البنى الحقوقية والطائفية في المشرق العربي

في كتابه “في أصول لبنان الطائفي، خط اليمين الجماهيري” الصادر قبل شهر واحد من الحرب الأهلية في العام 1975، أخذ وضّاح شرارة على الذين عالجوا المسألة الطائفية في البنى الحقوقية أنهم يحيلون القانون إلى متحف، ويجعلون من البنية القانونية خلقاً مستمراً للنظام الطائفي، بحيث يصعب عليهم تحقيبه، بما أنه “العامل الذي يدخل الزمن والديمومة في النظام الطائفي”.

إلا أن شرارة أيضاً يقر بأهمية العامل الحقوقي في صوغ العلاقات الاجتماعية، وينقل عن روزا لوكسمبورغ أن المستوى الحقوقي يشكل عامل الممانعة الأول للمجتمعات غير الرأسمالية في وجه الرأسمالية الزاحفة، كما أنه يشير أيضاً في كتابه هذا إلى الثقافة الحقوقية المستقاة من الثورة الفرنسية والواضحة في المطالب التي كانت العاميات اللبنانية ترفعها، منذ أواسط القرن التاسع عشر.

إن كون المستوى الحقوقي عامل ممانعة رئيسي يفسر مطالبة الدروز اللبنانيين العائدين إلى النفوذ، بعد حقبة بشير الثاني، بالعودة إلى العمل بالقواعد السابقة المتعلقة بأحكام الأراضي والجبايات. هذا الارتداد ليس فقط ارتداداً إلى ما يعرفونه وحده، بل أيضاً ارتداد إلى ما يعتبرونه قواعد “النصر”. كذلك الأمر، في إنشاء المسيحيين، في فترة سطوع زحلة ودير القمر، في القرن التاسع عشر أيضاً، لقواعد جديدة وغير مألوفة، لحياة المدينة، يشبهها البعض بالحكم الذاتي.

مغزى هذا أن الطائفية قد لا تفسَّر بالمستوى الحقوقي وحده، لكنها لا تقوم ما لم تظهر فيه، ولا ترسخ ما لم يقرّها. لفهم ذلك علينا أولاً أن نحدد المدى الذي نطلق عليه اسم القانون، والدور المناط به، قبل أن نحاول النظر في جدوى الدعاوى الفيدرالية المنتشرة والتي تزعم المداواة بالتي كانت هي الداء.

{{ليس القانون متحفاً}}

ليس القانون متحفاً، ذلك أنه تحديداً عنصر فاعل، صياغة للعلاقات وممانعة لمحاولات تغييرها. لكنه ينطوي دوماً على بذور قادمة من التاريخ. يقول أحد الفقهاء الفرنسيين أن القانون يكتب معاهدات وقف المعارك الاجتماعية. أي أنه دوماً نتيجة معركة، وتسوية متأتية عن ميزان قوى اجتماعي واضح في وقت معين. يمكن أحياناً كسب الحرب دون خوضها، وهذه طوبى تعاليم الإستراتيجية الصينية، كما حصل مع السيطرة المارونية على لبنان الكبير لدى إنشائه، فقد كانت موارد هذه الطائفة وتشكيلها أوزن بكثير من اعتراضات الآخرين على سيطرتها، لذا كانت هي من كتب شروط التسوية آنذاك.

من جهة أخرى، ليس القانون مفهوماً شكلياً. حتى خارج المجالس النيابية أو الأحكام السلطانية، تظل هنالك قواعد قانونية معمول بها تشمل التقاليد والأعراف في مجالات محددة، كالتجارة والقيادة العسكرية مثلاً. في هذا التعريف الواسع للقانون، يصبح من السهل تبين الدور الذي يلعبه هذا الأخير كضامن لوضوح مآل العلاقات ونتائجها، وكذلك كضامن لعدم تفكك المجتمع تحت وطأة التغيرات السريعة المتلاحقة لدى كل اختلال في موازين القوى الاجتماعية فيه. لكن هذا الدور لا ينبغي له أن ينسينا أن القانون يلعب أيضاً كعامل صياغة لهذه العناصر الاجتماعية وليس فقط كنقطة توازن بينها.

على سبيل المثال، كان من نتائج استبعاد العثمانيين للمسيحيين عن إدارات الدولة (وهو ما لم تكن الدول الإسلامية تعهده من قبل)، وعن العسكر، أن تحولت النخب المسيحية إلى التجارة والعلاقة مع الغرب. في هذا الاستبعاد تكمن ربما نواة تشكل المسيحية في المشرق العربي كطائفة متشابكة العناصر، وذات وجهة واضحة. أي إن فرض قاعدتين قانونيتين، تحت وطأة قوة العنصر التركي المسلم، حوّل المسيحيين المنتشرين في المشرق العربي منذ قرون من أتباع ديانة إلى طائفة اجتماعية، تكمن جذورها في مفهوم “الذمية”، لكن كان قد تم استيعابها داخل الدولة من قبل أن تعود فتنبذ نخبها.

بالمقابل، يسعى القانون إلى إبطاء الزمن الاجتماعي، وإلى استيعاب التناقضات الناشئة فيه داخل الأطر والمفاهيم التي يحددها، وهو في هذا يشكل إطار ضبط للمجتمع، كي لا ينفجر تحت وطأة التحديث السريع، كما حصل لبعض القبائل الأمازونية. أقصى الطموح القانوني ليس الصلاحية الخالدة، خلافاً للقواعد الفقهية الدينية، بل سلاسة الانتقال الضروري إلى قواعد أخرى، من خلال التأويل والتعديل والاستبدال. ليس الدستور إذن، في وصفه القانون الأعلى، إلا الإطار الأشمل الذي يسعى إلى استيعاب التناقضات الاجتماعية ومتغيراتها، وتعديله بالتالي اعتراف بخروج هذه التناقضات عن الحصر، لكن كتابة التعديل تقتضي سلفاً أن تكون التسوية الجديدة قد أقرت وباتت واضحة وضوح موازين القوى الجديدة.

{{كتّاب الدساتير والطوائف}}

يبقى أن عملية كتابة التعديل هذه كانت دوماً تستوجب وجود طبقة من المثقفين التقنيين، القادرين على صوغ التسوية كتابة وقواعد. وكان من حسنات هذا الوجود أن تمتعت الكتابة القانونية دوماً بشيء من الخفر إزاء مسألة الطوائف، فحتى في لبنان الأوضح دستوراً لهذه الناحية لا نجد للطوائف حقوقاً خارج اقتسام الثروة الرمزية التي تشكلها المناصب العليا في الدولة. ويأتي ذلك مشفوعاً بكونه مؤقتاً في انتظار إحلال اللاطائفية الكاملة.
السبب وراء ذلك أن للقانون الحديث منطقاً يتشربه دارسوه وكاتبوه يجعل من فردية الشخص القانونية حجر الأساس في أفكاره التعاقدية، سواء في المعاملات الجارية أو في الرابطة الاجتماعية.

كان يمكن إلى حد ما الرهان على قوة هذا المنطق الذاتية في درء تطرف بعض القوى. لكن المرء قد يتساءل بحسرة على تنامي غياب هذه الثقافة القانونية ومنطقها، وراء انتشار ثقافة فقهية تحل الحلال والحرام محل المشروع والممنوع، وتحل الله في أصل الاجتماع لا الفرد. ويزيد هذه المخاوف ما نشهده من انتشار أيضاً لـ”جامعات” طائفية. أي أن الطوائف التي كانت في ما مضى مفتقرة إلى تقنيين من خارجها يصوغون الاتفاقات، بشكل يتضمن حداً أدنى من المنطق القانوني، باتت اليوم تنتج “تقنييها” ولا ترتضي بغير اجتهاداتهم نصاً على الآخرون الرضوخ له، دون أن يكون لها في الواقع القدرة على الحسم والموارد الكافية لحسم المعركة الاجتماعية. وشواهد ذلك كثيرة في العراق، وفي لبنان، حيث يسعى “تقنيو” حزب الله إلى “ابتداع” أعراف وقواعد قانونية جديدة، يتأولونها تعسفاً من داخل النصوص الحالية (من نوع التمييز بين طوائف صغرى وأخرى كبرى، ولادستورية الحكومة التي يستقيل منها وزراء طائفة كبرى… الخ)، وما ذلك إلا لعجزهم عن حسم الأمر وفرض نصوص جديدة كما يشاؤون، ولرفضهم في الوقت عينه للأطر السابقة.

{{حين يولد الطفل لطائفته}}

يكثر المعلقون مؤخراً من استعمال عبارة التكاثر البيولوجي للطوائف. العبارة مستغربة ذلك أن الطوائف لا تورث جينات مخصوصة بعرق أو بنوع. فإذا جاز القول بتكاثر السود أو الصفر في العالم بيولوجياً، فإن افتراض سمة بيولوجية للطائفة، ناهيك عن لاعلميته، يفترض أن الطفل إنما يولد لطائفته، لا لأمه وأبيه، إلا أن كانا بدورهما أيضاً للطائفة مالاً وحالاً.

يغفل هذا الكلام التدقيق اللازم في أصول اندراج المرء في الطائفة، والخيار المتاح له في ذلك، ودور القانون بمفهومه الواسع في ذلك.

لا تتمايز الطوائف في المشرق لغة (باستثناء الأكراد) وثقافة وفنوناً ومعيشة وتركيبة اجتماعية بشكل يسمح بالقول إن ما يتلقنه الطفل في البيت يجعله مختلفاً تماماً عن طفل آخر من طائفة أخرى. كما أن من المعروف أن الكثيرين من الطائفيين المتعصبين ليسوا متدينين البتة، ولا يدخل الدين كمبرر لطائفيتهم.

يفترض بالقانون أن يجعل الطفل يولد لدولة وجنسية، إلا أن الدولة في ربوعنا تُقام من زعماء، يتم اختيارهم والتجديد لهم بناء على آلية طائفية يغذونها بسلطاتهم، وسطاء بينها وبين هذا الطفل. في تقديرنا إذن، يصبح المرء طائفياً من خلال استرهان الأهل في معاشهم وأرزاقهم لوسطاء طائفيين في دول ريعية مثل سائر دول المشرق، وما يستتبعه ذلك من ولاء لرموز الطائفة والتفاف حولهم.

ليس الولاء الطائفي فطرةً أو غريزة، بل هو نتيجة لاتخاذ الطائفة أساساً لتقاسم الثروات، كما أن ما يغرسه في النفوس هو السماح للطائفة بامتلاك مؤسساتٍ خارج المؤسسات العامة، مدارس ومشافي ودور رعاية ومساعدات.

في هذا يتجلى مجدداً الدور الذي يلعبه القانون في صوغ الطائفية. كان يمكن لتقرير التقسيم الطائفي للمناصب أن يكون هامشياً، وأن يشكل فقط طريقة للتعايش. إلا أن غياب الدور الاقتصادي الفاعل للمجتمع المشرقي عموماً، واضطراره الأفراد الدائم للمرور عبر الدولة، إما لاقتسام ريعها (النفطي المباشر، أو غير المباشر كما في لبنان) أو للانتفاع بعقودها أو للتملص من إلزاماتها، وتحويل الزعماء الطائفيين، من خلال الأوضاع والأعراف القانونية المعمول بها، إلى البوابة الإجبارية إلى هذه المنافع، كل ذلك يربط الفرد إلى الطائفة وشبكاتها، مثلما تربطه إليها قوانين الأحوال الشخصية الطائفية.

خلاصة القول إن الطوائف ليست قدراً، بل هي أسلوب لتقاسم المنافع والثروة المتأتية من الدولة مصدراً رئيساً. والمدخل الرئيس لتجاوزها هو تجاوز الاقتصاد الريعي، والتحول إلى الاقتصاد المنتج فعلاً، والبحث عن سبل أخرى لاقتسام الثروة الرمزية في مناصب الدولة، قد تكون على أساس مناطقي (حين لا تكون المناطق “صافية” أو “مصفاّة” طائفياً) أو على أساس قانوني آخر يعتمد المهن ونقاباتها مثلاً، فيفعل دور نقابات المهن الحرة، بالإضافة إلى الأساتذة والقضاة.

أما محاولة درء الاحتراب الأهلي من خلال تقنين الوضع الطائفي فتؤدي إلى منحه إمكانية تجديد نفسه ما طاب له، عدا عن أنها تمهد لحروب قادمة كثيرة كلما أنست طائفة في نفسها القوة لتعديل الموازين المعتمدة في الدستور.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق