البيوطيقا: سلطة التّقنية وتنافر القيم (13)

يعود الفضل إلى البيوكيمياوي الأمريكيVan Rensselaer Potter في نحت كلمة بيويطيقا، فقد استعمل هذا المصلح لأوّل مرّة وضمّنه عنوان كتابه Bioethics: Bridge to the Future الصادر سنة 1971، في إشارة منه إلى المبحث الجديد الذي نشأ خلال ستينات القرن الماضي، فالبيوطيقا( نفضّل استعمال بيويطيقا عوضا عن بيوطيقا لأن اللفظ الأخير كثيرا ما يستعمل كمقابل للكلمة الفرنسية : ( poétique اختصاص مستجد نسبيا، لا يتجاوز عمره الخمسين عاما، وقد نشأ في صلة بالتطورات الحاصلة على مستوى استعمال تقنيات جديدة في الطب وعلوم الحياة.

اخترقت التقنية في عصرنا مجالات شتّى، وصولا إلى التأثير في حياة الإنسان ذاته، بمعنى إنتاجها وإعادة إنتاجها، وأصبحت التقنيات الطبّية قادرة على تسهيل الموت، بل وربّما “قتل الإنسان” تحت مسمًى الموت الرحيم Euthanasie، وبرزت إلى السطح مشكلات اختيار جنس المولود، والتخصيب الاصطناعي، وتغيير الجنس، واستعمال الأجنّة البشرية، والتبرّع بالأعضاء، وصولا إلى إمكانية استنساخ البشر، فضلا عن التأثير في حياة الكائنات العضوية الأخرى.

وغدت البيولوجيا في شكلها الكلاسيكي أمرا من الماضي، فقد نشأت علوم تخمية مثل البيوكيمياء والبيوفزياء والفزيولوجيا وعلم الوراثة وتمّ الوقوف على بنية الخلية الحيّة، وتفكيك شفرة الجينوم البشري، وإدراك قوانين تطوّر الكائن العضويّ.

ويمكن القول إنّنا نعيش اليوم على إيقاع ثورتين هامتين في مجال العلم والتكنولوجيا، ونعني الثورة المعلوماتية والثورة البيولوجية، وقد استنفرت أطراف عديدة نفسها للتعامل مع الثورة الأخيرة بشكل خاص بالنظر إلى انعكاساتها الخطيرة على وجود الإنسان نفسه، وكما بيّن توماس كون فإنّ الثورات العلمية تشبه تماما الثورات السياسية، التي “تبدأ مع تصاعد الإحساس الذي يكون في الغالب قاصرا على قطاع من المجتمع السياسي، بأن المؤسسات القديمة لم تعد تفي على نحو ملائم بحل المشكلات التي تفرضها بنية كانت تلك المؤسسات طرفا في خلقها، وبنفس الطريقة، إلى حدّ كبير، تُستهلّ الثورات العلمية بتزايد الإحساس… بأنّ أحد النماذج الإرشادية القائمة قد كفّ عن أداء دوره بصورة كافية في مجال اكتشاف جانب من الطبيعة، سبق أن وجّه البحوث الخاصة به هذا النموذج الإرشادي ذاته” بنية الثورات العلمية، عالم المعرفة عدد 168، الكويت كانون الأول ـ ديسمبر 1992، ص 143، فالبارديغمات في البيولوجيا المعاصرة تغيّرت، والنظريات تطوّرت، والوسائل المستعملة للتدخّل في مجرى الحياة العضوية غدت معقّدة، كما أنّ النتائج كانت هائلة من حيث وقعها على أنماط التفكير التقليدية.

وهناك واقعة فرضت نفسها، وهي أنّ التطوّرات المتلاحقة في التقنيات الطبية والبيولوجية قد جعلت صحّة الإنسان أفضل، غير أنّ ذلك لا ينبغي أن يحجب عن أنظارنا ما رافق تلك التطوّرات من مشكلات، وما يمكن أن يظهر منها مستقبلا، مثل التلاعب بالجينات والمتاجرة بالأعضاء الخ.. مما طرح على طاولة البحث المسؤولية الأخلاقية للعلماء والتقنيين، فضلا عن السياسيين والمشرّعين.

جاءت البيوطيقا لتهتمّ بدراسة ما يستوجبه نشاط العلماء والأطباء والتقنيين وغيرهم من المشتغلين بالتدخّل في مجرى الحياة الإنسانية، من مسؤولية أخلاقية. وينبغي التفريق بينها وبين الأخلاقيات الطبية، التي تحيل إلى ما هو ديونتولوجي، وبالتالي فإنّها تتصل على وجه الدقّة بأخلاقيات المهنة ضمن الوسط الطبّيّ. كما هناك فرق بين الايتيقا والأخلاق، فالايتيقا مجالها توجيه سلوك الفرد ناحية هدف أسمى، فهي مشبعة بحضور الفلسفيّ، بما فيه من استنطاق للمسائل وانفتاح على الممكن في تنوّعه وتعدّده واختلافه ونسبيته وتغيّره، إنها تخاطب الذات أساسا، حتى يكون الفرد من موقع حريته بالذات، مسؤولا قيميّا تجاه ذاته وتجاه الآخرين، بغضّ النظر عن إكراهات الدين أو الأخلاق أو السياسة، وفي اتصال بمطلب السعادة، فقد تكون تلك الإكراهات متعارضة مع هذه الغاية التي كثيرا ما يصفها الفلاسفة بالقصوى والأسمى، بما يعنيه ذلك من تحقيق الارتباط بين الفرد والمجموعة، خاصة عندما يفرض النشاط الذي يتعاطاه ذلك الفرد شعورا عاليا بالمسؤولية، بالنظر إلى أهميته وانعكاسه على حياة الآخرين، وهو ما يصحّ على علماء الحياة والأطباء اليوم بشكل أخص، وترتبط الايتيقا بالمستقبل أكثر من ارتباطها بالمعايير الأخلاقية السائدة.

وكلما عرف الواقع انبثاق قضايا جديدة واحراجات ومشكلات غير مسبوقة، نشأت الحاجة إلى ايتيقا توجّهها وتنير لها السبيل، وربّما تراقبها، لكن لا من موقع الآمر وإنما من موقع المجادل والمحاور، وهنا بالذات نلمس الفرق بين تدخّل الفيلسوف وتدخّل رجل الدين مثلا، فإذا كان رجل الدين يأمر وينهى ويحلّل ويحرّم، فإنّ الفيلسوف يتدخّل من منظور ايتيقي لكي يحاور وينقد ويناقش.

وعلى خلاف الايتيقا، تمثّل الأخلاق جملة القواعد والأوامر والنواهي القيمية المهيمنة في مجتمع ما، وخلال مرحلة تاريخية معيّنة، وتتخذ طابع الوجوب، إذ يتعلّق الحال فيها بمعايير يجب التقيّد بها، بما يشبه القوانين الإلزامية، فالقانون الأخلاقيّ كما يقول كانط في كتابه نقد العقل العملىّ” يأمرني بان أجعل أسمى خير ممكن في العالم، هو الموضوع الأساسي لسلوكي”.

وتمارس الايتيقا اليوم حضورا متعاظما على نطاق عالميّ، وقد نشأت في البلدان المتطوّرة علميا وتقنيا مراكز وحلقات بحث ومعاهد مختصة، ذات صلة بالايتيقا، في البيولوجيا والتكنولوجيا والصحّة والمهن والمؤسسات الخ.. وصدرت في علاقة بذلك مراسيم وتشريعات، بينما نلاحظ ضمور هذا المبحث لدى العرب. وقد يعود ذلك لأسباب لا تتعلق فقط بالحاضر وإنما بالماضي أيضا، فالعرب القدامى عند احتكاكهم بالفلسفة اليونانية، لم يتبيّنوا الفرق بين الأخلاق والايتيقا، فقد ترجموا كلمة ايتيقا اليونانية بكلمة أخلاق العربية، وهذا ما تدلّنا عليه ترجمة إسحاق بن حنين لكتاب أرسطو: في الايتيقا إلى نيقوماخوس، فهو لم يحافظ لا على الكلمة كما هي، كما لم يجد لها لفظا جديدا يعبّر عنها، وإنما اكتفى بترجمتها بالأخلاق، بينما هناك فرق واضح بين الكلمتين كما ذكرنا، وقد كان بإمكانه لو أدرك فعلا الفرق الاكتفاء بنقل الكلمة كما هي إلى العربية دون عناء، فقد احتفظ العرب بكلمات يونانية كثيرة وأدخلوها بسلاسة إلى قاموسهم، مثل كلمة فلسفة.

ويمكن أن يواجهنا هنا اعتراض مؤدّاه أنّ إسحاق بن حنين كان مجرّد مترجم، فضعف زاده الفلسفيّ ربما حال دون إدراكه ذلك الفرق، غير أنّ ما ذكرناه يصبح أشدّ وضوحا عندما نتّجه ناحية المتون الفلسفية العربية الوسيطية، ففي أبرز أثر عربيّ كتب فلسفيا في الأخلاق، ونعني كتاب مسكويه: تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، لا نعثر على كلمة ايتيقا، إن كان هناك حديث عن الآداب الجميلة، ودعوة الوالدين إلى الأخذ بها في تربية أولادهم مثلا، ونحن نعتبر أنّه اقترب من ملامسة ما هو ايتيقي مثل قوله في ذلك الكتاب: “ما تصير سعادة الواحد من الناس غير سعادة الآخر إلا من اتفقت له نفس صافية وطبيعة فائقة، فينتهي إلى غايات الأمور وإلى غاية غاياتها، أعني السعادة القصوى التي لا سعادة بعدها”، ولكنه لم يصل إلى حدود إدراك الفرق بين الأخلاق والايتيقا.

ورغم عدم إدراك دلالة الايتيقا عربيا، فإنه بالعودة إلى الأطباء العرب الوسيطيين مثلا نلاحظ أنّ المنزع الايتيقي كان حاضرا لديهم، فقد اعتنوا بالجوانب الإنسانية في طبّهم وحكمتهم، وكان غرضهم أوسع من مجرّد المداواة بمعناها البيولوجى المحدود.

لقد كانت آداب التعامل في عمقها الايتيقي حاضرة في أذهان هؤلاء ويروى عن الرازي الطبيب اختياره أفضل الأماكن لبناء البيمارستان حرصا منه على توفير أفضل ظروف الاستشفاء لمرضاه، كما نلاحظ أنّ طبيبا مثل ابن الجزار القيرواني قد اعتنى بطبّ الفقراء والمساكين، وسياسة الصبيان وتدبيرهم، وطبّ الشيوخ والمسافرين، ويذكر ابن جلجل ترفّعه عن أن يأخذ من الفقراء ثمنا للعلاج، وكان لا يأكل في الأفراح والجنائز.
إنّ ما ذكرناه يفيدنا من جهة الوقوف على منزلة البيوطيقا عربيا فبالإضافة إلى عدم إدراك الفرق بين الأخلاق والايتيقا في الموروث العربي، فإنّ المساهمة في تطوّر الأبحاث البيولوجية تكاد تكون منعدمة اليوم، ومن ثمّة فإنّ ضعف الاهتمام بالبيوطيقا يفسّر بهيمنة ظروف موضوعية مكبلة في الغالب لتطور العلوم والتقنيات، إذ تنشأ المصطلحات وتنحت المفاهيم وتبنى العلوم والآداب في علاقة بوضع اجتماعي سياسي وثقافي مخصوص، فعندما يكون ذلك الوضع راكدا فإنّ إنتاج المعارف يكون باهتا، ويصحّ هذا على حال البيواتييقا عربيا من زاوية المفاهيم والنظريات المرتبطة بها، فالسبب الكامن وراء حضورها المحتشم ليس العجز اللغوي، أو انعدام الذكاء أو الكسل المتفشي بين الباحثين، بقدر ما يتعلق بحالة حضارية راهنة موسومة بالوهن، تنعكس في شكل غياب الهيئات والمعاهد المختصة، أو أن لا يتعدّى الموجود منها كونه واجهة يختبئ وراءها سماسرة المعرفة، الذين لا شغل لهم غير جمع المال واكتساب وجاهة كاذبة، كما يتجلّى ذلك في ضعف أداء الجامعات المصنفة في أسفل الدرجات عالميا، فضلا عن غياب شبه تامّ للتشريعات والقوانين على هذا الصعيد.

وينضاف إلى غياب بنية تحتية مناسبة لنشأة وتطوير ذلك المبحث، سيادة إيديولوجيا إسلامية معطلة، حيث تنتشر مظاهر الخرافة والشعوذة التي تنفق عليها مليارات الدولارات، فحسب دراسة أنجزها الباحث المصري محمد عبد العظيم يصرف العرب على الخرافة والدجل والشعوذة خمسة مليارات دولار سنويا، وهناك حوالي 350 ألف دجال ومشعوذ في عموم الأقطار العربية، كما ينفلت شيوخ الدين من عقالهم ولا يتركون شاردة أو واردة إلا ويحشرون أنوفهم فيها، بدءا من تحذير الناس من عذاب القبر، وصولا إلى الأمر برجم الزناة حتى من بين الحيوانات، وتكفير آخر الإبداعات العلمية، أو الزعم في أفضل الحالات إذا ما انقطعت بهم السبل، أن كل ما جاء به الأغراب موجود بين طيّات القرآن. ويغرق الناس في الإحباط والشعور بالهزيمة والخذلان وانسداد أبواب الأمل، والتبرم من الحياة الدنيا، والتعلق بأهداب الآخرة حيث المفاز وحدائق الأعناب والكواعب الأتراب وكؤوس الخمر السماوي المترعة.

ولا غرابة عندما يتدخل الدعاة والفقهاء والأئمة والعرّافون والمشعوذون في ما له علاقة بالعلم والتكنولوجيات المستحدثة، فالجديد يقابل برفض القديم، غير انه بعد انتصاره ولو بعد حين يهرع القيمون على القديم إلى اختراع حيل توفق بينه وبين ما اعتقدوه وروجوه على مدار القرون، هكذا كان الأمر زمن غاليلاي وكوبرنيك وداروين وغيرهم كثير. وسوف يظل الحال كذلك حتى انتصار العقل والنقد وأفول نجم الخرافة وإحالة سدنتها على التقاعد. وبإمكان القارئ العودة إلى كتاب الباحثة الكويتية ناهدة البقصمي: الهندسة الوراثية والأخلاق / عالم المعرفة عدد 174/ يونيوـ حزيران ،1993 ص ص: 144/145، للوقوف على ردود فعل رجال الدين المسلمين الحادة، تجاه ظواهر مثل أطفال الأنابيب ونقل الأعضاء وترقيع القرنية والتشريح.

يجد العرب أنفسهم اليوم في حالة حرج حقيقية، فمن جهة يمتلكون موروثا علميا وفلسفيا مُعتبرا، ومن جهة ثانية فإن مساهمتهم الحالية في تطوير العلوم والتقنية تكاد لا تذكر، وقد حضرت ندوة في الآونة الأخيرة حول أطبّاء القيروان، واستمعت إلى محاضر وهو يحاول ردم الهوّة التي يعبّر عنها ذلك الحرج، بالافتخار بتونسيّ حاز على جائزة نوبل في الطب سنة 1928، غير أنه كان يعني مستوطنا وطبيبا فرنسيا هو شارل نيكول، الذي عاش في تونس لفترة ما أثناء احتلالها وتوفّي فيها. وللأمانة فإنّ هذا المحاضر ليس الوحيد الذي عبّر عن ذلك، فهناك كثيرون غيره يشاركونه رأيه، بل إنّ صورة شارل نيكول تزيّن جدران إحدى قاعات المكتبة الوطنية التونسية، باعتباره التونسيّ الحاصل على تلك الجائزة العالمية.
ومن استتباعات ما ذكرناه إدراك أن تطوير العلوم والتقنيات والمباحث الفلسفية المرتبطة بها ومنها البيوايتيقا، يظلّ في نهاية المطاف رهن التطورات الاجتماعية والسياسية المقبلة، أي انه في علاقة عضوية بحلّ مشكلة السلطة السياسية، فالعلم والتكنولوجيا في بلاد العرب في وضع دراماتيكي جراء الظروف المشار إليها، وقد ولى الزمان الذي كان فيه بإمكان فرد أن يطور لوحده مبحثا علميا، فالعلوم والتكنولوجيات اليوم أصبحت من فعل فرقٍ ومراكز بحثٍ، مما يعني أنّ تدخل الدولة سلبا أو إيجابا أصبح كبيرا، وكلما تواصت حالة الركود في مجالاتها المختلفة، فإنّ تعطيل تطور العلوم والتكنولوجيا سيستمرّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This