البيوطيقا: سلطة التّقنية وتنافر القيم(15)

{{[*لا يمكن فهم الحياة إلا بالعودة إلى الوراء؛ لكن يجب أن تعاش بالمضيّ إلى الأمام!*]}}

{{ الفيلسوف الدانمركي: سورن كيرغارد}}

ليس من السهل دخول عالم “البيوطيقا” المتشعّب، الذي نعمل عليه منذ أكثر من خمس سنوات، خاصة بعد ولوجنا عالم الأخلاق الجينيّة. وفي هذه الدراسة التي حاولنا تبسيطها ما أمكن، والتي استندنا في موادّها على مجموعة كبيرة من منشورات بيوطيقية تأتينا دوريّاً، نتبع الخطّ الرئيس التالي: تعريف بالبيوطيقا ومقاربات مختصرة لها ولأهمّ مفكّريها، مع تركيز غير مطوّل على بيتر سنغر، وهي انتقائيّة معرفيّة سببها قناعتنا وبالتالي التزامنا بمبدأين يدافع عنهما سنغر بشراسة: حقوق الحيوان والنباتيّة؛ وفي القسم الثاني نقدّم دراسة مترجمة عن البيوطيقا والدين لنختم بآرائنا الشخصية، كدارسين في الحقلين الطبّيّ- الدوائيّ والفلسفيّ- اللاهوتيّ، لصعوبة التوفيق بين المفهوم التقليديّ للإله (نحن هنا نفرّق بين الإله كمفهوم والإله كوجود)، والمنظومات الأخلاقية الجديدة التي أوجدتها الثورة في علوم الطبّ والتكنولوجيا والاتّصالات. وكما قال صديق ألمانيّ يحمل الـ ph.d في علوم الجينات، إنّ مقاومة التقاليد الدينيّة لا يمكن أن تتمّ عبر الفلسفة أو اللاهوت النقديّ أو حتى النقديّة الكتابيّة – تلك علوم تتّسم بالصبغة التأمّليّة، مثلها مثل التقاليد الدينيّة. العلم وحده كفيل بإسقاط الأشكال التقليديّة للدّين، مرّة وإلى الأبد. من هنا، كان إهمالنا المتعمّد للفلسفة القياسيّة، ولجوؤنا إلى العلوم، خاصة تلك المغرقة في حداثتها، كنوع من التصدّي للتقاليد الدينيّة، التي باتت تشكّل عبئاً على البشريّة، إن إبداعياً أو إنسانيّاً أو حتى أخلاقياً.

لا بدّ قبل كلّ شيء من الوقوف بسرعة عند أحد أسلاف البيوطيقا: نيتشه. والحقيقة أنّ نيتشه استند بدوره في آرائه الماديّة المعادية للدّين على واحد من أهمّ الفلاسفة الألمان: لانغه. نيتشه، بعكس لانغه، تجاوز كثيراً الفلسفة التأمليّة في مواقفه النقديّة، من الدين والأخلاق، حين حاول توسّل العلم. ورغم أنّ العلوم بكافّة أشكالها لم تكن زمن نيتشه كما هي الحال عليه الآن، فإنّ الإرهاصات النيتشويّة يمكن أن تعتبر رؤى جنينيّة بيوطيقيّة، خاصة في مسألة إشكالية العلاقة بين العلم والدين. ومن ترجمتنا الخاصة لعمل نيتشه الشهير، عدوّ المسيح، نقدّم الفقرات التالية، في نوع من العرفان بالجميل لمفكّر يعرف الجحود به حتى في بلده:

“في الواقع، لا يكون المرء فقيه لغة وطبيباً دون أن يكون في الوقت ذاته أيضاً عدوّاً للمسيح. لأنه حين يكون المرء فقيه لغة يرى ما وراء “الكتب المقدّسة”، وحين يكون طبيباً يرى ما وراء الفساد النفسيّ للمسيحيّ الأنموذجيّ. يقول الطبيب: غير قابل للشفاء، وفقيه اللغة: “محتالا…”
هل فهم المرء بالفعل القصّة الخرافيّة، التي تقف في بداية الكتاب المقدّس، – عن خوف الله المميت من العلم؟… لم يفهمها المرء. كتاب الكهنة بلا منازع هذا يبدأ، كما لو أنه الأمر المناسب الأوحد، بالمشكلة الداخليّة الكبيرة للكاهن: إنه يمتلك خطراً كبيراً واحداً فقط، و”الله” بالتالي لديه خطر كبير واحد فقط.

الإله العجوز، ” الروح ” الكاملة، الكاهن الأعلى الكامل، الكمال بكماله، يتمشّى في حديقته: فقط أنه ضجر. الآلهة ذاتها تحارب الضجر بلا طائل. ماذا يفعل؟ يخترع الإنسان – الإنسان مسلّ… لكن انظروا، فالإنسان ضجر أيضاً. تعاطف الإله مع نوع الأسى الوحيد الموجود في كلّ جنّة لا يعرف حدوداً: خلق بالتالي حيوانات أخرى. عثرة الإله الأولى: الإنسان لم يجد الحيوانات مسليّة، – سيطر عليها، بل فقد الرغبة بأن يكون “حيواناً” – من ثمّ خلق الله المرأة. وبالفعل، كان هنالك نهاية للضجر، – لكن لشيء آخر أيضاً! المرأة ثاني عثرات الإله. – المرأة في جوهرها أفعى، Hera [ في النص الإنكليزي heva ] ” – كلّ كاهن يعرف ذلك؛ ” كلّ شرّ جاء إلى العالم عبرها”… “العلم، بالتالي، جاء إلى العالم عبرها”… فقط عبر المرأة تعلّم الإنسان تذوّق شجرة المعرفة. – ماذا حدث؟ استولى رعب قاتل على الإله العجوز. صار الإنسان ذاته أعظم عثرات الإله؛ فالإله خلق لذاته منافساً، فالعلم يصنع تساوياً مع الله، – ينتهي كلّ شيء مع الكهنة والآلهة إذا أضحى الإنسان علميّاً! – أخلاقياً: العلم محظور بحدّ ذاته. العلم هو الخطيئة الأولى، جرثومة كلّ الخطايا، الخطيئة الأصليّة. هذا وحده أخلاق – “يجب أن لا تعرف” – والبقيّة تأتي. – خوف الإله المميت من العلم لم يوقفه عن أن يكون داهية. كيف يمكن للمرء حماية نفسه من العلم؟ كان ذاك مشكلة رئيسة زمناً طويلاً. الجواب: ادفع بالإنسان خارج الجنّة! السعادة، التبطّل يتركان مجالاً للتفكير، – كلّ الأفكار أفكار سيّئة… على الإنسان أن لا يفكّر.- و”الكاهن بذاته” يخترع الأسى، الموت، الخطر على الحياة في الحمل، كلّ أصناف البؤس، تقدّم السنّ، الكدّ، والمرض قبل كلّ شيء، – لا شيء غير وسائط في محاربة العلم! الأسى لا يسمح للإنسان بأن يفكّر… وعلى الرغم من ذلك! يا للرعب! بنيان المعرفة يعلو، يطال السماء، يصل إلى الإلهي، – ما العمل! – يخترع الإله العجوز الحرب، يقسّم الشعوب، يجعل البشر يدمّر بعضهم بعضهم الآخر ( – الكهنة بحاجة للحرب دائماً…). الحرب، ضمن أشياء كثيرة، صانعة متاعب كبيرة للعلم! – غير معقول! المعرفة، التحرّر من الكاهن، تزداد رغم الحروب. – والإله العجوز يصل إلى قرار أخير: ” صار الإنسان علميّاً – ذاك لا يفيد، يجب على الإنسان أن يغرق! “…

هل كنت مفهوماً؟ بداية الكتاب المقدّس تتضمّن كامل نفسيّة الكاهن. – يعرف الكاهن خطراً كبيراً واحداً: ذاك هو العلم، – المفهوم الصحيح للعلّة والمعلول. لكن العلم لا يزدهر عموماً إلاّ في ظروف سعيدة، – لا بدّ أن يكون عند المرء فائض من زمن، من عقل، كي “يعرف”… “بالتالي على المرء أن لا يكون سعيداً “، – كان هذا منطق كلّ كاهن في كلّ زمان.- سوف يحزر واحدنا للتوّ، ماذا دخل العالم بعد ذلك مباشرة، بحسب هذا المنطق: – إنه “الإثم”… فقد تمّ تلفيق مفهوم الخطيئة والعقاب، “منظومة الأخلاق العالميّة” برمّتها، من أجل معارضة العلم، – معارضة انفصال الإنسان عن الكاهن… يجب أن لا يتطلّع الإنسان حوله، يجب أن ينظر داخل ذاته؛ يجب أن لا يمعن النظر بتعقّل وحرص في الأشياء كي يتعلّم، يجب أن لا ينظر إطلاقاً: يجب أن يعاني… يجب أن يعاني بطريقة تجعله بحاجة للكاهن دائماً. – أبعدوا الأطباء! الواحد بحاجة إلى مخلّص. – لقد لفّق مفهوم الخطيئة والعقاب، وكذلك مبادئ “النعمة”، “الفداء”، “الغفران” – أكاذيب من أوّلها إلى آخرها دون أيّ حقيقة نفسيّة – من أجل تدمير المعنى السببي للإنسان: إنها عدوان على مفهوم العلّة والمعلول! – وليس عدواناً باليد، بالسكين، بالكراهية والحب الشريفين! بل عدوان من أجبن الغرائز، أمكرها، وأحطّها! عدوان الكاهن! عدوان الطفيلي! امتصاص دم من قبل مصّاصي دم شاحبين سرييّن!… حين لا تعود النتائج الطبيعيّة لفعل ما “طبيعيّة” بل يُعتقد أنّها نتاج أشباح الخرافة المفاهيميّة، عبر “الإله”، عبر “الأرواح”، عبر “الأنفس”، وذلك بوصفها مفاهيم “أخلاقية” مجرّدة، كثواب، عقاب، إشارة، خاصيّة، يدمّر عندئذ الشرط المسبق للمعرفة، – يقترف المرء عندئذ أعظم جريمة بحق الإنسانيّة. وأقول من جديد، إنّ الإثم، ذلك الشكل الذي لا مثيل له لتعنيف الذات عند الإنسان، تمّ تلفيقه ليجعل العلم، الثقافة، كلّ أنواع السمو والنبل عند الإنسان، مستحيلة؛ فالكاهن يحكم عبر تلفيقة الإثم.

{{[* البيوطيقا: تعريف!*]}}

قبل أن ندخل بنوع من التفصيل في آرائنا الذاتية من موضوعة البيوطيقا، يبدو من المفيد أن نحاول مقاربة المسألة تعريفيّاً.
لغويّاً، الكلمة “بيوطيقا” مكونّة من شقّين من أصل يونانيّ قديم: بيو وطيقا. بيو، كلمة مشتقّة عن اليونانيّة القديمة (يستخدم في الحديثة لفظان: ζωή, βίος : بيوس وزوي)، بمعنى حياة؛ طيقا أيضاً كلمة مشتقّة عن اليونانيّة، ˈɛθɪks، إثيكس، ولها معان عديدة:

1. مجموعة المبادئ التي تقرّر السلوك الصحيح؛
2. نظرية أو منظومة القيم الأخلاقية؛
3. حين ترد بالجمع في الانكليزية يمكن أن تعني، القواعد أو المعايير التي تحكم سلوك شخص أو أعضاء مهنة بعينها؛
4. يمكن أن يعني المصطلح فلسفيّاً الدراسة الفلسفية للقيمة الأخلاقية للسلوك البشري وللقواعد والمبادئ؛
5. منظومة سلوكيّة اجتماعيّة، دينيّة أو مدنيّة والتي ينظر إليها بأنها صحيحة؛
6. وأخيراً، الدقة الأخلاقية لقرار، مسار فعل أو ما شابه.

من هنا، يمكن تعريف البيوطيقا على أنها الدراسة الفلسفيّة للجدل الأخلاقي الذي أوجده التقدّم الكبير في علوم البيولوجيا والطب.

يهتم البيوطيقيون بالمسائل الأخلاقية التي برزت في العلاقات بين علوم الحياة، التكنولوجيا الحيويّة، الطب، السياسة، القانون، الفلسفة واللاهوت.

تعريف هامّ يقدّمه البيوطيقي البارز، آرثر ل. كابلان، يقول: الإثيقا [الأخلاق] الطبيّة أو البيوطيقا، هي دراسة المسائل الأخلاقية في حقلي العلاج والبحث الطبّيين. التعبير مستخدم أيضاً على نحو أكثر تعميماً لوصف المسائل الإثيقيّة في علوم الحياة وتوزيع المصادر الطبيّة النادرة. المجالات الاحترافيّة التي تتناول المسائل الإثيقيّة في الطبّ تتضمن الطبّ، التمريض، الشرع، علم الاجتماع، الفلسفة واللاهوت، مع أن الإثيقا الطبيّة تعتبر أيضاً مذهباً قائماً بذاته.

{{[* البيوطيقا تاريخيّاً:*]}}

يمكننا تلمّس جذور الإثيقا الطبيّة في منظومات إثيقيّة عديدة مثل قسم أبوقراط في اليونان القديمة، والذي يطلب من الأطباء قبل كل شيء أن “لا يؤذوا”؛ منظومات إثيقيّة احترافيّة مثل تلك التي دوّنها الطبيب الإنكليزي توماس برسيفال في القرن الثامن عشر والتي كانت الأساس الذي استندت إليه أول منظومة إثيقيّة عام 1846 والتي وضعها مؤسّسو الجمعيّة الطبيّة الأمريكيّة؛ ومنظومة نورمبرغ من أجل إثيقا البحث على البشر والتي وضعت أثناء محاكمات جرائم الحرب مع نهاية الحرب العالمية الثانية رداً على الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في التجارب التي كانت تؤدّى على البشر في ألمانيا النازيّة. مع ظهور تكنولوجيّات طبيّة وتناسليّة جديدة في نهاية خمسينات القرن الماضي ازدادت تعقيديّة القضايا الأخلاقية والاجتماعيّة للبحوث والأعراف الطبيّة. في ستينات القرن الماضي عرفنا أول ظهور لحقل البيوطيقا كمذهب أكاديمي. وكان للتقدّم العلميّ في حقول زراعة الأعضاء وغسيل الكلى وغيرها دوره في طرح أسئلة أخلاقية مستجدة، منها، على سبيل المثال لا الحصر: هل يمكننا إيقاف الدعم الطبي للمريض بحيث تنتهي حياته؟ وما هي الظروف المبررة لفعلة كهذه؟ والواقع أن الأسئلة الوجوديّة الكبيرة، كالحياة والموت، كانت تلقي بعبئها على كاهل الفلاسفة واللاهوتيين. مع ذلك، وبحلول سبعينات القرن الماضي، ظهرت إلى عالم الوجود مراكز بحث بيوطيقيّة وبرامج بيوطيقيّة أكاديميّة. من أوائل تلك المؤسسات كان مركز هاستيغز، الذي أسسه عام 1969 الفيلسوف دانيال كالّاهان وعالم النفس ويلارد غيلين. بعدها بعامين ظهر في جامعة جورج تاون (واشنطن دي سي) معهد كنيدي للإثيقا. أما أول كتاب أميركي في البيوطيقا فكان مبادئ الطب الحيوي لجيمز ف. شيلدرس وتوم بوتشامب، وقد اعتبر نقلة نوعيّة في تاريخ هذا المذهب.

{{[*
حوادث مفصليّة:*]}}

كان لوفاة ثلاثة أشخاص في أميركا، كارن آن كونلان، نانسي كروزان، وتيري شيافو، والإجراءات التي أحاطت بمسألة الموت، الأثر البالغ في لفت أنظار الناس إلى البيوطيقا. وهؤلاء الأشخاص، هم:

كارن آن كونلان ( 2931954-1161985 ): كانت شخصاً هاماً في تاريخ جدل الحقّ بالموت في الولايات المتحدة. فحين كانت كارن في الحادية والعشرين من العمر سقطت مغشيّاً عليها بعد مجيئها إلى منزلها من حفلة كانت تحضرها، وتناولت فيها مهدئات مع الكحول. نقلت إلى المشفى حيث وضعت على منفسة لكنها رغم مضيّ أشهر عديدة لم تبد أي تحسن. طلب والداها من المشفى توقيف تقديم الرعاية الطبيّة لها كي يسمح لها بالموت. رفضت إدارة المشفى الطلب، وبدأت من ثمّ معركة تشريعيّة زحفت إلى عناوين الجرائد. لكنّ قرار المحكمة جاء لصالح الوالدين. ورغم رفع العناية الطبيّة عنها عام 1976، فقد عاشت نحواً من عقد بعدها في حالة غيبوبة حتى ماتت بذات الرئة عام 1985. كان لقصّة آن نتيجتان هامتان: أولاهما ظهور لجان أخلاقية نظاميّة في المشافي وبيوت الممرضات، وظهور الأدلاء الصحّيين المتقدّمين.

نانسي كروزان ( 2071957-26111990 ): مثل السابقة، كانت إحدى شخصيات حركة الحقّ في الموت. فبعد حادث سيارة جعلها في حالة موت سريريّ، ظلّت عائلتها تطلب من المحكمة على مدى ثلاث سنوات كي يسمح لهم برفع أنبوب التغذية الخاص بها. في البداية رفضت المحكمة طلب العائلة، متذرعة بأنّ هنالك نقصاً في الدليل على رغبة كروزان بالأمر. وفي النهاية تمّت الموافقة على طلب الأهل ورفع عنها أنبوب التغذية يوم 15111990، لتموت بعدها بأحد عشر يوماً.

تيري شيافو، زوجة مايكل شيافو، الذي نجح بعد جهد قضائيّ استمرّ سبع سنوات لمنع زوجته، التي شخّص مرضها بالموت السريريّ، عن تلقّي الدعم الطبّيّ الذي كان يسمح لها بالعيش. عارض والدا تيري طلب الزوج، قائلين إنّ تيري كانت واعية. مع ذلك، فقد سحب أنبوب التغذية عن تيري يوم 2442001 ثم أعيد بعد عدة أيام. وبعد تدخّل أطراف عديدة، عاد الرئيس جورج بوش من إجازته في آذار 2005 إلى واشنطن دي سي لتوقيع قانون يسمح بإبقاء تيري على قيد الحياة، الأمر الذي جعل من المسألة الخبر الرئيس في الإعلام طيلة ذلك الشهر. لكن مايكل لم ييأس. وكان قرار محكمة محليّة في قطع الإمداد الحياتي عن تيري في الثامن عشر من آذار عام 2005. وماتت تيري في اليوم الأخير من الشهر ذاته.

{{[* رموز البيوطيقا اليوم:*]}}

يبدو أن الفلسفة كفعل تأمّليّ تراجعت كثيراً لصالح الفلسفة العمليّة، خاصّة المذهب الذرائعيّ الذي يبدو أنّه يحتلّ صدر الصورة اليوم عبر تلك التيّارات التي خرجت من رحم تلاقح العلم بالفلسفة. وبعكس ما تمنّى الفيلسوف الأغوستيني الإيطاليّ في كتابه الموسوعيّ، الفلسفة اليوم (ترجم إلى الإنكليزية، بعنوان: التيارات الفلسفيّة في العالم المعاصر، نشرنا منه القسم المتعلّق بفلسفة أميركا اللاتينيّة)، يبدو أنّ الفلسفة، بمعناها العصريّ، بدأت تزحف شيئاً فشيئاً من القارّة العجوز، إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة. لهذا، إن أهمّ من ظهر من البيوطيقيين كان في الجامعات الأمريكيّة؛ وبينهم: جون فليتشر، جاكوب م. أبل، روث فادن، وآرثر كابلان. عام 1995 أسّس الرئيس بيل كلينتون مجلس الرئيس للبيوطيقا. أمّا جورج بوش فقد كان يعتمد على مجلس البيوطيقا في القرارات التي تتعلق بمسائل مثل الخلايا الجذعيّة الجنينيّة.

{{[*
دانيال كالّاهان ( 1971930 ):*]}}

” فيلسوف يقرّ له على نحو واسع بدراساته المتجددة في الإثيقا الطبيّة الحيويّة”. مع السنين راحت بحوثه وكتاباته تغطّي مدى واسعاً من القضايا، من بداية الحياة إلى نهايتها. في السنوات الأخيرة، ركّز على مسألة الإثيقا والسياسة الصحيّة. قدّم كالّاهان معلومات لجورج بوش في البيوطيقا وجمع معلومات حول بحوث الخلايا الجذعيّة.

{{[*
جاكوب م. أبل ( مولود في 21 شباط- فبراير 1973 ):*]}}

باحث أميركي، بيوطيقي، وناقد اجتمعي. اشتهر أبل بسبب قصصه الخيرة، عمله ككاتب مسرحي، وكتاباته في حقل الإثيقا التناسليّة، منح الأعضاء، الإثيقا العصبيّة، والموت الرحيم.

دافع أبل عن حقّ الإجهاض، الانتحار المساعد فيه (ليس فقط للمريض العضال، بل أيضاً لأولئك الذين يعانون من مرض عقلي طويل الأمد)، ومسألة الإنجاب عند المثليين الجنسيين. وقف ضدّ السجلات الطبيّة الالكترونيّة. أظهر اهتماماً بشأن إمكانيّة أن يطلب أصحاب العمل من العاملين عندهم استخدام أدوية لتعزيز الإدراك؛ وقال إنّ المرشّحين للموت يكونون مؤهّلين لتلقّي زرع كلى. سبب جدلاً كبيراً بسبب مصادقته على الاستخدام الإلزامي للتشخيص الجيني ما قبل الزرعي كجزء من صيرورة إخصاب أنبوبية لمنع زرع أجنّة يحملون العيوب الجينيّة. كتب أبل أيضاً داعماً سياسة هجرة “حدود مفتوحة”.

{{[* روث فادن:*]}}

أستاذة الإثيقا البيوطبيّة والمدير التنفيذي لمعهد برمان للبيوطيقا في جامعة جون هوبكنز. هي أيضاً باحثة رئيسة في معهد كنيدي للإثيقا، جامعة جورج تاون. د. فادن مؤلّفة ومحررة لكتب ومقالات عديدة حول الإثيقا البيوطبيّة، السياسة الصحيّة، الإثيقا الاكلينكيّة، والفلسفة الأخلاقية. من اهتماماتها البحثيّة الحالية؛ نذكر: البيوطيقا والسياسة العامّة، الإثيقا والهندسة الجزيئيّة؛ الإثيقا العصبيّة؛ الإثيقا والإرهاب الحيويّ؛ الجينات والسياسة العامّة؛ والعدالة.

{{[* أرثر كابلان:*]}}

أستاذ البيوطيقا ومدير مركز البيوطيقا في جامعة بنسلفانيا. كابلان مؤلّف ومحرّر لنحو من 25 كتاباً وأكثر من 500 دراسة في مسائل البيوطيقا، العلوم، الفلسفة، الطبّ، والسياسة الصحيّة. كما يكتب عموداً بشكل منظّم حول البيوطيقا في الموقع MSNBC.com.

{{[* وزلي جي سميث ( ولد عام 1949 ):*]}}

محام وكاتب، زميل رئيس في البيوطيقا وحقوق الإنسان في معهد الاكتشاف، والمدير المساعد في قوة المهام الدوليّة في الموت الرحيم والانتحار المساعد عليه، ومستشار خاص في المركز لأجل البيوطيقا والثقافة. عام 2004 أسمته الجريدة القوميّة أحد أهم المفكرين الخبراء في الهندسة الحيويّة بسبب عمله في البيوطيقا.

ألّف سميث أو شارك في تأليف أحد عشر كتاباً. كما اشترك مع المحامي من أصل لبناني، رالف نادر، في نشر مقالات في دوريات عديدة. له موقع على الانترنت حول الدخان المستعمل، حيث يدافع هنا عن نظريته في “الاستثنائيّة البشريّة”، وينتقد من أسماهم بيوطيقيي “التيّار الرئيس” مثل بيتر سنغر، جوليان سافوليسكو، جاكوب م. أبل وألتا شارو. كذلك فهو ينتقد بحدّة الكاتب في مجال العلوم، مات ريدلي.

يعارض سميث الانتحار المساعد على حدوثه والموت الرحيم. وهو أيضاً ناقد بارز لآراء التيّار الرئيس في البيوطيقا، بحوث الاستنساخ البشري، والبيئويّة الراديكاليّة، والتي يخشى أن تظهر نوعاً من “العداء – للإنسانيّة”، كذلك يعارض ما يسمّيه بحركة تحرير الحيوان الراديكاليّة. اعتبر كتابه ثقافة الموت: الاعتداء على الإثيقا الطبيّة في أميركا، أفضل الكتب الصحيّة لعام 2001.

عمله كزميل في معهد الاكتشاف كان في مشروع عن حقوق الإنسان والبيوطيقا، والذي يرمي إلى الدفع باتجاه حقوق إنسان شاملة معارضة أفكار علم تحسين النسل في حقول الهندسة الحيويّة والسياسات الدوائيّة مثل العبث الطبي وتوزيع حصص الرعاية الصحيّة، التمييز في الرعاية الصحيّة، العبودية والاتجار بالبشر، وإسباغ الحقوق على غير البشر. لكنّ التيار الرئيس في البيوطيقا الأمريكيّة انتقد سميث وطريقته. في مقالة عام 2001، اتهم الطبيب ماثيو ك. واينيا والمحامي آرثر درس سميث باستخدام دليل انتقائيّ من أجل خلق انطباع مزيّف بأنّ البيوطيقا حقل يكشف عن وحدة متراصّة متناغمة كليّاً. قال الرجلان أيضاً إنّ سميث “كان مهيّئاً لليّ الحقيقة من أجل خلق قضيّة، تقلب المعدة، وتضع القارئ ضمناً في جوّ راديكاليّ”. ردّ سميث على هؤلاء النقّاد، قائلاً بما معناه، إنّه يعتقد فعلاً أنّ البيوطيقا تبلورت، عموماً، في مذهب أرثوذكسيّ، بل ربّما أيديولوجيا. ويقرّ أنّ الخلافات موجودة حتماً ضمن هذا الحقل. ويقول إنّه يصورهم، مع بعض الاستثناءات، كالناس الذين يتفقون بشأن الأساسيات ويختلفون في التفاصيل – شيء ما يشبه المشاحنات بين الكاثوليك والمعمدانيين.

{{[*
فرنسيس فوكوياما:*]}}

يوشيهيرو فرنسيس فوكوياما (مواليد 27101952): فيلسوف وسياسي واقتصادي وكاتب أميركي. اشتهر فوكوياما على أنه مؤلّف “نهاية التاريخ والرجل الأخير”، والذي يقول فيه إنّ تقدّم التاريخ البشري الذي هو صراع بين أيديولوجيات وصل عموماً إلى نهايته، مع استقرار العالم على الديمقراطيّة الليبراليّة بعد نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين عام 1989. كذلك فقد تنبّأ بالانتصار النهائي العالمي لليبرالية الاقتصادية والسياسيّة.

كتب فوكوياما مجموعة أخرى من الكتب؛ منها: التروست: الفضائل الاجتماعية وخلق الازدهار؛ مستقبلنا ما بعد الإنساني: نتائج الثورة التكنولوجية الحيويّة. والكتاب الأخير هو الذي يعنينا في بحثنا هنا؛ وفيه يثمّن نظريته الأصيلة حول “نهاية التاريخ”، قائلاً إنه مادامت التكنولوجيا الحيوية تسمح للبشر على نحو متزايد أن يسيطروا على ارتقائهم الخاص، فلربما تسمح لهم بأن يغيّروا الطبيعة البشريّة، ويخاطروا بالتالي بالديمقراطية الليبرالية. إنّ إحدى الحصيلات الممكنة هو أنّ طبيعة بشريّة متغيّرة يمكن أن تنتهي إلى ظلم راديكالي. وهنا يبدو فوكوياما عدوّاً لدوداً لحركة ماوراء البشريّة، وهي حركة فكرية تقول إنّ مابعد البشرية هدف مرغوب.

في كتاب لفوكوياما آخر له صلة ببحثنا هذا، التمزّق الكبير: الطبيعة البشرية وإعادة بناء المنظومة الاجتماعيّة، يستكشف الباحث أصول المعايير الاجتماعية، ويحلل التمزقات الحالية في نسيج تقاليدنا الأخلاقية، التي يعتبر أنها نشأت عن نقلة من العصر الصناعي إلى عصر المعلومات. ويعتقد فوكوياما أن هذه النقلة عادية وسوف تثبت أنها صحيحة، بسبب الحاجة البشرية الفطرية إلى قواعد ومعايير اجتماعيّة.

{{[*
جيمز شيلدرس ( مولود في الرابع من أكتوبر 1940 ):*]}}

فيلسوف ولاهوتي ركز جلّ اهتماماته على مسائل الإثيقا. من أعماله: مبادئ الإثيقا الحيوية الطبية؛ التفكير العملي في البيوطيقا؛ من سيقرر؟ الأبوية في الرعاية الصحيّة؛ الأولويات في الإثيقا الحيوية الطبية.

[*{{جوزف فنز ( ولد عام 1957 ):}}*]

رئيس قسم الإثيقيا الطبيّة في المشفى المشيخي (المشيخيّة طائفة بروتستنانتية) في نيويورك. ركّز فنز في بحوثه على مسألة المقاربات العقلانيّة للمشاكل الإثيقيّة وتطور البراغماتيّة السريرية كطريقة في حل المشاكل مستمدة من تقليد جون ديوي ووليام جيمز البراغماتي الأمريكي. من كتبه ذلك الذي يتناول إثيقيا علم الأعصاب واضطرابات الوعي في أعقاب أذى دماغي شديد. ساهم أيضاً في كتابة نص بارز يصف الاستخدام الأول للتحريض الدماغي العميق في حالة وعي دنيا.

{{[* دانيال بروك:*]}}

فيلسوف وبيوطيقي أميركي. كان رئيس الجمعية المريكيّة للبيوطيقا في العامين 1995-1996. وهو عضو مؤسس في الجمعيّة الأمريكيّة للبيوطيقا والإنسانيّات.

{{[* بيتر سنغر:*]}}

بيتر ألبرت ديفيد سنغر ( مواليد 6 تموز – يوليو 1946 ) هو فيلسوف أسترالي. إنه أستاذ البيوطيقا في جامعة برنستون، وأستاذ في مركز الفلسفة التطبيقيّة والإثيقا العامة في جامعة ملبورن. سنغر متخصص في الإثيقا التطبيقيّة، وهو يقارب المسائل الإثيقيّة من منظور النفعيّة التفضيليّة العلمانيّة. حاز على كرسي الأستاذية في الفلسفة مرتين في جامعة موناش، حيث أسس مركز البيوطيقا الإنسانيّة. عرف سنغر بسبب كتابه تحرير الحيوان، الذي يعتبر على نطاق واسع حجر الأساس في حركة تحرير الحيوان. ينحدر سنغر من أبوين يهوديين من البندقيّة هاجرا إلى أستراليا عام 1938.

{{[*تحرير الحيوان:*]}}

عام 1975 نشر سنغر كتابه، تحرير الحيوان، الذي كان له كما أشرنا أثر كبير على حركة تحرير الحيوان. ومع أن سنغر يرفض الحقوق كأمثولة أخلاقية مستقلّة عن مفهومه للنفعيّة القائمة على المصالح، فهو يقبل بالحقوق بوصفها مشتقة من المبادئ النفعيّة، خاصة مبدأ إيصال المعاناة إلى الحد الأدنى. يقول سنغر إن حقوق الحيوان لا تعدل حقوق الإنسان، “فهنالك فوارق هامة واضحة بين البشر والحيوانات الأخرى، وهذه الفوارق توصل إلى بعض الفوارق في الحقوق التي لدى كل طرف”. يعتقد سنغر إذن أن مصالح كل الكائنات القادرة على المعاناة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار على نحو متعادل، وإنقاص الاهتمام بسبب النوع غير مبرر مثل التمييز بين البشر بسبب اللون. ويقول إن الحيوانات يجب أن تكون لها حقوق بسبب قدرتها على الشعور بالآلام أكثر من أن يكون ذلك بسبب ذكائها. وبشكل خاص، يبرهن سنغر على أنه في حين تظهر الحيوانات ذكاء أقل من البشر العاديين، فإن بشراً كثرا معاقين على نحو شديد يظهرون قدرة عقليّة تعادل بتضاؤلها، إن لم تكن أقل، قدرة الحيوان؛ بل يعتبر أن بعض الحيوانات أظهرت دلائل ذكاء يعادل ذكاء الأطفال من البشر، والذكاء بالتالي لا يقدّم أساساً لأن نولي الحيوانات من غير البشر عناية أقل من تلك التي نوليها للمعاقين من البشر. لذلك فهو ينتهي إلى أن الحل الأكثر عملانيّة هو تبني حمية نباتيّة

. {{[*: الإثيقيا التطبيقيّة:*]}}

في عمله الأشمل، الإثيقيا العمليّة، يحلل سنغر تفصيليّاً لماذا وكيف يجب وزن المصالح الخاصة بالكائنات. من أهمّ المصالح البشرية تجنّب الألم، تطوير المرء لقدراته، إشباع حاجياته الخاصة في الطعام والمأوى، الاستمتاع بعلاقات شخصيّة حارة، الحريّة في متابعة المرء لمشاريعه دون تدخّل، وغيرها. ويعتقد أن مصالح الكينونة يجب أن توزن دائماً وفق الصفات العينية لتلك الكينونة.

[* الإجهاض، الموت الرحيم وقتل الرضّع:*]

يعتقد سنغر، في نوع من الانسجام مع نظريته الإثيقية العامّة، أنّ حقّ العيش مرتبط جوهريّاً بقدرة الكينونة على امتلاك خيارات، التي بدورها مرتبطة جوهريّاً بقدرة الكينونة على الشعور بالألم والسعادة. من هنا، فهو يعترض على الإجهاض على أساس أنه من الخطأ أخذ الحياة من إنسان بريء؛ وأنه منذ الحمل وما بعد، الجنين بريء وحيّ وبشري.
يصنّف سنغر القتل الرحيم إلى طوعي، لا طوعي، وضد- طوعي. الموت الرحيم الطوعي مقبول بالنسبة له.

الرضيع، بالنسبة له، يفتقد الصفات الأساسيّة للشخصيّة – “العقلانيّة، الاستقلاليّة، ووعي الذات ” – لذلك فإنّ “قتل الرضيع المولود حديثاً لا يعادل أبداً قتل شخص، أي، كائن يرغب أن يستمر في العيش”.

يقدّم لنا كتاب سنغر، “إعادة التفكير في الحياة والموت: انهيار إثيقيتنا التقليديّة”، اختباراً آخر للمشاكل الإثيقيّة المتعلّقة بتقدّم الطبّ. وهو يغطّي قيمة الحياة البشريّة وصفة إثيقيا الحياة إضافة إلى مسألة الإجهاض ومواضيع إثيقيّة محط جدل أخرى.

{{[* الفقر في العالم:*]}}

واحدة من أشهر مقالات سنغر الفلسفيّة، المجاعة، الوفرة، والأخلاق، والتي يقول فيها إن جور من يعيش بوفرة زائدة عن الحد في حين يتضوّر غيره جوعاً لا يمكن الدفاع عنه أخلاقياً. وسنغر ذاته يقدّم 25 بالمئة من دخله لمنظمتي أوكسفام واليونيسيف. وموضوعة الأغنياء والفقراء يعالجها سنغر أيضاً في أحدث أعماله، ” الحياة التي يمكنك إنقاذها “.

{{[* : الجنس مع الحيوان:
*]}}

يقول سنغر إن العلاقة الجنسية بين الإنسان والحيوان يجب أن تظل غير قانونيّة، مادامت تسبب الأذى للحيوان؛ لكن الجنس مع الحيوانات لا يتضمّن الوحشيّة دائماً، “والأفعال التي تؤدي إلى الإشباع عند الطرفين” ذات الطبيعة الجنسية يمكن أن تصادفنا بين البشر والحيوانات. وأن الكاتب أوتّو سويكا يصفح عن أفعال كهذه. لكن الفيلسوف توم ريغان عارض هذا الموقف، وقال إن الكلام ذاته يمكن تطبيقه على الجنس مع الأولاد. وأكمل ريغان أن موقف سنغر هو نتيجة لتبنيه المقاربة النفعيّة إلى حقوق الحيوان، لا مقاربة تنطلق من التزام صارم بحقوق الحيوان. كذلك فالجمعية الإنسانية للولايات المتحدة تعتبر أن أي فعل جنسي مع الحيوان مرفوض، سواء أكان يتضمن أذى جسديّاً أم لا. مع ذلك، يعتقد سنغر أنه رغم كون الجنس بين نوعين ليس عادياً ولا طبيعيّاً، فهو لا يتضمّن اعتداء على مكانتنا ككائنات بشريّة، لأن الكائنات البشريّة حيوانات، أو بتحديد أكثر، ” نحن قرود عظيمة “.

{{[* السيكولوجيا الاجتماعيّة:*]}}

يعمل سنغر أيضاً في حقل السيكولوجيا الاجتماعيّة. وتتضمن مساهمات سنغر تفسير البحث العلمي في جذور الشعور، الغيريّة، والعلاقات البشريّة السلميّة. ومقالة سنغر، ” هل يمكن أن تفعل جيداً عن طريق أن تأكل جيداً؟ “، تختبر إثيقيا تناول طعام عُمل محليّاً.

{{[* البيولوجيا الارتقائيّة والسياسات اليساريّة:*]}}

يحدد سنغر، كيساري داروني، خطّة لأجل يسار سياسي لتبني دروس البيولوجيا الارتقائيّة. يقول سنغر إن السيكولوجيا الارتقائيّة توحي بأن الإنسان يميل بالطبيعة لأن يهتم بمصالحه الشخصيّة. بل بقول إن الدليل على كون الميول الأنانيّة طبيعيّة لا يجب أن يعتبر دليلاً على أن الأنانيّة صحيحة. ثم يختم بأن نظريّة اللعبة (الدراسة الحسابيّة للإستراتيجية) والتجارب في السيكولوجيا تعطينا الأمل بأن الناس الباحثين عن مصالحهم سيقدمون تضحيات قصيرة الأمد من أجل خير الآخرين، حين يقدّم المجتمع الشروط الصحيحة. وهكذا فإنّ سنغر يزعم أنه رغم امتلاك البشر أساساً لميول أنانيّة، تنافسيّة بطبائعهم، لديهم قدرة جوهرية على التعاون الذي اصطفي هو أيضاً من خلال الارتقاء البشري.

{{[* الميتا- إثيقيا والقضايا الأساسيّة:
*]}}

مع أن سنغر يركّز على مسائل الإثيقيا التطبيقيّة أكثر من كثير من الفلاسفة، فقد كتب أيضاً في العمق في مسائل أساسية في الميتا- إثيقيا، بما في ذلك السبب الذي يناقش ضرورة اختيار منظومة إثيقية دون غيرها. في عمله “الدائرة المتمددة”، يقول سنغر إن ارتقاء المجتمع البشري يدعم وجهة النظر النفعية للحياة. يقول بهذا الصدد: “في الجدل بين أعضاء جماعة متماسكة من كائنات عاقلة، مطلب السبب هو مطلب تسويغ يمكن القبول به من الجماعة ككل”. وهكذا، أخذ مصالح الآخرين بعين الاعتبار كان لفترة طويلة جزءاً من التجربة البشريّة. ويعتقد سنغر أن التحليل التأملي يمكن أن يقودنا الآن إلى القبول بمبدأ نفعي أكثر وسعاً وشمولاً. يقول سنغر: “إذا رأيت من منظور إثيقي أنني مجرد شخص أوحد بين عديدين في مجتمعي، ومصالحي ليست أهم، بمنظور الكل، من مصالح الآخرين المشابهة في مجتمعي، أنا جاهز لأن أرى، من منظور أكثر اتساعاً، أن مجتمعي ليس غير واحد بين مجتمعات أخرى، ومصالح أعضاء مجتمعي ليست أهم، من منظور أوسع، من المصالح المشابهة لأعضاء المجتمعات الأخرى “.

يطوّر سنغر هذا الرأي الذي يصوّر الذات بأنها مساوية للآخرين في المجتمع المحيط بتلك الذات لكنه في الوقت ذاته ينظر إلى مجتمعه على أنه متفوق جوهريّاً على المجتمعات الأخرى، الأمر الذي يؤدّي برأي سنغر إلى تنافر إدراكي مزعج.

يأخذ سنغر خطّاً بديلاً حول الحاجة للإثيقا مفاده أن عيش الحياة الإثيقية يمكن أن يكون، عموماً، أكثر إرضاء للنفس من البحث عن الكسب المادي. ومن ثم يستلهم التناقضية المتعلقة بالمتعة hedonistic paradox ، معتبراً أن أولئك الذين يركضون خلف الكسب المادي نادراً ما يجدون ما يصبون إليه من سعادة. وحين يكون لك هدف أوسع في الحياة، هذا قد يؤدّي بك إلى سعادة أطول عمراً. على هذا الأساس، السلوك النزيه في مسائل محددة يمكن تفعيله من خلال اعتبارات ذات علاقة بالمصالح الخاصة من منظور أكثر اتساعاً.

بعد هذا الاستعراض المختصر أحياناً، المطول أحياناً أخرى، والذي ألقى بعض الضوء على أبرز البيوطيقيين وأعمالهم وأفكارهم؛ نعود الآن محاولين إيجاز الأفكار المقدمة آنفاً، لتبسيط هذا المذهب لقرّاء قد يكون جديداً على مسامع بعضهم:

بالنسبة للمنظورات والطرائقيّة التي تتعلق بالبيوطيقا، فقد لاحظنا أن الخلفيّات الثقافيّة للبيوطيقيين متنوعة للغاية، فهم متمرسون في مدى متنوع من المذاهب. من أبرز البيوطيقيين الذين قاربنا بعضهم؛ نذكر: بيتر سنغر ودانيال بروك (الخلفيّة فلسفة)؛ مارك سيغلر وجوزف فنز (الخلفيّة طب)؛ جاكوب أبل ووزلي ج. سميث (الخلفيّة حقوق)؛ فرنسيس فوكوياما (الخلفيّة اقتصاد سياسي)؛ جيمس شلدرس (الخلفيّة لاهوت). وهذا الحقل، الذي سيطر عليه يوماً الفلاسفة المعياريّون، أضحى متعدد المذاهب على نحو تصعيدي، بل إن بعض النقاد يزعمون أن طرائق الفلسفة التحليليّة كان لها نتائج سلبيّة على تطوّر هذا الحقل.

بالنسبة لأهداف البيوطيقا ومجالات عملها، فكما لاحظنا في الفقرة السابقة من تعدد خلفيّات البيوطيقيين، لا بدّ أن يعقب ذلك أن يتضمن مجال البيوطيقا مدى واسعاً من القضايا البشريّة، بدءاً بالمعارك حول حدود الحياة (مثل: الإجهاض والموت الرحيم) حتى تأمين المصادر النادرة للرعاية الصحيّة (مثل وهب الأعضاء)، وصولاً إلى الحقّ بالتخلّي عن الرعاية الطبيّة لأسباب دينيّة أو ثقافيّة. غالباً ما يختلف البيوطيقيّون بين بعضهم حول الحدود الدقيقة لمذهبهم، ويتعاركون ما إذا كان لحقل البيوطيقا أن يشغل ذاته بالتقويم الإثيقي لكلّ المسائل التي يتضمّنها الطبّ وعلم الحياة، أو أن يكون جزءاً من هذه الأسئلة. بعض البيوطيقيين يضيقون التقويم الإثيقي بحيث يقتصر على دراسة البعد الأخلاقي للعلاجات الطبيّة أو الاختراعات التكنولوجيّة، وتوقيت العلاج الطبّي للبشر. غيرهم يوسّعون مدى التقويم الإثيقي ليتضمّن البعد الأخلاقي لكل الأفعال التي قد تساعد أو تضرّ بالعضويات القادرة على الإحساس بالألم أو بالخوف، ويضمنون داخل البيوطيقا كلّ تلك الأفعال التي لها علاقة بالطبّ أو البيولوجيا. لكنّ معظم البيوطيقيين يشتركون بنوع من الالتزام بنقاش هذه القضايا المعقّدة بطريقة نزيهة، متمدّنة، وذكيّة، باستخدام “وسائل” من مذاهب مختلفة “تغذّي” الحقل لإنتاج أطر تمتلئ بالمعاني من أجل التحليلات.

واحد من أوّل الحقول التي توجّهت إليها البيوطيقا المعاصرة هو حقل التجارب التي تجرى على الإنسان. وقد أسست اللجنة القوميّة لحماية الخاضعين من البشر للبحوث في الطبّ الحيوي والسلوك أصلاً عام 1974 لتحديد المبادئ الأساسيّة التي تشكّل أساس سلوك البحوث المسلكيّة والطبية الحيوية التي تتضمن دراسات على كائنات بشريّة. مع ذلك، فالمبادئ الأساسيّة الثلاثة التي أعلنها تقرير بلمونت (1979)، أي الاستقلاليّة والمنفعيّة والعدالة – أثرت بتفكير البيوطيقيين من خلال مدى واسع من القضايا. وقد أضاف آخرون مسألة اللا أذى، الكرامة البشريّة وقداسة الحياة على قائمة القيم الكبيرة هذه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق