البيوطيقا: سلطة التّقنية وتنافر القيم(2)

هناك سؤال يطرح بقوة من خلال تجربة الوجود الراهنة، هو: ما الذي يمكنني أن أفعله بجسدي؟ كيف أنمّي من خلاله شكلا خاصا في اختبار جمالية الحياة؟ وأمنح نفسي حقلا خصبا من المتع؟ فالجسد غدا وطني الأخير لمباشرة علاقة مختلفة مع الأمل والزمان والقدر.

يحدد ذلك الإطار الحيوي للحداثة الذي لن يكون سوى الجسد لأنه ينطوي على تثمين للحاضر. فالحياة التي منها نكوّن حيزا خاصا للوجود ليست متاحة أمامنا إلا كلحظة؛ أي كندرة خالصة. وهذه اللحظة هي الجسد عينه. يعني ذلك أنّ الجسد هو ما يجعل من الوجود تجربة. شرحنا ذلك في كتابنا الموسوم بـ” الفرد، الكونية والله: الحقّ في الجسد”. فالأفق الوجوديّ بكامله محدّد كجسد، أي كرغبة تسمح بابتكار إمكانية متفرّدة للحياة .

ينطوي كلّ ذلك على تحوّل يكتسي قيمة الثورة. لكنها ليست ثورة منجزة من داخل الفكر السياسيّ والأخلاقيّ أو حتى الفلسفيّ، وإنّما من ذلك العمل المباشر للتقنية والمعرفة الطبّية المطبقة داخل المصحات وقاعات العمليات ومختبرات البحث ومراكز الترويض والتجميل وتقويم التشوّهات الجسمية…

فقد أشار الفيلسوف الفرنسي مشيل أنفراي غير مرّة وفي مواقع مختلفة من أعماله، أنّه لم يعد بإمكان الفلسفة أن تفكّر في الوجود وفي الإنسان دون استحضار النقلات النوعية التي يعرفها الطبّ وتكنولوجيا الجسد.. فتحوّل هذا الجسد من مجرّد قدر يتلقّاه الإنسان من الطبيعة بسلبية ويتكيّف مع منطقه، ويتعايش باستسلام مع ما يحمله من حتمية للموت والشيخوخة والهرم والعجز، إلى كيان يمكن ابتكاره وتعديل قدراته وتغيير سرعته وتفعيل إمكانياته. إنه شيء يُنحت ويُبتكر ويُجوّد أداؤه.

فالتقنيات الطبية الجديدة (زرع الأعضاء وتشبيب الخلايا) تحوّل الجسد إلى أرضية لاختبار الزمان بمنطق مختلف، وصياغة الوجود كتجربة مغايرة، تجعل من الجسد تجربة جديدة غير معهودة بالنسبة للكائن الإنسانيّ.

إنّ عصرا ما لم يكن ليحوز على خصوصيته إلا من خلال الكائن الذي يسوده والرغبة التي تحرّكه. ذلك بالضبط ما ينطبق على عصرنا حيث تعتمل مفعولات ثورة جذرية بعيدا عن المنظومات الإيديولوجية التي تعهّدت من قبل توجيه التاريخ. وبعيدا كذلك عن الفلسفة والأديان التي انشغلت كثيرا بالبناء اليوتوبي للوجود.

فقد غدا الجسد استحقاقا للكائن ومن خلاله الحاضر. استحقاق حمل شكل انشغال يوميّ يرتّب نفسه بناء على تنظيم مختلف للمبادئ الموجّهة للحياة. فالأبحاث الجينيّة والممارسات الطبّية غيّرت من مضمون الحياة والموت والقدر والغيب. فأصبحت الحياة برمجة تدخل في تصرّف البشر والموت، وأضحى الموت هامشا متروكا لفشل علميّ مؤقّت قابل للتدارك المستقبليّ.

يدرك المشروع الإنساني في هذا السياق كجسد، أي كبناء مسترسل للرغبة. وأكثر من ذلك فالجسد يتكوّن كميدان حميم من خلاله يملك إنسان اليوم أملا في تجربة جديدة. “فالجسد ـ كما قالت إزابيل كوفال ـ هو ما تبقّى عندما اندثر كلّ شيء”. إنّه المستقبل عينه، أي المستقبل الذي يتأكّد من زيادة قوة الأعضاء عوض تراجعها، وشباب الخلايا عوض موتها، وتجميل كيان الجسم وتشديد جاذبيته عوض شيخوخته وعجزه..

يدخل هذا الوضع الجديد للجسد الفرد في سياق مختلف موسوم بعلاقة مغايرة بالماورائيات والمتعاليات. فمهما بلغت درجة إيمانه ومتانة عقيدته الشخصية، فالفرد المعاصر يغدو إلـــه نفسه. “فأن أبقى شابا لأطول أمد ممكن، وفي صحة جيدة، كل ذلك يتعلق بي” (إيزابيل كوفال: الجسد اليوم)، إنّ الجسد لم يعد المجال الإنسانيّ الذي تباشر فيه الطبيعة نفوذها الذي يتلقّاه البشر كقدر، بقدر ما أصبح مكان مقاومة الطبيعة بعدما استعمرته التقنية الطبية. إنّه أضحى مجال تحرّر إنسانيّ كثيف؛ تحرّر من سطوة القدر الذي تغيّر مضمونه بشكل جذريّ ليغدو هو حدود التقنية الطبية التي في إطارها يباشر جسد الفرد في وقت معيّن.

إننا نستحضر ذلك النقاش الذي رافق ما سمّي حينها ظاهرة الجدّات الحوامل والذي غلّف بمنطق أخلاقيّ حجب عمق التحوّل الذي أرسته هذه الإمكانية الطبية. انضاف إلى ذلك التطوّر الهائل الذي ترتّب عن كشف الخريطة الجينية وبروز إمكانية الاستنساخ وما فتحه من أفق للتحقّق المادّيّ لفكرة الخلود. يحدّد كلّ ذلك شكلا خاصا لتجربة الوجود راهنا تغيّرت فيها المفاهيم الأساسية المؤطّرة للكائن.

مثلا، حول الجسد مضمون القدر، إذ لم يعد القدر إلــهيّا، وإنما طبّيٌّ موضوع رهن التصرّف التقنيّ الذي تحمله المعرفة الطبية. فقد تحوّل كلّ شيء بشكل جذريّ. وزراعة الأعضاء أحدثت تحوّلا في كيان الكائن؛ فنهايته ليست هي نهاية أعضائه التي تواصل حياتها من داخل كائن آخر تزرع فيه لتمنحه امتدادا في الزمان يسمّى عمرا. ينطوي ذلك على تحوّل آخر لا يقلّ أهمية . فهو يعني أوّلا أنّ الجزء أبقى من الكلّ، وأكثر من ذلك يحدّد الجسم كتركيب من أزمنة مختلفة وأعمار متفاوتة. لكلّ عضو ذاكرته وعمره الخاصّ..يتعلّق ذلك في جملته برغبة في منح أمد أطول للحياة بجودة أحسن وقدرة أكبر على الاستمتاع.

يكتمل مفهوم القدر من داخل التقنية الطبية في ارتباط بالجسد لتتحدّد دلالته بشكل تجريبيّ في كوني لا أحتكم لزمن لا متناهي وإنما لجزء فقط من الزمن وفيه يمكن أن أشكّل أفق حرّيتي الخاصّة. فقد فصلت في مرحلة أولى الجنس عن الغاية الإنجابية. وحرّرت المتعة من واجب التناسل. وفي مرحلة لاحقة حرّرت التناسل من الجنس. إنّ ذلك يعني أنّ تسلسلا منطقيّا بين الجنس والإنجاب؛ وهو التسلسل الذي سيّج الممارسة الجنسية بنطاق أخلاقيّ، قد انقطع. ليصبح الجنس المكان الحميم الذي تتكوّن فيه اللذّة كحقّ للجسد، ويتكوّن هذا الأخير كمجال مفتوح أمام الكائن للاستمتاع. لكلّ ذلك معنى أكثر جذرية هو القطع النهائيّ مع تاريخ طويل ينسخ اللذة في الإنجاب كمهمّة أسمى للفعل الجنسيّ والتي منها يكتسي طابعه الأخلاقيّ.

يعيد الطبّ ابتكار الجسد، ويوسّع إمكانياته ويجعل منه الرهان الأقصى للمعارف، ليخلق منه يوتوبيا عصر جديد. فالاستعمال التقنيّ للجسد من الحمية إلى الرياضة إلى جراحة التجميل وترميم الأعضاء الداخلية، يؤسّس لتجربة خاصّة في الوجود تتشكّل في عمقها كجري متواصل وراء جسد مثاليّ، كملاحقة لجسد مكتمل ممتع إلى الأبد، حيويّ بال خمول، راغب بلا خيبة، ومتوثّب بلا إحباط.. إنه إعادة تشكيل للمثاليّ في عمق الكيان المادّيّ الذي يمتلكه الإنسان، فالمثاليّ المنشود لا يوجد إلا في ما تختزنه أجسادنا من قوّة ورغبة واشتهاء.. فالروح التي تخيّلها الناس وقدسوها وافترضوا أنها تحمل ما تبقى من وجودهم العابر، أي الأساسيّ والجوهريّ، لم تكن سوى الجسد. فمن خلال الروح يحلم الناس ليس بشيء مفارق لكيانهم الجسدي ومناقض له في الطبيعة والجوهر، بل بوضعه الأكثر كمالا؛ أي بجسد لا ألم فيه وبلذّة لا تنتهي وبجمال لا قرف فيه وبشباب لا يهرم وبمتعة لا تبرد..

فالروح في نهاية المطاف تنسيق من تنسيقات الجسد. وسواء في الأرض أو في ماورائها فوحده الجسد الكيان الوحيد الحامل للمشروع الإنساني.. إنه القدر الأخير لهذا الكائن، أي قدر أن يكون حرّا ويتحمّل حريته كتغيير دائم لوجوده الخاص وللعالم من حوله..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق