البيوطيقا: سلطة التّقنية وتنافر القيم (1)

زعزع تقدّم البيولوجيا والطّبّ أسس وجودنا وقيمه…فلأنّ الطّبيعة ليست بالنّسبة إليه سوى أسطورة، يدافع فرانسوا داجونياي عن بيوتيقا متحرّرة من الأحكام المسبقة التّكنوفوبيّة.

من الصّعب المسك بأعمال فرانسوا داجونياي متعدّدة الأشكال وغير المألوفة، والّتي تتّخذ من البيولوجيا والجغرافيا والكيمياء والحقوق والدّولة والفنّ والأخلاق – في آنٍ – موضوعا لها. قد يقول البعض إنّ هذا غير جدّيّ. لكنّ ف. داجونياي على العكس من ذلك يطالب بالحقّ في معانقة الواقع، كلّ الواقع:” أنا لا أرى الفيلسوف مثل منجميّ يجب عليه الحفر في الأرض، بل مثل مسافر ينشغل بالمشهد الطّبيعيّ في كلّيته »( أخلاق جديدة ). بمعنى توسيع الآفاق عوضا عن التّنقيب. ويشهد عمله على فضوله النّهم وعلى إعجابه المفرط -المتجدّد دوما- بالواقع في كلّ أشكاله.

على نقيض تقليد فلسفيّ عنيد منذ أفلاطون يعظّم ما هو روحيّ، يبدي ف.داجونياي اهتماما خاصّا بما هو مادّيّ: بالأشياء والموادّ والمباني والأجساد…وهو يعرّف نفسه بأنّه “عالم موادّ” ليتجنّب عبارة “مادّيّ” الّتي يعتبرها اختزاليّة ودوغمائيّة جدّا. عمليّا، حسب رأيه، لا بدّ من تجاوز ثنائيّة الرّوح والمادّة:”أنا توحيديّ بما أنّي أقول إنّ الرّوح هي في الأشياء وانّ الأشياء تعبّر عن الرّوح”. يكفي النّظر في البنى الذّرّيّة لرؤية الغنى المدهش للواقع وتعقيده. بطبيعة الحال، يثير هذا الموقف الكثير من الجدل: “العدوّ عندي هو الذّاتيّة. لا يجب الاستكانة الى الوعي، الى الأنا”. كما يؤكّد بشدّة.

ولأنّه محرّض بطيبة خاطر، يتمرّد ف.داجونياي على فلسفة محافظة وجلة في حالة ارتباك دائمة إزاء التّطوّرات والمنتجات الجديدة. فلا بدّ من “تغيير الحياة وليس الانصياع لها” (التّحكّم في الحيّ). ولهذا هو يرحّب بمآثر التّقنية البيولوجيّة، وبنجاعة الزّراعة الإنتاجيّة وبالمعجزات الّتي حقّقتها مختلف تقنيات الإنجاب المتحكّم فيه طبّيّا… ولا تفزعه عمليّات التّدخّل في الجسد الحيّ: “ليست الحياة هي ما يجب احترامه كما هو، بل منطقها الغامض، وبحثها عن الأقصى وعن الأهمّ. أحيانا يفشل في تحقيق ذلك، لذا علينا أن نصلحه، أن ننمّيه، كما سيتوجّب علينا تجاوز البيولوجيّ و”التّحكّم فيه”(التّحكّم في الحيّ). إنّه بلا شكّ شخص مزعج وناشز في المشهد الفلسفيّ.

يتحمّس ف.داجونياي للأخلاق، خصوصا في القضايا الّتي ما ينفكّ يطرحها تقدّم البيولوجيا والطّبّ. ولكنّ الأخلاق لا تمثّل عنده موضوعا سماويّا يحدّد ببساطة مبادئ كونيّة كبرى. من المؤكّد أنّه عليها إن تضع مبادئ. ولكن ليس لأنّها تهتمّ بـ “ما يجب أن يكون” يكون بإمكانها أن تعترض على “ما هو كائن”: “لا توجد الأخلاق حيث يعيّنها البعض، أي في تعالي الأفكار أو في حقل التّفكير المحض. الأخلاق تعمل بلا هوادة: ولن تغادر إذن أرض الواقع الّذي يجدر بها أن تسجّل نفسها فيه” (أسئلة ممنوعة، 2002). لهذا السّبب يفضّل ف.داجونياي التّمادي في الدّخول في التّفاصيل وفي دراسة حالات فاصلة على تشييد مذهب أخلاقيّ مجرّد جدّا.

لقد تبيّن أنّ لقاء ف.داجونياي بمؤرّخ العلوم جورج كونغيلام، وقد كان أستاذه وصديقه، كان لقاء حاسما. فبدفع منه باشر بعد نيله شهادة التّبريز في الفلسفة دراسات طويلة في الطّبّ وطبّ الأمراض العصبيّة، دون أن يتوقّف رغم ذلك عن التّدريس. وتعلّقت أعماله الأولى بطبيعة الحال بتاريخ العلوم: “كنت دائما مصدوما بأنّ المدرّسين، وبعضهم متميّزون، كانوا يهتمّون بالنّتائج أكثر من اهتمامهم بالطّريقة الّتي تحصّلوا عليها بها. وكان يبدو لي أنّ الأهمّ بالنّسبة الى الفيلسوف هو أن يتوقّف عند الاستراتيجيات. لماذا مثلا ثوّر لافوازييه الكيمياء والحال أنّ الكيميائيين كانوا كثيرين في عصره، وانّه فضلا عن ذلك لم يكن هو نفسه كيميائيّا؟ لماذا منديلايف، لماذا باستور؟ فيم يتمثّل تمشّيهم المنهجيّ ولم كان مثمرا الى هذا الحدّ؟ مادّيّة دهائهم بالذّات هي الّتي كانت تشدّني أكثر من النّتائج الّتي توصّلوا اليها”.

يفرض ف.داجونياي نفسه باعتباره متخصّصا في الحيّ. ويقوده تعطّشه الى العلم الى تحصيل معارف علميّة جدّ متينة. وذلك رغم أنّ العلوم التّجريبيّة ليست هي في حدّ ذاتها ما يثير اهتمامه بل القضايا الفلسفيّة الّتي تثيرها. ولئن كان يكنّ “إعجابا جامحا” لكونغيلام، فليس فقط باعتباره مؤرّخا للعلوم، بل كذلك لأنّه الرّجل الّذي قال لا للبيتانيّة (نسبة الى بيتان Pétain) عندما استقال سنة 1940 وعمل الى جانب الفيلسوف جون كافايّاس في المقاومة. لا يعتقد ف.داجونياي أنّ بوسع التّفكير الفلسفيّ أن يهمل التّفكير الأخلاقيّ والسّياسيّ. وباعتباره فيلسوفا ملتزما، فهو متمسّك بمكانة الدّولة الّتي هي فقط بإمكانها أن تحمي المصلحة العامّة والمدينة من جميع الانحرافات. وهو يرى أنّها ستخلّ بواجبها إذا لم تضع حدّا للتّفاوت الّذي لا يطاق. لم ينس ف.داجونياي أصوله الفقيرة الّتي لم تسمح له بالدّخول الى المعهد. وكما أسرّ لنا فانّ حصوله على الباكلوريا كان “مؤلما”. لهذا السّبب، وبعد طبعه لكتاب “100 كلمة لبداية التّفلسف” سنة 2001، ها هو اليوم يباشر مشروع كتيّب للفلسفة “للتّلاميذ المحرومين” الّذين لم يسعفهم الحظّ للدّراسة في المعاهد الباريسيّة الكبرى، هذا الكتيّب هو دليل لتعلّم المبادئ الأولى في الفلسفة، بسيط وفي متناول الجميع: “من واجبات الفيلسوف أن يعمل في سبيل الحدّ من التّفاوت”.

{{[*يعتبر حقل بحثك شاسعا. ففيم تمثّل مشروعك الفلسفيّ، ما هو تمشّيك؟*]}}

كما تعلمين، بالنّسبة إليّ هناك نوعان من الفلسفة. فلسفة عالمة مرتبطة بمؤلِّف ما ومبحرة فيه وهي عندي شبه ميّتة، وفلسفة تريد أن تأخذ بعين الاعتبار كلّ ما يجري في عالمنا الحاليّ. فما يهمّني أنا هو القضايا الرّاهنة. فالثّورات الّتي تطال علم الحياة والقانون والفنّ والإنتاج هي من الأهمّيّة بحيث يجب على الفيلسوف أن يستكشفها وأن يفكّر فيها وإلاّ فعليه أن يستقيل. ولكنّني لست متحقّقا من وجود مساهمة للفلسفة اليوم في ذلك. بودّي لو يوجد فيلسوف في كلّ مكان من المجتمع حتّى يحلّله ويبرز أشياء، ويفكّر فيه، في سياق تاريخه، في تراثه، للتّشهير بمظالمه الصّارخة ولو في مجلس بلديّ أو في مؤسّسة. ينبغي أن يكون الفيلسوف رجل القضايا، المحقّق، ليس من أجل الهدم حصرا، بل من أجل التّحديث أيضا.

{{[* في هذا الزّمان الّذي تُثمَّن فيه الطّبيعة ويُعمل من أجل حمايتها من الأضرار النّاجمة عن العالم المصنّع، تتّخذ أنت موقفا هو بالأحرى غير نموذجيّ. فأنت تقف ضدّ نوستالجيا الطّبيعة المفقودة وتدافع فعليّا عمّا هو اصطناعيّ وعن الإبداع التّقنيّ.
*]}}

كلمة « حيلة artifice » كلمة تعيسة لأنّ دلالتها الحافّة سلبيّة. أمّا الاصطناعيّ artificiel فهو الفنّ. الإنسان يُعرف بقدرته الخلاّقة على تغيير كل ّشيء، على تجديد كلّ شيء، على إعادة تركيب كلّ شيء. وأولئك الّذين يسعون الى الحدّ من هذه الشّجاعة يبدو لي أنّهم يخوضون معركة خاسرة مسبّقا. فلا وجود لشيء طبيعيّ حقّا. وما يبدو لنا طبيعيّا هو في أكثر الأحيان اصطناعيّ. إنّ الطّبيعة، في أشكالها الأكثر نموذجيّة عندنا، تحمل بصمات الإنسان. الرّيف كما نراه اليوم هو ثمرة تحوّلات طويلة: فالحقول والغابات والدّروب الضّيّقة قد قام الإنسان بتشكيلها. انظروا الى الثّمار والخضر، إنّها ليست طبيعيّة لأنّ علم الزّراعة انتخبها، زاوج بينها ليحسّنها. لقد كانت الثّورة الخضراء بتدخّلها في الطّبيعة مفيدة جدّا للإنسان ومكّنته من التّحرّر من الكثير من الاكراهات. هكذا استطاع عالم الزّراعة الأمريكيّ نورمن أرنست برلوغ الحائز على جائزة نوبل للسّلام سنة 1970 أن يحوّر من طبيعة القمح ليجعله أكثر مقاومة للجفاف وللظّروف الطّبيعيّة الصّعبة جدّا. وبفضل هذا القمح تمكّنت بلدان شبه صحراويّة من زراعة القمح ومن النّجاة من الجدب. فلنبارك الحيل إذن. لم توجد الطّبيعة أبدا إلا باعتبارها إيديولوجيا لدى البعض من أجل إدانة التّغييرات. أيّ شيء طبيعيّ قد يكون موجودا؟ لقد شكّل الإنسان كلّ شيء، قولبه، أخذه على عاتقه، تولّاه، حوّله.

بالتّأكيد لا بدّ من حماية البيئة. وقول عكس ذلك هو مدعاة للسّخرية. ولكن انطلاقا من هنا، يجب الحدّ من هذا الحقّ في احترام الأمكنة. البعض يسقط في فلسفة للطّبيعة متطرّفة. ولكنّ الأمر يتعلّق بمعركة هي أيديولوجيّة أكثر منها حقيقيّة بالمعنى الّذي يدافع فيه البعض بهذا عن أسطورة. ما يؤسفني أكثر هو أنّ هذه الأسطورة يتمّ استغلالها خصوصا من الإشهار. كما أنّها أصبحت شعارا سياسيّا: ولكن، لئن كانت محقّة في بعض النّقاط إلاّ أنّه لا يحقّ لها التّعميم. إني أتأسّف حقّا على هذه التّكنوفوبيا المحيطة.

فيما يتّصل بالإنسان، أثبتت لي المدرسة الثّقافيّة أنّ الطّبيعيّة هي أسطورة. صحيح أنّ لنا إرثا جينيّا، غير أنّ التّجارب المجراة على توائم حقيقيين انفصلوا منذ الولادة وتربّوا في أوساط جدّ متباينة تظهر أنّ العمق الثّقافيّ هو المحدّد.

{{[*
أنت مهتمّ بالتّبعات الأخلاقيّة للابتكارات التّقنيّة على الحيّ.*]}}

نعم. أعتقد أنّ الأخلاق هي الدّرس الفلسفيّ الأعظم. فرغم أنّي اتّجهت نحو فلسفة العلوم، نحو علم المنهج أو نحو الفنّ المعاصر، إلاّ أنّ الأخلاق هي الّتي تبدو لي المحور الأساسيّ. باعتباري طبيبا، اهتممت طبيعيّا بالبيوتيقا. ذلك أنّ تقدّم البيولوجيا والطّبّ يثير قضايا مصيريّة تقلب أسس وجودنا نفسها: أي العائلة والجسد والإنجاب. هناك أمر في هذا المجال صدمني بشكل خاصّ، هو أنّ فلاسفة البيوتيقا والأطبّاء جميعهم يحترمون الطّبيعة تحديدا وأيضا البيولوجيّ. وعلى النّقيض منهم، موقفي هو تبجيل الثّقافيّ.

أنا إذن مع الإجهاض. ليس الإجهاض السّهل والمريح. ما يهمّ هو مدى إرادة استقبال المولود. إذا لم يقبل الوالدان بالمولود فإنّ هذا الأخير سيكون تعيسا. الولادة لم تعد قدرا. ولكن القانون هو من يتولّى ضبط تاريخ الموت وأيضا التّاريخ الّذي يأتي فيه مولود جديد. في فرنسا، يجيز القانون التّوقّف الطّوعيّ عن الحمل حتّى نهاية الأسبوع الثّاني عشر( كان قانون فايل يبيحه حتّى نهاية الأسبوع العاشر، وسنة 2000 وقع التّمديد قليلا في هذا الأجل ). ما معنى هذا الأجل الحاجز؟ والسّؤال الضّمنيّ هو: متى يبدأ الوجود؟ لا أظنّ على غرار علماء الولادة أنّه توجد مراحل موضوعيّة أثناء تكوّن الجنين. ولكن بعد هذا الأجل يصير التّوقّف الطّوعيّ عن الحمل IVG أكثر صعوبة ويمكنه أن يتسبّب في نتائج وخيمة على خصوبة الأمّ. خاصّة أنّ هذا يتصادف مع اللّحظة الّتي يبدأ فيها الابن باكتساب حركات مستقلّة وتبدأ الأمّ بالإحساس بجنينها وبإدراكه كما هو. أنا أفضّل فعليّا العلامات الأنتروبولوجيّة على العلامات الجسديّة أو البيولوجيّة.

{{[*
الأكثر إثارة للجدل هو موقفك المساند للتّخصيب الصّناعيّ ما بعد الموت.*]}}

بالفعل، أنا لست معاديا للتّعشير الصّناعيّ بعد الموت الّذي يبدو لي في بعض الحالات مشروعا تماما. لنضرب هذا المثال المحدّد: رجل مصاب بسرطان، يخضع لعلاج بالأشعّة وقد احتاط مسبّقا بأن أودع منيّا له في مركز تحليل المنيّ وحفظه .Cécos ويموت هذا الرّجل. هنا يمنع قانون 1994 حول البيوتيقا زوجته من الالتجاء الى التّخصيب الاصطناعيّ الّذي سينجب مولودا لأنّه لم يعد للأسرة وجود. وحتّى يكون التّعشير الاصطناعيّ ممكنا لا بدّ من موافقة الزّوجين الحيّين. كلّ شيء إذن قائم على تصوّر بيولوجيّ. بيد أنّ الأسرة ليست فقط معطى بيولوجيّا. بالنّسبة إليّ، ليس الميّت غائبا، والمهمّ هي رغباته. فهو رغب في إيداع منيّه في المركز، ورغب في هذه الولادة وكذلك زوجته.

{{[* المبدأ الّذي يقوم عليه تصوّرك البيوتيقيّ إذن هو إرادة الفرد وليس البعد الطّبيعيّ.*]}}

حسب رأيي يجب قبل كلّ شيء تقدير الإرادة الفرديّة. إنّ المنع الاصطناعيّ للحمل يمثّل تقدّما: فالولادة لم تعد قدرا، إنها تعبّر عن إرادة. توجد وضعيات طبّيّة عديدة يكون من الأفضل فيها حسب رأيي تقدير الإرادة على احترام الطّبيعة.

المقاربة البيولوجيّة هي في أكثر الأحيان عاجزة عن توفير معيار معيّن. فعندما يكون الجنين مشوّها بشكل خطير، هل ستسمح بالإجهاض الطّبيّ؟ سيبحث الطّبّ عن معايير بيولوجيّة وسيجد نفسه محرجا. أين يمرّ الخطّ الفاصل بين ما يُحتمل وما لا يحتمل؟ أن يكون المولود بلا يد هل هذا أمر مقبول؟ وماذا عن القزميّة والتّشوّه الصّبغيّ trisomie؟ كما ترين، لا وجود لمخرج من خلال المقاربة البيولوجيّة وحدها. لهذا أبحث دائما عن معيار أنتروبولوجيّ. في حالة الإنجاب، ما يبدو لي مهمّا هو قدرة العائلة على تقبّل المولود أو عدم تقبّله. بطبيعة الحال قد يكون معياري في حالة عسيرة. مثلا في حالة أنّ طفلا يشكو والديه الى القضاء لأنه يقدّر أنّ تشوّهاته الخلقيّة لا يستطيع تحمّلها. فإرادة التّقبّل كانت موجودة هنا ولكنّها لم تكن كافية. لكنّي مبدئيّا أحبّذ أسسا انسانيّة.

{{[* أنت صارم بالخصوص مع لجان البيوتيقا.*]}}

صحيح في الحدّ الّذي يقولون فيه أبيض أو أسود، ويصعب توصّلهم الى اتّفاق، ويبدّلون مذهبهم حسب الحالات. تجمع لجان الأيتيقا اختصاصيين ومندوبين عن العائلات الرّوحيّة الكبرى ولا يتوصّلون إلاّ الى توافق غيابيّ. فبفعل التّضارب بينهم، لا يتّفقون إلاّ على قرارات ضعيفة ولا يقدّمون إلاّ أجوبة دنيا. في أغلب الأحيان، يكتفون بتأجيل القضايا عوضا عن حلّها. لاسيّما وأنّ لديهم معيارا أعارضه هو المعيار البيولوجيّ، وأنّهم يرجعون في كثير من الأحيان الى “طبيعة ثابتة” للإنسان.

{{[* غالبا ما تستدعي في اعتباراتك الأخلاقيّة القضايا الّتي تثيرها قرارات قضائيّة معيّنة أكثر من استدعائك الأخلاق الفلسفيّة التّقليديّة. فما الّذي تضيفه الحقوق إلى تفكيك الأخلاقيّ؟*]}}

أنا مولع بالحقوق لأنّها تسمح لنا بملامسة عمق الفرد والمجتمع باستنادها إلى وضعيات ملموسة جدّا. بعض التّوجّهات القانونيّة تقوم فعليّا بقلب تصوّرات أخلاقيّة تقليديّة لم تعد تلائم العالم الحاليّ. لنأخذ على سبيل المثال مفهوم المسؤولية. إنّ عالمنا المتقنن يدفعنا الى النّظر في المسألة بطريقة مختلفة عمّا كانت عليه عادة. ففي قانون الشّغل، المشغّل هو من يتحمّل مسؤوليّة أيّ حادث يستجدّ في مكان العمل وليس المخطئ الّذي قد يكون تسبّب فيه إمّا نتيجة الإهمال أو عدم الانتباه. ليس المشغّل “مذنبا” بالمعنى الحصريّ للكلمة، ولكنّه مسؤول عنه. قد يبدو هذا لامعقولا. لم يكون من لم يشارك في الحادثة وربّما لم يكن موجودا أصلا أثناء وقوعها مسؤولا عنها؟ لأنّ المشغّل ببساطة هو الوحيد القادر مستقبلا على منع تكرار وقوع مثل هذا الحادث من خلال التّركيز على قواعد حفظ الصّحّة وعلى السّلامة. الوقاية خير من العلاج. هذا ما يزعزع تصوّرات أخلاقيّة تقليديّة نفسانويّة. ليست المسألة أن نعرف من ارتكب الخطأ فقط، بل أيضا من سيحسن التّصرّف بشكل يجنّب حدوثه مرّة أخرى ويحمي النّاس. القانون إذن موضوع مؤثّر يضعنا في حضرة المحسوس الأشدّ هولا والأكثر تضاربا. إنّه يتناول قضايا عاجلة وكثيرة الفائدة.

{{[* نحن بعيدون جدّا عن الفيلسوف الهائم بين السّحب. فالتّفكير في العالم المعاصر يتطلّب ثقافة علميّة وقانونيّة واسعة.*]}}

ف.داجونياي: بالفعل، لهذا السّبب أودّ أن يكون للفيلسوف تكوين واسع جدّا لا يُختزل في دراسة النّصوص حتّى وان كانت هذه الدّراسة لا غنى عنها. من هنا ينبغي أن يتدرّب الفيلسوف على القانون، على العلوم الإنسانية عموما، على العلوم التّجريبيّة…فليس في الدّاخل تُمارس الفلسفة حسب رأيي بل في الخارج.

{{الحوار منشور في مجلّة العلوم الإنسانية الالكترونية Sciences Humaines.COM ضمن ملفّ بعنوان “الرّهانات الكبرى للبيوتيقا”.}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق