البيوطيقا: سلطة التّقنية وتنافر القيم(9)

{{ 1. تقديم:}}

البيوطيقا هي مجال فكريّ اتّسم باستعمال تقنيات الطبّ الحيويّ الحديثة التي تهدف إلى التوفيق بين البحث العلميّ وبين احترام الكرامة البشريّة. غير أنّ تطوّر علوم الحياة السّريع أثار أسئلة أخلاقيّة ومجتمعيّة حول (دور) الأطبّاء والباحثين والفلاسفة والحقوقيّين والمواطنين كذلك. وهي أسئلة متّصلة بالاتّفاق حول حدود تدخّلات الإنسان في مواضيع حسّاسة مثل الجينات، الخلايا السلاليّة، عمليّات الإنجاب المعدّة طبيّا (طفل الأنبوب)، إعادة تنشيط المخاديج (المواليد قبل أوانهم) والعلاج المؤلم والموت الرّحيم.

{{ 2. تاريخ البيوطيقا:}}

إنّ لفظ إيطيقا “éthique” مفضّل (في الاستعمال) على لفظ أخلاق “morale”منذ السنوات الثمانين. وهو مشتقّ من اللفظ الإغريقيّ “ethos”الذي يعني “عادة” أو “استعمال” أو “سلوك”. ولفظ “bioéthique” بيوطيقا نفسه (bioethics بالإنجليزيّة) تمّ استعماله لأوّل مرّة سنة 1970 من قبل العالم الأمريكيّ في طبّ السرطان فان رانسيلاير بوتار (Van Rensselaer Potter) في مقال عنوانه: “البيوطيقا علم البقاء” (Bioethics, science of survival). وهو يرى أنّ التفكير الضروريّ في استعمال العلم متأخّر قياسا إلى المعرفة. وهو ما يدعو إلى إبداع اختصاص جديد يبحث في البيولوجيا والقيم الإنسانيّة (معا). ومع ذلك، فإنّ البيوطيقا، باعتبارها مجالا في التفكير، كانت قد نشأت سنة 1945 خلال دعوى نورمبارغ (Nuremberg) القضائيّة المكلّفة بمحاكمة تجارب النازييّن الطبيّة.

وهكذا، فإنّ المراحل الكبرى التي حدّدت تدريجيّا إطارا من التوصيات (الداعية) لتنظيم الأبحاث السريريّة قد ظهرت بعد الحرب العالميّة الثانية. ويتضمّن قرار المحكمة العسكريّة الدوليّة ما يسمّى الآن قانون نورمبارغ. فهذا النصّ يثبّت الأنظمة الأولى الموجّهة إلى حماية الأشخاص خلال أبحاث الطبّ الأحيائيّ. وهو قانون يعدّ مؤسّسا للبيوطيقا بما أنّه عالج رسميّا وعلى المستوى العالميّ (مسألة) الموافقة الطوعيّة من المشاركين فيه قبل إجراء أيّ تجربة. لقد أثار القانون مسالة التوعية بخطر التقدّم العلميّ وبضرورة تأطيره وبالحاجة الكونيّة إلى إنشاء سلطات متعدّدة الاختصاصات ذات كفاءة قضائيّة ومستقلّة.

كما تعمل الاجتماعات السنويّة للمنظّمة الطبيّة العالميّة (l’Association médicale mondiale (AMM)) على إعادة النظر في المراجعات المتّصلة بقانون نورمبارغ. فقد جمع إعلان هلنسكي (Helsinki) (1964) مبادئ أخلاقيّة تهدف إلى توفير توصيات تقود الأطبّاء والأبحاث في الطبّ البيولوجيّ. وتوصي بأن تكون كلّ تجربة تقام على إنسان محدَّدة بوضوح في مؤتمر من مؤتمرات البحث العلميّ. فسعادة المشارك يجب أن تكون مقدَّمة، في هذه الأبحاث، على منافع العلم والمجتمع.

وقد تمّت مراجعة إعلان هلنسكي سبع مرّات منذ تبنّيه: في طوكيو 1975، البندقيّة 1983، هونغ كونغ 1989، سومارسات الغربيّة (Somerset West) 1996، إيدمبورغ (Edimbourg) 2000، واشنطن 2002 وطوكيو 2004. ثمّ تتالت نصوص عالميّة أخرى في نفس المجال. منها إعلان مانيلاّ (Manille) الذي صاغته منظّمة الصحّة العالميّة (OMS) ومجلس المنظّمات العالميّة للعلوم الطبيّة (CIOMS) سنة 1981. وهو يلحّ خاصّة على احترام المبادئ الأخلاقيّة في البلدان النامية.

وطيلة كامل هذه الفترة، انكشفت جملة من الفضائح العامّة المتّصلة بأبحاث أجريت على ذوات بشريّة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة. فساعدت في (دفع) التفكير البيوطيقيّ وفي إنشاء آليّات للمراقبة. من ذلك دراسة اتّصلت بالفترة الممتدّة بين سنتي 1932 و1972 في جنوب الولايات المتّحدة على أمريكيّين أفارقة منحدرين من فئات فقيرة كانوا مصابين بداء سِفلِس (الزُّهري) مُسْتتر. غير أنّهم كانوا يعالَجون باعتبارهم يعانون من مرض في مراحله الأخيرة عوض معالجتهم بالمضادّات الحيويّة. وإثر ذلك نشأت، في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، اللجنة الوطنيّة لحماية الذوات البشريّة في إطار أبحاث الطبّ البيولوجيّ والسلوكيّ سنة 1974. وفي سنة 1978، أفرزت اللجنة تقرير بلمونت (Belmont) الذي يقدّم المبادئ الأخلاقيّة التي يجب أن تقيّد كلّ تجربة تُجرى على الإنسان.

أمّا على مستوى البحث الأساسيّ، فقد وقع أوّل تفكير منظّم في الطبّ الحيويّ في فيفري 1975 بأزيلومار (Asilomar) بالولايات المتّحدة، إذ تجمّع 140 عالما جاؤوا من العالم كلّه للتناقش حول متابعة أعمالهم المتّصلة باﻠ آ.دي.آن (ADN) المُعاد تشكّله وحول مخاطر المعالجة الجينيّة اليدويّة. ولقد نشأ لدى هؤلاء العلماء الوعي بالتحدّيات التي يواجهونها. فدعوا علماء الأخلاق والمختصّين فيها إلى التحاور معهم حول هذه الرهانات. وهكذا صارت البيوطيقا موضوعا متبادلا بين اختصاصات ومهن مختلفة. لقد بدت، منذ ذلك الحين، مسألة عالميّة تهمّ كلّ الشعوب. فهذه الرهانات هي رهانات عامّة وديمقراطيّة ومسائلة للخيارات المجتمعيّة.

وخلال السنوات الثمانين، تأكّد تدريجيّا، في فرنسا كما في جميع الدول الأكثر تقدّما، توسُّع مدى الأسئلة الإيطيقيّة والاجتماعيّة والقانونيّة (مدفوعا) بتقدّم العلم والتقنية في ميادين الإنجاب والجينات الوراثيّة خاصّة. وهذه المستجدّات تطلّبت ظهور تقنيات تراهن بطريقة جديدة على كرامة الإنسان والمحافظة على حرمة الجسد واحترام الحياة منذ بدايتها واحترام الموتى. وهي مواضيع أثبت من خلالها المجتمع حاجته إلى مناقشتها وإلى التشريع لها. وهكذا نشأت جمعيّات أخلاقيّة استجابة لهذه الحاجات.

{{3. الجمعيّات الإيطيقيّة والبيوطيقيّة:}}

إنّ الأطبّاء والفلاسفة ورجال القانون وعلماء الاجتماع وبقيّة العلماء مدعوّون للتفكير معا في علاقة الإنسان بالعلم وخاصّة في إطار الجمعيّات البيوطيقيّة. وتتولّى جمعيّات الأخلاق إبداء آرائها بعد أن تتأكّد من معايير الحماية ومن إعلام الأشخاص بها ومن وجاهة المشروع عموما. ولقد تمّ بعث أوّل جمعيّة إيطيقيّة سنة 1961 بمستشفى سياتل (Seattle) بالولايات المتّحدة الأمريكيّة. واهتمّت الجمعيّة بالنظر في المشاكل المتّصلة بتقنيات تصفية الدمّ صناعيّا وبإعداد إجراءات اختيار المرضى المؤهّلين لذلك العلاج. وفي فرنسا، أيضا، كان المشغل الإيطيقيّ قويّا. فقد نشأت فيها جمعيّات إيطيقيّة محليّة من قبل الباحثين أنفسهم في المعهد الوطنيّ للصحّة والبحث الطبيّ (Inserm) سنة 1974، أوّلا، ثمّ في المستشفيات والمصحّات وفي غيرها من معاهد البحث والتنظيمات العلميّة مثل (INRA, CNRS). وكان هدفها الأساسيّ يكمن في أخذ البعد الإنسانيّ في الاعتبار كأفضل ما يكون عند المعالجة وفي البحث الطبيّ البيولوجيّ.

وفي فرنسا، أيضا، نشأت أوّل جمعيّة إيطيقيّة وطنيّة في 23 فيفري سنة 1983 بمرسوم رئاسيّ؛ هي الجمعيّة الإيطيقيّة الاستشاريّة الوطنيّة في علوم الحياة والصحّة (CCNE). ومهمّتها تتمثّل في «تقديم وجهات نظر في المشاكل الإيطيقيّة وفي أسئلة المجتمع المثارة بفعل تقدّم المعرفة في مجالات البيولوجيا والطبّ والصحّة». وآراء هذه المنظّمة ذات الصبغة الاستشاريّة المحض يمكن أن يوظّفها أحدُ أعضائها التسعة والثلاثين، أو رؤساءُ الكتل البرلمانيّة أو أعضاء الحكومة أو مؤسّسة تعليم عال أو مؤسّسة عموميّة ما أو مُنشأة معروفة بمنفعتها العامّة، ونشاطها الأساسيّ هو البحث أو التطوّرُ التكنولوجيّ أو الرقيّ والحماية الصحيّان.

فيما بعد، رأت النّور جمعيّات إيطيقيّة وطنيّة أخرى في أوروبّا (ألمانيا، النمسا، بلجيكا، الدنمارك، فنلندا، اليونان، إيطاليا، هولندا، البرتغال، المملكة المتّحدة والسويد). وعلى المستوى العالميّ كانت الجمعيّات الإيطيقيّة وليدة مبادرات من المنظّمات الدوليّة المقرّبة منها كالجمعيّة العالميّة للبيوطيقا (CIB) التي بعثتها اليونسكو سنة 1993.

لقد أصدرت المجموعة الأوروبيّة للإيطيقا (GEE) التي أسّستها اللجنة الأوروبيّة سنة 1997 جملة من الآراء التي أخذت بها حرفيّا السلطات المجتمعيّة. كما أقرّ مجلس أوروبّا، أيضا، جملة من المبادرات في هذا المجال بتبنّي الكثير من التوصيات والحلول. فقد أنشأ بصفة خاصّة جمعيّة آد أوك (ad hoc) للبيوطيقا (CAHBI) التي أصبحت الجمعيّة المسيّرة للبيوطيقا (CDBI) سنة 1992.

ونشرت (CCNE) جملة من الآراء حول مواضيع مختلفة لاسيّما التزاوج الصناعيّ والتجارب المجراة على التلاقيح الجديدة والموت الرّحيم ومتابعة ما قبل الولادة ومراجعة قوانين البيوطيقا والأجنّة. هذه الأعمال والعمليّات الفكريّة أثّرت بشكل كبير في قوانين جويلية 1994. وهي واحدة من المراجع القضائيّة الفرنسيّة الرئيسيّة في هذا الشأن. إلاّ أنّها كانت مسبوقة بكثير من القوانين المتعلّقة بمسائل بيوطيقيّة مثل قانون فايل (Veil) سنة 1975 وقانون اقتطاع الأعضاء سنة 1976 والقوانين [الصادرة] حول البحث الطبيّ البيولوجيّ الخاصّ بالأشخاص سنة 1978.

{{ 4. القوانين البيوطيقيّة:}}

{{1. في فرنسا:}}

توجد أربعة نصوص أساسيّة هي قانون أوريات – سيروكلا (Huriet-Sérusclat) وقوانين «البيوطيقا» الثلاثة الصادرة في جويلية 1994.

{{قانون أوريات – سيروكلا (Huriet-Sérusclat):}}

إنّ قانون 20 ديسمبر 1988 المسمّى قانون أوريات – سيروكلا (Huriet-Sérusclat) المتعلّق بحماية الأشخاص المطالبين بالبحث الطبيّ البيولوجيّ تعلّق بكلّ المحاولات أو التجارب المجراة على البشر على ضوء تطوّر المعارف البيولوجيّة والطبيّة. وكان هذا القانون هو السبب في بعث الجمعيّات الاستشاريّة المهتمّة بحماية الأشخاص المطالبين بالبحث الطبيّ البيولوجيّ (CCPPRB).

{{ قوانين البيوطيقا لسنة 1994:}}

تضع قوانين «البيوطيقا» الثلاثة الصادرة في جويلية 1994 المبادئ العامّة لحماية الأشخاص وتضبط قواعد تنظيم جملة من القطاعات الطبيّة (كالمساعدة على الإنجاب وزرع الأعضاء …إلخ) فقانون 1جويلية 1994 يخصّ النظر في المعطيات المعيِّنة لأيّ بحث في مجال الصحّة. أمّا قانونا 29 جويلية 1994 فمتعلّقان باحترام الجسد البشريّ، أوّلا، وبالتبرّع بالأعضاء البشريّة وباستعمالها، ثانيا، وبالمساعدة الطبيّة في الإنجاب والفحص السابق عليه، ثالثا.

وبعد تبنّي قوانين 1994، تطوّرت التقنيات بإيقاع سريع وبشكل ملحوظ، كما يشهد على ذلك مثال الاستنساخ. وبفعل تقدّم التكنولوجيا البيولوجيّة، أبان الاستنساخ عن مشاكل ومآزق في الطبيعة. وهو ما جعل التساؤل عن تطوّر الاستنساخ التزاوجيّ [من فصيلة] الثدييّات يغيب عن النقاشات البرلمانيّة إذ كثيرا ما بدا مستحيلا. إنّ تطوّر هذه التقنية أكّد أنّه لا يمكن التنبّؤ بإيقاع التقدّم العلميّ ولا بمداه. فاستنساخ النعجة دولّي سنة 1997 الذي تداولته وسائل الإعلام في العالم بأسره طويلا، أحيا قلق الرّأي العام الدوليّ تجاه كرامة الإنسان وتجاه نسله.

غير أنّ الأبحاث التي تُجرى الآن على الخلايا الجنينيّة لحيوانات كالفأر، تفتح آفاقا واعدة جدّا في مقاومة أمراض لازال الشفاء منها معدوما. لكنّها طرحت مشاكل أخرى مرتبطة بمسألة «منزلة الجنين البشريّ». ولذلك، بدت مراجعة قوانين 1994 ضروريّة.

{{قوانين البيوطيقا لسنة 2004:}}

قوانين 1994 البيوطيقيّة، مع أنّها كانت مترقَّبة مرّة كلّ خمس سنوات، فإنّها مثّلت موضوع نقاشات ومناظرات كثيرة وشغف كبير (وخاصّة في المواضيع المتعلّقة بالبحوث المجراة على الأجنّة التي تحمل شكل الأنثى والذكر (les embryons surnuméraires) وبخلق الأجنّة لغاية بحثيّة وبالاستنساخ العلاجيّ أو التكاثريّ). وفي النهاية، وبتأخير خمس سنوات، أسّست فرنسا إطارا تشريعيّا جديدا للنظر في جملة الأسئلة البيوطيقيّة المعقّدة.

إنّ مشروع القانون الذي تبنّته الجمعيّة الوطنيّة في 8 جويلية 2004 اشترط خاصّة أن يُعدّ الاستنساخ جريمة ضدّ الجنس البشريّ وأن يبقى الاستنساخ العلاجيّ ممنوعا في فرنسا وأن يكون البحث حول الجنين البشريّ محدّدا بشكل حاسم. ولهذا السبب وجب أن تنشأ سنة 2005 وكالة وطنيّة للطبّ البيولوجيّ. وستكون هذه الوكالة «مختصّة في مجالات زرع الأعضاء والتكاثر وعلم الأجنّة وعلم الوراثة البشريّة».

{{2. في أوروبّا والعالم:}}

لقد اكتسبت جلّ الدول الأوروبيّة بدورها قوانين في مجال علوم الحياة منذ أواخر الثمانينات. وتترجم هذه النصوص، خارج الاختلافات الملازمة لتاريخ كلّ دولة ولثقافتها، الانشغالَ بالبحث عن نقطة توازن بين حركة التقدّم الطبيّ والعلميّ وبين احترام القواعد الإيطيقيّة الملائمة لتطلّعات مجتمعاتنا.

إنّ ميثاق الحقوق الأساسيّة الذي أعلنه الاتّحاد الأوروبيّ في 7 ديسمبر 2000 بمدينة نيس (Nice) يمنع الاستنساخ التكاثريّ للبشر. ويمنع عمليّات التخليق الجينيّ (خلق أشخاص منتقين). كما يمنع جعل الجسد البشريّ وأعضائه مصدرا للربح. إضافة إلى ذلك، فإنّ «قانون البيوطيقا» توسّع نشره على المستوى العالميّ عبر الإعلان العالميّ للجينوم (مجموعة الجينات المكوّنة للخليّة الواحدة) البشريّ الذي تبنّته اليونسكو في 11 نوفمبر 1997 من جهة، وعبر التوقيع على ميثاق حقوق الإنسان والطبّ البيولوجيّ (ميثاق أوفييدو (Oviedo) الإسبانيّة) في 4 أفريل 1997 الذي تمّت صياغته برعاية المجلس الأوروبيّ، من جهة ثانية.

{{هذا المقال منشور بالفرنسيّة في: Microsoft ® Encarta ® 2008}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This