البيوطيقا: سلطة التّقنية وتنافر القيم(20)

شهدت تسعينات القرن المنصرم تطوّر ما يسمّى “تقنية الخلايا الجذعية”، وهي تعني بشكل مبسّط الانطلاق من الخلايا الجذعية ذات الإمكانيات المتعدّدة للتمايز النسيجي نحو بناء نسائل خلوية ونسيجية مختلفة، حسب الحاجة والرغبة، بغية استخدامها لغايات طبّية وبحثية. والخلايا الجذعية (ظهر المصطلح للمرّة الأولى عام 1908 على يد عالم النسج الروسي ألكسندر ماكسيموف) موجودة بشكل طبيعيّ في أغلب الأعضاء الحيّة، وتتميّز بقدرتها على التمايز عبر انقسامات خلوية متعدّدة متتالية، إلى طيف واسع من أنواع الخلايا الناضجة والمتخصصة. وفيما يتعلق بالثدييات، ومنها البشر بطبيعة الحال، تقسم الخلايا الجذعية إلى نوعين كبيرين : الخلايا الجذعية الجنينية التي تشاهد لدى الأجنّة، والخلايا الجذعية الناضجة التي تشاهد في الأنسجة الناضجة والأعضاء المتخصصة. وقد بدأت الأبحاث حول تلك الخلايا الجذعية منذ ستينات القرن الماضي وتطوّرت تطوّراً كبيراً في تسعيناته، وبلغت الأبحاث ذروتها مع انقضاء العقد الأوّل من الألفية الجديدة، مبشّرة بتطوّرات جديدة مذهلة خلال السنوات القادمة.

وقد كانت الأبحاث والتجارب تجرى بشكل رئيسيّ على الخلايا الجذعية الجنينية، ولأنّ أبحاث الخلايا الجذعية الجنينية تمثّل بشكل خاص تحدّياً أخلاقياً واجتماعياً وقانونياً ودينياً، فقد أثارت منذ انطلاقتها نقاشاً كبيراً وأشعلت جدالاً حادّاً يتعلّق بالجانب الأخلاقيّ والاجتماعيّ والقانوني والديني، الأمر الذي حثّ المؤلفين حول العالم على الاجتهاد والتنقيب، بحثاً عن إطار تنظيميّ مناسب لها، أو عن حجج قوية ومقنعة لإيقافها.

وقد اعتبر خصوم تقنيات الخلايا الجذعية الجنينية ومعارضوها، أنّها تشبه منحدراً زلقاً، لأنها عملية استنساخ يمكن أن تنقص بشكل كبير من قيمة الحياة الإنسانية، وطرحوا فكرة أنّ الجنين البشري هو طليعة حياة إنسانية، ويجب تبعاً لذلك أن يمنح حقّ الحماية، ونشأت بهذا الخصوص حركة ما قبل الحياة the pro-life movement التي تتبنى تلك الفكرة وتناطح عنها.

أمّا مؤيّدو تلك الأبحاث فقد شدّدوا على ضرورة الاستمرار في تلك الأبحاث والتجارب، لما يمكن أن يكون لها من فوائد ومنافع طبية هامّة، مقترحين استخدام الأجنّة الكبيرة المستنبتة في الزجاج، برضا أصحاب الشأن وموافقتهم.

ولكنّ هؤلاء المؤيّدين خسروا جولة هامّة، لكن غير حاسمة، من الصراع في عهد إدارة جورج بوش الابن التي فرضت قيوداً صارمة على التمويل الفدرالي لتلك الأبحاث، مرتكزة على قاعدة دينية وسياسية، وهي قيود استمرت طيلة ولايتي بوش الابن (2001 ـ 2009). ولم ترفع تلك القيود، التي لم يتوان كتّاب وعلماء أمريكيون عن وصفها بالحمقاء، إلا مع تسلّم باراك أوباما كرسي الرئاسة الأمريكية، حيث اتخذت إدارته الصيف الماضي قراراً برفع القيود المفروضة على الموازنة الفدرالية للأبحاث الطبية التي تستخدم الخلايا الجذعية الجنينية البشرية. واعتبر ذلك القرار تعبيداً للطريق أمام إطلاق الأسبوع الأخير من ثلاث وثلاثين نسيلة خلايا جذعية موجودة في المعهد الوطني للصحة في الولايات المتحدة الأمريكية، وما يمكن أن يؤدّي إليه ذلك من تعزيز فرع جديد كلياً من العلوم الطبية، وهو فرع يقدم وعوداً كبيرة لعلاج عدد لا يستهان به وشفائهم من الأمراض الخطيرة. حتى أن بعض العلماء يعتبرون أنّ تقنية الخلايا الجذعية الجنينية وما يمكن أن تنتجه من طيف واسع من الأنسجة، هي إنجاز ضخم لا يقلّ أهمية عن اكتشاف الصادات الحيوية بأطيافها الواسعة والمتجددة. ولأنّ القيود البوشية الدينية والسياسية على الأموال الفدرالية اقتصرت على أبحاث الخلايا الجذعية الجنينية، فإنّ أبحاث الخلايا الجذعية البالغة استمرّت بالتطوّر بشكل معقول خلال السنوات الماضية وحقّقت نجاحات جيّدة، بينما تباطأت أبحاث الخلايا الجذعية الجنينية التي أتيحت لها فقط بعض الأموال الخاصة غير الكافية في كلّ الأحوال. مع وجود استثناء وحيد ومبشّر تمثّل في موافقة الناخبين في ولاية كاليفورنيا على إنشاء رابطة لتنظيم التمويل لأبحاث الخلايا الجذعية بنوعيها الجنينية والبالغة وبدون أية قيود. وهذه الرابطة التمويلية مع صناعة البيوطيقا الواسعة الانتشار في كاليفورنيا، خاصّة في منطقة الخليج، جعلتا منها موطناً لأحدث ما توصّل إليه العلم في مجال أبحاث الخلايا الجذعية الجنينية والبالغة. ومع إطلاق نسائل جديدة من الخلايا الجذعية الجنينية ورفع الحظر عن الدولارات الفدرالية، يستبشر المختصون خيراً فيما يتعلّق بالصحة الاقتصادية للصناعة الناشئة والوعد باختراقات كبرى في معالجة الأمراض. ويقدّر حالياً أنّ هناك ستة وسبعين خطّ خلايا جذعية تنتظر الدراسة والإطلاق من أجل الأبحاث الطبية. مع تخطيط الباحثين لتقديم مائتين وأربعة وخمسين خطاً إضافياً لنيل الموافقة عليها من المعهد الوطني للصحة. ويندرج في هذا الإطار مثلاً موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA على أول تجربة على البشر لمعالجة أذيات النخاع الشوكي باستخدام خلايا جذعية جنينية.

وإذ يعتقد العلماء أن الخصائص الفريدة للخلايا الجذعية الجنينية تقدم فرصاً أكبر لتطورات طبية رئيسية جديدة، فإنّ تطورات هامّة في مجال استخدام الخلايا الجذعية البالغة قد سجلت كما ذكرنا خلال السنوات الأخيرة. ولعلّ أهمّ تلك التطورات هو الاكتشاف الذي أعلن عنه قبل سنتين، حول إمكانية إعادة خلايا الجلد الطبيعية الناضجة إلى حالة جنينية غير ناضجة أو متعددة الإمكانيات، وقد لاقى هذا الاكتشاف ترحيباً كبيراً كحلٍّ للمسألة الأخلاقية المثيرة للجدل التي واجهت علم الخلايا الجذعية خلال العقد الأخير. واعتقد العلماء أنّ هذا هو الحلّ الأخلاقي وأنهم اقتربوا من الخطوة الصحيحة نحو إزالة العوائق الأخلاقية من طريقهم، ولكن ذلك للأسف لم يكن صحيحاً تماماً، لأنّ الخلايا الجذعية متعددة الإمكانيات المحرَّضة أضافت بكل بساطة بعداً جديداً إلى المناقشات الأخلاقية والاجتماعية والقانونية التي تشكل جزءاً هاماً وضرورياً من تطورات الخلايا الجذعية.

وقد كانت هذه القضية في صلب المناقشات التي أجراها فريق عالمي من أبرز العلماء والمهتمين بالأخلاقيات الحيوية وطلاب القانون، الذين حضروا ورشة عمل نظمتها شبكة الخلايا الجذعية، الصيف الماضي، في برشلونة الاسبانية. ونشرت نتائج تلك الورشة في مقالة في مجلة الخلية Cell في كانون الأول / ديسمبر 2009. ومن بين المواضيع التي لخصتها المقالة : القبول والسرية والترجمة السريرية والخاصية العقلية المتعلقة بالخلايا الجذعية متعددة الإمكانيات المحرَّضة التي تستخرج لأجل تجربة علمية و / أو معالجة سريرية.

وقد اعترف باحث رئيسيّ في شبكة الخلايا الجذعية هو تيموثي كوفيلد Timothy Caulfield الذي يشغل مركز مدير البحث في معهد القانون الصحي التابع لجامعة ألبرتا الكندية، بأنه رغم أنّ تقنية الخلايا الجذعية متعددة الإمكانيات المحرَّضة نجحت في أن تخلصنا من بعض القضايا الأخلاقية الخاصة بأبحاث الخلايا الجذعية الجنينية المنشأ، إلا أنها أضافت في الوقت عينه تحدّيات أخلاقية وإشكاليات قانونية جديدة. ويقول كوفيلد في هذا الصدد:”من وجهة نظر قانونية، تعتبر تقنية الخلايا الجذعية متعددة الإمكانيات المحرَّضة تقنية بالغة التعقيد. فعلى سبيل المثال، إذا كان من الممكن لخلية جذعية متعددة الإمكانيات محرَّضة أن تصنع داخل المشيج (النسيج التناسلي) الإنساني الوظيفي، فهناك إمكانية متوفرة من أجل تحقيق أهداف تناسلية، وهذا يعني ضرورة موافقة المتبرع أو المعطي، مع التركيز على الاستنساخ وحقوق الطفل المحتمل في معرفة والديه. وما الذي يمكن أن يعنيه هذا للممارسات التناسلية المساعدة، وللآباء، أو على الأصح للراغبين في أن يكونوا آباء، مع عدم وجود أيّ خيار آخر أمامهم؟ مهما تكن الإجابة، نحن نعرف أننا نحتاج إلى تطور كبير في التفكير وفي الإدارة والتنظيم بخصوص هذه القضايا وقضايا أخرى كثيرة.”

ويوافق مايكل رودنيكي Michael Rudnicki المدير العلمي لشبكة الخلايا الجذعية على ما سبق، معتبراً أن التطور في الخلايا الجذعية باستخدام الخلايا الجذعية متعددة الإمكانيات المحرَّضة يقدّم وعوداً مذهلة. وإذا أمكن أن تصنع الخلايا الجذعية متعددة الإمكانيات المحرَّضة بشكل آمن للمعالجات السريرية، فإنها سوف تشكل أخيراً الموزع / المعطي الأسرع والأقل كلفة اقتصادية. وبتحفظ العلماء المعهود يختم رودنيكي قائلاً :” إنني كعالم أظلّ محترزاً. فالأمر يعتمد بشكل كبير على إمكانيات المستقبل، وهناك الكثير من العمل الذي ينبغي القيام به في المختبرات قبل أن يتحول الأمر إلى واقع علاجي.”

ما يمكن استنتاجه من كل ما سبق هو أن تقنية الخلايا الجذعية، رغم كلّ تطوّرها من الناحية العلمية، ورغم كلّ ما تعد به من الناحية الطبية والعلاجية، فإنها ما زالت تشكّل تحدّياً أخلاقياً وقانونياً واجتماعياً ودينياً، وتبحث بالتالي عن الإطار التنظيمي المناسب والمرضيّ ـ ربما ـ للجميع، إذا ما كان ممكناً أن يرضى الجميع!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق