البَهْت

مدينة النحاس: ويقال لها مدينة الصُّفْر، ولها قصة بعيدة عن الصحة لمفارقتها العادة، وأنا بريء من عهدتها إنما أكتب ما وجدته في الكتب المشهورة التي دونها العقلاء، ومع ذلك فهي مدينة مشهورة الذكر فلذلك ذكرتها، قال ابن الفقيه: ومن عجائب الأندلس أمر مدينة الصُّفْر، التي يزعم قوم من العلماء، أنّ ذا القرنين بناها، وأودعها كنوزه وعلومه وطلسم بابها، فلا يقف عليها أحد. وبنى داخلها بحجر البهتة ومغناطيس الناس، وذلك أنّ الإنسان إذا نظر إليها لم يتمالك أن يضحك ويلقي نفسه عليها، فلا يزايلها أبدا حتى يموت، وهي في بعض مفاوز الأندلس…(1)

****

وزعموا أنّ بلاد السودان مسيرة سبع سنين، وأن أرض مصر كلّها جزء واحد من ستّين جزءا، ويتّصل بالسُّوس الأدنى عشرون يوما رمالا ومفاوز، فيها المدينة المعروفة (بمدينة النحاس) وقباب الرصاص التي سار إليها موسى بن نُصَير في مُدَّة الوليد بن عبد الملك، وما رأى فيها من العجائب، وفيها قوم من الأشبان عمروا تلك الديار، والوصول إليها ممتنع بل لا سبيل إليه- والله أعلم.(2)

****

لا يعرف تحديدا السؤال الذي تملّكه حتى ينبش هذا الركام من المؤلّفات بحثا عن مدينة موهومة قديمة، كان على عتبة تحضير بحث حول “الجغرافيا الإسلامية بين الحقيقة والخيال”، جمع المراجع والمصادر بانتقائية خبير في متاهة الدليل الأكاديمي للكتب الرصينة، طالعها بتمعّن، قارنها، ووضع منهجا يتلاءم مع ما يودّ طرحه دون مجازفة أو تنطّع شقيّ. كان كلّ شيء ملتزما بحدوده الصارمة، إلى أن قرأ في بعض الكتب عن “حديث البهت” وهي رواية مبتذلة عن الجغرافيّ ابن الفقيه تستغرق في المغالطات والجموح الخيالي(3). حاول أن يراجع تطوّر الرواية في المؤلّفات الجغرافية القديمة، ظهورها، تقلّب سردها، تناقضات تفاصيلها حتى وهي تعتمد على نفس المصدر.

في البداية، فكّر أن يعتمد “حديث البهت” كأنموذج توثيقيّ لبحثه، لكنه تخلّى عن الفكرة أمام إغراء نماذج أخرى بدت أكثر تأثيرا وعمقا نقديا في نظره، كرحلة ابن فضلان إلى بلاد الترك والخزر والروس والصقالبة(4) أو إطلالة عبد الله بن قلابة على كنوز ارم ذات العماد(5)، أو رحلة سلمان الترجمان إلى سدّ يأجوج ومأجوج(6)؛ فهذه الروايات تبدو أكثر شهرة ولن يتطلّب الأمر منه جهدا في إثبات خبلها التاريخيّ عبر سلسة المراجع المعاصرة التي تناولتها بالبحث والقراءة، وستكون خطّة العمل مستأمنة العواقب، فقط ما عليه سوى التركيز الروتيني لينتهي في غضون يوم أو يومين من كتابة البحث ورقنه.

مع هذا لم يتخلّص من هاجس صورة المدينة الخرافية؛ ربّما هي تحمل من التفاصيل المربكة ما يجتذبه ويوقعه في متاهة الخيال. على كلّ حال، لا تعدو الصورة أن تكون مشهدا مضطربا شاذّا عليه أن يتخلّص منه كمتطلّب فكريّ، بل الواقع أنّه في خضمّ هذه الحالة يعايش بعضا من أطوار بحثه؛ فالصورة المبتذلة الجامحة التي يعانقها الذهن ليست سوى تشويه لما يمكن أن تمثّله الحقيقة، لهذا فعملية دقيقة محكمة تحذف هذه الصورة ومتعلقاتها الكاذبة ستجعل الفكر يستجلي المعنى الحقيقي.

لكن حتى مع انسجامه المعرفي الواضح، لم ينجح في التخلّص من صورة المدينة الضائعة وهي تبتلع الرجال الضاحكين…

وسط دوامة تأمّله لم ينتبه إلى صوت رنين الهاتف إلّا بعد برهة، رفع السماعة منصتا دون أن يتكلّم، كان صوتا أنثويا ناعما:

آلو
أهلا
أين أنت ؟ ألم تقل أنك ستأتي اليوم؟
آسف فعلا، لقد استغرقت كلّيا في بحثي…
قاطعته، بنبرة غاضبة

وهل هذا عذر يفسّر نسيانك ميعادنا اليوم لشراء الخاتم.
ردّ بانفعال واضح، واضطراب

آه، سحقا، لقد نسيت كليا، لا عليك، سآتي حالا…
وقبل سماع ردّها، وضع سماعة الهاتف على عجل، لبس سترته، وخرج

****

بسم الله الرحمان الرحيم

أصلح اللّه أمير المؤمنين صلاحًا يبلغ به شرف الدنيا والآخرة، أُخبرك يا أمير المؤمنين أني تجهّزت لأربعة أشهر، وسرت في مفازة الأندلس في ألف رجل من أصحابي، حتى وغلت في طرق قد انطمست فيها الآثار، وانقطعت عنها الأخبار، فحاولت بلوغ مدينة لم يسمع السامعون بمثلها، فسرنا ثلاثة وأربعين يوما، فلاح لنا بريق شُرّف تلك المدينة من مسيرة خمسة أيّام، فهالنا منظرها وامتلأت قلوبنا منها رعبًا، فلمّا أصبحنا كبَّرنا استئناسًا بالصبح وسرورا، ثم أرسلت رجلا من أصحابي في مائة فارس، وأمرته أن يدور مع سور المدينة ليعرف لنا موضع بابها، فغاب عنّا يومين، ثمّ أتانا صبيحة يوم الثالث فأخبر أنها مدينة لا باب لها، ولا مسلك إليها، فجمعت أمتعة أصحابي إلى جانب سورها بعضها إلى بعض لأنظر من يصعد إليها، فلم تبلغ أمتعتنا ربع الحائط لارتفاعه في الهواء فأمرت فاتُّخذ سلاليم كثيرة، ووصلت بعضها في بعض، وناديت في المعسكر من يتعرَّف لي خبر هذه المدينة، ويصعد هذه السلاليم فله عشرة آلاف درهم، فانتدب رجل من أصحابي فتسنَّم السلَّم وهو يتعوَّذ ويقرأ، فلمّا صار في أعلاها وأشرف على المدينة قَهْقَهَ ضاحكًا، ثم هبط إليها فناديناه: أخبِرْنا بما رأيت فيها، فلم يجبنا، فجعلنا أيضًا لمن يصعد إليها ويأتينا بخبرها وخبر الرجل ألف دينار، فانتدب رجل من حِمْيَر وأخذ الدنانير وجعلها في رحله، ثم صعد فلمّا استوى على السور قَهْقَهَ ضاحكًا، ثم نزل إليها فناديناه: أخبرنا بما وراءَك وما الذي ترى فلم يجبنا أحد، حتى صعد ثلاثة رجال كلّهم يقهقه ضاحكًا ويتطيَّر إليها، فلمّا يئست من أولئك الرجال ومن معرفة المدينة، رحلت نحو البحيرة…(7 )

****

هل قرّرت؟
نعم، هو قرار لا بدّ منه.
لكنك تخون ذاتك!
سيكون عليّ احترام مقامي العلمي بحياة توازيها وقارا.
لكنك تخون ذاتك!
قد أكون في متاهتي مستسلما لقنوط الصمت لأنني آثرت التقية، لكنني أمارس دوري بالحياة.
إنك تخون ذاتك!
لا، لا، إنك تعرف جيدا أني لن أسمح بأن أكون جليا لجلاد يتطهّر برجم البوح.
إذا، ستتزوجها؟
نعم، فبروحها الحالمة سوف تكون غطاء لنفاقي، ستحترم صمتي، وعزوفي التقي، وهمسي المملّ…
مع هذا فكّر جيدا؛ لأنّك سوف لن تخون ذاتك فحسب، بل ستخونها كذلك!
ليس هناك خيار آخر يا صديقي؛ ففي ملكوت المطلق قد لا نعي الحرية إلّا خيانة!

****

أخذ قلم الرصاص، طالعه بشرود، طفق يخطّ على ورقة بيضاء.

رسم مربعا ما، أرفقه بمربع آخر يحتوي الأوّل؛ تمثلها جدارا لمدينة النحاس. وسط المربّعين أنشأ خطوطا متداخلة بعشوائية، جعلها تتراكم حتى تحوّلت إلى نقطة كبيرة مشوّهة، قبل أن يخترقها القلم ويخترق من ورائها الورقة البيضاء.

أي شيء يمكن أن يحتويه هذا الفضاء؟
سؤال غير مبرّر؛ لأنّه في قرارته كان يعي أنّ الخيال هراء فارغ، هو هروب فقط من زحمة ضغط وانكسارات الواقع، لهذا فما عليه غير نفي القصة فحسب، لا البحث عن معرفة تفاصيل نسج الخرافة…

لكن السؤال كان أقسى من مجرّد نفيه، تحوّل إلى هاجس يداخل شروده بلؤم وقح.

رسم على الورقة نقطة استفهام، أخذ يمرّر القلم عليها مرارا يتبع نفس رسمها الأوّل.

ما الذي يخفيه هذا البناء ؟
ثمّة نعيم الدنيا والآخرة كما قيل، ثمّة ضحك، ثمّة استلاب لإرادة…

كتب على الورقة هذه الكلمات: نعيم، ضحك، استلاب.

جعل كلّ واحدة منها في مستطيل، ربط بعضها إلى بعض بسهام، فكّر في معناها داخل درب اتساعها وتوهّجها وانتسابها لمخيّلة عابثة…

كأنما هي صور عن ستر، زمجرة نفي لأشياء تخفى داخل فضاء الغياب.
كتب على الورقة: « الصورة تحمل بريق ثورة ما تحاصر، إنها تبرز لتقول فتنتها وهي تعاند الحقيقة، بل هي الحقيقة التي يجب أن أتبيّنها لأكسر انتظام أسرها ».

شعر نوعا ما بالخيانة تسري في عروقه فتمتدّ لتشمله ولتجعل منه خاسرا. أراد أن يتمثل الفكرة وهي ترجم تلعثمه داخل صمته، فكّر بأنّ المعنى يغرب به عن قناعة الطمأنينة المعتادة، همس: لا يمكن أن يكون هذا فكرا؟

مزّق الورقة…

تأمّل مكتبته في صمت، أخذ يرصف بعض كتبها بلا نظام فعليّ، مجرّد لملمة لفوضى السؤال…

أخذ ورقة أخرى، كتب عليها:

« لا يمكن أن أكتفي بمجرد الصمت، عليّ الصراخ، عليّ القيامة، ألست تعبيرا طبيعيا عن شذوذ معيب؟ فلم لغتي وفكري وحياتي تتّسم بثبات العادة؟ عليّ الخيانة علانية، عليّ فضح القسوة».

مزّق الورقة…

****

« أغيب في متاهة الخلاء، أبحث بين طلاسم الحكي عن ضياعي. لا أسكن ساحة الموقرين، ولا أرتضي عشق الأفول، إنني أختلق قيامتي صورا. كان هناك المارد يسكن خلف السور في مدينة لا يحملها مكان، المارد فيّ».

« أحتاج إلى خيانة المعنى ليحتمل تبدّلي».

« أكتشفني الحين في مدار الهبوب هذا، فأتمثّل صفتي بلا فرار. لا سور عظيم يخبّئ فتنتي، ولا أبواب شامخة تصدّ هفواتي، إني في فضاء شريد».

« ها أني أعلن لواطي بحكمة الصراحة، أصالح جسدي على جسدي بلا عار القنوط. جسدي المنهك من عقال الخيبة يزمجر بهجة، يحدثني عن غبن الكتم ».

« أعبر السور لأكتشف الصرخة، لأتلبس الهذيان، لأدكّ الصمت. أُدهش الانتظام فأربك صفاءه. أنزع عني بلادة الطيبة، وأتكلم بحنجرة القبح رفضا. أُوقظ ساكنتي وألقّنها الثرثرة الوقحة بلا خوف. أعاود رسم الأشياء في عوالم الكائنات المتحولة. أستَنُّ نقض آفتي بإشراق التغاير. أهزم مأساة تكرار المحنة بعنف رجم الحياد. أهتك طقس المستحيل، أختلق من برهة الهامش صيحة نهوض. ألتقي الحيرة بشوق لا ينضب».

الهوامش:

1. معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، 1977، ج 5، ص 80؛ و قد وصفها المسعودي بما يلي : «وخبر مدينة الصُّفر وقبّة الرصاص التي بمفاوز الأندلس، وما كان من خبر الملوك السالفة فيها وتعذر الوصول إليها، ثمّ ما كان من أمر صاحب عبد الملك بن مروان في نزوله عليها، وما تهافَتَ فيه المسلمون عند الطلوع على سورها، وإخبارهم عن أنفسهم أنهم وصلوا إلى نعيم الدنيا والآخرة.» مروج الذهب، تحقيق سعيد محمد اللحام، دار الفكر، بيروت، 2000، ج 2، ص261

2. المسالك والممالك، البكري، تحقيق جمال طلبة، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003، ج 1، ص 242

3. تنبه الجغرافيون الإسلاميون في فترة متأخّرة لاستحالة وبطلان قصّة حديث البهت؛ فيستدلّ ابن خلدون على ذلك قائلا: «… في حديث مدينة النحاس وأنّها مدينة كلُّ بنائها نحاس بصحراء سجلماسة ظفر بها موسى بن نصير في غزوته إلى المغرب وأنّها مغلقة الأبواب وأنّ الصاعد إليها من أسوارها إذا أشرف على الحائط صفّق ورمى بنفسه فلا يرجع آخر الدّهر في حديث مستحيل عادةً من خرافات القصّاص وصحراء سجلماسة قد نفضها الرّكاب والأدّلاء ولم يقفوا لهذه المدينة على خبر ثم إن هذه الأحوال الذي ذكروا عنها كلها مستحيلة عادةً مناف للأمور الطبيعية في بناء المدن واختطاطها وأن المعادن غاية الموجود منها أن يصرف في الآنية الخُرثى وأمّا تشييد مدينة منها فكما تراه من الاستحالة والبعد». المقدمة، دار الجيل، بيروت، ص41-42

4. رسالة ابن فضلان، أحمد بن فضلان، تحقيق سامي الدهان، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، 1993.

5. عرائس المجالس، الثعلبي، المكتبة الثقافية، بيروت، ص126-129. معجم البلدان، ج1، ص156-157

6. المسالك و الممالك، ابن خرداذبة، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1988، ص141-145

7. مختصر كتاب البلدان، ابن الفقيه، دار إحياء التراث، بيروت، 1988، ص 85-86. رسالة من موسى بن نصير إلى عبد الملك بن مروان.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This