البيوطيقا: سلطة التّقنية وتنافر القيم(16)

{{[* العلاقة بين البيوطيقا والدين:*]}}

{{ النص لكورتني س. كامبل}}

أخلاقية العلم والبحث الطبي كانت على الدوام هماً شاغلاً، لكن التشريعات الأخيرة، قوانين المحاكم وسياسات الحكومة في مسائل الإجهاض والخلايا الجذعيّة والمثليّة الجنسيّة قوّت النزاع.

الجماعات الدينيّة والعلماء يطرحون أسئلة. في الخريف، تم تحدّي مِنَح معاهد الصحة القوميّة بعد أن تساءل تحالف ديني محافظ ما إذا كان على الحكومة تمويل بحوث في أمور تتضمن الميل الجنسي. في شباط 2004، تم استبدال إثنين من أعضاء المجلس الرئاسي للبيوطيقا واللذين كانا على اختلاف مع آراء الرئيس بوش. في الشهر ذاته، أصدرت مجموعتان من العلماء تقريرين يحذّران من أن الأهداف السياسيّة لإدارة بوش سوف تقوّض أركان الأمانة العلميّة والبحثيّة.

لقد انتقل البحث الطبّيّ الحيويّ إلى مساحات تحدّد ما الذي يصنع كائناً بشريّاً، متى تبدأ الحياة البشريّة وكيف تُعَرّف الجنسانيّة البشريّة – مساحات كانت تعرّف تقليديّاً من قبل المنظورات الدينيّة والأخلاقية، والتي تتعارض فيها التقاليد الدينيّة المختلفة، كلّ مع الأخرى.

لا بدّ من الحديث إلى العلماء، الأكاديميين، الأطباء، الموظفين الحكوميين ورجال الكهنوت حول المسائل الأخلاقية التي تعنى بالعلم والطبّ وكيف تؤثّر بها الاعتقادات الدينيّة. الهيئة الأخلاقية في المشافي هي مصدر هام للقضايا التي تحتلّ صدارة الصورة. كيف يمكن للبلد [الولايات المتحدة] أن يوازن بين الجهود العلميّة والمسائل الضميريّة التي تتضمنها الاعتقادات الدينيّة؟ هل العلم والدين طرفا نقيض على الدوام؟ في دولة تفصل بين السياسة والدين، كم يمكن للمشاغل الدينيّة أن تؤثّر بتمويل الدولة للبحث العلمي، إن كان يحق لها ذلك بأية حال؟ أي بحوث تموّل الدولة في منطقتك؟ كيف يصارع العلماء في منطقتك القضايا الدينيّة، سواء التي تخصّهم أو تخص الجماعة ككل؟

إن وجود أناس عندهم قضايا طبيّة يمكن لحالتهم أن تضيء على الطرفين المختلفين للمعركة – مثلاً، عائلة تقتضي اعتقاداتها الدينيّة بحثّاً محدداً في مسألة الخلايا الجذعيّة يمكن أن يقود إلى شفاء أحد أفرادها من مرضه.

قبل ثلاثين سنة، قاد المفكّرون الدينيون الحقل الوليد للإثيقيا الطبيّة التطبيقيّة. لكن حقل البيوطيقا الأكاديمي، إضافة إلى النقاشات ضمن مؤسسات الرعاية الصحيّة، صار باضطراد أكثر علمانيّة. يشكو بعضهم من استبعاد الدين من النقاشات الأخلاقية المتعلّقة بالرعاية الصحيّة، متسائلين لماذا حصل ذلك أو مندهشين من الفارق الذي قد تودي إليه الأصوات الدينيّة. هل سيحسّن ذلك من العناية بالمرضى؟ أو سيسهّل من عمل اللجان الإثيقيّة؟ هل سيتصرّف محترفو العناية الصحيّة أو مؤسساتها على نحو مختلف إذا أخذوا القناعات الدينيّة بعين الاعتبار أكثر؟

هيوستن سميث، باحث في أديان العالم، لاحظ أن “الرمزيّة هي لغة الدين عموماً؛ إنها تعني بالنسبة للدين ما تعنيه الأرقام بالنسبة للعلم”. حين يُحرم دين من رموزه، “قواعده النحويّة”، فسوف يجد نفسه معاقاً على نحو متميّز في محاولته إيصال تعاليمه للآخرين. والواقع أنه في منظور هام، التقاليد الدينيّة تسوّق على نحو رمزي للغاية إلى درجة أنه يمكن اعتبار جهود التواصل دون رموز، إن من أفراد الملّة أو من الذين خارجها، شيء بلا معنى – مثل التعدي على قاعدة نحويّة أو ألسنيّة.

أبدأ بهذه الملاحظات البسيطة لأنه في اعتقادي أن التأكيد على دور الرموز والرمزيّة كجزء حيوي من التجربة الدينيّة يمكن أن يمكننا من تأكيد سمات تطرح حولها علامات الاستفهام في الحقل المعرفي موضع التنافس الحالي بين التعاليم الأخلاقية الدينيّة، حقل البيوطيقا الاحترافيّة، وتفاعلهما في عالم السياسة العامة. باستخدام أمثلة من المعارك في الأدب البيوطيقي، أقول إنّ الحديث المهيمن على البيوطيقا الاحترافيّة يجد منظوماتيّاً أنّ القواعد الأساسيّة والرمزيّة للتعاليم الدينيّة الأخلاقية غير وافية، ويقلل من أهميتها روتينيّاً كمصدر للحكمة الأخلاقية من أجل صانعي السياسة العامة. الحديث البيوطيقي مكوّن إلى حد كبير من عقلانيّة مفسّرة بشكل محدّد ومعيّن. التخلّي عن هذا التحامل سيجعل الحديث البيوطيقي الاحترافي أكثر شموليّة، ترحيباً وانفتاحاً على المساهمات الأخلاقية من التقاليد الدينيّة الأخلاقية.

لا بدّ من الإقرار في البداية أنّ البيوطيقا الاحترافيّة هي المساحة الوحيدة قطعاً التي تتقاطع فيها المجالات الدينيّة، السياسيّة، والأخلاقية. والحقيقة أنه في سمات محددة، أعتقد أن ما يلعب الدور في المستوى الاحترافي والسياسي غالباً ما يصوّر في العالم الصغير للصف البيوطيقي الأكاديمي.

{{[*

الحدود الرمزية:*]}}

لكنّ خارج نطاق سياق الصف، يبدو أن الدين والبيوطيقا متشابكان في سياقات مليّة مختلفة عديدة، والتي تتضمّن كياناً إكليريكيّاً، موضعاً اكلينكيّاً، مؤسسة رعاية صحيّة، منتديات مدنيّة، قضايا تشريعيّة، وتشكيل السياسة العامّة. وهكذا، فإنّ “معضلة” تشابك العلاقات بين التعاليم الدينيّة الأخلاقية، حديث البيوطيقا الاحترافيّة، قد تكون تجريدية إلى حدّ ما، منتزعة من سياقاتها العمليّة حيث يعتمد شيء ما فعليّاً على حل المعضلة. لكن في ظروف أخرى، متداخلة على هذا المستوى المجرّد يمكن أن توضح جيداً السياقات والمسائل المتنازع عليها في المواضع العمليّة. على الأقل هذه هي الفرضيّة التي تقوم عليها هذه المقالة.

{{[* العقلانيّة الذرائعيّة والعقلانية الرمزيّة:*]}}

إن مفهوم الرمز هو بحد ذاته موضع جدل. وسوف لن أحاول حلّ ذلك الجدل هنا، لكني سأشير ببساطة إلى المعنى الذي استخدم فيه المصطلحين “رمز” و”عقلانيّة رمزيّة”. الكائنات البشريّة هي كائنات صانعة للرموز، كما أشار الفيلسوف إرنست كاسيرر. فجزء من طبيعتنا تكوين وصنع الرموز؛ والأحرف المستخدمة في هذه الجملة هي رموز بحد ذواتها. بقدر ما يلتمس أي حديث تمييز واستبعاد الرموز من الاعتبار، يفترض مقدماً أن أنتروبولوجيا فلسفيّة هي إلى حد ما متغرّبة عن الناس الذين نعرف أننا منهم. نحن لسنا فقط نبني رموزاً بل أيضاً نقابلهم ونستجيب لهم كل يوم. أحد الرموز المشتركة في الحياة العامة الأمريكيّة هو العَلَم. ومثل كل الرموز، العلم يجعل عينيّاً شيئاً هو مجرّد. العلم يمثّل أفكاراً معيّنة حول الوحدة والديمقراطيّة، والمساواة والحريّة، والتضحيات التي قدّمت من أجل الوصول إلى هذه الأمثولات. نحن نستعمل الرموز أو نستجيب لها لأنها تنقل معنى، وهي تنقل معنى بفعاليّة أكبر لأنها تمثيلات عينيّة أو لأنها تمثيلات للمجرّد. الرموز فاعلة بقدر ما تنقل معان ليس فقط عبر تحريض الوعي الإدراكي أو الفهم، بل أيضاً عبر تشكيل وإحداث الأحاسيس والمشاعر. هذا يعني، أن الرموز الفاعلة تتضمن الشخص ككل وتسبب استجابة. يمكن لهذه الاستجابات أن تختلف فيما بينها: العَلم يمكن أن يستثير مشاعر التبجيل، الولاء، أو التقزّز – المشاعر الأخيرة بسبب الفجوة بين الأمثولات والمعاني التي يمثّلها العلم والممارسات السياسيّة الفعليّة – لكنه لا يمكن أن يستثير مشاعر اللامبالاة على الأرجح.

تتموضع الرموز أيضاً ضمن سياقات اجتماعيّة وتاريخيّة. هذا يعني أن المعاني التي تحملها والاستجابات التي تستثيرها يمكن أن تختلف بحسب التاريخ المجتمعي الذي هو جزء لا يتجزأ من جماعة أو ثقافة. يمكن لعلم أن يستثير الفخار وشعور الاستمرارية التاريخيّة لجماعة ما، أو يمثّل الكراهية والقمع لجماعة أخرى؛ كالغضب الذي رأيناه في العرض العام في بعض الولايات الجنوبيّة في معركة العلم الكونفدراليّة. من هنا فمعاني الرموز ليست أحادية المعنى، وهي مسألة هامة في البيوطيقا.

الجماعات الدينيّة، كما يقول سميث، منتظمة جيداً في الرموز وحتى في منظومات الرموز. الخبز والخمر، ضمن سياق مسيحيّ، يصبحان بؤرة العبادة الليتورجيّة. يمكننا تقصّي رموز مشابهة ضمن كل التقاليد الدينيّة والجماعات الإيمانيّة. الرموز الدينيّة هامّة، وبهذا المعنى فهي لا تنقل معنى فحسب بل تشير إلى مسائل مطلقة الأهميّة في الحياة البشريّة، مسائل من السوية العليا وعلاقات من الطبائع الأهم. بهذا المعنى أستخدم عِلم مصطلحات الرموز والعقلانيّة الرمزيّة في هذه المقالة. فالرموز تنقل معان وتستثير ردات فعل تتضمّن الذات المتضمّنة كلّها؛ فالرموز ضمن التقاليد الدينيّة تنقل معاني المطلق، تستثير ردات فعل متميّزة كالخوف، وتمكّن من اكتشاف الذات الذي يعبّر عن أبعاد روحانيّة. يمكن لرموز كهذه أن تتمثّل فنيّاً أو يمكن تجسيدها ووصفها بشكل استطرادي، مثلاً، فهم الطفل كعطيّة أو كشخص مخلوق في صورة إلهيّة. الرمزان على حد سواء يشيران إلى مسائل الإطلاق والهويّة، فيخلقان مواقف وأفعال الرعب، التعاطف، والاحترام، ويصوغان ارتباطات أعمق وأكثر معنى من الارتباطات مع الغرباء أخلاقياً. في التفكير بشأن كيف يمكن دمج الرموز ضمن النماذج الاستطراديّة للبيوطيقا الاحترافيّة، من الحيوي أن نرسم حدّاً فاصلاً والذي حدده للمرّة الأولى مؤسس علم السوسيولوجيا الحديث، ماكس فيبر. فقد ميّز فيبر بين نمطين من العقلانيّة يميّزان نماذج التفكير في الحقول السياسيّة، العلميّة، والاقتصاديّة.

أول هذين النمطين، Zweckrationalitat، هو صيغة تفكير عامة والتي يكون فيها الهدف تحديد الوسيلة الأنجع والأفعل للوصول إلى هدف معيّن. الأهداف بحد ذاتها تقع ماوراء التدقيق السياسي بل ربما الأخلاقي؛ المسألة المركزيّة تدور حول وسائل اختبار متبدّلة بالنظر إلى فعلها وفعاليتها.

وهكذا فإن أنموذج Zweckrationalitat ذرائعي ونفعي. الوسائل ذرائع لإحراز أهداف بعينها. هذا الشكل من “العقلانيّة الذرائعيّة” يبدو قسريّاً في موضع سياسة عامة حيث تعتبر نهايات بعينها أو بضائع بعينها ضروريّة من أجل مجتمع مزدهر، مثل الدفاع المدني والقومي، التعليم، والنقل. هذا النوع من التفكير أيضاً الذي يسيطر على الحديث البيوطيقي الاحترافي يتولّى مسائل السياسة العامّة. يركّز البيوطيقيون انتباههم على مسائل مثل كيف يمكن للمجتمع أن يفرض الإجراءات لزيادة مخزون الأعضاء أو الأنسجة القابلة للنقل، يفعّلون تطوير وتطبيق المعرفة المتولّدة عن الدراسات البحثيّة العلميّة، أو تنقية صيرورات التشكيل المقبولة للتأكّد من أن الأشخاص مزودون بمدى واسع من الخيارات لتفعيل خطط حياتهم كجزء من سعيهم العام وراء السعادة.

هنالك مسائل قليلة جداً في البيوطيقا والتي لها مضامين لها علاقة مباشرة بالسياسة العامّة والتي فيها الحديث غير محكوم بأنموذج العقلانيّة الذرائعيّة التي وضع فيبر خطوطها العامّة. في رأي فيبر، التفكير الذرائعي هو جزء من الصيرورة العامة للعلمنة في الثقافة الغربيّة التي يعبّر عنها في لغته بمصطلح ” العقلنة rationalization “. العالم المعقلن يصبح قابلا للشرح وتزول عنه صفة التلغيز من خلال الفكر العلمي. النماذج الذرائعيّة من التفكير لا تتلاءم مع وجهات النظر التي تمتحن قيمة فطريّة أو متأصّلة؛ الوسائل بحد ذاتها ليست أهلاً بالتقدير جوهريّاً، بل تستمد قيمتها من التحقيق الوافي والفاعل للأهداف المرغوب بها المولّدة من قبل الإرادة والمصلحة البشريين. في تشخيصه لعقلنة العالم المعاصر، يرفض فيبر ضمناً الأنموذج الآخر من التفكير، أي ذلك الذي يتواءم مع التقليد الديني لا العلمنة، مع القيمة الباطنيّة للأفعال أكثر منها الظاهريّة، ومع الجماعات المتبؤرة أخلاقياً أكثر منها مع السياسة العامة للغرباء الأخلاقيين. ويسمّي فيبر هذا الأنموذج من التفكير Wertrationalitat. الوسائل ليست غير هامّة في هذا الأنموذج الثاني من التفكير، لكن لا يمكن اختزال الوسائل للغايات إلى مجرّد استراتيجيات تقنيّة. عوضاً عن ذلك، في نماذج “القيمة – العقلانيّة” للتفكير، التركيز يتموضع على ما هو أخلاقي من سلوك وقيم ومواقف، وفضائل التي يعبّر عنها في السلوك، بمعزل عن ثمرته في الغايات المرغوبة.

يوضح جيمز ف. شيلدرس الفرق بين شكلي التفكير اللذين أشار إليهما فيبر: “السلوك هو قيمة – عقلانيّة تتضمن مسائل القيمة، الفضيلة، الشخصيّة والهويّة التي لا يمكن اختزالها بسهولة إلى غايات، تأثيرات أو حتى قواعد السلوك الصحيح. هنالك بالتالي فرق هام بين إدراك هدف [عقلانيّة ذرائعيّة] والتعبير عن قيمة، موقف، أو فضيلة”. وفي هذا الجهد للتعبير عن قيم من خلال سلوك أو سياسة تبدو الرموز والعقلانيّة الرمزيّة هامتين للغاية. وبعكس آراء بعض البيوطيقيين، العقلانيّة الرمزية بحد ذاتها هي شكل للحديث العقلاني. الرموز، الاستعارات، والتشبيهات – كلها أجزاء من العقلانيّة الرمزيّة – تفترض رأيا بالعالم تكون فيه الرموز تعابير أخلاقية مترابطة منطقيّاً. وحين يستأصل الرمز أو الاستعارة من سياقهما أو رؤيتهما العالمية الأخلاقية التكوينيّة – نأخذ مثلاً، الطفل كعطيّة – ويقحمان في سياق مختلف أخلاقياً، مثل السياسة العامة، يمكن للرمز أن يفقد معناه. العقلانيّة الذرائعيّة، بالمقابل، تلتمس نوعاً من الطلاق بين غاياتها، وسائلها، وأية آراء عالمية في خلفيّة الصورة. إن مثالاً أخيراً يمكن أن يضيء بحيويّة أكثر على التعارض والتفاعل بين العقلانيّة الذرائعيّة والعقلانيّة الرمزية. ففي عام 1987، قام جون كيتزهابر، رئيس الهيئة التشريعيّة في ولاية أريغن، بتقديم دعم مادي غير مسبوق للعناية الصحيّة. فقد لاحظ كيتزهابر أن الولاية كانت ستتلقّى نحواً من 3,3 مليون دولار معونة طبيّة فيدراليّة والتي كانت تخصص تقليديّاً من أجل المساعدة في زرع الأعضاء الصلبة. وهكذا فالنقود كانت تقدّم الدعم سنويّاً لنحو من أربعة وثلاثين شخصاً من الذين تجرى لهم عمليّة زرع أعضاء. نافح كيتزهابر من أن التمويل ذاته بإمكانه عوضاً عن ذلك أن يستخدم من أجل العناية الصحيّة الوقائيّة بدل الطب الإنقاذي. بمثل هذا العمل يمكن الإفادة من منافع اللقاحات، التحصينات، والفحوص الطبيّة الأكثر تكراريّة لنحو من 1500 امرأة حامل وأطفال من عائلات من ذوي الدخل المنخفض والذين لولا ذلك لوقعوا في هاوية العوز الطبي. اقتراح كيتزهابر كان أنموذجاً للتفكير الذرائعي. إن الفائدة الاجتماعية من تقديم رعاية طبيّة نوعيّة أفضل بما هو قابل للجدل حين نلبي حاجات 1500 شخص من الرعاية الطبيّة الأساسيّة من تقديم نقل أعضاء لنحو من 34 شخصاً، حتى لو أن الأخيرين يتلقون فائدة هي إنقاذ الحياة. وافقت الهيئة التشريعيّة في أوريغن ومررت اقتراح كيتزهابر، مستهلة بذلك بدايات تجربة الولاية مع الرعاية الصحية الموزعة باعتدال ومقدّمة الأساس السياسي لما أضحى بعد ذلك يدعى خطة أوريغن الصحيّة لبدايات تسعينات القرن الماضي، والتي كان الأبرز فيها معايير استخدام كافية وفاعلة للمصادر القليلة للرعاية الصحيّة.

مع ذلك، رغم بعض النجاح في امتداد خدمات الرعاية الصحيّة إلى أشخاص والذين كانوا دونها سيبدون غير مؤمّنين، فإن خطة أريغن الصحيّة لم تختبر خياراً واسع المدى والذي تم التنبؤ به مع استهلالها. إنها غير وافية طبيّاً لأنه ليس من الممكن تقصّي كل الأمراض ومنعها؛ فبعضها ينشأ من علل مجهولة أو أنه من أصول متعددة العناصر. كذلك قد لا تكون وافية أخلاقياً، بقدر ما أن المنافع الوقائيّة يجب أن توزن مقابل الأضرار وحرمانات خسارة الخيارات الاستقلاليّة. أخيراً، فإن أقساماً قديمة بعينها، خاصة تلك المتعلقة بنقل الأعضاء، تم إرجاعها إلى وضعها السابق، لأن الولاية بدت حتى ذلك الوقت غير راغبة باختزال القرارات حول ما إذا كانت ستخصص أموالاً يمكن أن يكون لها تأثير مباشر في إنقاذ حياة بشريّة إلى مسألة بفعالية مكلفة. وهكذا، ففي سياق التفكير في أورغن، تم تحديد وتقييد العقلانيّة الذرائعيّة من قبل قيمة أو عقلانيّة رمزيّة.

غالبا ما يكون السؤال في السياسة العامة للبيوطيقا هو كيف سنصل على نوع مناسب من التوازن بين الأشكال الذرائعية للعقلانيّة والصيغ الأكثر رمزيّة، بما فيها تلك المستمدة من التقاليد الدينيّة. مع ذلك، فالأدب البيوطيقي يكشف عن جهد مؤكّد من أجل تأسيس أولويّة أخلاقية للعقلانيّة الذرائعيّة، وتقليل انطباعات الجذب الرمزي. وعلى أمل توضيح كيف أن – إذا كان علم نحو الدين عرضة للريبة فلسفيّاً – حجج التقاليد الدينيّة متجاهلة في الحديث البيوطيقي، سوف نفحص ثلاثة نماذج في هذا الاتجاه.

{{[* 1 – الجثة: العقلانيّة الرمزية بوصفها قاسية ومجرّدة!*]}}

المثال الأول على نقد العقلانيّة الذرائعيّة للعقلانيّة الرمزيّة قدمه جويل فاينبرغ، وهو فيلسوف شرائعي، في جدله مع وليام ف. ماي، وهو أخلاقي مسيحي، حول الطرق المقبولة للحصول على عضو من أعضاء الإنسان. فبشكل عام، يدعم ماي التبرّع ويجادل حول كيف يمكن أن يكون مقبولاً إن في التقاليد الدينيّة أو في التقاليد غير الدينيّة. لكن فاينبرغ يؤكّد أن المنح سوف تثبت أنها غير كافية لتلبية حاجات الطلب على الأعضاء المطلوب نقلها وأن الهدف الاجتماعي للتزويد المتزايد بالأعضاء يمكن تلبيته بشكل أفضل عبر سياسة مستردات مقبول افتراضاً أو حتى روتيني. Salvage. يقدّم فاينبرغ مثلاً مباشراً على العقلانيّة الذرائعيّة للوصول إلى هدف التدبير المعزّز، في حين ينافح ماي عن فكرة أنه من الأفضل أخلاقياً لسياسات التدبير أن تعبّر عن قيمة، مثل منحة أو أعطية، حتى لو يتم الوصول إلى الغاية.

النزاع ببساطة ليس حول شكل نقل الأعضاء، لكنه أساساً حول نوع الاحترام الذي يستحقه الجسد والجثّة البشريّة. ينافح ماي بأن الجثة لها علينا مطلب أخلاقي: “حتى في الموت، هي تتطلّب الاحترام. ومع أنها لم تعد حضوراً بشريّاً، فهي تذكّرنا مع ذلك بذلك الحضور الذي كان يتخللها ذات مرّة”. وهكذا، كما يعتقد ماي، من الأساسي تجنّب التعامل مع الجثمان البشري بتعجرف وعدم احترام، كما تتضمن أشكال استرجاع العضو غير الممنوح. وهذا يقود فاينبرغ إلى السؤال: بأي معنى الجثمان” يساء التعامل معه”؟

جواب فاينبرغ على هذا السؤال يقرّ بأهميّة الرموز للحياة الشخصيّة وللاستقرار الاجتماعي. لا نستطيع امتلاك فرديّة متماسكة أو حياة جمعيّة دون أن نفيد أنفسنا من الرموز وأشكال التفكير الرمزيّة. لكن انشغال ماي باحترام الجثّة البشريّة، لا يعكس اعتماداً مناسباً على الرموز بل “الشرك الأخلاقي للنزعة إلى العاطفة والوسوسة”. هذا الشرك مكون من احترام الرموز على حساب القيم التي ترمز تلك الرموز إليها. وفي حالة الجثّة البشريّة، تحذير ماي من ضرورة احترام الجثّة كرمز للشخص يهمل الحقيقة القائلة إن حياة أشخاص كثيرين يمكن إنقاذها عبر شكل للتزويد بالأعضاء أكثر نجاعة من التبرّع.

إن معضلة العاطفيّة الأخلاقية، كما يصوّرها فاينبرغ في سياق تامين الأعضاء، هي أن الاهتمام الأساسي بالحياة وتطويل العيش يخضع للرمزيّة أو العاطفة، خاصّة رغبة المتبرعين في فهم نقل أعضاء الجسد بطريقة رمزيّة معينة، أي بطريقة المنحة. وهكذا، فالرمز الثاني موضع التساؤل في هذا الجدل يتعلّق بشخصيّة أعضاء وأنسجة الجسد التي تؤخذ من الجثّة. فاينبرغ لا يعترض بالضرورة على المنح أو العواطف، لأن ذلك سوف يعكس أحد أشكال التجرّد من الإنسانيّة؛ لكنه يلاحظ بنظر ثاقب أن الأخلاقيين الموجهين بقصّة المنحة مثل ماي وغيره، خاصة في صفوف التقاليد الدينيّة، يحتاجون إلى “من يذكرهم بالقوة”، أنه في “حين أنهم يميّزون بين الرموز والعواطف، هنالك أناس خارجهم يعانون ويحتضرون”. باختصار، يدعي فاينبرغ أن ماي متورط في تبجيل مجرّد لاحترام الجسد والذي ينمّ عن قساوة قلب أساسيّة حيال الحياة البشريّة.

وهكذا، تتضمن العاطفيّة فعلاً ضد أو معاكساً للمصالح الواقعيّة على أساس من استجابة عاطفيّة/ شعوريّة مبالغ بها “لرموز مجرّدة”. ولهذه المعضلة وجهان: الأول هو أن الاستجابة العاطفيّة متناقضة عقلانيّاً لأنها تنتهك المصالح المنطمرة في الرمز. إن مسألة المنحة أو الأعطية لعضو أو نسيج من الجسد هي لحفظ الحياة وإراحة المعانين. إن ملحقاً نيقاً برمز العطيّة أو الجسد كصورة لله، كما تُعكس كنقيضة لأعطية مسلّم بها، ينتهك الاهتمامات بقداسة الحياة وإراحة المعانين التي على الرمز تقديمها. لا يستطيع نقل الأعضاء، كما يؤكّد فاينبرغ، إساءة التعامل مع الجثّة ولا يسبب لها المعاناة، بل إن سياسات نقل الأعضاء المقيّدة حصراً بأشكال المنح تسرمد معاناة أفراد كثر. ثانياً، الرموز، بطبيعتها، تم تجريدها من العالم العملي، عالم القرارات الواقعيّة، حيث يعيش الناس ويموتون. ودون اهتمام لكيفية تشابهها في الصيغة، أو كيفيّة استحقاقها لاحترامنا الأخلاقي، تقديم الاحترام الخير للجثّة سيأخذ أولويّة أخلاقية على حاجات إطالة الحياة للمريض الذي يتم نقل الأعضاء إليه.

إن ما يقوم به فاينبرغ من “مراقبة عقلانيّة” للمشاعر يستدعي سيطرة للعقلانيّة الذرائعيّة على العقلانيّة الرمزيّة. الرموز عن قصد وبما لا يمكن تجنبه مثيرة للعواطف؛ والجثّة البشرية يمكن أن تجرّد العواطف من الألم والاشمئزاز، لكن نادراً ما تجردها من اللامبالاة. مع ذلك فهذه العواطف ليست أدلاء كافيين من أجل الوصول إلى صنع قرار أخلاقي أو سياسة عامّة. هنالك في الواقع فرق هام بين (آ) الإقرار بالرمز كرمز – مثلاً، الجثّة كرمز للشخص، وليس فقط كعضو أو نسيج فائضين، أو نسيج كأعطية أكثر منه مورداً – (ب): اختبار تحريض شعوري أو خلق استجابة لرمز الألم والخيريّة في صيرورة العطيّة أكثر منه خدمة تجاريّة روتينيّة – و (ج): السياسة المعتمدة على التفضيلات الرمزيّة.

من المهم هنا، أنه رغم براهين فاينبرغ، ففي نهاية الأمر تبدو سياسة الولايات المتحدة في مسألة تأمين الأعضاء إضافة إلى آراء غالبية مواطنيها، منحازة أكثر إلى موقف العطيّة الذي يدافع عنه ماي. والعقلانيّة الذرائعيّة الجامحة تبدو باردة الدم للغاية في استخدامها المقترح للجسد البشري. يمكن لفاينبرغ أن يزعم أن المشاعر تضّل من تقوده، وأنه على الشعب أن يقّف ليخرج من اعتقاداته الخاطئة بشأن الجثث ويدرك الأغراض الاجتماعيّة العظيمة التي يمكنها تسهيلها.

مع ذلك، لا شك أنه من الغريب أن نرسي دعائم سياسة نقل الأعضاء على الشأن الرمزي وحده حول احترام الجثة في حين يعيش أناس على شفا الموت بانتظار نقل عضو لهم. قيم أخرى تسند حالة الهبة، بما في ذلك التعاطف العائلي، علاقات الملّة والتضامن. التضرع الإنساني لإنقاذ الحياة يمكن أن يظهر صيغته الخاصة اللا إنسانيّة: سوف يتطلّب غلاظة قلب لا تعاطفيّة لإعلام عائلة مكظومة ومتألمة أنه لأسباب الفائدة الاجتماعيّة ليس لهم رأي في مسألة التصرّف بجثّة قربيهم. أو، كما لاحظ ماي في واحدة من كتاباته الأولى، هنالك “مسحة من اللا إنسانيّة في المذهب الإنساني عند أولئك الذين يعتقدون أن هنالك تصوّراً لحاجة اجتماعيّة تبطل كل الاعتبارات الأخرى”. وكما سيصوّر في الأنموذج التالي حول المعركة بين العقلانيّة الذرائعيّة والعقلانيّة الرمزيّة، فالإبقاء على مشاعر ورموز أساسيّة يؤخذ من قبل بعضهم على أنه أساسي للاحتفاظ بإنسانيتنا، حتى لو أن أهدافاً اجتماعيّة أوسع تمت عرقلتها بذلك.

{{[*أنابيب التغذية: تغذية بشر أم رموز!*]}}

إن أخلاقية سحب الأدوات الطبيّة التي تمد بالغذاء والماء من مريض مؤقت أو دائم تقدّم لنا مثالاً توضيحياً ثانياً على الصراعات بين العقلانيتين الرمزية والذرائعيّة. وفي حين أن القانون والبيوطيقا حلا عموماً هذه المسألة في العقد الأخير لصالح حق المريض في للتخلّي عن هذا العلاج، يظل قراراً صعباً بالنسبة للعائلة وبعض المهتمين بسبب الرمزية المتوضعة في توقيف التغذية. وكون هذا النزاع كشف عن ذاته ضمن أدب البيوطيقا، البراهين ذات الشأن ليس فقط الآراء المتعارضة، مثل ما إذا كان مطلباً أخلاقياً رفض التغذية والشرب المقدمين طبيّاً، بل أيضاً الصراع حول الأهميّة الأخلاقية لرموز أساسيّة، مثل الرعاية، التغذية، والموت جوعاً، وأخيراً حول شرعيّة العقلانيّة الرمزية بحد ذاتها.

استهل الجدل في البيوطيقا عبر مقالة محكمة الحصافة كتبها جوان لين، طبيب، وجيمز ف. شيلدرس، كاتب في علم الأخلاق، والتي دافعت عن الشرعيّة الأخلاقية، في حالات نادرة، لإبقاء أو سحب الطعام والشراب المقدمين طبيّاً. لين وشيلدرس أقاما برهانهما على مبادئ من الاستقلاليّة والمصلحة، والاستمرارية المفاهيميّة بين أشكال رفض العلاج المقبولة اجتماعيّاً والتخلّي عن الطعام والشراب. بالنسبة للكاتبين، الوسائل الطبيّة والتكنولوجيّة التي كان يقدّم العلاج عبرها كانت أهم بما لا يقارن من العلاج الفعلي ذاته بلغة الشرعيّة الأخلاقية للرفوض. باختصار، تحليلهما يعتبر أن الرفض العلاجي وسيلة كافية وفاعلة للوصول إلى نهاية مرغوبة: لا إطالة لصيرورة الموت عند مرضى لا يمتلكون أدنى أمل بالتعافي.

كتب الفيلسوف دانيال كالّاهان ردّاً على رأي لين- شلدرس استلهم فيه العقلانيّة الرمزيّة. وجد كالّاهان نفسه متردداً في الإقرار بالمنطق الأخلاقي القسري في الموقف المقدّم من لين-وشلدرس. مع ذلك، عبر كالّاهان عن همه بأن مبادئ الاستقلاليّة والمنفعة، المعالجين بالكامل، كانا سيتضمنان أكثر بكثير من الظروف النادرة لرفض العلاج التي صورها لين وشلدرنس. بشكل خاص، أكّد كالّاهان أن الحق الأخلاقي المسوغ حديثاً لرفض العلاج كان سيتطوّر إلى واجب المنع. هكذا انحدار إلى المنحدر الزلق كان ممكناً بسبب منطق العقلانيّة الذرائعية التي حتمت العقلانيّة الرمزيّة التي دعمت عرف تغذية المرضى المتعبين في المقام الأول.

في الواقع فإن العقلانيّة الذرائعية التي تشكل أساس موقف لين- شلدرس يمكن أن تحض، كما حاول كالّاهان أن يبرهن، على تبدّل درامي في العرف الطبي وفي الأخلاق الاجتماعيّة لأنها تضع نصب عينيها هدفاً هو الشعور الأخلاقي المركزي والغريزة الاجتماعيّة الضروريّة، لإطعام الجائعين. «إطعام الجائعين … هو الأكثر أساسيّة بين كل العلاقات الاجتماعيّة. إنه الرمز الكامل لحقيقة أن الحياة البشريّة هي اجتماعيّة وجمعيّة بما لا يمكن النجاة منه».

أكثر منه معاد تثقيفه بالفلسفة الأخلاقية الذرائعيّة في التواؤم مع الواجب أو التفويض الاجتماعي بالموت، ألح على أن “عنقود المشاعر والأحاسيس الذي ينفر من فكرة أن يعاني شخص حتى الموت” كان العائق الوحيد للعرف المعقلن طبيّاً وأخلاقياً في تسبيب الموت غير الطوعي عبر توقيف التغذية. كالّاهان اعترف أن ثمة عرفاً يمكن أن تدعمه “عقلانيّة قاسية” ومنطق، لكنه أنذر بنتائج اجتماعيّة وخيمة.

بعد أن أعلن كالّاهان مباشرة عن مشاغله حيال حت رمز أخلاقي أساسي عبر قرارات لا علاجيّة، أخضع شيلدرس موقف كالّاهان لنقديّة شاملة للغاية والتي تم فيها تحدي شرعيّة العقلانيّة الرمزية. والحقيقة أن شيلدرس يقترح بنوع من الحدة أن دعم كالّاهان لتغذية المحتضرين هو مغامرة “بتغذية رمز” أكثر منه تقديماً لغذاء نافع للمرضى. في الواقع، في ظروف محددة، الاستمرار في التغذية يمكن أن يسير بعكس مصالح المرضى الفعليين.

يقر شيلدرس على الأقل باللجوء إلى الرموز في المعركة الأخلاقية في صيغة الجدليّة العقلانيّة. لكن شيلدرس يعيد بناء مقاومة كالّاهان لسحب الغذاء والماء، كما يتم تملقها من قبل العديد من المشاعر والأحاسيس الأخلاقية، كشكل لنفعيّة “الرمز”. ذلك يعني، إنها تكشف عن نوعيّة العقلانيّة الذرائعية التي يزعم كالّاهان أن يبرهن ضدها بالذات. ويزعم شيلدرس، أن نفعيّة الرمز تعمل بطريقة مشابهة للحكم بالنفعيّة: حتى لو أن أفعال عدم تغذية المرضى الخطرين يمكن أن تكون مسموحة، وهي نقطة يسلّم بها كالّاهان، الفعل يجب مع ذلك أن لا ينجز لأنه عبر التكرار سوف يصبح عرفاً اعتياديّاً، وهكذا حتى رمز العناية المجتمعيّة للجائعين المعبّر عنها من خلال الإطعام. بالمقابل، فإن نفعيّة الرمز تؤكّد أن التمسّك برموز الرعاية والإطعام توصل بأفضل ما يمكن الرعاية الاجتماعيّ إلى حدها الأقصى، لأنها تعبّر عن مشاعر وأحاسيس والتي هي، برأي كالّاهان، غرائز اجتماعيّة ضروريّة.

لكنه شيلدرس، مثل فاينبرغ، يبني المسألة بلغة التعارض بين الأخلاقية الرمزيّة والأخلاقية القائمة على المصلحة. المرضى الفعليّون الذين مصالحهم أو تفضيلاتهم، بما في ذلك صيرورة موت مختصرة وموت لطيف، سوف ينتهكان أو يضرب بهما عرض الحائط من قبل نفعيّة الرمز ومن قبل رمز الإطعام. تغذية الرمز تقايض مصالح المرضى الحاليين بأمل منع أضرار تأمليّة لجيل مستقبلي من المرضى.

يعتقد شيلدرس أيضاً أن كالّاهان فشل في خلق حالة إلزاميّة “لنقل آثار متخاشنة” من أغراض أوليّة إلى ثانوية، وهي مسألة أخذها شيلدرس من نقد فاينبرغ لماي. يرغب ماي بدعم رمز الجسد كي لا نصبح غلظاء الشعور حيال التعامل مع الأحياء، وكالّاهان يرغب بدعم رمز الإطعام كي لا نفقد التعاطف مع الجوعى. لكن كلا البرهانين يفترض أن الأحاسيس والمشاعر المنطمرة في الرمز غير قابلة لأن تنفصل عنه، أي أننا لا نستطيع التفريق على نحو كاف بين التعامل المحترم مع الجثة عن التعامل غير المحترم مع الشخص، أو عدم إطعام من هو مريض خطير عن إطعام الجائعين عموماً.

يجادل شيلدرس أننا نستطيع أن نقسّم مشاعرنا وأحاسيسنا، وأن ندخل أنفسنا في تعبير أكثر انتقائيّة بكثير. من هنا، فإن ما نختبره في الحالة الأوليّة – قبول سحب أنبوب التغذية من مريض عضال – سوف لن ينقل ويقلل أو يخشّن النفور المشروع من ضراء الفقراء والجائعين في المجتمع. يريد شيلدرس أن يؤكّد على التواصليّة الأخلاقية بين سحب أنابيب التغذية وأفعال الرفض الأخرى للعلاج الطبي، لكن هذا، كما يعتقد، لا يوصل إلى تحجّر قلب في سياق تقديم العون للحالات غير الطبيّة، مثل حاجة الجوعى للدعم.

هذا بالطبع ليس برهاناً أخلاقياً بقدر ما هو تجريبي: هل سيكون هنالك أي جعجعة أخلاقية حين يرفع حاجز اجتماعي بعينه، مثل القبول المفترض بمنحة الجسد أو العضو، عدم تغذية من هو مريض خطير، أو المساعدة في انتحار من هو مريض في نهاياته؟ من الواضح أنه صعب تحديد النتائج العمليّة، والتخمين ما إذا كانت ستتواءم مع تلك السيناريوهات التي عرضها كالّاهان أو التي عرضها شيلدرس، دون أن نتقدم فعليّاً في اتجاه إزالة الحاجز في نوع من دراسة التجربة والخطأ. مع ذلك، الأخطاء في هذه المسألة يمكن أن تكون غير قابلة لأن ترجع إلى وضعيتها الأصلية، توحي بالحاجة إلى نوع من المبدأ الاحترازي ضمن الأخلاقيات الطبيّة. أي حين يقدم اقتراح بإزالة حاجز، فإن ثقل الدليل يجب أن يكون على أولئك في صالح رفع الثقل.

إذا ما أعدنا النظر إلى الوراء، فإن تحذير كالّاهان من كارثة اجتماعيّة سوف يصل إليها الطب في سيره في طريق السحب الروتيني لأنابيب التغذية كان ربما مبالغاً به. وأؤكّد أن الجدل الأخلاقي يتضاءل حين يكون المريض خطير المرض أو منتهياً وطلب، أو طلب عبر إيعاز مسبق، سحب أنبوب التغذية إذا انهار وضعه بحيث أضحى احتضاره لا رجعة فيه. والحقيقة أن المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة اعترفت بحقوق المرضى الكفؤين أو المقربين منهم في إيقاف أنبوب التغذية في حالة نانسي كروزان التي هزت الأرض. الطب، الأخلاق الطبيّة، والسياسة العامة تطوّرت تدريجيّاً في اتجاه عرف معياري في سحب أنبوب التغذية إذا وجّه إلى ذلك المريض أو أقاربه.

مع ذلك، سحب أنابيب التغذية لا يبدو أبداً أنه قرار روتيني. إنه قرار، في معظم الظروف، يجب أن يرضع في تقرير مسبق واضح، أكثر من كونه مفترضاً ضمنيّاً مع كل قرارات رفض العلاج الأخرى. إنه قرار يتحدّث عنه الذين يقدمون الرعاية من الاحترافيين والعائلة بكثير من الألم بل حتى الأسف. ألم كهذا مناسب إذا نحن أقرينا بمزاعم الرموز المدفونة في قرارات كهذه، وأهميّة العقلانيّة الرمزية في صنع القرار البيوطيقي.

كما كان سيوضح المتقدّم ذكره، فإن صياغة برهان متجذّر في العقلانيّة الرمزيّة لا يحتاج لأن يكون دينيّاً؛ كالّاهان، في نهاية الأمر، يجادل بالكامل على أرضيّة فلسفيّة. مع ذلك، وكما اقترح هيستون سميث، فإن استخدام الرموز والعقلانيّة الرمزيّة يشعر أنه في بيئته الأصليّة مفاهيميّاً أكثر في سياق ديني. كذلك فالعقلانيّة الذرائعيّة لا تنتصر دون أي انتباه للمقولات الرمزيّة. يتفق المجتمع الأوسع مع الفهم الرمزي، وفي حالة منح عضو، تستمر في اختيار مواقف تعكس أكثر رموزاً بعينها حين تكون في نزاع مع الفعاليّة الذرائعيّة. وحتى لو تم توجيه سياسة ما، مثل سحب أنابيب التغذية، عبر مقاربة ذرائعيّة، فإنّ فضالة من رمزيّة أخلاقية يتم الاحتفاظ بها من قبل متطلبات بعينها: موافقة نوعية نحن بحاجة إليها، وروتنة خيارات صعبة أخلاقياً يتم تجنبها بالتالي.

أخيراً، فإنّ الحديث حول الرموز في البيوطيقا يهتم عموماً بقضايا ومصالح مرضى مهمشين، متأذين، والذين كثيراً ما يكونون غير قادرين على تعيين تفضيلاتهم. هذا التأطير للحدود الإثيقيّة على حدود الحياة والملّة الأخلاقية يمكنه تفسير كثافة معارك كهذه. على الأقل هذا ما يزعمه الباحث التشريعي جون روبرستون في نقده للمسائل الرمزية في بدايات الحياة، بما في ذلك التكنولوجيات التناسليّة والبحث في الأجنة البشريّة.

{{[*البدايات البشريّة: منبع الحياة أو مورد البحث:*]}}

حلل جون روبرستون وانتقد الأخلاقية الرمزيّة في سياقات عديدة، بما في ذلك بحث الأجنّة، الاستناسخ البشري، نقل الأعضاء، ونقل الأنسجة الخاصة بالأجنة. ومثل باقي الباحثين، غالباً ما كان يتورط روبرتسون في اختزاليّة أخلاقية: صراع أخلاقي معقد أو خيار يختزل إلى ثنائية أخلاقية تبسيطية حول إما حقوق ومصالح أو رموز. وإذا ما وضعنا في اعتبارنا تأكيد روبرستون القوي على استقلاليّة الفرد في كل سياق أخلاقي تقريباً، وسياسة افتراض التي تهيّئ لتقرير المصير حمايات تشريعيّة قويّة، فإن روبرتسون على نحو شبه دائم يجد الحالة الأقوى في طرف حماية الخيار الشخصي وتقديمه على غيره. سياسة البيوطيقا بالنسبة لروبرتسون تخدم الغرض الذرائعي في توسيع مجال تقرير المصير.

إذا ما انطلقنا من هذه الفرضيات الفلسفيّة الأساسيّة، فإن ما يستأهل الملاحظة الحالة الوحيدة التي انحدر فيها تحليل روبرتسون لصالح المشاغل الرمزيّة. وما يلفت النظر هنا هو أن المسألة تعود بنا إلى الجدل الذي انغمس فيه ماي وفاينبرغ: كيف يمكن لمجتمع أن يؤمّن على نحو فاعل وكاف المزيد من الأعضاء من أجل نقل الأعضاء دون انتهاك للقيم الاجتماعيّة الهامة. في هذا السياق، يركّز روبرتسون انتباهه على السؤال الحالي المتعلّق بما إذا يمكن “لقاعدة الواهب الميت” أن تتراخى بحيث يمكن أن يتاح المزيد من الأعضاء. وبعد مراجعة بعض الحجج العامة، يستنتج روبرتسون أخيراً: «الأهمية الرمزيّة لقاعدة الواهب الميت قويّة إلى درجة أن أي انحراف صريح عنها تتواجه بأرجحيّة عالية من اللامقبوليّة».

يقوم حكمه ذو الطبيعة الظنيّة إلى درجة كبيرة على رأي مفاده أن هنالك قيماً رمزيّة نوعيّة محميّة ومعبّر عنها من قبل قاعدة الواهب الميت: احترام الحياة، والثقة بمنظومة تطوعيّة للمنح. وكون كل الأمور الأخرى متساوية، فإن هذه القيم الرمزيّة تنقض سياسة عرض تأمين مزيد من الأعضاء عبر إعادة مفهمة الرضع الأنسفاليين [ الأنسفالية هو اضطراب ينشأ عن خطأ في الأنبوب العصبي بسبب الفشل في إغلاق هذا الأنبوب، عادة بين اليومين الثالث والعشرين والسادس والعشرين من الحمل، ويؤدي إلى غياب جزء رئيس من الدماغ، الجمجمة وفروة الرأس ] أو مرضى الـ PVS [ حالة مرضى تعرضوا لأذى دماغي شديد وكانوا في حالة غيبوبة، ثم انتقلوا إلى حالة وعي دون أن يكون إدراكهم ملحوظاً ] باعتبارهم موتى.

إن الزعم القائل إن التشريع ليس مجرد أداة لإحراز أهداف اجتماعيّة، لكنه أيضاً يتضمّن في الوقت ذاته رموزاً ويعلّم قيماً مطمورة في تلك الرموز هو رأي متلائم للغاية مع نماذج التفكير في بعض التقاليد الدينيّة. على سبيل المثال، جون كالفن وأتباعه في التقليد الإصلاحي للمسيحيّة البروتستانتيّة يلتجئ عموماً إلى استخدام ثالث للشرع؛ الشرع يردع الإثم، يزود بالنظام السياسي، لكنه أيضاً معلّم أخلاقي. الشرع، كما يعتقد هؤلاء المسيحيّون، له وظيفة تربويّة في التطور الأخلاقي – رأي يبدو أنه مهمل بالكامل في البيوطيقا المعاصرة. وهذا لا يفاجئنا طبعاً، ما دام البيوطيقيون المعاصرون يعملون على الأنموذج الذرائعي من التفكير الإثيقي والسياسة العامة.

ما قد يبدو مفاجئاً هو أن ليبرالياً علمانيّاً مثل روبرتسون يحمل أيضاً تلك النظرة للشرع. وللوهلة الأولى، الافتراض لصالح الاحتفاظ بقاعدة الواهب الميت بسبب قيمتها الرمزية يمكن أن يظهر نقد روبرتسون للرمزيّة الأخلاقية في سياقات أخرى شبه اعتباطي.

وفي حين يدافع عن الرأي القائل إن قاعدة الواهب الميت يجب أن لا تلغى من أجل تدارك المزيد من الأعضاء من الأحياء أو من الجثث، يدافع بقوة عن تدارك أنسجة من أجنة مجهضة من أجل أهداف البحث وزرع أنسجة الأجنة. والواقع أن تعليقه في هذا المنحى واضح إلى درجة أنه يرغب بإزالة رموز بعينها – مثل لا سلعيّة noncommodification الجسد – والتي يعتقد معظم البيوطيقيين أنها ثقل أخلاقي وحذر سياسي.

لكن السؤال في نهاية الأمر بسيط جداً ما أن يتم استخدام اختزاليّة روبرتسون الأخلاقيّة: «ضرر الإجهاض هو فقدان رمزي لاحترام الحياة البشريّة، وليس انتهاكاً أساسيّاً لحقوق الجنين». إذا كان يمكن لمصالح الأحياء أن تتقدم عبر نقل أنسجة من الأجنة، هنالك بالتالي قسريّة أخلاقية وسياسيّة على متابعة وسائل كهذه. إذا كان ممكناً تسهيل تلك المصالح عبر التشحيم التمويلي لإجراءات السوق، مثل التعويض على المرأة الحامل على التخلّي عن حق التصرّف بالجنين المجهض، ليس ثمة مشكلة أخلاقية أو تشريعيّة مع تعويض كهذا، كون الأذى الحاصل رمزياً، لا مادياً.

وهكذا، ما يبدو أنه فساد بالنسبة لروبرتسون، دعم المزاعم الرمزيّة في حالة قاعدة الواهب الميت، يتحول لأن يكون متناسقاً مع اقتراح أكثر عموميّة حول الموقف في الجماعة الأخلاقية. يفهم روبرتسون الجنين كرمز للحياة البشريّة، لكنه بحد ذاته ليس حياة بشريّة؛ الجنين متميز بالتالي عن المصادر الكامنة للأعضاء البشريّة، مثل الرضع anencephalic أو المرضى PVS ، والذين يمكن الإعلان عن موتهم لإتمام الغاية الاجتماعيّة لمزودات الأعضاء المتزايدة. إن مصدراً كامناً للأعضاء، أثناءها، له مكانة أخلاقية كاملة، والذي لا ينقص حتى الموت، حين يمكن الحصول على الأعضاء.

على نحو مشابه، لا يؤمن روبرتسون أن الجنين البشري حياة بشريّة بل يصفه عوضاً عن ذلك بأنه “رمز قوي للحياة البشريّة”. الأجنة ترمز للقيم الهامة، مثل احترام الحياة، والخير للنسل الناتج، لكن هذه القيمة الأخلاقية الرمزيّة يجب أن تفسح الطريق للمصالح التي يمكن التقدّم بها عبر الترويج عن البحث العلمي حول الجنين. هذا ينطبق ليس فقط على زيادة الأجنة التي يتم خلقها عبر التخصيب الأنبوبي، بل أيضاً على الأجنة التي تخلق بوضوح لغايات البحث. يعتقد روبرتسون أن حظر الدعم المالي في المسألة الأخيرة، وهو ما تدعمه كيانات استشاريّة فدراليّة عديدة، هو توضيح جيد “لخط رمزي”. لكن «المنفعة الرمزيّة من حماية الأجنة من أن يخلقوا لغايات البحث لا تسوغ افتقاد المعرفة العلميّة».

يقدم روبرتسون عرضه الأكمل حول القامة الرمزيّة المساعدة للهموم الجنينيّة في نقاش مسألة البحوث الخاصة بالأجنة: الأجنة مفتوحة على التفاسير الذاتيّة، أي أن معناها شخصي ومتغيّر؛ تعكس الأجنة ارتباطاً بقضايا ذات معنى مطلق وهوية أخلاقية؛ وهكذا فاستخدامها في الحديث العام سوف يبرز بأعظم عموميّة آراء حادة والتي هي غير قابلة للتأثر بالقرارت العقلانيّة؛ وكما أوضح بالنسبة للفوائد العلميّة التي يمكن الحصول عليها من البحوث على الجنة، بما في ذلك البحوث على الخلايا الجذعية الجنينيّة، لا يحدث انتهاك أخلاقي حين يخضع الجنين لمصالح الأشخاص الفعليّة.

بعض السمات الإضافيّة في فهم روبرتسون لبقايا الأجنة يتم تطويرها حين يتحوّل انتباهه من مسائل البحث إلى توسيع تقرير المصير عبر أشكال متنوعة من تكنولوجيا التناسل. يزعم روبرتسون أن هنالك حقاً أساسياً بالاستقلاليّة التناسليّة، حق يتسع بما يكفي لأن يمتد إلى المساعدة التكنولوجيّة في التناسل بصيغ مختلفة، سواء أكان منح النطاف، أو الاستنساخ البشري، إن كان الأمر ممكناً تكنولوجياً. هذه الحقوق تحمل وزناً أكثر أخلاقية وتشريعيّة مما يصفه باعتباره ” مواقف خاصة بالأبوة ورمزيّة ” فيما يخص التناسل.

لا نتفاجأ إذا كان روبرتسون سيربط العقلانيّة الرمزيّة والأبوية. الاعتراضات على التكنولوجيا التناسليّة قد تحرّض على أنواع عديدة من الرموز، مثل فكرة الأولاد كعطايا، العلاقة الجوهريّة بين الجنسانيّة والتناسل، أو أمثولة الأولاد المؤدبين في الأسر المكونة من أب وأم. مضامين سياسة كل هذه الاعتراضات كانت ستتضمن قيوداً على حريّة الخيار فيما يخص الوصول إلى تقنيات التناسل.

بقدر ما تتعدى هذه القيود على الخيارات المستقلة، تكون “أبويّة”. وفي نهاية الأمر سوف يعتمد كونها أبوية على نحو غير مسوّغ على من يحمل الثقل أو يؤذى كنتيجة. روبرتسون يسمي هذه بالأضرار “التأمليّة”، أي، التخمينات حول الحصيلة السيئة المتوقعة والتي إمكانيتها أو كبرها غير معروفة، واعتبارها النظير الأخلاقي للمواقف الرمزيّة حول التناسل. الوزن الأخلاقي لهذه المواقف يمكن أن يختلف حول الرموز ومدى أضرارها.

في تقديم معارضته لحظر الدعم الفيدرالي على الاستنساخ البشري، يميّز روبرتسون بين الأضرار “الملموسة” والأضرار “التأمليّة”. في حالة الأضرار الملموسة، حقوق الشعب الأساسية أو مصالحه – مثل الخيارات التناسليّة – منتهكة. الأضرار التأمليّة المشكّلة من المشاغل الرمزيّة غير ذات علاقة بالأضرار الفعليّة؛ الضرر يكون للرمز، أكثر منه للناس. في حالة الاستنساخ، كما يعتقد روبرتسون، معظم الاعتراضات تستلهم الأضرار التأمليّة، مثل الحجج القائلة إن خلق أطفال عبر الاستنساخ سوف يقوّض أركان رمز الطفل كأعطية. ويعترف بالحاجة إلى مزيد من بحوث الأجنة البشرية والحيوانيّة في الاستنساخ من أجل إعطاء الأمان وتقليص خطورة الأذى الجسدي، الملموس للكلون. مع ذلك، فإن حدوث الأذى الملموس قد لا يكون كافياً لضرب عرض الحائط بالحقوق الأساسيّة للحريّة التناسليّة. يقول روبرتسون في نهاية الأمر، علينا أن نفترض أن الوجود مفضّل أنطولوجيّاً للاكينونة، ولكن بالنسبة لإجراء الاستنساخ، الطفل، سواء ولد بحالة شاذّة أم لا، فسوف لن يوجد.

إن المأمول من حظر الاستنساخ البشري يمكّن روبرتسون من تكرير انشغاله بأن ترك العقلانيّة الرمزية تؤثّر بالإثيقيا والسياسة العامة سوف يفتح الباب أمام التفسير الذاتي والنسبيّة. إن رأياً يعترض على الاستنساخ على أساس أن عرفاً كهذا يمكن أن يقود إلى محسوسية ونظرة ذرائعية إلى الأطفال يفترض مقدماً، برأي روبرتسون، رأياً ذاتيّاً بالضرر. هذا يعني، الرأي غير مؤسس كفاية على أرضية القبول الواسع بالوصف المعياري للعلاقات الأبوية بالنسل. هذا الفهم الذاتي للعلاقات أب- ابن، ومعنى الولد، لا تمتلك ببساطة ما يكفي من الأسس للتغاضي عن المصالح والحقوق المطمورة في مبدأ يعتقد روبرتسون أن القيادات تقبل به على نطاق واسع: مبدأ الحريّة التناسليّة.

لكن روبرتسون منفتح على النقد هنا في فرض معيار غير عقلاني ولا عادل من الاعتبارات الأخلاقية على الهموم الرمزيّة – يقرأها “دينيّة”. أولاً، إن قضية اختباريّة والتي تتعلّق بما إذا كان ثمة اتفاق واسع حول مسألة العلاقة بين الاستنساخ ومحسوسية الأطفال. بل إن روبرتسون لا يشير إلى منظور علاقتنا بالأطفال الذي كان سيرضي معياره للكينونة أكثر من الذاتي والرمزي. ثمة جدل بأنه ليس هنالك رأي مشترك كهذا، والذي كان سيبدو أنه يترك السؤال في نوع من الفوضوية الأخلاقية. لكن الفوضويّة الأخلاقية هي خطوة قصيرة من تأكيد روبرتسون العام على الليبراليّة خالية من المسئوليّة حول مسائل بدايات الحياة ونهايات الحياة.

{{[*الختام: التعامل الجدي مع العقلانيّة الرمزيّة:*]}}

لقد أوضحنا كيف أن الأمثولة الحديثية المسيطرة في البيوطيقا لا تجد غير القليل من المتسع للرموز والعقلانيّة الرمزيّة. إن أمثولة العقلانيّة الذرائعية هذه، كما تظهر عليه في كتابات فاينبرغ وشيلدرس وروبرتسون، توضح ضرورة ما سماه فاينبرغ “رقابة” العقل. العقلانيّة الرمزيّة، بالمقابل، متجذّرة في الأحاسيس والمشاعر، سمات هامة في الطبيعة الأخلاقية الشخصيّة، لكن ليس مورداً نحتاج إليه من أجل الحديث العام والسياسة العامة. العقلانيّة الرمزية قد تكون معتبرة من قبل ناقديها بوصفها قاسية القلب وتجريديّة لأنها تضع الأولوية الأخلاقية على المشاعر أكثر منها على الحقوق أو مصالح الأشخاص الفعليين. والحقيقة أنه يمكن انتقاد العقلانيّة الرمزية بأنها “تغذّي” الرموز أكثر من الأشخاص. أخيراً، العقلانيّة الرمزية لا تناسب على نحو خاص السياسة العامة لأن الرموز، بطبيعتها، تعكس آراء شخصية ومختلفة حول معانيها وهي بالتالي مفتوحة على التفاسير الذاتيّة. ولا تبدو سهلة الانقياد لحاجة التقبلية والمطالبيّة العامتين، شرط للحديث السياسة في البيوطيقا.

هذه المنظورية الإقصائيّة للرموز والعقلانيّة الرمزيّة في البيوطيقا تضع حدوداً حصريّة على الفهم الديني، بقدر ما أن سميث على حق في النظر إلى الرمزيّة على أنها اللغة الأساسيّة للتقليد الديني. الباحثون الدينيون الذين يشاركون في النقاشات البيوطيقية العامة سوف يواجهون الواجب المهيب سواء في الحديث بلغة تقليدهم والمغامرة بأن يطردوا كأبويين و/أو لا علاقة لهم بالأمر، أو محاولة ترجمة مشاغلهم الرمزية إلى لهجة سياسة بيوطيقية حول الاستقلاليّة والمنفعيّة، أو من تجربة الإحباط في استبعادهم.

مع ذلك، هذا الفهم للأهميّة الأخلاقية المحددة للرموز يكشف أيضاً، كما نرى، عن سطحيّة أخلاقية في لب البيوطيقا. أي عالم أخلاقي تتوجه إليه البيوطيقا بالحديث؟ هل هو عالم الغرباء أخلاقياً، الأفراد الذين لديهم علاقات بالحدود الدنيا كل مع الآخر، وحقيقة ما من مسئوليات أخلاقية للآخرين باستثناء تلك المتعلقة بتجنب الأذى واحترام حرية الخيار. في عالم عقلاني، بلغة فيبر، والذي يمارس فيه العقل هيمنة على الأحاسيس والمشاعر، شيء كان سيبدو جذاباً للعقلانيين الصارمين، لكن ليس للاسلاف الفلسفيين الذين يقال إنهم قدموا الأسس الفلسفيّة للبيوطيقا، مثل أرسطو، هيوم، ميل، بل حتى كانط أو فيبر. إنه عالم أخلاقي تحكم فيه لغة “الحقوق” و “المصالح” على نحو أسمى أخلاقياً؛ مع ذلك، فلغة الحقوق تفترض مسبقاً ليس فقط عالم غرباء أخلاقيين لكن مناوئين أخلاقياً والذي فيه عدم التساوي في السلطة سريع التفشّي. إنه سهو كبير للبيوطيقا المعاصرة في أن لا تحوز مفاهيم السلطة، تفويض بالسلطة، وتجريد السلطة، سواء أكان الأمر على الصعيد الشخصي أو المؤسساتي، إلى تحليلها الأخلاقي وليس ضمن لغة الحقوق. أخيراً، إنه عالم أخلاقي مركّز على الإثيقا الإجرائيّة – سؤال السطر الأدنى هو: من يقرر؟ – ولذلك السبب هو لا أدري في مسائل المادة والمعنى. باختصار، البيوطيقا المعاصرة تتوجه بذاتها إلى عالم يعيش فيه فعلياً أنا قلائل.

القصور الأخلاقي الذي ينكشف في بيوطيقا العقلانيّة الذرائعيّة يقدّم بعض خطوط التوجيه حول كيف أن حالة إدخال عقلانيّة رمزيّة يمكن أن يفصح عنها. الرموز تستجر بناء عالم وتساهم فيه. إنه ليس فقط سطحيّاً بل أيضاً اصطناعي في المتابعة مع التحليل البيوطيقي على فرضية ما بعد حداثويّة تقول إننا كل ما ترك لنا جميعاً في القرن الحادي والعشرين هو أن نشق طريقنا بشكل أخلاقي وسط شظايا الماضي. لقد اكتشف ستيفن تولمين هذه الخطيئة الفكرية في البيوطيقا قبل ربع قرن من الزمان، حين وجد نفسه محتاراً حول لماذا اللجنة القوميّة لحماية الأغراض البحثيّة للبحوث السلوكية والبيو- طبيّة استطاعت الوصول إلى إجماع في استنتاجات بعينها في حين تستحضر أسباباً تختلف مبدئياً بالكامل لتلك الاستنتاجات. يقول تولمين: «مبادئ كهذه تخدم أقل كأسس، مضيفة قوة فكريّة أو سلطة فكريّة على آراء أخلاقية معينة، من أن تفيد ككريدورات أو ستائر جدران تربط مفاهيم أخلاقية لكل الكائنات البشريّة المفكّرة مع الآخر، مواقف أكثر عموميّة – ثيولوجيّة، فلسفيّة، أيديولوجيّة، أو Weltanschaulich

[بحسب رؤية المرء للعالم]» . العقلانيّة الرمزيّة أكثر موثوقيّة لهذا الرابط مع خلفيّة منظور العالم من رمزيّة ذرائعيّة مجردة من جذورها المنظوريّة perspectival “.

بيوطيقا العقلانيّة الذرائعية يجب أن يلحق بها مسائل ما هو مطلق من معنى وهويّة التي تنقل عبر حوار رمزي. التركيز فقط على الطرق الإجرائيّة والتي هي الأكثر فعالية وكفاية تودي بنا على نحو دقيق إلى المخاطرة ذاتها التي حددها كانط بأنها التعامل مع الأشخاص كأدوات ليس إلا: إنها هوية مشوهة وغير محترمة. الأهداف تؤخذ أيضاً بعين الاعتبار، ويجب أن تفتح أكثر لانعدام نظر أخلاقي. لقد نشدنا، على سبيل المثال، لثلاثة عقود، البحث عن أدوات الإصلاح المتعلق بالرعاية الصحيّة؛ هذه التبديلات التجميليّة تجنبت مسائل أهداف الصحة وأهداف منظومة الرعاية الصحيّة. إن نتائج العقلانيّة الذرائعيّة معروفة على نطاق واسع: التقدم في التكنولوجيا على حساب ضبط الكلفة والتوزيع المتكافئ لمنافع وأحمال تسلم الرعاية الصحيّة. عبر الفعالية المؤكّد عليها على العدالة، انتهينا بمنظومة هي في آن غير فاعلة ولا عادلة.

أخيراً، إن نقّاد العقلانيّة الرمزيّة على حق في ملاحظاتهم التي تفيد أن الرموز تعبّر عن مشاعر وقيم هي أساسيّة بالنسبة للأشخاص والحياة الأخلاقية ضمن جماعة ما. لكن هذا يجب الاحتفال به، لا الاستخفاف به. مثل تلك الرموز والمشاعر يمكن أن تملأ بالحياة ما هو غالباً نقاش جاف؛ إنها تذكّرنا بأن البيوطيقا يجب أن تكون متنبهة إلى شخصيّة الشخص ككل، لا الإرادة المحررة من الجسد. وربما الأهم، أن الرموز والعقلانيّة الرمزية تحرّر الشغف بحيث أن الحديث الفكري يمكن ترجمته إلى فعل.

{{[*الأخلاق، الإنسان الفائق، الديمقراطيّة والعلم:*]}}

يقول نيتشه في “عدو المسيح”، في واحدة من أكثر الفقرات إثارة للجدل في أعمال الفيلسوف الأبرز: “ما هو الجيّد؟ – إنه كل ما يرفع شعور القوّة، إرادة القوّة، والقوة ذاتها في الإنسان.

ما هو السيّئ؟ – إنه كل ما ينتج عن الضعف.

ما هي السعادة؟ – إنها الشعور أنّ القوة تزداد، – أن عائقاً تم تذليله.

ليس القناعة، بل المزيد من القوّة؛ ليس السلم أبداً، بل الحرب؛ ليس الفضيلة، بل الشطارة (الفضيلة بأنموذج عصر الأنوار، هي virtù، أي فضيلة خالية من حمض الأخلاق).

يجب أن يفنى الضعفاء والفاشلون: إنه أوّل مبدأ في حبّنا للبشر Menschenliebe. وعلى واحدنا أن يساعدهم كي يفعلوا ذلك.

ما هو الأكثر أذيّة من أية رذيلة؟ – إنه التعاطف الفاعل مع كلّ الفاشلين والضعفاء: – المسيحية… ” (الفقرة 2). وهذا، برأينا، يجب أن يشكّل المنظومة الأخلاقية التي على العلماء أن يعملوا بهديها في مشاريعهم التي لا بد أن تؤدي بنا إلى حلم نيتشه بالإنسان الفائق. إن السؤال الحاد الذي يطرح نفسه بقوة بيوطيقا، ونحن هنا نؤمن بضرورة العمل على خلق الإنسان الفائق بيولوجياً لا فلسفياً، كما اعتقد نيتشه: كم هي النسبة المئويّة للذين يلعبون دوراً في دفع التقدّم البشري من بين تلك المليارات التي تملأ الأرض تلوثاً وإرهاباً وعدائيّة للعقل؟ هل من ضرورة لوجود كل هذا الكم من البشر، في أرض تزداد دماراً بفعل بشرها يوماً بعد يوم؟ إن أهم جملة قالها نيتشه في تاريخه: «يجب أن يفنى الضعفاء والفاشلون: إنه أوّل مبدأ في حبّنا للبشر Menschenliebe. وعلى واحدنا أن يساعدهم كي يفعلوا ذلك». والحقيقة أن ما أوصل الأرض إلى هذا الدرك الأسفل من الدمار هو إصرارنا على التمسك بالمنظومة الأخلاقية المسيحيّة التي تحصر همها في التعاطف مع المنكسرين والضعفاء؛ والمشكلة أن الملحدين واللادينيين واللاأدريين والعلمانيين من أصول مسيحيّة يصرّون على التمسّك بالأخلاق المسيحيّة رغم تحررهم من المسيحيّة. الأخلاق، عموماً، معادية للطبيعة؛ وأخلاق ما يدعى بالأديان السماوية هي الأكثر عدائيّة للطبيعة. لنتخيّل، مثلاً، لو أن البشريّة عملت بأخلاق محمد الذي يدعو أتباعه – غالبيتهم الساحقة من الذين يجب إبادتهم والطبيعة الأذكى تجبرهم الآن على إبادة بعضهم بعضاً – إلى أن يكثروا! ما الذي يقدّمه مليار مسلم للحضارة؟ ما الذي يفعله مليار مسلم لتحرير العقل؟ لقد حاول هتلر، الذي لم يعط حقه معرفيّاً على الإطلاق، ولم يعامل عموماً إلا في إطار التجريم أو الاستخفاف، تطبيق مقولة نيتشه الأخلاقية آنفة الذكر؛ لكن فشله كان سببه أنه طبقها على مستوى سياسي بينما كان من المفروض أن يطبقها بيولوجيّا، كما أراد صاحب المقولة الأصلي!هذه أسئلة وجوديّة لا بد أن نطرحها بجرأة ونحن نناقش هنا علاقة البيولوجيا بالأخلاق؟ هنالك أسئلة بسيطة أخرى: هل القرد البالغ أذكى أم الإنسان الرضيع؟ لماذا نقبل بقتل القرد البالغ بدم بارد لغايات اللذة في القتل – كما في الصين – ولا نقبل بإجراء تجارب علميّة على الرضيع يمكن أن تؤدي إلى موته لكنها يمكن أن تدفع كثيراً بعجلة التقدّم العلمي إلى الأمام؟ سؤال آخر لا يقل أهميّة: هل هنالك قيمة للإنسان كحيوان ناطق مفكّر تخرج عن إطار وعيه لذاته كحيوان ناطق مفكّر؟ ماذا لو افتقد الإنسان هذه القيمة؟ ماذا لو أن إعاقة ذهنيّة منعت الإنسان أن يعي ذاته أو أن يتحسس حواف وجوده؟ ما الذي يفرقه حينها عن الحيوانات الأخرى من غير البشر؟ لماذا لا تتم الإفادة منه في مسألة نقل الأعضاء مثلاً كما تتم الإفادة (أو اللا إفادة غالباً) من قتل أي حيوان آخر بريء؟ هل الجنين كائن واع لوجوده بحيث يحرّم القائمون على ما يسمى بالأديان السماوية الاختبارات العلميّة عليه؟ بل نطرح سؤالاً آخر: ما الذي قدّمته كل تلك المليارات من الأجنة التي تركت كي تحيا في معظم دول العالم، خاصة المعاقة ذهنيّاً منها؟

قبل عشرين عاما كان التفكير بإرسال نص إلى بلد بعيد خارج إطار البريد العادي ضرباً من الخيال: ما هي الحال عليه الآن؟ هل كان بمقدور إنسان أن يتصوّر الاستنساخ قبل مئة عام؟ هل كان لأحد أن يستوعب فكرة الخلايا الجذعية ودورها في التقدّم العلمي للبشرية قبل خمسين عاماً؟ وماذا بشأن الجينات؟ لقد ألغى هذا الكشف العلمي الأهم في تاريخ البشريّة معظم الفلسفات وكل الأديان بالضربة القاضيةّ! ليس التفسير الجيني ” موضة ” تأمليّة: إنه حقيقة، لكن كونها مؤلمة جداً، يرفضها المعلبون دينيّاً والمعاقون أخلاقياً عن فهم معنى أن يكون الإنسان علميّاً. لقد رأينا قبل مدة تلقيح أسد ونمر لينتج معنا نوع من النمور يفتقد جينة وقف النمو؛ ماذا لو حصل تلقيح – سمعت أنه حصل – بين قرد وإنسان كونهما من الفصيلة ذاتها؟ ماذا لو نجحت عملية زرع دماغ لشخص في جمجمة شخص آخر؟ أين ستقف حدود تجارب الخلايا الجذعية الجنينيّة أو البحوث الجينيّة؟ هل يمكننا أن تحلم بتحقق قريب لفكرة الميتا-بشري، بعد أن صارت مذهباً فكريّاً في بعض دول العالم الأوّل؟ وما الذي يمنع أن نفكّر بما بعد البشري، في إطار الوصول إلى الإنسان الأعلى بيولوجيّاً، بعد أن استنفذ البشري معظم أغراضه؟

كما أرى، فإن دارون والدراونيّة الجديدة وما بعد الدارونيّة الجديدة هي واحدة من أهم ما عرفته البشرية من أفكار. لكن مأخذنا على الدارونية ومذهب الاصطفاء الطبيعي عموماً، هو أنه لا يدخل العنصر البشري في هذا الاصطفاء؛ بمعنى أن هذا الاصطفاء يجب أن يكون موجهاً كي نصل إلى الإنسان الأعلى. وفي هذه المرحلة من التطور البشري، يمكن للمعرفة الإنسانية أن تتدخل بقوّة في عملية الاصطفاء بحيث يكون اصطفاء عمودياً لا أفقياً. من هنا، نحن – مع نيتشه أيضاً – ضد الديمقراطيّة. الديمقراطيّة (يقابلها حكم العلماء والمفكرين لأن السياسيين أوصلوا البشريّة إلى الحضيض)، تعني فيما تعنيه، حكم السواد الأعظم المكوّن في غالبيته العظمى من حيوانات ناطقة فاشلة في إدراك حوافّ ذاتها أو منطوق عصرها. الديمقراطية تعني، ضمن أشياء كثيرة معظمها فارغ من المضمون، حكم من هم غير قادرين لإعاقات ذهنية ذات منشأ ذاتيّ أو موضوعيّ على تطوير أنفسهم وبالتالي البشرية. لهذا لا يمكن أن نتوقّع أي تقدم باتجاه الإنسان الأعلى ما دام صوت الديمقراطية هو الأعلى.

الديمقراطية لا تتيح فقط للعوامّ أن يحكموا أنفسهم من على كرسي الماضي: الديمقراطيّة تتيح لهم أيضاً أن يمنعوا العلماء من الجلوس على عروش المستقبل.

القرن العشرون هو الحدّ الفاصل في تاريخ البشريّة: بشريّة ما قبل القرن العشرين، وبشريّة ما بعد القرن العشرين. وفي هذا القرن تحرّرت البشريّة من ثقل رموز ومفاهيم كان تعيق تقدّمها المعرفي وانطلاقها الفكري إلى العوالم الأرحب. النقلة الأهمّ في نهاية هذا القرن هي تخلّي البشريّة عن نمط التفكير الأحادي باتجاه العقليّة التعدديّة. – وكان ضروريّاً بالتالي التخلّي عن مفهوم الإله الأوحد للجميع، باتجاه اللا إله أو الآلهة الخاصة. لقد احتاج محمد وقبله زرادشت ومن ثم اليهود إلى مفهوم الإله الأوحد من أجل توحيد القبائل المتصارعة حول شخص النبي الممثل الأرضي للإله الأوحد: كان ذلك عاديّاً زمن سيطرة الغريزة على العقل. الآن، ومع هذا الانتصار المدوي للعقل في بلدان العالم الأول، صار الإله عبئاً على صيرورة البحث العلمي التي هي في جوهرها ثورة على تقاليد الماضي ورموزها.

نحن نأمل من بلدان العالمين الثاني والثالث أن تلحق بركب بلدان العالم الأول لما في ذلك من مصلحة لشعوبها. واعتقادنا أن ما يسود من تقاليد ورموز وأفكار، بما في ذلك مفهوم الإله الأوحد، هي العقبة الأهم في وجه استهلال لصيرورة كهذه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق