التاريخ وجغرافية التمثلات / لطفي عيسى

تبحث جغرافية التمثّلات في التصرّفات البشرية في علاقتها بالوسط الطبيعي، مركّزة على التمثلات الموسومة بالمشتركة كلما استهدف تفحصها خطاب غير المختصين في الجغرافية، بينما يتحوّل التقصي إلى المجال العَالِـم كلما تفحصت تلك الجغرافيا خطاب المختصين. غير أن ما عيب على هذه التوجهات المهتمة بالتمثلات هو طابعها التكراري، فالجغرافيا كدراية بالعلاقات الناظمة للوسط، والثقافة في مدلولها المادي مسألتين متشابهتين. كما عيب عليها هناتها المنهجية والعلمية المترتّبة على ارتباطها اللصيق بالجغرافيا "الفيدالية" (نسبة إلى فيدال دي لا بلاش) المتّسمة بتركيزها على تبرير مجال الخصوصيات، في حين تقتضي المعرفة حدّ معقولا من التعميم يسمح بوضع عدد من القواعد الثابتة. كما يُحسب عليها أيضا إغراقها في "الثقافوية culturalisme " فضلا عن طابعها المحافظ أو التقليدي.

تتمثل فرضيات المنتسبين إلى هذه التوجهات الجغرافية في زعمهم بأن الكائنات البشرية، تلك التي لا تخلو مبادراتها من إرادة واعية ومن رؤية خاصة للكون الذي يحيط بها ومن أهداف تكابد من أجل تحقيقيها، لها دور كبير في إنتاج المشاهد الجغرافية، لذلك يمثّل ما يسعى جميعهم إلى إنتاجه بأفعاله ورؤاه وأهدافه مجال التمثلات الشخصية والجماعية، علما أن تعريف الثقافة يحتمل ربطها بمختلف التمثلات المتقاسمة ضمن مجتمع أو مجموعة بشرية ما. وترتكز القاعدة النظرية لهذه المقاربة على دراسة الجوانب الثقافية المحدّدة للممارسات العاملة على إنتاج مجالات بعينها. ويتمثل الهدف في التعرّف على طبيعة التمثلات الجماعية التي تتدخل بقوة في صياغة المجال الجغرافي. ولبلوغ ذلك الهدف تم الاستئناس بعدة نماذج منهجية متّصلة بتخصصات علمية غير جغرافية، على غرار التفكيك في الألسنية، ومدلول الألفاظ وتاريخها في السميائية، وطبيعة تسلسل الموروثات في علم الوراثة أو الجنيولوجية. أما رهاناتها فتتمثل في القدرة على الفصل بدقة بين التمثلات الثقافية والمعطيات الطبيعية، قصد البرهنة على محورية السياقات الاجتماعية في تشكيل الواقع المجالي، حتى وإن لم يخل مثل ذلك الربط من بعض التعسّف، مساهما في تبرير القمع والهيمنة وتغذية الاستهامات أو الـ"فنتازيا" المتوَهَّمة للمشاهد الجغرافية.

ولعله من المفيد عند هذا الحدّ التذكير بأن الاهتمام بالثقافة كعنصر أساسي لتعقّل مختلف الظواهر المتصلة بالمجال الجغرافي أمر لم يغب عن المدرسة الجغرافية الفرنسية المتأثرة كثيرا بالتوجهات "الفيدالية" (نسبة إلى "فيدال دي لابلاش Vidal de la Blache") الذي ساهمت أبحاثه الجغرافية بشكل عميق في إعادة صياغة علاقة التصورات المنهجية المتصلة بمهنة الجغرافي. فمنذ بدايتها عملت تلك المدرسة على تقصّي أشكال المعاش الجماعي ومختلف الممارسات المساهمة في بناء حضارة النوع البشري من خلال توضيح ما يدفع مجموعة بشرية ما إلى اختيار شكل من أشكال الحياة قياسا لبقية الأشكال المتاحة الأخرى.

ويعود الفضل في الدفاع عن هذه التوجهات الجغرافية الثقافية بالأساس إلى مدرسة باركلي Berkeley الأمريكية، تلك التي أثرت أبحاث "كارل صوير Carl Sauer" في تثوير توجهاتها المنهجية طوال الثلث الأول من القرن الماضي. وتزعم تلك التوجهات أن العوامل الطبيعية لا تفسر إلا جانب ضئيلا مما سمته بـ"المشاهد الثقافية Cultural Landscapes" لأن جانب كبير من تلك المشاهد الجغرافية قد تمت صياغته من قبل الإنسان الذي قلب المراعي الطبيعية رأسا على عقب، وغيّر توسّعه في الأنشطة الزراعية بشكل عميق معطيات الجغرافية، فبدت ضمنها الثقافة بمفهومها المادي culture matérielle عنصرا محوريا في تغيير المشاهد الطبيعية وتدجينها.

 ومع حلول سبعينات القرن الماضي أخذت إشكالية التمثلات موقعا متميزا ضمن دائرة  الخطاب المنهجي للمعرفة الجغرافية، عبر التشديد على أن مختلف اختياراتنا المعرفية لا تقوم على العلاقة الواقعية التي نعيشها ضمن المجال، بل على ما أسمته بـ"تمثلاتنا" لذلك المجال تحديدا، الشيء الذي أعطى أفقا مغايرا لتفسير الظواهر لا من وجهة نظر الطبيعة فحسب بل ومن وجهة نظر الثقافة أيضا. إذ ليس هناك من سبيل إلى فهم الواقع الجغرافي بالنسبة للمدافعين على هذه التوجهات المعرفية دون استكشاف خصوصياته الثقافية المتّصلة بالمعتقدات والقيم والأيديولوجيات المهيمنة والفنون بمدلوليها التقني وكذلك الفكري. فضمن حقل الدراسات الاتنو-جغرافية كما هو الحال ضمن مجال الأبحاث الأتنو- طبية حاضرا لا مندوحة من التواصل عميقا مع منظومة التفكير والتمثّل، وهي منظومة تكتنـز ما راكمته المجموعات المختبرة من موروث ثقافي يتضمن معرفة مفصّلة ودقيقة حول خصوصيات المجال.

يقتضي الإلمام بالمجال التعرّف على كيفية تعقّل المجموعة التي تؤمّه لواقعها الجغرافي داخل وسطها الطبيعي. هذه النظرة إلى المجال كنتاج لتصورات ثقافية هي التي انتقلت منهجيا بالمقاربات الجغرافية من التصورات الوضعية الطاغية عليها إلى حدود بداية سبعينات القرن الماضي إلى توجهات جديدة يمكن وسمها حاضرا بأنها إتنو-جغرافية، وهو ما يمكن أن  اعتباره ثورة معرفية ومنهجية في آن. تبدو الجغرافيا بهذه الصفة حاضنة أساسية للتمثلات، لذلك فإننا مدعوون إلى القيام بمجهود نقدي يسعفنا في تعقّل الكيفية التي استطاعت بفضلها تلك المعرفة الإنسانية أن تركّب جزئيا مجال تمثلاتها، مع ضرورة التفطّن في هذا الشأن إلى أن الواقع الجغرافي الذي يحيط بنا ليس وليد الفعل البشري وحده، بل تبدو العديد من عناصره ومعطياته سابقة عن وجود الكائنات البشرية وعن تجمُعها.

تفسر التمثلات إذن الممارسات الواعية واختيارات الفاعلين والمظاهر الاجتماعية والذهنية والثقافية، مع التسليم بأن جميع تلك التمثلات ليست بالجغرافية فحسب، حتى وإن تمثلت العقبة الكأداء في عجزنا عن تحديد ما يحصل داخل أذهان الكائنات البشرية بدقة حال تصوّرها للمجال الذي تعيش داخله، الأمر الذي يدعونا إلى الكف عن الجزم بأن مجال التمثلات هو ما يشكّل حقيقة العالم أو يبنيه لأن من شأن مثل تلك المزاعم أن تدفعنا إلى الإعلاء من شأن الاعتبارات النفسية على حساب رصيفتها الطبيعية.

ونظرا لأهمية هذه التوجهات البحثية التي تقود المعرفة بتاريخ الظواهر الجغرافية وكيفية تشكّل التمثلات الذهنية بخصوص بناء المجال سواء داخل بلاد المغارب أو خارجه، فقد تم إفرادها بـلقاء علمي دولي انعقد بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس أيام الجمعة والسبت 10 – 11 أفريل 2009 للتدارس بشأن مسألة تمثلات مجال المغارب وما سواه، وهو لقاء صدرت أعماله أواخر سنة 2010  وركزت مختلف مداخلاته على ثلاثة أبعاد أساسية هي:

           النظر في تاريخ المجال الجغرافي كإطار لمختلف عمليات الانتشار أو الامتداد والغزو، وهي عمليات تجاوزت قدرة الفرد الواحد، ووضعت المجموعات البشرية في مواجهات دامية وحروب ضارية ضد بعضها البعض. (Conquête)

           التعرف على مستويات التجربة الشخصية في أبعادها الأسطورية أو الصوفية في علاقتها بتمثّل المجال الجغرافي، وهي مستويات تنفتح على التصورات الثقافية غير المادية للمجال. (Quête)

           تقييم المجهود الميداني المبذول من أجل مزيد التعرف بدقة على المجالات الجغرافية سواء في مستوى الرحلة أو الاستكشاف أو البحث الميداني، بغرض التدقيق في مدلول الغيرية ومعرفة ثقافة الآخر وجميع مستويات معاشه اليومي بغية فهم تصرفاته وردود فعله بشكل عقلاني يبتعد عن جميع التصورات الانطباعية أو الحسية. (Enquête)

اهتمت مختلف المداخلات المبرمجة ضمن هذا اللقاء بتعقب التمثلات المتّصلة بالمجالين المغاربي والمتوسطي، باحثة جملة من الإشكاليات غطت مختلف الفترات التاريخية بغرض رصد بعض المفاصل الزمنية المشكّلة واقعيا للأزمنة الموسومة بــ"الرحمية" أو "التأسيسية" في بناء الذاكرة المجالية للمواقع والحواضر والمغاربية أو المتوسطية، لذلك توزّع برنامج هذا اللقاء على خمس جلسات علمية عالجت المحاور التالية:

           المجال وأساطير التأسيس Espace et mythes de fondation  .

           المجال والغيريةEspace et altérité 

           البحث الميداني والمجال Enquête et espace

           المجال والسيادة الجغرافية Espace et territorialisation

           تصورات ورؤى حول المجال Regards et vision sur l’espace

وتبعا لاعتقادنا الراسخ بأنه كثيرا ما تم الاهتمام بمسألة الانتشار الإسلامي من وجهة نظر الفتح في مدلوله الفقهي (العنوه والصلح)، دون إيفاء مسألة التجربة والمسار الفردي للفاعلين وكذا الاحتكاك الميداني بالمجال، الدور التاريخي والمكانة التي تستحقهما فيما غلب على الباحثين وغيرهم تسميته بحركة "التمصير" الإسلامي مغربا. فقد استهدفت بعض المداخلات ذلك الزمن التأسيسي قصد مشاكلته حول كيفية تعقّل فاعليه لمسألة المجال، ودور ذلك في تركيب الخطاب التاريخي السائد حاضرا حول تلك المفاصل الزمنية الفارقة في تشكيل ذاكرة "قيروانات" المغارب والأندلس وحواضرها.

تصدق هذه الملاحظة على تجارب التمدين في عمليات الروّمنة أو الأسلمة أو تعميد مجالات الأندلس الإسبانية وأسلمة إسبانيا الأندلسية. تجارب تاريخية متعددة عاينها مجال المغارب وضفتي المتوسط تحتاج وقفات متأنية تفحص الباحثون من خلالها عينات ارتقبوا منها توضيح الكيفية التي تم من خلالها تشكيل الذاكرة المجالية والتحوّلات التي طالت مختلف التمثّلات بخصوصها بالتعويل على قراءة متناهجة لثلاثة أبعاد محورية بدت لمقترح هذا اللقاء حريّة بالتفحّص أكثر من غيرها هي الغزو conquête والبحث quête والتوصيف الميداني enquête علّها تكشف عبر تجاويف ثناياها مغمور تمثلاتنا لمشترك هويتنا المجاليّة المغاربية والمتوسطية. مع صادق الرجاء أن تعقب مختلف هذه الإسهامات عملية تمثّل أدق لما عاينته المعارف الإنسانية والتاريخية من تحولات عميقة أكدت قدرة المنتسبين إليها على التطوّر واستعدادهم لإعادة صياغة استمارات أبحاثهم بما يتوافق مع حاجيات الآن والهنا، دون سقوط في الانكفاء أو نكوص وارتداد.

 

عن جريدة الصحافة التونسية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق