البناء الثقافي للأمراض المنقولة جنسيا في المغرب: إشكالية الأسماء

تشكل الأمراض المنقولة جنسيا مشكلة صحة عمومية في المغرب لأن تكراريتها لا تفتأ عن الارتفاع من سنة إلى سنة حسب الإحصاءات الرسمية. وقد أشارت آخر إحصاءات وزارة الصحة إلى أن عدد الإصابات الجديدة كل سنة لا يقل عن ستمائة ألف حالة. هذا مع العلم أن الإصابات الجديدة غير مصرح بها كلها لدى المصالح المختصة لأسباب مختلفة. أول تلك الأسباب أن بعض الأمراض المنقولة جنسيا تظل دون أعراض، خصوصا عند النساء، مما يؤدي إلى المصاب بعدم الانتباه إليهاوإلى عدم الوعي بأنه ينقلها إلى غيره.

وهناك أيضا التداوي الذاتي. ففي الكثير من الأحيان، يذهب المصاب مباشرة إلى الصيدلية دون استشارة الطبيب ليقتني الدواء مباشرة، مكتفيا بوصف بعض أعراض إصابته للصيدلي أو لأحد مساعديه. واضح هنا أن الصيدلي طرف متواطؤ في انتشار التداوي الذاتي وبالتالي في عدم التصريح بالإصابة للمصالح الإبديميولوجية المختصة بإحصاء الأمراض. وأخيرا، في القطاع الخاص، لا يعمل كل مهنيي الصحة على التصريح بكل حالات المرض التي كشفوا عنها.

لا شك أن الأمراض المنقولة جنسيا لها انعكاسات خطيرة على صحة المصاب بها، منها على سبيل المثال العقم أو العجز الجنسي. وهي تؤدي بصاحبها إلى الوصم بالعار وإلى التهميش. من جانب آخر، يؤشر ارتفاع نسبة الإصابة بالأمراض المنقولة جنسيا على أن “فراش الإيدز” فراش متوفر بحيث أن تكاثر الإصابة بالأمراض المنقولة جنسيا يعد عامل خطر يسهل الإصابة بالإيدز. من هنا ضرورة مواجهة تلك الأمراض على المستوى العلاجي أولا وبسرعة ضرورة الرفع من إيقاع وجودة الخدمات الصحية (العمومية بالخصوص).

لكن وبما أن “إنتاج” الأمراض المنقولة جنسيا أصبح إنتاجا بالجملة في المغرب، لا بد من مقاربة وقائية أيضا تعمل أولا على تمكين المواطن من معرفة صحيحة حول طبيعة تلك الأمراض وحول أنماط انتقالها. فارتفاع نسبة الإصابة بالأمراض المنقولة جنسيا لا يعزى إلى الانفتاح الجنسي العملي الذي يتميز به المغرب (سواء على صعيد العلاقات الما قبل الزوجية أو على صعيد العمل الجنسي) إلا من منظور أصولي متطرف. على العكس من ذلك تماما، ينبغي تفسير انتشار تلك الأمراض إلى تجريم الجنس ومنعه خارج إطار الزواج، وإلى تمثلات خاطئة عن تلك الأمراض، وإلى تدني الخدمات الصحية وعدم تغطيتها لحاجيات المواطنين. ونريد هنا الوقوف على أهم التمثلات الثقافية السائدة للأمراض المنقولة جنسيا والتي تلعب دورا مهما في تدبير غير ملائم لها، ومن ثم في انتشارها.

كيف تبني الثقافة المغربية الأمراض المنقولة جنسيا من خلال التسميات المتدوالة؟ ومن خلال أنماط انتقالها وأسبابها حسب المنظور العامي؟ إن الإجابة عن هذه التساؤلات هي التي تبين لواضعي السياسة الصحية العمومية حاجيات الساكنة (المعرفية) في ميدان الصحة الجنسية.

كيف يتحدث الناس عن هذه الأمراض في الحياة اليومية؟ ماذا يقال عنها؟ ما هي حدود النقاش حولها؟ ما هي المصطلحات المستعملة؟ في المخيال الاجتماعي المغربي، ترتبط “الأمراض الزهرية”[1] بجنسانية غير شرعية وشاذة. وبالتالي يعني إقرار الفرد أنه مصاب بأحد تلك الأمراض اعترافا بممارسات جنسية محرمة وممنوعة. إنها العيب الأكبر، إنها الأمراض التي تصيب العورة، أي الأعضاء المحتشمة التي ينبغي سترها وحجبها. والواقع أن هذا الحجب ليس لباسيا فقط، إنه أيضا حجب لغوي بمعنى أن العامة في المغرب لا تطرح تقليديا موضوع الجنس إلا مع الفقيه للتمييز بين الحرام والحلال أو مع المعالج بمختلف أصنافه.

بالإضافة إلى كون المرض المنقول جنسيا يرتبط في المخيال الشعبي بالجنسانية السيئة (اللاشرعية، الشاذة)، فإنه يعرض صاحبه للاستهزاء والاستخفاف، خصوصا في صفوف الرجال. فهو يعني أن الرجل سقط في حبال امرأة مريضة، مما يقوده إلى فقدان مروءته وشرفه. ومن ثمة، لا أحد يتحدث تلقائيا عن الإصابة بأحد تلك الأمراض لأصدقائه أو لعائلته بحثا عن نصيحة أو عن دواء أو عن مواساة.

والمسألة أكثر تعقيدا بالنسبة للفتاة وبالنسبة للإنسان المتزوج. صحيح أن الإسلام والقانون الجنائي المغربي يمنعان الفتيان والفتيات معا من كل علاقة جنسية قبل الزواج، إلا أن المجتمع المغربي (ككل مجتمع أبيسي ذكوري) يسمح عمليا للفتيان بممارسة الجنس قبل الزواج مع العاملات الجنسيات، ويتفهم إلى حد ما إصاباتهم بالأمراض المذكورة، بل ويرى في ذلك دليلا على فحولتهم.

على العكس من ذلك، يصعب على الفتاة العازب أن تعلن عن إصابتها بمرض منقول جنسيا لأن في ذلك اعتراف باقتراف جنسانية سيئة، غير شرعية. من هنا أهمية تسمية تلك الأمراض وتفسيرها في التداول اليومي. وهنا تعمل التسمية الرئيسية، “البرد”، على نفي الأصل الجنسي للأمراض المنقولة جنسيا.

وهي تسمية تلعب في الوقت ذاته دور النظرية التفسيرية التي لا ترجع الإصابة إلى جرثومة (أو فيروس) انتقلت عبر الجماع، وإنما إلى البرد، أي إلى ظاهرة طبيعية تصيب الإنسان رغم استقامته الأخلاقية. مفاد هذه النظرية، قصد الحفاظ على التوازن الاجتماعي، أن الإصابة بـ”البرد” هي المسؤولة عن كل أنواع السيلان التي تصيب الفرج والذكر، وعن كل الأعراض الأخرى المرتبطة بهذه الأمراض مثل الحبوب أو الحد أو الجرح أو النفخ…

ومن المعتقدات أن “البرد” يمكن أن يُخَزَّنَ دون علم صاحبه وأن يظل نائما في الجسم لسنين طويلة، ثم يستفيق ليتحول إلى مرض. تبعا لهذا المنطق، يمكن للفتاة العازب، في حالة إصابتها، أن تدعي أنها اختزنت البرد في فرجها أو رحمها وأنه استفاق من نومه. تقول عاملة جنسية في هذا الصدد: “الرحم مثل وعاء بمقدوره الاحتفاظ بالبرد أو بالمني لمدة طويلة… إنه متاهة غريبة… لذا، يتطور المرض في الرحم بشكل تدريجي، ويظل مخفيا…”. وتذكر هذه الآلية بنظرية “الطفل الراقد” الذي يبرر استمرار الحمل لسنين طويلة، وهي النظرية التي دعمها الفقهاء الكبار واضعو المذاهب، والتي استعملها المجتمع المغربي لتبرير الحمل الغير الشرعي. وفي الكثير من الحالات، يلجأ الطبيب نفسه إلى نظرية البرد حفاظا على توازن أسرة واستمرارها.

أثناء سرد أسماء مختلف الأمراض المنقولة جنسيا، لا يفتأ الإنسان المغربي “العادي” عن ترديد عبارة “الله ينجينا”… وتؤشر هذه العبارة لوحدها على عدم علمنة حقل الصحة، بمعنى أن المرض لا يزال يدرك كعقاب يسلطه الله على عبده قصد اختبار إيمانه وصبره. إلى جانب هذا الخوف من الله ومن المرض العقابي، تجلى بوضوح أن المغاربة بشكل عام لا يعرفون الكثير عن تلك الأمراض. وهذه تصريحات بعض المبحوثين بهذا الصدد:

“لا أعرف سوى اسم السيدا (الإيدز)” (فلاح)،

“لا أعرف بدقة، لا أذكر اسم ذلك المرض، المهم أن هناك سيلانا” (طالب)،

“لا أعرف بالضبط اسم المرض. إنها حبة فوق القضيب (عامل).

“لا أعرف بعض التسميات… ليست لدي فكرة عن الأمر… أمراض النساء معروفة، أما أمراض الرجال، لا أعرف… (تاجر).

أثناء هذه المقاربة الأولية من طرف الساكنة، غالبا ما يتم الوقوف عند أحد الأعراض دون ربطه بمرض معين، ونادرا ما يتجاوز المبحوث ذكر أكثر من ثلاثة أمراض منقولة جنسيا. والأمراض التي تكرر ذكرها بشكل ملحوظ هي “البرد”، السفليس (siphylis) والسيدا (الإيدز). وهناك بعض الأفراد الذين أقروا أن السيدا هو المرض الوحيد الذي ينقل جنسيا كما ذهب إلى ذلك فقيه وعامل، وكلاهما من طنجة. وأقامت عاملة جنسية تمييزا بين السفليس و”النُّوَارْ” دون أن تعلل ذلك، مع العلم أن “النوار” هو الاسم الذي يطلق تقليديا على السفليس في المغرب. ولم تستطع امرأة أخرى أن تقف على الترادف بين السيدا والإيدز، قائلة : ‘الجميع يتحدث عن السيدا، أما الإيدز، فلا أعرف ما هو”. ولا تتردد هذه المرأة من ذكر الإيدز، بالإضافة إلى السيدا، في لائحة الأمراض المنقولة جنسيا، مبينة من خلال ذلك أن معرفة تلك الأمراض معرفة بالسماع فقط، معرفة لا تقوم على معلومات واضحة. أكثر من ذلك، يصاب المرء بأحد تلك الأمراض ويعالج منه دون أن يعرف اسم المرض الذي أصابه كما اعترف بذلك موظف في مدينة خنيفرة.

أمام الجهل بأسماء الأمراض المنقولة جنسيا، كثيرا ما يلجأ المبحوثون إلى كلمة “البرد” لتسمية كل تلك الأمراض: “نحن لا نعرف ما المقصود بالأمراض المنقولة جنسيا.

كل ما يمكن أن نقوله أنه البرد” (فلاح). وفي نفس الاتجاه، تقر ممرضة بمدينة آسفي أن “السيدا والسفليس لوحدهما ينتقلان عن طريق الجنس… أما الأمراض الأخرى التي تصيب الأعضاء التناسلية، فمردها إلى البرد”. ويعني “البرد” كمرض، في المنظور الشعبي (الذي يتواجد عند بعض مهنيي الصحة أيضا) حدوث سيلان وفقدان الرغبة الجنسية والفحولة. بسببه يتحول الرجل إلى كائن بارد يعجز عن الانتصاب. وهذه أعراض تخص الرجل، فهي أعراض تحوِّله إلى امرأة، مما يعني ضمنيا أن السيلان والبرد من المواصفات التي تُربَط تقليديا بالمرأة في المنطق الصحي الأبيسي اللاشعوري.

بعد تعميق السؤال وتدقيقه مع المبحوث، استطعنا تشخيص لائحة من الأسماء المتداولة، الخاصة بالأمراض المنقولة جنسيا. تتضمن اللائحة 44 اسما تتوزع بين أسماء وطنية وأخرى محلية جهوية. ولا يتجاوز عدد الأسماء المتداولة على الصعيد الوطني تسعة، وهي منطوقة بالدارجة المغربية: البَرْدْ (أصَمِّيدْ بالأمازيغية)، بَرْدْ دِيالْ لَعْيَالاتْ (برد النساء)، الشَّنْكَرْ (chancre)، الجَّرْبَا (gale)، مرْضْ الوَالْدَا (مرض الرحم)، النُّوَّارْ (siphylis)، السَّيَلانْ، الزُّهَري (siphylis)، السيدا. تبين هذه اللائحة أنه وقع تبني كلمة السيدا عن الفرنسية كما هي، خلافا لكلمة (chancre) التي تم “تعريبها” في صيغة “الشنكر”.

أما الأسماء المحلية الجهوية فعددها 35، 16 في إقليم طنجة، 11 في إقليم خنيفرة و8 في إقليم آسفي (وهي الأقاليم الثلاثة التي أجْرَيْتُ فيها البحث تحت إشراف وزارة الصحة). من بين الأسماء التي ينبغي الإشارة إليها في إقليم طنجة، “برد الذْكَرْ” (pénis)، “لَحْرِيقِ دَلْبُولاَ” (حريق البول)، “مرض الرجال”، واكلا (حك جلدي)، “سِفِلِي” (siphylis). أما في إقليم خنيفرة، فهناك “برد دِيالْ لَحْجَرْ” (برد المنطقة الحوضية)، سَّلْطَانْ (للتعبير عن siphylis) وبعض الأسماء الأمازيغية. وفي إقليم آسفي، “برْدْ ديال نْبُولاَ” (vessie) (المثانة)، “شوبيس” و “صوبيص” (وهما تعريبان لـ chaude-pisse)، الحي (للتعبير عن siphylis).

انطلاقا من هذه اللائحة، تمكنا من تشخيص الأنماط التي يعتمدها المنطق المغربي في تسمية الأمراض المنقولة جنسيا. والأنماط هي:

–النمط العضوي: المقصود به تسمية المرض باسم العضو المصاب مثل “مرْضْ الوَالْدَا (مرض الرحم)”، “برد الذْكَرْ (pénis)”، “برد دِيالْ لَحْجَرْ (برد المنطقة الحوضية)”، “برْدْ دِيَالْ نْبُولاَ (vessie)”…

–النمط العرضي، ويعني تسمية المرض بأحد أعراضه مثل النُّوَارْ (في حالة السفليس في مرحلته الثانية حيث تظهر على جلد المصاب علامات تشبه الزهور، أي “النوار” بالدارجة المغربية)، حَكَّ، واكْلا، لحريق، السيلان، طْوابَعْ (علامات جلدية)، “قَشْرَ” (قشرة)…

–النمط السببي، أي إرجاع المرض إلى السبب المزعوم مثل البرد، أو الحقيقي عند الإصابة بقَمْلِ العانة (morpions). وهنا تظهر بعض الكلمات مثل لْقُمِيلاَ أو لَفْرِيرْشَا (تصغير للفراشة).

–النمط الجنسي، أي ربط المرض بأحد الجنسين، الإناث أو الذكور، مثل “بَرْدْ دِيالْ لَعْيَالاتْ”، “مَرْضْ الرجال”…

–النمط الرمزي وهو نمط يسمي المرض بما (كان) يرمز إليه مرض السفليس من الاستعصاء على الطب التقليدي. فالسفليس سمي “السلطان” في بعض المناطق لأنه “سلطان الأمراض” حسب تعبير أحد المبحوثين، فهو المرض السلطان الذي قهر البشرية لقرون طويلة. وسمي “الحي” لأنه يتطور من مرحلة إلى مرحلة مثل الكائن الحي، ولكن بالخصوص إلى سلطانه الذي لا يموت ولا يقهر…

–النمط الاقتراضي، ويعني اقتراض أسماء أجنبية مثل السيدا أو الشنكر أو الصوبيص.
من جهة، تبين هذه الأنماط سيادة المقاربة الوصفية الإمبريقية التي تحيل على المرئي والمُعاش. وتبين من جهة أخرى سيادة كلمة البرد، فالبرد مفهوم يقوم بوظائف متعددة ومتكاملة، وهي الوظيفة الاسمية والوظيفة التفسيرية-السببية ثم الوظيفة الاجتماعية التي تحجب المصدر الجنسي للأمراض ‘الزهرية”. ومن ثم، يغدو الرهان، بالنسبة للذهنية المغربية، قدرتها على تبني مفهوم “الأمراض المنقولة جنسيا” وقبول كل ما يترتب عليه اجتماعيا وأخلاقيا ودينيا. لكن البناء الثقافي للأمراض المنقولة جنسيا لا يقف عند مستوى التسمية التبويبية، بل يتعداه إلى مجال تفسير الأسباب والذي لا يقف عند حدود عامل “البرد” (كما سنرى في مقالة مقبلة).

(1) وهي الترجمة العربية لعبارة “maladies vénériennes “، التي تربط تلك الأمراض بالزهراء (Vénus)، إلهة الحب والجمال عند الرومان، وهو ما يعني أن العرب تبنوا دون وعي من خلال هذه الترجمة الآلية منظور الأسطورية الرومانية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق