البيوطيقا: سلطة التّقنية وتنافر القيم (12)

عرفت البيوطيقا منذ السّبعينات تطوّرا مذهلا. واليوم، يثير الاستنساخ والمساعدات الطّبّيّة على الإنجاب أسئلة كثيرة. هذه عودة الى تاريخ حقل من الأبحاث وتحدّياته الجديدة.

{{[*ما البيوطيقا ومتى ظهرت؟*]}}

إنّها أيتيقا، فلسفة أخلاقيّة مطبّقة على العلوم الطّبّيّة البيولوجيّة. لم تظهر عبارة « بيوطيقا » إلاّ في السّبعينات، وان كان الهمّ البيوطيقي سابقا جدّا عليها. بالنّظر الى الماضي، بوسعنا أن نعتبر أنّ القواعد الّتي حدّدها إعلان محكمة نورمبارغ تمثّل شعارات البيوطيقا. وقد تأكّدت تلك القواعد عقب الدّعوى الثّانية الّتي رُفعت أساسا ضدّ ممارسات الأطبّاء النّازيين في المعتقلات. فهؤلاء الأطبّاء قاموا بتجارب تعقيم أو مقاومة للبرد أسفرت إمّا عن بتر أعضاء أو عن قتلى. ضدّ هذا النّوع من الممارسات قامت محكمة نورمبارغ بوضع قواعد للبحث. وهي قواعد بسيطة جدّا: لأنّها تؤكّد أنّه لا يحقّ لنا أن نمارس عملا تجريبيّا، وبالخصوص عملا بحثيّا، على شخص ما دون موافقته الاختياريّة. في ذلك الزّمن، لم يكونوا يفكّرون في وضع بيوتيقا بل في الدّفاع عن حقوق الإنسان لا غير.

{{[*الفضيحة الأخلاقيّة الّتي أثارتها ممارسات الأطبّاء النّازيين هي إذن مسألة محدّدة لفهم ظهور البيوطيقا؟*]}}

نعم. ولكن في السّتّينات انكشفت ممارسات طبّيّة قريبة جدّا في جوهرها من هذه الأخيرة. وقد حدثت الفضائح الأكثر إثارة في الولايات المتّحدة.

{{[*وما هي؟*]}}

الفضيحة الأخطر، الأكثر شبها بتلك الّتي أدانتها محكمة نورمبارغ، هي فضيحة تيوسكدجي، القرية الصّغيرة الواقعة في جنوب الولايات المتّحدة. ففي الثّلاثينات، وبرعاية وزارة الصّحّة، تمّ تحديد منطقة في جهة يسكنها السّود أساسا. وقد تمّ تجهيزها بجهاز لتشخيص مرض الزّهريّ لدى أعضاء هذا التّجمّع السّكنيّ. كانت فكرة الأطبّاء هي دراسة التّطوّر التّلقائيّ لهذا المرض. ولكن، بداية من الأربعينات، كان الأطبّاء مجهَّزين بالبينيسيلين الّذي يعتبر على الإطلاق علاجا جذريّا للزّهريّ، ورغم ذلك، لم يقدّموه للمرضى. ولم تنفجر الفضيحة إلاّ في السّتّينات عندما قام صحافيّ بالكشف عن القضيّة. إنّه في هذا السّياق الكليم، وقعت في هلسنكي سنة 1964 صياغة قواعد عالميّة لأخلاقيات البحث الطّبّيّ.

{{[*مسألة البحث إذن تحتلّ مكانة مركزيّة في الاهتمام البيوطيقيّ؟*]}}

نعم، هذا صحيح. فقد فرضت نفسها تدريجيّا حاجةُ الأطبّاء الى ممارسة أعمال بحثيّة على مرضاهم حتّى دون الحصول أحيانا على فوائد مباشرة. كما فرضت نفسها الحاجة الى تأسيس أخلاقيات للبحث. وإعلان هلسنكي هو من صنيع المنظّمة الطّبّية العالميّة. فبصياغتها لأخلاقيات البحث، أقرّت هذه الأخيرة من هنا بالذّات بأنّ الطّبّ على النّطاق العالميّ كان يقوم وعليه أن يقوم بأعمال بحثيّة. في آخر الأمر، كان الأطبّاء يتحمّلون مسؤوليّة الحاجة الى القيام بأعمال بحثيّة. وقد شكّل ذلك منعطفا عظيما للطّبّ.

{{[*هل غيّرت قواعد الأخلاقيات تلك بالفعل إجراءات البحث على صعيد منهجيّ أو علميّ؟*]}}

نعم، وبشكل عميق للغاية، حتّى في جوانبه الأكثر تقنيّة. لقد أخذوا في التّأكيد على أنّه لم يكن من الأخلاق إخضاع نظرائهم الى بروتوكول بحث لم يكونوا متأكّدين من أنّه سيأتي بإضافة علميّة. ومنذ أن تدخّلت في ميدان البحث هيئات مثل المجلس الاستشاريّ الوطنيّ للأيتيقا CCNE)) والبرلمان كان على الباحثين أن يوافقوا على أن يحرّروا بروتوكولاتهم بشكل مفصَّل وأن يضعوها مسبّقا تحت أنظار تلك الهيئات المستقلّة. والحقّ أنّ هذه الصّرامة المفروضة في الميدان الطّبّيّ كانت جيّدة للبحث ذاته. فقد أصبح مشروعا جماعيّا بنوعيّة محترفة.

{{[*تأسّس المجلس الاستشاريّ الوطنيّ إذن سنة 1983. لماذا؟ ما هي المشاكل الّتي كانت مطروحة آنذاك؟*]}}

إضافة الى مشكلة الأعمال البحثيّة في الإطار الطّبّيّ والى الموافقة الواعية من المرضى المشاركين فيها ( وهي مشكلة أوجدت تشريعا مخصوصا هو قانون ايريات Huriet سنة 1988)، طُرحت مسائل لها علاقة بموضوع الإنجاب المساعَد طبّيّا (PMA) وكذا بموضوع البحث حول الجنين. فعليّا، تمّ التّمكّن من الحمل الاصطناعيّ (طفل الأنبوب) وصار يطبَّق منذ بداية الثّمانينات. ولكنّ هذه التّقنية تنتج أجنّة « فائضة الخلايا » surnuméraires ، لم تقع إعادة زرعها فيُحتفظ بها حينئذ في الثّلاّجات. فضلا عن ذلك، فرضت نفسها حقيقةُ أنّ البحث حول الجنين ضروريّ لتقدّم العلوم. ومنذئذ، أصبحت مسألة القانون الأساسيّ للجنين مركزيّة.

{{[*وُصف الجنين في القوانين الفرنسيّة بأنّه « كائن بشريّ موجود بالقوّة ». ما معنى هذا؟*]}}

عراك طويل حدث لمعرفة أيّة عبارة سيتمّ اختيارها من بين “مستقبليّ” أو “ممكن” أو “موجود بالقوّة” أو “حقيقيّ”! وماذا عن الحلّ المختار، « كائن بشريّ موجود بالقوّة »؟ انّه توفيق بين أنصار إنسانية كاملة وفوريّة للجنين وبين متمسّكين بموقع أكثر مادّيّة حيث تتحقّق إنسانية الجنين بأكملها في المستقبل: فالجنين كائن بشريّ(لأنّه لا ينتمي الى نوعيّة حيوانيّة أخرى) لكنّه ليس كذلك إلاّ بالقوّة، فلن نعرف حقّا إن كان شخصا إلاّ يوم يتأكّد كذات بشريّة.

{{[*على النّقيض ممّا يجري في الكثير من البلدان، فانّ القانون الفرنسيّ يمنع أيّ بحث في الاستنساخ العلاجيّ. ما رأيك في هذا؟*]}}

نحن أمام لامعقوليّة حقيقيّة: إذ نمنع الاستنساخ العلاجيّ من جهة ونسمح بالقيام بأبحاث حول الأجنّة الفائضة الخلايا من جهة أخرى، وهي أجنّة أريد لها في البداية أن تكون كائنات بشريّة، أي ذوات « موجودة بالقوّة ». والحال أنّ النّسخة الصّناعيّة clone artefactuel المنتَجة في المخبر لصناعة أنسجة عصبيّة من أجل إصلاح خلل في النّخاع الشّوكيّ ليست مجعولة لتصبح إنسانا. وهي مع ذلك شيء اصطناعيّ جدّا. بشكل ما، يتمثّل هذا الاستنساخ العلاجيّ ( مهما كانت فعاليته محدودة) في استعمال جسم المريض نفسه وميزاته في تجديد نواة الخلايا لصناعة خلايا سليمة. لا أرى أيّ مانع للقيام بهذا، فما بالك في بلد يُسمَح فيه بتوقيف الحمل.

{{[*
أنت تعتبرين أنّ الجنين المحمول في نطاق المساعدة الطّبّيّة على الولادة هو في طريقه الى أن يصبح ذاتا بشريّة أكثر من الجنين الاصطناعيّ المجعول لغايات علاجيّة محض أو للبحث. أليس هذا حكما على الوضع القانونيّ للجنين وفقا للوظيفة الّتي يعطيها الآخرون له؟*]}}

بلا، أنا فعلا مستعدّة للقيام بذلك. العلاقة مع الزّوج الأبويّ أساسيّة هنا. أنا لا أقول إنّ الجنين الفائض الخلايا هو كائن مقدّس، بل أقول انّه كان في طريقه بعدُ لأن يصبح ذاتا بشريّة أكثر من جنين المخبر الاصطناعيّ. ولكن بما أنّ توقيف الحمل مسموح به فلا أرى سببا يجعل من إتلاف الجنين أمرا مرعبا.

{{[*اهتمّ المجلس الاستشاريّ الوطنيّ للأيتيقا أيضا بمجال الولادة المساعَدَة طبّيّا PMA.*]}}

إنّ الأسئلة المطروحة في هذا المجال هي أسئلة مجتمعيّة: كتعريف الأسرة والعلاقات الأبويّة ومشاكل الرّوابط الاجتماعيّة وبنية القرابة. هي ليست مسائل أيتيقيّة صرفة. فمنع الأمّهات الحاملات بالنّيابة mères porteuses مثلا متأتّ من عقليّة اجتماعيّة محافظة: تتمثّل في رفض تفكّك بنية العائلة أو رفض أن يرتاب الأطفال في أصولهم. من المحتمل اليوم أن يعاد النّظر في منع الحمل بالنّيابة. كما أنّ التّكتّم القدسيّ عن أسماء المتبرّعات بالمشيمات يعود بلا شكّ الى ذلك الشّاغل نفسه. هل ينبغي إعطاء الجنسمثليين الحقّ في الزّواج؟ هذا أيضا سؤال مجتمعيّ، يصعب جدّا تحقيق إجماع حوله في العالم بأسره. قد يقبله البعض وقد يرفضه البعض الآخر، ولكّنّها مسألة أخلاقيّة ليست على نفس درجة الأهمّية مع مسألة موافقة المريض الطّوعيّة في البحث الطّبّيّ. إذا أردنا أن توجد أخلاقيّة عالميّة، يبدو لي أنّ هذا سهل جدّا فيما يتعلّق بالبحث، ولكّنّه صعب جدّا فيما يتعلّق بضبط معايير قانونيّة للعائلات. في مسألة التّشخيص ما قبل الولادة أو التّشخيص ما قبل زراعة الأعضاء، لا نطال فقط مسألة أنتروبولوجيّة تتعلّق مثلا بنشوء الأسر، بل نلمس شيئا ما وسمه البعض بأنّه نوع من الصّناعة الجينيّة الجديدة الهادفة الى تحسين النّسل Eugénisme. هذه الإشكاليّة هي فعلا ذات طبيعة ايتيقيّة… ستجدين صعوبة في أن تثبتي لي أنّ القيام بتشخيص ما قبل زراعيّ لامرأة أنجبت من قبل طفلين مصابين بمرض وراثيّ هو أمر لاأخلاقيّ. أمّا بالنّسبة الى عبارة « تحسين النّسل » فمن المستحسن تجنّبها لأنّ لها دلالة حافّة سلبيّة. إذا كان للسّماح بتوقيف حمل بسبب تشوّه الجنين علاقة بمشغل تحسين النّسل بالمعنى الحرفيّ للكلمة ( تحسين النّسل: ولادة جيّدة ) فلا شأن إذن لهذا المسعى بعلم تحسين النّسل المتمثّل في العمل على إنجاح التّزاوج بين أشخاص آريين في سبيل إنجاب أطفال شقر جميلين ذوي عيون زرقاء يُفترض أنّهم ينتمون الى جنس أرقى.

{{[*لو يصير العلاج الجينيّ في يوم ما ممكنا، ويتمّ منذ ذلك الحين تغيير الموروث الجينيّ لفرد سيولد، ألا يُجازَف بجعل الطّفل حينئذ نوعا من الشّيء المصنّع معمليّا ليكون مستجيبا لرغبة غيره؟*]}}

هذه حجج مستلهمة من أخلاق كانط بيد أنّها منزوعة من سياقها الطّبيعيّ. يورغن هبرماز على سبيل المثال يعتقد أنّ التّحوير الجينيّ لكائن بشريّ لم يولد بعد هو بمثابة التّأثير في مسار حياة بأكمله بما لا يترك لهذا الكائن البشريّ أيّ مجال للاختيار. سيصبح دمية تحرّكها أيادي من صنعوه. وهو ما يعتبره ي. هبرماز نوعا من العبوديّة. من وجهة نظري، إنّ هذا التّحليل وان كان موثّقا إلاّ أنّه يشهد على إنكار للوضعيات الحقيقيّة. في كلّ العصور، كان من الممكن الشّكّ في أنّ الكهول يريدون إنجاب الأطفال لدوافع سيّئة، كبيعهم عبيدا أو استخدامهم في الحقول أو لمواصلة مهنة أبيهم الخ.. اليوم، يتمتّع الأطفال بـ« حقوق » تضبطها نصوص دوليّة ووطنيّة، وهذا تقدّم. لست متأكّدة من أنّه ينبغي التّنصيص في هذه النّصوص على أنّ إنجاب طفل بالاستنساخ هو تعدّ على حقوقه الأساسيّة، ولا أيضا من أنّ علاجا جينيّا كذلك الّذي يعطى « للأطفال الفقاقيع enfants-bulles » هو انتهاك لحقوقهم الأساسيّة (على الرّغم من وجود تحكّم في المورّثة الأساسيّة :الجينوم.) وعلى افتراض أنّنا سنصبح غدا قادرين، بعد التّشخيص ما قبل الولادة أو ما قبل الزّرع، على التّدخّل لإصلاح تشوّه خِلْقيّ أو لإضافة عنصر وراثيّ وتقرير الحياة للطّفل (وهذا حتّى الآن بمثابة الخيال العلميّ، إذ لا نعرف اليوم أيّ شيء عمّا سينجرّ عن ذلك)، فهذا الأخير سيولد بمعطى آخر، وسيكون على حرّيّة هذا الطّفل أن تتشكّل على هذا الأساس. هل سيكون الطّفل أقلّ حرّيّة اذا منحناه من خلال عمليّة جينيّة (ما زالت خياليّة حتّى اليوم) عنصرا وراثيّا يقاوم السّيدا؟ لا أظنّ ذلك. يتمثّل التّدخّل المكثّف في جينوم فرد ما سيولد في أن ينقل إليه أبواه جيناتهما. انّه لا يملك حلاّ آخر، وعليه أن يتعايش مع هذا مثلما عليه أن يتعايش مع محيطه الاجتماعيّ والتّربويّ والثّقافيّ وكلّ ما هو موجود وعلى أساسه تتأسّس الحرّيّة. أمّا فيما يخصّ الفكرة القائلة بأنّه من الممكن برمجة سلوك كائن بشريّ عن طريق عمليّة جينيّة فهي فكرة جدّ ساذجة، لأنّ الشّروط الاجتماعيّة والتّربويّة والدّينيّة الخ أكثر حتميّة من ذلك بكثير.

{{ الحوار منشور في مجلّة Sciences Humaines

La moralisation du monde

Grands Dossiers n° 2 – Mars – Avril – Mai 2006
}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق