض أكثر؟ ما هي الفئات التي تصاب أكثر من غيرها بمرض ما؟ كيف ينتشر مرض ما في المجتمع تبعا لمتغيرات السن والجنس والمهنة ومكان الإقامة…؟

وفي المغرب، تفيد مديرية الإبدميولوجيا ومحاربة الأمراض التابعة لوزارة الصحة، أن عدد الإصابات بالأمراض المنقولة جنسيا بلغ 854373 حالة نهاية سنة 2004 وأن حالات الإصابة بمرض الإيدز بلغت 1990 حالة من 1986 إلي 31 مارس 2005. وفي سنة 2003، تم تشخيص 99 إصابة جديدة بالإيدز (مقابل 39 سنة 2003). ويبلغ عدد المصابين في 2007 ما يناهز 2300 حالة، أما عدد حاملي الفيروس فيتراوح ما بين عشرين وثلاثين ألف حالة.

وتتوزع حالات الإيدز في 2005 بالشكل التالي:

–حسب الجنس: 58 في المائة من الرجال مقابل 42 في المائة من النساء

–حسب السن: 2 في المائة أقل من 15 سنة، 25 في المائة يتراوح سنهم ما بين 15 و29 سنة، 43 في المائة ما بين ثلاثين و39 سنة، 19 في المائة ما بين 40 سنة و49 سنة، و11 في المائة خمسين سنة فما فوق.

–حسب الحالة العائلية: 38 في المائة عزاب، 32 في المائة متزوجون و30 في المائة مطلقون.

–حسب مكان الإقامة: 84 في المائة في الوسط الحضري، 12 في المائة في الوسط القروي، 4 في المائة وسطهم غير معروف.

–حسب نمط الانتقال: 76 في المائة من خلال علاقات جنسية غيرية، 5 في المائة من خلال علاقات جنسية مثلية، 4 في المائة من خلال جنسانية مزدوجة (غيرية ومثلية)، 4 في المائة من خلال حُقَنِ المخدرات، 3 في المائة من خلال انتقال الفيروس من الأم إلى الجنين أو الطفل،1 في المائة من خلال نقل الدم، 2 في المائة من خلال مخاطر متعددة، وفي 5 في المائة من الحالات لم يتم تحديد نمط الانتقال عندهم.

ما يثير الانتباه هو أن هذه المعطيات غير معروفة لدى الساكنة وفي أوساط الشباب بالخصوص، رغم أنها منشورة في منابر متعددة، متخصصة وصحفية. فأكبر تقدير عفوي لعدد المصابين بالإيدز لا يتجاوز المائة حالة. وبالتالي فإن المغاربة يُقوِّمون الوضع الوبائي الخاص بالأمراض المنقولة جنسيا وبالإيدز بشكل تعسفي واعتباطي (مقارنة بالإحصاءات الرسمية)، لكن ذلك التعسف يخضع إلى منطق ثقافي يوظف الكثير من الأفكار المسبقة والنمطية ومن الخيال. لذا نقترح اعتبار هذا البناء الثقافي لتوزع تلك الأمراض إبديميولوجيا عفوية، أو عادية، لا تخلو من أخطاء، ومن انعاكسات سلبية على الوقاية. وقد بلغ الأمر بالبعض إلى إنكار وجود الإيدز في المغرب لا لشيء سوى أنهم لم يصادفوا في شبكاتهم العلائقية وفي اليومي إنسانا مصابا بداء فقدان المناعة المكتسب. وهو ما قادهم إلى اعتبار الإيدز ضربا من الخيال والوهم. للإبديميولوجيا العفوية سمات رئيسية ثلاث، فهي أخلاقية، وكارهة للمرأة، وكارهة للأجانب.

{{إبديميولوجيا أخلاقية}}

تربط الإبدميولوجيا العفوية بين الأمراض المنقولة جنسيا والإيدز وبين السلوك الاأخلاقي أولا، ثم بفئات اجتماعية “لاأخلاقية”، مهمشة، مثل العاملات الجنسيات والمثليين ومستعملي المخدرات ثانيا. فهي تبدأ باعتبار فاعلي الخيانة الزوجية من أهم ناقلي المرض إلى الشريك الزوجي وذلك من خلال “إدخالهم مياه مختلطة، وجراثيم” إلى فضاء الأسرة. وتعتبر أن خيانة الزوج تتكرر أكثر من خيانة الزوجة. كما أن الإبدميولوجيا العفوية تربط تلك الأمراض بالعزاب أكثر مما تربطها بالمتزوجين، “فالعزاب أكثر المتعاطين للفساد”. وهو أمر لا يفرض نفسه على مستوى الإحصاءات الرسمية بالنظر إلى أن الفارق بين نسبتي العزاب والمتزوجين المصابين ليس كبيرا. ومن دلالات انتشار الإيدز في أوساط العزاب (والمطلقين أيضا) انتشار نشاط جنسي مكثف خارج مؤسسة الزواج.

أما القذارة التي تلصق بالعاملات الجنسيات، فليست أخلاقية فحسب، إنها جسدية أيضا بمعنى أن “اختلاط المني (من زبناء مختلفين) في فرج العاملة الجنسية يحوِّل فرجها إلى معمل لصنع وإنتاج الجراثيم”. وهنا يدرك الفرج كوعاء قادر على الاحتفاظ لمدة طويلة بالمني المتعدد المصادر. ينتج عن هذا التمثل أن العاملات الجنسيات الأكثر جمالا هن الأكثر عرضة لخطر الإصابة بحكم ارتفاع وتيرة العمل عندهن. ومن ثم فهن في الوقت ذاته الأكثر خطرا على الزبون.

وتجدر الإشارة هنا إلى الارتباط بين الأخلاق والمدينة، بحيث أن المبحوثين اعتبروا أن الحضريين أكثر عرضة للإصابة لأنهم يغيرون الشركاء الجنسيين دوما. إنهم أكثر فسادا. “أما القرويون، فأكثر خجلا واستقرارا”، بالنظر إلى “عدم وجود الحانات في البادية” وإلى ارتفاع الرقابة الاجتماعية. وحين يصاب قروي بمرض منقول جنسيا، فإنه يصاب به في المدينة، مكان المتع، ثم ينقله إلى البادية. ويرى البعض أن سكان الأحياء القديمة في المدن أكثر عرضة للأمراض بالنظر إلى الفساد الناتج عن الاكتظاظ واحتكاك الأجساد (الاضطراري).

{{إبدميولوجيا كارهة للمرأة}}

تتهم المرأة كمصدر للأمراض المنقولة جنسيا لأنها برد وحاملة برد، ليس فقط “لأنها تغتسل أكثر من الرجل”، لكن لكونها أكثر عرضة للبرد. وهنا لا بد من الإشارة إلى الربط الذي أقامه المبحوثون بين البرد والبادية. ففي المجال القروي، يمشي الناس حفاة ودون سراويل (تحت الجلباب)، كما أن الحاجيات الطبيعية تقضى في الهواء الطلق. أما النساء القرويات، فيحملن أكثر، مما يؤدي إلى هشاشة الرحم في صفوفهن، ويضعن حملهن في أي مكان، على قارعة الطريق أحيانا، ولا يغتسلن بانتظام. ومن ثم فهن معرضات للبرد أكثر من غيرهن، ولمختلف الأمراض المنقولة جنسيا.

لكن كراهية المرأة تتجلى بشكل أدق عند اعتبارها بردا بطبيعتها. “تقول هرتيي (Héritier) في هذا الصدد: “تنتمي المرأة إلى مقولة البرد لأنها تفقد دمها بشكل منتظم أثناء الحيض، تلك الكارثة الدورية… إن فقدان الدم هو فقدان مبدأ الحرارة… إن مبدأ فقدان دم الحيض، المرتبط بالقمر، ذلك الجسد البارد أيضا، إضافة إلى عدم صنع الحرارة عفويا، كل ذلك يكفي لكي تنتمي المرأة إلى مقولة البرد”[1]. والمرأة برد من حيث أنها ثقب أيضا، أي فرج مفتوح على العالم الخارجي، على الطبيعة، وبالضبط على الرياح الملوثة. أبعد من ذلك، أكدت بعض المبحوثات أن “النوار” (السفليس) لا يصيب إلا النساء. وجاء هذا التأكيد دون تبرير، وهو ما يعني أن التحامل على المرأة آلية لا شعورية تجد عليتها في المنطق الأبيسي (الذي ينطلي على المرأة أيضا ويجعل منها كائنا مستلبا).

ورغم أن نسبة النساء المصابات بالإيدز أقل بكثير من نسبة الرجال، خصوصا في بداية انتشار الوباء في المغرب (8 في المائة فقط من المصابين)، فإن الإدراك الشعبي يقر أن النساء أكثر إصابة من الرجال. في هذا الصدد، تحكي عاملة جنسية قائلة: “عند ما تمشي المرأة المصابة بالإيدز، فإن الدم والقيح يسيلان من فرجها… وقد سمعت أنه تم حرق 33 امرأة في الدار البيضاء، كلهن مصابات بالإيدز… وقد تعرفت على نساء مصابات بالإيدز…”. يتبين من هذا الإقرار أن إصابة النساء بالأمراض المنقولة جنسيا (غير الإيدز)، الأوسع في صفوفهن حسب الإحصاءات الرسمية نفسها، تُسقَط بشكل لا شعوري على حالة الإيدز، وهو شيء خاطئ طبعا لأن نسبة الرجال المصابين بالإيدز أكبر. ولا يقف هذا الإسقاط “الميزوجيني” عند هذا الحد، بل يصل إلى إسقاط أعراض مرض السيلان على “إيدز النساء”، دون إيدز الرجال، بحيث أن الوصف العفوى لأعراض “إيدز الرجال” لا يتعدى ذكر فقدان الشعر والوزن.

{{إبدميولوجيا كارهة للأجنبي}}

“إن الإيدز أتي إلى المغرب من بلد بعيد وانتشر فيه بسبب السياحة والمهاجرين المغاربة”. تردد هذا القول عند الكثير من المبحوثين. ومن خلاله، نرى أن مقولة “الأجنبي” لا تقتصر على السواح بل تضم أيضا المغاربة القاطنين بالخارج. وتعني هنا مقولة الأجنبي أمرين، أولهما أن كل إنسان يتنقل باستمرار من مكان إلى مكان معرض أكثر من غيره للإصابة بالأمراض المنقولة جنسيا. فالترحال يرادف عدم الاستقرار الجنسي، أي مضاجعة شركاء عابرين، غير معروفين، وبالتالي خطرين. ثانيهما أن الآخر هو الشر في ذاته وبذاته، إنه الجحيم الحامل لكل الأمراض وناقلها حيث يرحل. إضافة إلى المغاربة القاطنين بالخارج، يحيل “الأجنبي” على الأوروبيين والأفارقة السود جنوب الصحراء والسعوديين. فكل من ضاجع هؤلاء (من النساء والرجال) يعرض نفسه لخطر الإصابة بداء فقدان المناعة المكتسب.

فالسعودي كالأوربي متفسخ الأخلاق في نظر معظم المبحوثين، أما الإفريقي الأسود فوسخ، وبالتالي فهم المسؤولون عن إصابة المغاربة بذلك الداء. ويعتقد بعض المبحوثين أن النساء الأوروبيات يأتين إلى المغرب ويتعمدن إصابة شبان مغاربة، وهي الطريقة التي تسمح لهن بتنقيل الجراثيم والفيروسات إلى الغير ومن ثم التخلص منها بشكل نهائي، دون اللجوء إلى علاج معين. ويقع الاختيار على المغاربة بصفتهم عربا ومسلمين، مما يجعل من الحروب الصليبية حروبا مستمرة على مستوى الصحة والديموغرافيا. وتدقق عاملة جنسية في المسألة حين تروي أن “تلك الأجنبية المصابة بالإيدز كان بإمكانها أن تقتل ذلك الشاب لو كانت ضاجعته أكثر من مرة”. ولا ينحصر هذا التصور في صفوف الأميين والأميات فحسب، بل يلحق المتعلمين أيضا. فهذه طالبة جامعية في السوسيولوجيا لا تتردد في الاعتراف أنها امتنعت عن تقبيل عشيقها بعد عودته من بلجيكا معللة ذلك بأن “كل من يعيش في الخارج وارد أنه مصاب بالإيدز”. ومن الأدلة التي يقدمها المبحوثون لتقوية أطروحة المصدر الأجنبي للإيدز في المغرب، كون الإيدز منتشر بالخصوص في المدن السياحية مثل طنجة ومراكش وأكادير وفاس. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المعطيات الرسمية في الموضوع تضع الدار البيضاء على قمة المدن الأكثر إصابة، ولا تعتبر فاس من المدن الأكثر إصابة.

{{الإبدميولوجيا الرسمية، بناء ثقافي أيضا؟}}

حسب تقديرات المبحوثين، فإن نسبة الإصابة في أوروبا أعلى من نسبة الإصابة في المغرب. وحسب هذه الإبديميولوجية العفوية دائما، في أوروبا، يصيب الإيدز كل الناس، بما في ذلك الناس العاديين الذين لهم حياة عادية، خلافا لما يقع في المغرب حيث لا يصاب بالإيدز سوى الفئات اللاشرعية والشاذة.

لكن المقارنة بين المغرب وأوروبا متعذرة حسب طبيبة مبحوثة، نظرا للتقويم الوبائي غير الموضوعي في المغرب. تقول هذه الطبيبة: “إن الإحصاءات في أوروبا لها صدقية… أما في المغرب، فباعتباره دولة فقيرة، هناك نقص في إمكانيات التشخيص، ثم هناك أيضا استحالة قول كل شيء بالنظر إلى طبيعة الدولة”. دون شك، تقصد المبحوثة هنا إسلام الدولة الذي يعيق الإدراة المغربية من الاعتراف الرسمي عبر الإحصاءات الرسمية بوجود جنسانية غير شرعية على نطاق واسع. إضافة إلى قلة وسائل التشخيص وإلى عدم تصريح القطاع الخاص بكل الحالات المشخصة، ينبغي الإشارة إلى رفض التشخيص وعدم الإقدام عليه بشكل تلقائي وعفوي من طرف الساكنة (وهو ما سوف نعود إلية بتفصيل أكبر عند معالجة إشكالية الوقاية). من خلال التقويم الرسمي الذي يقلل من نسبة الإصابة، يسعى المغرب أيضا إلى الحفاظ على صورة البلد الآمن جنسيا، وهي الصورة التي تُسوِّقه كقبلة للسياحة الجنسية بامتياز.

كل ذلك يعني أن حالات الإصابة بالإيدز أو حمل الفيروس أكثر بكثير مما تعلنه “مديرية الإبدميولوجيا ومحاربة الأمراض”. لذا تقترح “المنظمة العالمية للصحة” أن تُضرَب نتائج الإحصاءات الوطنية في أربعة من أجل الوصول إلى تقويم موضوعي للوضع الوبائي. ويسري هذا الاقتراح على العالم العربي بأكمله بالنظر إلى عدم صدقية إحصاءاته في الموضوع. فإعلان المصالح المختصة عن نسبة إصابة ضعيفة لا تتجاوز 0،1 في المائة يشكل عملا خطرا في حد ذاته ويدفع النشطاء الجنسيين إلى عدم الاحتراز بما فيه الكفاية.

يحيل “الآخر”، كمصدر المرض والشر، على الحيوان أيضا، وعلى القرد بالخصوص. في هذا الإطار، صرح بعض المبحوثين أن “أصل الإيدز هو القرد في أميركا”: “قيل أن فتيات أميركيات ضاجعن قردة فأصبن بالإيدز، ثم نقلنه بعد ذلك إلى الرجال”. وذهب مبحوثون آخرون إلى أن الانتقال من القرد إلى الإنسان من خلال علاقات جنسية تم أولا في إفريقيا جنوب الصحراء. و حسب أحد المبحوثين، حدثت قصة شبيهة بهذا النمط من الانتقال في فاس حيث روى لنا ما يلي: “اصطاد رجل غني فتاتين من الشارع، بفضل سيارته الفاخرة… وذهب بهما إلى فيلته الكبيرة. وكان له قرد يسكن معه. اختار فتاة ليضاجعها وأجبر الأخرى على مضاجعة القرد حيث كبلها حتى لا تهرب. وقضى القرد الليلة في مضاجعة الفتاة. في الصباح، أخبرت الفتاة الأولى الشرطة بما حصل، نظرا لكون الفتاة التي ضاجعها القرد لم تعد تقوى على الحركة. بعد التحاليل، تبين أن ضجيعة القرد تسيل من فرجها ومن فرجها تخرج ديدان كثيرة… وعند تعميق التحاليل، تبين أن الجميع أصيب بالإيدز. سُجنَ الرجل وماتت الفتاتان…”. إننا هنا أمام رواية تؤشر على خصوبة الخيال الجنسي وتنوعه في البناء الثقافي للأمراض المنقولة جنسيا، وهي رواية تحمل الكثير من الدلالات النفسية والاجتماعية من بينها الجهل الخطير بطبيعة تلك الأمراض…

[1] Françoise Héritier-Augé : Masculin/Féminin, Paris, Ed. Odile Jacob, 1996, pp. 83-84

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق