البيوطيقا: سلطة التّقنية وتنافر القيم(7)

تميّز المجتمع المعاصر، من جملة أشياء كثيرة تميّز بها، بقدرة أفراده على التفلّت من شكل السلطة التقليدية للمؤسّسات الأخلاقية التي ما زالت تظنّ أنّها تحكمه، وأيّا كانت مرجعية هذه المؤسّسات (اجتماعية، دينية، عقلية… إلخ)، فإنّها تساوت جميعها أمام استمتاع الفرد الكائن، استمتاعاً يصل حدّ التلذّذ، بمقدرته على التملّص من سطوتها، حيث صار يجد تحقّق معنى كينونته خارج الإطار المؤسّسيّ لكلّ مؤسّسة. ويبدو أنّ سبب ذلك، هو ذهاب الإنسان بعيداً في مسار عقلانيته لدرجة مفارقة لم تخرجه عن حدود الوسائل (المؤسسات) فحسب، بل وعن حدود الأهداف والغايات التي كانت تتطلّع إليها العقلانية، منذ ثلاثة قرون، كأهداف نهائية ومطلقة لها. يبدو إذن أنّه لا مفرّ من شمول البداهة التي تقرّر أنّ كلّ شيء يحمل بذور نقيضه في داخله، وبنموّه وتطوّره فإنّه ينمّيها ويطوّرها أيضاً، حتى تقوى عليه فينقلب إلى ضدّه، وبالتالي فكلّ شيء منته إلى زوال لا محالة.

ورغم الحضور الطاغي والواثق بذاته للأفكار الأخلاقية- العقلية في أغلب تيارات الفلسفة الحديثة واتجاهاتها، إلا أنّ هذه الفلسفة كانت في أساسها استجابة فكرية لمجتمع جديد أحدث قطيعة نهائية مع ماضيه الكهنوتيّ ذي الصبغة التراتبية على صعيد علاقة الفرد بالمجتمع وموقعه بين الطبقات، ومع ماضيه الإقطاعيّ ذي الصبغة المستقرّة على صعيد التبعية والجمود الاقتصاديّ، فكانت ذاتية ديكارت وبروتستانتية لوثر وليبرالية لوك وفردانية كانط أهمّ أناجيل العقلانية التي سترسم شكل حياة الإنسان المعاصر. ثمّ كانت أعمال سميث وفيرغسون وغيرهما من الاقتصاديين الانجليز الجدد رديفاً فكرياً يدعم التطلّع نحو الفعالية الاقتصادية الحرّة كمجال ثر للإنسان المعاصر.

مضى وقت طويل حتى وضعت العقلانية أسسها، فتكوّن المجتمع البرجوازيّ الحديث، وتبارت أنظمة الحكم “الرشيد” في خدمة الإنسان، ونشطت الآداب والفنون، وتقدّم العلم، وصار تحقيق السعادة، من خلال أقصى درجات الرفاهية، هو غاية الغايات التي تمّ الإعلان عنها صراحة ودون مواربة.

ثمّة طريق واحد كان مشرعا بقوة أمام تحقيق هذه الغاية، إنه التكنولوجيا التي من السذاجة عدّها مجرّد وسيلة لتحقيق السعادة والرفاه، ففيها تكشّفت أبعاد أخرى أكبر من ذلك بكثير، حتى غدت المجال الأكثر خصوبة وحيوية لتحقيق فاعلية الكينونة الإنسانية ليس في السيطرة على الطبيعة فحسب، بل وفي إعادة إنتاج هذه الكينونة خارج ذاتها، من خلال الآلة التي سرعان ما انتقلت من خضوعها لسيطرة الإنسان عليها إلى سيطرتها عليه وخضوعه لها. ولا شك أنّ التصوّر الساذج للآلة جعل الإنسان يدرك متأخّرا خطرها عليه، فهو لن يعي سطوة المارد إلا بعد أن يكسر القمقم، ولكنّ الأوان سيكون قد فات. لذلك تصوّر الإنسان الآلة أداة طيّعة بين يديه تخفّف تعبه وتزيل ألمه وتحفظ حياته، وكان يظنّها هبة من هبات الله له وآية من آياته، تنبض بالمحبة والرحمة، غير أنّ العلم لم يستطع أن يمضي بعيداً في التقدّم التكنولوجيّ إلا بالتوازي مع سيره في طرق لادينية بعيدة عن حضور الدين ومظلّة الإله. وهو الشرط الذي كان ضرورياً لتقدّم العلم.

أحدثت تجربة قنبلتي هيروشيما وناكازاكي جرحاً بالغاً في ضمير الإنسانية، واستنفرت العقول المستنيرة مندّدة بجريمة نكراء لم يسبق لها مثيل في التاريخ، فبدأت تطرح السؤال الأخلاقيّ حول التكنولوجيا التي أدّت إلى هذه النهاية حسب ظنّهم، لكنّها في الحقيقة لم تكن سوى البداية، فالمارد خرج من قمقمه وانتهى الأمر.

كانت الأسئلة المطروحة ساذجة ومبسطة أيضاً، تدور حول مجرّد الشعور بالمشكلة وتلمس نتائجها، دون القدرة على الغوص في جوهرها، وكانت المفارقات التي ركزت عليها هذه الأسئلة تكشف أنّ الإنسان لم يع بعد حقيقة المشكلة التي تواجهه، فلم يكن بالتالي مستعدّا هو لأن يواجهها. لذلك دارت هذه الأسئلة حول مفهوم التقدم وماذا يعني، وما هي الحضارة؟ وكيف يستقيم التوفيق بين نتاجها الروحي ومنتوجها المادي؟ وما الفرق بين التحضر والتمدن؟ هل نحن متقدّمون عمن سبقنا مادياً ومتخلّفون عنهم حضارياً؟ وكيف يمكن ردف التقدم التقني “بتقدّم أخلاقي”؟ كانت الأسئلة التي من هذا القبيل تضمر الحل الوحيد الذي بحوزتها حول هذه المشكلة دون أن تصرح به، فقط لأنه كان جواباً لا معقولاً أبداً، إذ من المستحيل أن يكون الحلّ في التخلّي عن التكنولوجيا لتتخلّص من مشكلاتها، إذ لا قوّة تستطيع الآن أن تعيد المارد إلى قمقمه.

كان توسّل السؤال الأخلاقيّ لحلّ مشكلات التقنية محاولة مبتورة وجزئية، بل ومحكومة بالفشل من أساسها، فالمشكلات هنا لا تستدعي حلاً بالصورة التي تبشّر بها المعالجات الأخلاقية المعيارية، عندما تنصّب نفسها ناطقاً باسم الإعلان عن الواجب والمنهيّ عنه، أو فيصلاً يميّز بين الخير والشرّ، أو مشرّعاً ينطق (افعل… لا تفعل). فالتقنية ليست مجرّد ظاهرة موضوعية تستدعي مجرّد حكم قيميّ، التقنية تستثيرنا (إذا ما أردنا استعارة لغة هيدغر) كي نبحث عن السؤال حولها في مكان آخر مختلف عن نماذج التقييم.

نستعير لغة هيدجر لأنه كان أقدر من غيره على التعاطي مع سؤال التقنية بطريقة لم تكن غير قاصرة ولا محصورة بالتأمّل الأخلاقيّ فحسب، بل لقد كان جداله حول التقنية صالحاً لأن يستوعب تطوراتها الهائلة والمتسارعة، التي انتقلت من تكنولوجيا الميكانيك والألكترون والاتصال، إلى مستوى التكنولوجيا الحيوية، كاشفة عن عمق الارتباط بين التقنية وسؤال الكينونة الإنسانية. فتحوّلت ملاحظات هيدغر حولها من إغراق في التنظير الفلسفيّ، كما ظهرت في عصره، إلى فلسفة تستشرف المستقبل وتوفّر على العقول استغراقها في الظاهر والجزئيّ لتقف أمام سؤال الكينونة الذي هو ذاته سؤال الفلسفة على الإطلاق.

تطوّرت التكنولوجيا الحيوية، كما التكنولوجيات الأخرى، بشكل متسارع نتيجة الاقتران غير المتجانس بين حقلين تتمايز غايات أحدهما عن الآخر كل التمايز، أقصد السوق والمعرفة. وإذا كان هيغل قد دفع بحقيقة المجتمع الحديث إلى أقصاها عندما حدد “المجتمع المدني- مجتمع السوق” بأنه الوسط الذي يتحرك فيه الأفراد لتحقيق غاياتهم الخاصة وتطوير منظومة التبادل المشترك لإشباع الحاجات الجزئية، فقد بين أيضاً أن هذا المجتمع لن يكون جديراً بالوصاية على نفسه، لأنّ القيم التي تحكمه هي قيم الجشع والأنانية و”الخير” الخاص والجزئيّ. لذلك سعى لأن يوجد الوصاية خارج دائرة المجتمع، فأعطى المسؤولية الأخلاقية للدولة باعتبارها ستكون القادرة على ضبط التناقضات التي سيبقى المجتمع عاجزاً عن حلها بنفسه.

بقيت أفكار هيغل حول الدولة والمجتمع المدنيّ “مجرّد فلسفة مثالية”، بينما استطاعت الرأسمالية أن تطوّر أفكار لوك باتجاه فصل السوق عن تدخل سلطة الدولة، التي ربّما كانت معقلاً أخيراً يستطيع أن يحدّ شهوة الربح المستمر أمام وازع أخلاقيّ يمتلك سلطة الأدوات التي تمكنه من فرض مساراته وحدوده، التي هي سلطة الدولة ذاتها. وأيّا يكن الأمر، فإنه لا يكفي أن نعتبر أن الرأسمالية هي هذا النظام السياسي اللاأخلاقي الذي أنتج هذه “الشرور” كلها، إذ لن يخرج هذا الاعتبار عن السذاجة التقييمية التي سرعان ما ينزلق إليها السؤال الأخلاقي المباشر، ذلك لأنه لا يمكن النظر إلى تكريس الرأسمالية، “كنظام مجتمعي”، على أنه مجرد قرار فردي يصدر عن ضمير مشكوك في نواياه وقيمه. لأن المشكلات التي يواجهها المجتمع الإنساني الآن هي المشكلات التي نتجت عن تطوره وتقدمه، ولن يكون الحل في رفض هذا التطور، بل في المعالجة المستمرّة لكلّ عقبة جديدة تنشأ نتيجة التفاعلات الحرّة التي لا يمكن ضبطها أو التحكّم فيها ضمن أيّ نشاط حرّ ومفتوح على جميع الاحتمالات.

أوردت الفكرة السابقة لأنّ الرأسمالية كانت هي الحاضن للتقدّم الذي شهدته التكنولوجيا الحيوية من خلال الضخّ المستمرّ لأموالها في استثمار المعرفة واحتكارها، ولأنّ شهوة المعرفة كشهوة الربح، كلاهما لا تعرف لها حدوداً، كانت النتائج التي وصلت إليها التكنولوجيا الحيوية أكبر بكثير من التوقّعات التي كان يتأمّلها العلماء منها، والتي كانت محصورة بالنسبة للجسم البشريّ في القدرة على شفاء الأمراض المستعصية، أو زراعة الأعضاء التي لا يمكن نقلها، أو القدرة على إطالة عمر الإنسان وتمكينه من المحافظة على شباب دائم.

أما المشكلات الجديدة التي أثارتها التكنولوجيا الحيوية، والتي هي الموضوع المباشر لسؤال البيوإطيقا، فقد وصلت في تأثيرها إلى كينونة الكائن وخصوصية النوع والتغيير في التشكيلات الطبيعية للحياة. لذلك فلقد بلغت مرحلة من التعقيد الذي تجاوز إجابات المؤسّسات الأخلاقية التي ذكرناها في البداية، ذلك لأنّ اللاعبين الحقيقيين يتحرّكون خارج مجالات هذه المؤسسات. فالمؤسسة الدينية، على اختلاف اتجاهاتها، تراقب ما يجري دون أن تفهمه، وتقفز من النتائج إلى مواعظها الطيبة وفتاويها المحرمة التي تفرضها على أتباع بسطاء تضبط سلوكهم بالترغيب والترهيب. أمّا المؤسسة الاجتماعية فليست على حال أفضل، فحقوق الملكية الفكرية التي طالت أبحاث البيولوجيا المتقدّمة، وسرّية المعلومات، والهوة الفاصلة بين “العامّة” وبين رجال العلم والمال، واستجابة القرار السياسيّ لضغوط الشركات الكبرى، وانصراف الفرد عن موضوعات الشأن العامّ، كلّ هذه أسباب جعلت المبادرات المجتمعية، سواء للأفراد أو الجمعيات، عديمة الجدوى.

لم يبق إذن سوى المفكّرين والفلاسفة، الذين يأتون – كبومة مينيرفا- عند حلول الغسق، لا ليثيروا السؤال الأخلاقيّ المباشر والساذج، بل ليجدّدوا سؤال الكينونة ومصيرها في ظلّ عقلانيتنا المعاصرة، فالكائن العاقل لم يهدّد من قبل في كينونته كما هو مهدّد الآن، وكلّ تهديد يحمله المستقبل سيكون أكبر من سابقه، غير أنّ الحلول ليست معجزة، لأنّ المشكلة والحلّ والتفكير بينهما، كلّها شيء واحد، هو العقل. هذه هي العقلانية التي دافع عنها فلاسفة العقل فيما سبق، وما نراه اليوم هو نتاجها، والعقل هو الوحيد الموثوق به لفهمها ونقدها، ومن ثمّ تجاوزها، لأنّه الوحيد القادر على تجاوز نفسه، شريطة أن يتجاوز نفسه بنفسه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق