البيوطيقا: سلطة التّقنية وتنافر القيم(18)

حين تقتحم التّقنيات البيولوجيّة مسرح المعارف فهي لا تكتفي بإسقاط اليقينيات الدّينيّة والقناعات السّياسيّة والمثل الأخلاقيّة عن العيش المشترك الّتي تُعتبر أساس الرّابطة الاجتماعيّة، بل إنّها، أي تلك التّقنيات، تلمس ما هو أكثر خصوصيّة، وفي الغالب ما هو أكثر عرضة للإنكار أو للكبت في الوضع الإنسانيّ، فهي تقتضي أن يعاد التّفكير في العالم استنادا إلى نماذج جديدة أو أعيد النّظر في أدقّ استلزاماتها. لا شيء ممّا ينخرط في الحياة ومباهجها بين أفق الولادة وأفق الموت يفلت قليلا أو كثيرا من تقنيات تتحكّم في وجودٍ طريدِ آلامه ويأسه وفقدانه. كيف لنا حينئذ، في هذه العلاقة بميتات غير رئيفة، بخراب التّفكير، بعناء الرّوح، بصدمات لا تُردّ، كيف لنا في مواجهة دمار النّفس في أجساد طريحة، أن نحافظ على صيغ نظر تقليديّة كما هي، حتّى وإن كانت متّشحة بأكثر الدّوافع “حداثة” وبأكثر ما هو في الظّاهر منطقيّ؟ انطلاقا من بحث علميّ أجرته في أوساط طبّيّة فرنسيّة، ومن تدريسها للإيتيقا الطّبيّة في الولايات المتّحدة، تعطي كورين بالّيشون في كتابها البرهان على الحاجة الملحّة إلى قلب شامل للحقل الفلسفيّ في سبيل الإحاطة القصوى بالرّهانات الاجتماعيّة الّتي تقتضيها تلك التّقنيات. كما تؤكّد على ضرورة التّغيير الجذريّ، في كلّ الاختصاصات، لطريقة التّفكير في العلاقة بالمريض المشرِف على الموت، وبالمصدوم صدمة كبيرة، وبالشّخص الغارق في غيبوبة عميقة، مع الكفّ عن اعتبارهم ذوات عاجزة. فالحديث عن العجز يعني الافتراض المسبّق بوجود حدّ أقصى للإمكانيات الّتي يؤول بعدها الوضع الأنطولوجيّ (الوجوديّ) للشّخص إلى الهلاك، وتنتهي استقلاليته. إنّ مفهوم الاستقلاليّة هذا بالذّات وتخميناته وفرضيّاته هو ما تقوم الكاتبة باستنطاقه، بدءا بانتشاره الفلسفيّ وصولا إلى نتائجه وتأثيراته الواقعيّة الأكثر خطورة في العلاقة بين المعالِج والمعالَج، الواقعة في أسر التّكنولوجيات على تخوم الحياة والموت. في الواقع، إذا لم نحذر عند استعماله، فإنّ مفهوم الذّات باعتباره كائنا يحظى بالاستقلاليّة تعريفا، يصبح حاملا لأكثر المخاطر المحدقة بإصلاح إيتيقا وأنطولوجيا عليهما أن تتحدّثا عن تفاهة الإنسانيّ الرّائعة في الإنسان. ولكن لا بدّ لنا من برهان. إنّ مفهوم الاستقلاليّة هذا المسلَّم به بالإجماع “يجعل الكرامة تابعة لامتلاك العقل وللسّيطرة على الذّات وللقدرة على المنافسة”. وحين يكون هذا المفهوم في الإيتيقا الطّبّيّة محكّا، فذلك يقتضي ضمنا تصوّرا “متعاليّا” عن المرضى الذين يواجهون وضعيات تسلبهم سيادتهم على العقل وعلى شروطه الضّروريّة. إنّ التّكنولوجيات الإحيائيّة والتّطبيقات الطّبّيّة الجديدة، وكذلك مرافقة المرضى المصابين بأمراض انتكاسيّة في النّظام العصبيّ، تدفع إلى القيام بمراجعة جذريّة لهذا التّخطيط التّأويليّ. وباعتبار تلك التّكنولوجيات ضروريّة للتّعامل مع وضعيات قصوى- كزرع الأعضاء والاستنساخ وعدم الرّغبة في الطّفل، وختام حياة كلّها آلام ووحدة- فهي تستوجب أن “يعاد تشكيل” هذا المبدأ.

انطلقت ك. بالّيشون في مسار مرهق لضبط ماهية مفهوم الاستقلاليّة هذا، فقامت بتعقّب نشأته مع لفت الانتباه إلى انزلاقات المعنى الّتي وسمت تاريخ هذا المصطلح وفهمه.

تفترض استقلاليّةُ إنسان ما وجود قدرة لديه على تقرير مصيره، وعلى الاختيار الحرّ وعلى إشباع رغباته وعلى التّباهي بحقوقه، باعتبارها جميعا شروطا لـ”يكون” معترفا به في منزلة “الكائن” البشريّ. وتترتّب عن هذا نتيجتان مزدوجتان. فكلّ “تصوّر جوهريّ” للخير وللغايات هو في مرتبة ثانية مقارنة مع “احترام” تعدّديّة الرّغبات ومع تحقيق المشاريع. ويتحوّل العالم الاجتماعيّ إلى عالم تعدّديّ، ولكنّها تعدّديّة ملتبسة بما أنّها تستند إلى مبدأ “التّذرية” atomisation أكثر منه إلى مبدأ التّمازج. عالم قائم على “المسلّمة المنهجيّة للّيبراليّة السّياسيّة” المرتبطة بأسبقيّة الصّواب على الخير، الّتي تفضي إلى جعل الصّواب مقياسا لأيّة قيمة من القيم.

من ناحية أخرى، لو أننّا في مجال الممارسة الطّبّيّة المواجهة للوضعيات القصوى المذكورة نقبل، دون توخّي أّيّ عمليّة أخرى، باحترام قرار مريض ما، ألا يعادل ذلك كما تتساءل ك. بالّيشون “تركه لمصيره المحتوم؟”. إنّ الميثاق الطّبّيّ، الّذي تتّسم بدايته باللاّ تناسق، يعيد للحوار مكانته من جديد ويفترض التّفاوض في القرارات، ولكنّه لا يفترض بصفة تلقائيّة وجود مريض في كامل قدراته التّحليليّة: إنّه قائم تحديدا على تعيين اختياريّ للوضعيّة الطّبّيّة السّريريّة للمريض، وهو تعيين شخصيّ باستمرار، ويراعي ما بقي من الإنسانيّ في هذه الاستقلاليّة المصابة في مواجهة تدهور حاسم لصحّة المريض أو مطالبة بالموت الرّحيم أو تلف للوعي غير قابل للعلاج. حينئذ، لن تعرَّف الذّات إطلاقا بامتلاكها لفائض في الطّاقة أو لزيادة في “القيم” الإيجابيّة والعقلانيّة بل بهذا الضّرر ذاته وبهذا الافتقار الّذي أصابه. من تلك اللّحظة فصاعدا، ستميل كفّة المسؤوليّة في تسيير العلاج إلى “جهة الطّبيب” وستستدعي نبل هذا “الرّجل الحذر” الذي سمّاه أرسطو حدّ الزّاوية “arete”.

إنّ هويّة محطّمة ومهلهلة لا تهب نفسها ولا تتعرّى للعلاج المناسب من أيّ كان. إنّها احتجاج جسد يتعذّب، أو وعي ميئوس منه. إنّها ترفع طلبا لا يمكن أن يدركه إلاّ من بإمكانه أن يصغي إليها جيّدا. فالتّكنولوجيات الإحيائيّة، الّتي تُستخدم على تخوم الموت والحياة، أو في أوكار الأمل/ اليأس، حيث تجري أحيانا أكثر الرّهانات جنونا للولادة والموت (طلبات التّخصيب الاصطناعيّ FIV، عرائض توسّل الموت الرّحيم)، تجد نفسها على الدّوام في مواجهة هذا الخلل في الاستقلاليّة. لذلك هي تستدعي بصورة عاجلة أن تظهر إلى الوجود إيتيقا ما: إيتيقا توجّه الفعل الطّبّيّ في أوقات المحن. وليست هذه الإيتيقا مسألة تتعلّق بكيفيّة التّصرّف في المواثيق وبوضع شبكة لها في حدّها الأدنى، وهي مواثيق خلافيّة ويتمّ تنفيذها من حين لآخر، بقدر ما تتعلّق بالحاجة الملحّة إلى الارتقاء المطّرد إلى “خيارات المجتمع” الّذي يقوم على قيمة تأسيسيّة هي قيمة الكرامة الواجب صيانتها. بين عناد العلاج الّذي يطيل أمد تدابير علاجيّة غير معقولة وبين ترك المريض لموت مستحقّ، هناك الأدوية المسكّنة للآلام الّتي تجعل من الممكن اليوم حماية الكرامة، وفي الوقت نفسه احترام الوقت الأقصى للموت، وذلك حينما يمارَسان حتّى الوصول إلى ما يسمّيه و. يانكيليفيتش W. Jankélévitch “تلك اللّحظة- الحدث الغاية في الضئالة ألا وهي وقف الحياة”.

إنّ رفع العقوبة عن القتل الرّحيم سيكون كما تقول س. بالّيشون بمثابة المجازفة بضعضعة “الأسس الأخلاقيّة الّتي يقوم عليها العيش المشترَك”، وذلك منذ اللّحظة الّتي نحكم فيها بـ”عدم أهميّة” المريض الّذي لم تعد حالته تستجيب لمعايير “الصّواب” ولمقتضيات الاستقلاليّة. بإجبارنا على الخضوع إلى إيتيقا الاستقلاليّة الّتي وصلت من خلال الانزلاقات المتعاقبة في معناها إلى إلزامنا “بوضع كلّ التّدابير الممكنة للامتثال لرغبات الأفراد”، مكرّسة بذلك علويّة “الحقّ المطلق” على “واجب الخير المشترك”، بإجبارنا على ذلك سنكون قد فقدنا فيها شيئا من إنسانيتنا.

هذا هو رهان البيوتيقا وهذا هو تحدّيها: تفكيك مفهوم الاستقلاليّة بنقل النّقد إلى صميم الفلسفة الّتي تحرّض على ذاك التّفكيك. في كتابه “نظريّة العدل”، يضع ج. روز J. Rawls العدل بمثابة الفضيلة الأولى والحرّيّة بمثابة “حقّ تفوق مرتبته جميع الحقوق الأخرى”، معطيا للاستقلاليّة بعدا اجتماعيّا على عكس بعض خلفائه. ما ينشأ عن ذلك هو أنّ “الأنا قد تمّ التّفكير فيه باعتباره يتنزّل في المرتبة الأولى مقارنة بالمقاصد الّتي يعلن عنها”. وفي مواجهة تصوّر مجرّد وإرادويّ للفرد قائم على معيار السّيطرة، تقدّم ك. بالّيشون التّصوّر الّذي صاغه أ. لوفيناس E. Levinas عن “المسؤوليّة تجاه الآخر” السّابقة على الحرّيّة. إنّ التّكنولوجيات الإحيائيّة تحول دون الامتناع عن إبداء أيّ حكم أخلاقيّ على “المقاصد” التّي تدافع عنها “الحقوق”. فليس بوسعنا أن نمتنع عنه بذريعة أنّ حرّيّة الفرد يجب أن تُعتبر “شرطا متعاليا”(ت- أنجلهارت T. Engelhardt). لأنّه عندئذ، ستؤدّي إيتيقا الحوار الّتي نمارسها من أجل تقويم التّكنولوجيات البيولوجيّة وتطبيقاتها وحدودها “إلى أن يقرّر الفرد بنفسه ما هو الصّواب غاضّا النّظر عن رؤيته الميتافيزيقيّة إلى العالم”. لا يتمثّل عمل ك. بالّيشون في إنكار أهمّيّة إيتيقا الحوار، بل في البرهنة على أنّها عمليّا قد تحوّلت إلى “إيتيقا الحدّ الأدنى éthique minimale (1)”. وهي إضافة إلى ذلك، بل بالخصوص، تستدعي القيام مسبّقا بإعادة رسم القيم المشتركة الّتي هي أساس مؤسّساتنا.

عكس “تصوّر عقلانيّ” للإنسان يستند إلى أولويّة الاستقلاليّة في تحديد الذّات، تقترح ك. بالّيشون تشكيل “إيتيقا العطب éthique de la vulnérabilité” الكفيلة وحدها، في خضمّ الانقلاب الّذي أدّى إليه الاتّساع المتعاظم باستمرار لميدان التّكنولوجيات الإحيائيّة، بالتّفكير بطريقة جديدة في تصوّر “إنسانيّة الإنسان”. وإذا كان هايديغر يرى أنّ Da Sein، أي الوجود هنا، يعني أن يكون الإنسان “دائما سابقا على ذاته” وبالتّالي أن تساهم القصديّة intentionnalité والإرادة volonté في هذا الإسقاط، فإنّ فكرة الذّاتيّة مفكًّرا فيها باعتبارها قابلة للعطب تدحض هذه الرّؤية المسيطرة عن الذّات. إنّها تقرن، في إطار العلاقة بين المريض والطّبيب المسؤول عن استعمال تكنولوجيات المعاناة أو الرّفاهة، بين عزلة الذّات المعذّبة و”عزل الأنا”. بمعنى أنّه إزاء “الكوجيتو المهشًّم” للمريض، لا بدّ أن تكون للمعالِج القدرة على “التّخلّي” عن “سيادته الشّخصيّة”، على التّنحّي عن “توحّده” ليكون تماما “مسؤولا بنفسه عن الآخر”، وفي هذا “تتجذّر هذه المسؤوليّة أو هذه الغيريّة”. من خلال هذا “الخروج من الأنا” يتمّ فهم “سموّ” الآخر باعتباره إنسانا. حينئذ تصير العلاقة ممكنة بين مريض يعيش محنة الموت أو الألم المستمرّ، ومستسلم كما هو في غياب للعقل والوعي في أغلب الأحيان، وبين المعالِج القادر على ما تدعوه ك. بالّيشون بعد أ. لوفيناس “الإحساس بالآخر” concernement، أي هذه المسؤوليّة تجاه الآخر الّتي تعني فورا منح الذّات. هكذا، بإدراجها لحقل التّكنولوجيات البيولوجيّة في مركز استنطاق فلسفيّ حول الجزء الإنسانيّ الّذي لا يُقهر في الإنسان، تلتقي س. بالّيشون مع إشكاليّة لوفيناس (فيما عدا الوجود أو ما وراء الماهية، الإيتيقا والمطلق Autrement qu’être ou au-delà de l’essence ; Éthique et Infini ) ومع تصوّره للمسؤوليّة باعتبارها انفعالا ومع مفهومه للاستبدال. ففي هذا العطاء، في هذه الهبة، “في هذه الغيريّة، لا يتدخّل أيّ تفكّر أكان إيجابيّا أو سلبيّا ولا أيّة أرادة(…) فمن المستحيل عندي أن أتجاوز كلّ شيء لكي لا أبالي إلاّ بنفسي”. ويبدو لي من المهمّ، في هذه النّقطة الّتي يكون فيها التنحّي المزدوج أمام المرآة مؤسّسا للعلاقة الإنسانيّة، أن نلاحظ تماثلها الدّقيق، في الطّابع الصّوفيّ المجرّد، مع واجب تنحيّ الأنا في بحثها عن هذا الآخر “اللاشيء” الّذي هو إله المؤمن، اللاّشيء لأنّه خارج عن أيّة قيمة وأيّة خاصّيّة. وبهذا، يمكن للذّات أن تعود مرّة أخرى على أنقاض “المخلوق”. كذلك الأمر في أوكار الموت واليأس الّتي تُعتبر الأقاليم المفضّلة للتّكنولوجيات البيولوجيّة، إذ تكون الذّات “مرآة للآخر” بشرط تنحّيها الشّخصيّ عن “أناها”: “تُدرَك الذّاتيّة في غيريتها”، الّتي لا تُستند هنا بأيّة حال من الأحوال إلى وجود إله ما.

تقارُبُ المعالِج والمعالَج: لا وجود هنا لأيّ اندماج تعاطفيّ بل هناك علاقة مبنيّة على إيتيقا الهشاشة éthique de la fragilité الّتي ترفض تحديد الإنسان اعتمادا على تمكّنه من الاستقلاليّة ومن الإرادة ومن التّخطيط، منذ الوهلة الّتي يتمّ فيها اعتبار الإنسانيّة هنا باعتبارها على الدّوام “ما وراء، أو ما دون” هذا الحدّ في المعنى. ووصلت ك. بالّيشون إلى طرح السّؤال الوحيد الّذي سيكون في المستقبل هو المهمّ: أليس جديرا بنا، في الوضعيات القصوى، “أن نقرّ بأن الكائن البشريّ هو ذات للاّمعرفة”؟ إزاء هذه الذّات الموجودة في صميم الحبكة التّقنيّة الإحيائيّة، المشرفة غالبا على الضّياع، أو الّتي تعيش حالة كبيرة من الشّقاء الوجوديّ، تلتقي مسؤوليّة المعالِج مع مسؤوليّة الفيلسوف: إنّها مسؤوليّة “لا تبادليّة”، كما في التّصوّف حين يعبّر “حبّ خالص” عن نفسه في التّضحية الكلّيّة باعتباره عطاء “مجانيّا”. حينها لم يعد من الممكن التّعبير عن الحرّيّة بمفردات الاستقلاليّة بل باعتبارها “تجربة لفقدان الحرّيّة”. أي تجربةُ مشارَكة: فإن كنت “أستجيب لهذا الإنسان الّذي يستنطق جزء منّي أنا”، فذلك لأنّ هذا الآخر يظلّ، من خلال النّقص الّذي يعانيه بالذّات، ذاتا “تلوّح” إليّ في تمام إنسانيتها، بعيدا عن الخير والشّرّ. تقول ك. بالّيشون: “ليست الغيريّة خارجة عنّي، بل هي في داخلي. إنّها لا تجعل من إحساسي بالأجساد المعذّبة عاديّا بل حميما”. ولا يستند هذا الإحساس إلى مرجعيّة علويّة ما، ولكنّه، إذ يتخلّى عن تلك الضّفاف الّتي يدخل فيها الورع piété والشّفقة pitié في لعبة جناس زائفة في أغلب الأحيان، يتّصل عندئذ بمبدأ “الاستبدال” الّذي “انطلاقا من الغيريّة في ذاتها l’altérité en soi يلتمس “قابليّتي أنا للعطب”.

إنّ هذا الّذي يعيّن الوضع الأنطولوجيّ للإنسانيّ في الإنسان له نزعة سياسيّة بكلّ ما في الكلمة من معنى، نزعة تامّة الحقوق المدنيّة. فلئن كان هوبز يحدّد “اجتماع البشر” بسبب الخوف، وإذا كان هايديغر لا يتعرّف على “قيمته الخاصّة بالنّسبة إلى العالم المحيط به وإلى التّعدّديّة وإلى الحياة الفعليّة”، فإنّ هناك مفكّرَيْن اثنين يشيران إلى مخرج ممكن لمسألة اعتبار خصوصيّة كلّ شخص من جهة ونزعته إلى الكونيّة من جهة أخرى. أوّلهما ليو شتراوس Leo Strauss الّذي لا يرى العقلانيّة إلاّ “متّصلة اتّصالا وثيقا بنقد للعقل”. وتؤكّد ك. بالّيشون، الّتي خصّصت لهذا الفيلسوف الأمريكيّ كتابا حديثا صار اليوم مرجعا، أنّ العقل لم يعد “المصدر الوحيد للحقيقة”، وأنّه قد صار من الممكن حينئذ التّفكير، بكلّ ما في فكر حقيقيّ من قوّة، في “هشاشة الإنسان”. والمفكّر الثّاني هو بول ريكور الّذي يفكّر في “ذاته باعتبارها آخر”، ويقدّم هذا النّموذج باعتباره علّة وجود المدينة، واضعا بذلك حبكة تأسيسيّة تجمع بين كونيّة الفرد وخصوصيته، بين تاريخانيّته historicitéوفرادته. وتساهم التّكنولوجيات البيولوجيّة في هذه الحبكة حينما لا تقوم بإعادة حبكها باستمرار. من هنا فصاعدا، لم تعد الكرامة هي استقلالية ذاتٍ حرّة كلّيّة النّفوذ، ولكنّها على العكس من ذلك تلتفّ على نفسها في صميم “الاستقلاليّة المحطّمة”. إنّها تقوم بذلك على نحو مضاعف: فهي تأخذ المريض باعتباره مسلوب السّيادة. ولأنّه يمنح (ويكابد)، باعتباره آخرا، كرامته مناصفة، فهي من هنا بالذّات تدعو المعالِج والفيلسوف، وباختصار أيّ إنسان آخر أن يجعل من العطاء المتبادل للكرامة المماثلة أوّل واجباته: “إنّ الآخر الّذي ليس لي تجاهه سوى الواجبات ليس فقط هو هذا الإنسان الضّاجع على فراشه في المستشفى بل هو أيضا هذه الإنسانيّة النّابضة المتألّّمة القادمة وحتّى تلك الإنسانيّة الماضية الّتي تسلّمتُ منها الوصيّة”. بقلبها لوجهة النّظر الّتي تسائلها، تضع التّكنولوجيات الإحيائيّة في مركز الرّابطة الاجتماعيّة ومؤسّسة المدينة واجب الغيريّة أكثر ممّا كانت تطالب به أيّة تقنية طبّيّة أخرى حتّى الدّخول في هذه العصر الجديد.

حين تقول ك. بالّيشون “إنّ إنسانيّة الإنسان لا تتوقّف على ملكة التّفكير وإنّها تُعطى من الآخر” فهي تفتح بذلك، على غرار أدغار موران، فضاء من المسؤوليّة الجماعيّة يمتدّ حتّى “أبعد آخر في الآخرين”، حتّى أكثر الغيريات ابتعادا ولكنّها أيضا الأكثر اقترابا. وهكذا يجد تعريف الذّات نفسه عندها مقلوبا: : “وحدها تجربة الغيريّة حين تمارَس فيها (أي في الذّات) يمكنها أن تحقّق هذا القلب للذّاتيّة الّذي يُعتبر مفتاح عصر الأنوار الجديد”. إذن بَلا، لم يعد المطلوب هو تأويل العالم بل إنّ ما يجب القيام به هو تغيير مقياسه وكذا معناه.

{{المقال منشور على الموقع الالكتروني CAIRN.INFO عدد 148- أفريل-2009. وهو مقتطف من كتاب:

Corine Pelluchon, L’autonomie brisée. Bioéthique et philosophie

Paris, Presses Universitaires de France, 2008, 315 p.}}

{{هامش:}}

1- إيتيقا الحدّ الأدنى :L’éthique minimale هي نظريّة أخلاقيّة معاصرة بلورها الفيلسوف الفرنسيّ روون أوجيان Ruwen Ogien . وقد ظهر هذا التّصوّر في أكتوبر 2003 في كتاب عن الإيتيقا التّطبيقيّة، وهو يقترح أن يقع اختزال الأخلاق في ثلاثة مبادئ تكون بمثابة الإطار لإيتيقا مستلهَمَة من اللّيبراليّة ولا تريد أن تكون أبويّة. ولئن شهدت هذه الصّياغة طوال تمظهراتها المختلفة تغيّرات عديدة إلاّ أنّها ظلّت ممركَزة حول مبدأ عدم الإضرار principe de non-nuisance وحول الاعتبار المتساوي للجميع. ( المترجم)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق