التاريخ الرمزي للجسد

الجسد هو عربة تجرها خيول الرغبة والخوف والعقل، حصان الرغبة المجنح هو الأكثر قدماً وعمقاً وتجذراً في تاريخنا البشري، وهو الذي يأبى الصمت والرضوخ رغم كل محاولات الإنسان عبر تاريخه الطويل، في إنشاء الحضارة، لقمعه وإسكات صهيله المدويّ. قبل أن يعقل الإنسان ويتعقل كان منافس الرغبة الوحيد ووجهها الآخر هو الخوف، ولكن حصان الخوف لم يكن يولد إلا ليفنى ويتبادل الموت والولادة، عبر صراعه الأبدي البسيط، مع حصان الرغبة المجنح. لكن هذا الصراع الذي بدأ بسيطاً طوّر عبر قرون الولادة والموت أدواته ليخلق حصانا مركباً من قوى المتصارعين هو حصان العقل، ومع ولادة العقل انفصل الإنسان عن الطبيعة وبدأ رحلته وغربته الطويلة عن أصوله نحو عالم مجهول لم يكن ليظن يوما أنه سيصل إليه، وبات من المستحيل العودة، ومع أن الحنين كان يدفعه دائما للنظر إلى الوراء بحزن ولوعة إلا أن حصان العقل كان فضولياً ومغامراً ومدفوعاً برغبة مجنونة إلى الأمام نحو سعادة اكتشاف المجهول الذي لا ينتهي، وبات ينظر إلى كل عودة للأصول على أنها عودة للبربرية.

حصان العقل، هذا الوليد المركب، كان وحيداً وغير قادر على جرّ عربة الجسد لوحده، ولذلك فقد تزاوج وتوالد اقتراناً بحصان الرغبة وحصان الخوف فأنجب نسخاً كثيرة أكثرها كان يشبه الخوف وأقلها يشبه العقل، وبين العقل والخوف ولدت بنات الرغبة بخجل، وبذلك نشأ الإنسان الاجتماعي الذي يغلب عليه طابع العقل الخائف أو الخوف وقد تجلى عقلاً، وهذا الإنسان الاجتماعي الباحث عن الراحة حاصره الخوف من الأمام والخلف " أي الماضي والمستقبل "، وهذا ما دفعه للبحث عن الأمان، الذي لم يجده إلا عندما خلق الآلهة التي ما لبثت أن استبدت به واستعبدته مقابل منحه ذلك الأمان الزائف، أما هو فما كان منه إلا أن استجاب بأن روّض حصان الرغبة وحبسه في أعماق الذات " اللاوعي البشري" وشدد عليه المراقبة والمعاقبة، ولكن الآلهة المتشددة والمتشككة لم تقنع، مع أن أكثرية الناس من أصحاب العقول الخائفة معها إلا أن الأقلية الباقية كانت شديدة المراس وغير قابلة بحكم الطبيعة للترويض الكامل، كما أن الآلهة لا تثق بأكثرية العقل القطيعي الخائف، ولذلك أعلنت حربها الشعواء وجندت جنودها ضد العقل والرغبة ولكن تركيزها الأعظم كان ضد الرغبة، فالعقل الوليد كان طري العود وغير متجذر في الوجود بذلك الشكل الذي كانت عليه حال الرغبة، ماذا إذاً ستفعل الآلهة أمام هذا العدو القديم الجديد..؟ جمعت نفسها في إله واحد وخلقت الأديان بالتوالد، ثم جندت المجتمع التابع للخوف والعقل الخائف ضد الرغبة، وباتت عربة الجسد منقسمة على نفسها بشكل حاد؛ رغبة حبيسة، وخوف معقلن بليد، وعقل خالص مقصي. ولكن هناك أمر كان يحدث في الظل؛ ففي الوقت الذي كان الإله مع أديانه منشغلين بمحاصرة الرغبة وسن القوانين والتشريعات والتفنن بوضع الحدود والأسيجة حولها، كان حصان العقل يقوي عوده ويبني قوائمه وينصب جسوراً لآفاقه العريضة ليرجع ظافراً إلى مسرح الجسد ويستعيد الدور الذي سحب من تحت قدميه.

عندما بدأ العقل رحلة العودة كان ابنه الممسوخ من الخوف، أي العقل الخائف، قد رضخ منذ زمن طويل للخوف واتّحد معه وبات الناطق باسمه عبر هيكل عظيم نصبه بمساعدة الخوف وبإمرته وهذا الهيكل بدأ رمزاً وانتهى وجوداً يحكم الوجود وهو الإله. لذلك كان العقل هذه المرة حذراً جداً وماكراً فمعركته هذه المرة أصعب وأعقد وأعمق وأكثر حساسية، فهي بالدرجة الأولى مع أولاده الذين بنوا حضاراتهم وقلاعهم العالية فوق حصان الرغبة، وبات عليه حتى يحرر الرغبة الأسيرة أن يواجه الإله وأديانه المبتكرة، ثم حصان الخوف العتيق ثم أولاده العقول الخائفة حتى يصل إلى الرغبة الحرة الأسيرة ويدفعها إلى الوجود.

إلى يومنا هذا ما زال صراع العقل الحر من أجل تحرير الرغبة قائماً ومعاصراً وحاضراً بقوة، إن العقل يعرف جيداً أن تحرير الرغبة يحرره هو نفسه، كما يعرف أن الجسد اختزل في الرغبة والرغبة اختزلت في الجنس، فالجنس أصبح ينبوع المعرفة الأول للجسد، جسدي وجسد الآخر، ذاتي والعالم. في الجنس باتت تظهر كل مشاكل الجسد واختلالاته، وليس فقط كل اختلاجاته، فمن تحرير الجنس تتحرر الرغبة ويتحرر الجسد من مخاوفه وبالتالي يتحرر العقل، لذلك ركّز فرويد محقاً كل جهوده على الجنس عند الإنسان محوراً كافة مشاكل الإنسان حول نقطة مركزية هي جنسيته أو جناسته، فالجنس هو الفعل الإنساني الأكثر بداهة وتعقيداً ولبساً وقداسة ودناسة منذ أساطير التكوين الأولى وحتى يومنا هذا.

إن تقديس الجنس، وبالتالي تحريمه، حوّله عبر التاريخ من رغبة في الحفاظ على البقاء والتناسل إلى رغبة في ذاتها ولذاتها، فبعد أن كان هدفه التناسل، أي فيما هو خارج عنه، أصبح هدفه الحب والمتعة والاكتشاف، أي فيما هو في ذاته، ثم يأتي التناسل كنتيجة وليس كمحدد لذاته. وعلى الرغم من أن الفعل الجنسي متشابه من حيث الآلية لدى الإنسان والحيوان، قديماً وحديثاً، وهو بالأصل فعل طبيعي تم تصنيفه في علم النفس ضمن الدوافع العضوية المشتركة بين الإنسان والحيوان والتي لا يمكن العيش دون إشباعها إلا أنه، وبخلاف الدوافع العضوية الأخرى، يعد عنصراً أساسياً في تركيب اللاوعي الفردي الذي يترك أثره الفاعل في الشخصية حتى الممات، كما يترك أثره الحاسم في الوعي الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية، فعمليات كالكبت والحصر والخجل والعدوان والساديّة والمازوخية وغيرها هي ذات أصول مرتبطة بالجنسية، كما أن ارتباط الجنس بالحب والغيرة والرعاية والاهتمام والمشاعر المتنوعة في الإنسان جعل من الجسد قيمة اجتماعية تعلو أو تنحط تبعاً لرقي المجتمع أو تأخره.

إن هذا التحول الأساسي في ماهية الجنس خلق تحولاً موازياً في ماهية الجسد فبات احترام الجسد لا يأتي من وظيفته كآلة للحركة والإنتاج، بل من ذاته كجسد وبمعنى آخر؛ أصبح الجسد هو الذات وإهانة الجسد الإنساني هي إهانة للذات الإنسانية، والإعلاء من قيمة الجسد هو إعلاء من قيمة الذات. وتكفي نظرة سريعة لواقع الاجتماع البشري لترى أهمية شكل الجسد وتعابيره، علتّه وسلامته، ومدى تأثيرها في نظرة الإنسان لذاته وللآخرين، كما لترى مدى تأثر الجسد بالجنس، فالجسد المقموع جنسياً هو جسد مكبّل الحركة، سريع الانفعال والخجل، قليل المتعة وغير مستجيب، إن الجنس يعرّي أعماق الذات البشرية مثلما تعري الشمس جسد الأرض نهاراً، والقمع الجنسي يحجب نور الجسد في الإنسان مثلما يحجب القمر نور الشمس في عملية الكسوف.

إن ثقافة تزدري الجسد هي ثقافة محاصرة بالخوف وهي ثقافة بروح مفرغة وجوفاء، وعلى عكس ما هو سائد من تفارق وتباعد وتضاد الروح والجسد وعلى أن الارتقاء الروحي يتناسب عكسياً مع الابتعاد عن الجسد وحاجاته وأدرانه على طريقة أفلاطون ومن بعده الأديان، فقد أثبت علم النفس الحديث والمعاصر أن إنساناً لم يلبِّ حاجاته الأولية والأساسية لا يمكن أن ينضج انفعالياً، أو يرتقي إلى كائن أخلاقي حقيقي صانع وخالق للقيم، كما نقرأ في الأسطورة البوذية إن بوذا عاشر ثمانين ألف امرأة قبل أن يصل إلى اتحاده "الروح جسدي" مع الكون في النيرفانا، وإن دلّت هذه الرمزية الأسطورية على شيئ فهو أن الجسد مفتاح الروح وطريقها الطبيعي نحو ذاتها والعالم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق