التجريبية كلحظة فاصلة في تاريخ الفلسفة

 وضع ديكارت (1596-1650) معادلة (الإنسان- الله) بدلاً من المعادلة (الله – الإنسان) التي كانت سائدة في العصور القديمة في الفكرين الديني والفلسفي ،  جاعلاً الذات البشرية ،  من خلال الكوجيتو( أنا أفكر ،  إذاً أنا موجود) ،  في مركز الفعل الكوني ،  حيت موضع كل شيء، بالطبيعة وفي ما ورائها، كمواضيع لهذه الذات، بما فيه الله، لتخضعهم لفعل الشك المعرفي، ولا تعتبر وجودهم بديهياً، بخلاف العقل البشري الذي أصبح هو الحقيقة الوحيدة الثابتة من الناحية المعرفية، وفقاً لمبدأ الكوجيتو الديكارتي.

اتجه ديكارت نحو الإثبات المعرفي للماورائيّات (الميتافيزيقا)، بما فيها وجود الله، من خلال (فطرية الأفكار) و(المبادئ الكلية )، التي يرى وجود انغراس قَبلي لهما في النفس، ليأتي العقل، عبر منهجيته، ليقوم بالبرهنة عليها عبر فعل عقلي- ذهني أساساً، فيما تكون التجربة وسيلة من ضمن وسائل عديدة يستعين بها الفيلسوف لإثبات موضوعاته ، حتى العلمية منها.
هنا، أتى التطور العلمي ليتيح مجالاً لفتح طريق جديد في الفلسفة: قدم إسحق نيوتن (1642-1727)من خلال قانونه للجاذبية، وحساب التفاضل والتكامل الذي وضعه، مناهج للوصول للحقيقة تجاوزت الديكارتية. فقد ساعد قانون نيوتن على إيجاد روابط فيزيائية تفسر حركة الطبيعة، من خلال ميكانيكا توحد بين الكون العلوي والظاهرات الأرضية، مستنداً إلى تحطيم غاليلو(1564-1642) لفكرة أرسطو عن أن السموات والأرض مختلفتان من حيث الطبيعة، والتي تبنتها الكنيسة في العصور الوسطى، مما ساهم عبر اكتشاف نيوتن هذا في التقويض العلمي لكثير من الأفكار الميتافيزيقية في تفسير ظواهر الطبيعة، وإلى نقض أي تفكير قَبلي في الفلسفة، وإلى بداية سيادة الفكر الحسي- التجريبي على صعيد الفلسفة.
أتى جون لوك (1632-1704)، مؤسس الفلسفة التجريبية على هذه الأرضية: اعتبر لوك أنّ النفس، قبل التجربة، عبارة عن لوحة خالية لم يكتب عليها شيء، مشدداً على (التجربة) كركن أوّل من أركان المعرفة، ومعيداً المعارف كلها إلى الحس،  ليعتبر أن الآراء التجريدية، التي وصل إليها الفلاسفة قبله – بمن فيهم ديكارت – عبر الدليل المنطقي البحت، لا تساوي شيئاً إن لم تمر عبر جسر التجربة الحسية.
قدم لوك بنظريته، حول الانطباعات الحسّية كأساس لنشوء الإدراك العقلي المعرفيّ، رؤية فلسفية كرّست ثنائية الذات والموضوع أثناء فعل المعرفة، الذي تمارسه الذات العارفة على المواضيع المحسوسة، من خلال علاقة تبادلية تبدأ بالانطباع الآتي من المحسوسات إلى العقل ليرتدّ منه عليها بفعل إدراكي عقليّ، سواء كانت المواضيع طبيعية أو غيرها (اجتماعية  مثلاً).
أدى هذا إلى إنهاء حالة التماثل في الهوية، بين العقل والمطلق، التي تشكل إمكانية المعرفة الميتافيزيقية (عند اللاهوتيين والفلاسفة القدماء) من قبل العقل البشري للمواضيع الماوراء طبيعية بما فيها الله، وإلى اعتبار التجريبية أن العقل الإنساني ذو طابع طبيعي محض، وإلى إنهاء حالة الانفصال بين الفعلين العقلي والحسي، التي سادت ابتداء من اليونان التي كان مجتمعها مقسماً بين الطبقة العليا التي تحيى حياة الفراغ وطبقة الصناع اليدويين. كما أدت نظرية لوك إلى نقض مفهوم فطرية المعرفة، وإلى اعتبار العقل كفراغ يتم ملئه من خلال الانطباعات الحسية، عبر عملية التفاعل مع الموضوع. وهذا ما كرَس أسبقية التجربة على النظر والفكر، وعبَر عن تزايد مكانة العلوم الطبيعية على حساب الفلسفة التأملية التي بدأت تنحصر منذ ذاك الوقت في مجالات ضيقة كالأخلاق.
رغم ذلك ، فإن نظرية لوك التجريبية، من خلال تكريسها لأولية التجربة، لم تقم ثنائية أخرى مقلوبة عن ثنائية اليونان التقسيمية لمجالي الفكر والحس، بل أقامت علاقة ترابطية بينهما، مما أتاح مجالاً للفلسفة لكي تتفاعل مع تطورات العلوم الطبيعية. فهذه الترابطية، التي أقامها لوك عبر نظريته عن الانطباعات الحسية، قد أقامت علاقة جدلية غير انفصامية بين حدّي المعرفة،  ما أدى إلى جعل المعرفة ذات طابع حسي، وهذا ما وضع الميتافيزيقا في  بداية حالة تقوض، من حيث المكانة التي كانت تحتلها في العملية الفلسفية، وإلى تحطيم نظريات (وحدة الوجود)، التي تعود كبداية إلى نظرية (المُثل) عند أفلاطون. لذلك كان من الطبيعي أن لا ترى نظرية وحدة الوجود التي قدمها اسبينوزا (1632-1677) سوى مكانة منعزلة في مسار الفكر الغربي،  حيث أن وضع التجربة والطبيعة، في مقابل التأمل الميتافيزيقي في ما وراء المحسوس، قد أنشأ حالة انفصامية فلسفية لا تقبل التركيب الجمعي بين الله والطبيعة.
ولكن تجريبية لوك لم تؤدّ به إلى النزعة الشكِية، التي نراها عند ديفيد هيوم (1711-1776) الذي دفع باستنتاجات التجريبية الفلسفيّة إلى الحدود القصوى: اعتبر هيوم أنّه مادام العقل، مُقيداً ضمن الحس، فلا يمكن بالتالي إثبات فكرة ( المطلق )، الذي يجب أن لا يكون موضوعاً للفلسفة، التي عليها أن تتّجه إلى الموضوعات الملموسة، وهذا أدّى به إلى رفض كل ميتافيزيقا، معتبراً إياها غير قابلة للإثبات العقلي، هي وكل اعتقاد ديني في الماورائيات والغيبيات المتجاوزة لحدود الطبيعة. من هنا أتى نقده لأدلة أرسطو حول وجود الله، معتبراً أن مبدأ (العلة)، الذي فسر من خلاله أرسطو نشوء الكون من قبل (المحرك الأول)، مبنيّ على قاعدة مشاهدة الاطراد في الأشياء الذي يتحول عبر التكرار إلى (عادة) لا يمكن أن تصل إلى مستوى السببية التي نفاها هيوم (نجد شيئاً من هذا عند الغزالي في”تهافت الفلاسفة” في نقضه لمفهوم السببية)، حيث بيَن هيوم أن تكرار التعالق بين الأشياء، والظاهر أمام أعيننا، هو الذي يدفعنا للإيمان بضرورة أن تكون الأشياء- والكون أيضاً-خاضعة لقانون المؤثِر والتأثير، بدون أن يكون ذلك هو الواقع العملي الذي يجري في الواقع، ليكون ذلك هو مجرد تعبير عن حاجتنا إلى تركيبات عقلية نحتاجها لتفسير الظواهر وأصولها، الشيء الذي يفسر عملية نشوء الميتافيزيقا والدين والحاجات المولدة لهما وفقاً لديفيد هيوم.
كانت التجريبية تعبيراً عن لحظة التشظّي للنزعة التركيبية في الفكر الغربي، وعن بداية سيادة الفكر التجزيئيّ- النسبي الذي يرفض البحث في أبعاد وكُنه الظواهر، الشيء الذي يلفت النظر ترافقه عند التجريبيين مع رفض أي اتجاه تاريخي، مكتفين بالنزعة الوصفية. وربما، كان هذا ناتجاً عن عجز الفكر التركيبي عن مواكبة العلوم الحديثة، في الوقت الذي عبرت فيه النزعة التجزيئية عن مواكبتها للعلوم ولومن خلال التبعية الفلسفية لها، كما حصل لاحقاً عبر الفلسفة الوضعية مع أوغست كونت (1798-1857)، فيما فشلت التركيبيتان، أي الهيجلية والماركسية،  في تحقيق استيعاب فلسفي يضع العلوم تحت العباءة الفلسفية.
عبّرت التجريبية بهذا عن وصول الفكر الإنساني إلى منعطف مفصلي جديد من نوعه، تجسد في هذا الانهيار الأول للفكر التركيبي، مما شكَل حالة قطع حاسمة مع عوامل الفكر القديم، الذي كان متجاوزاً دائماً، بأبعاده، لنطاق الطبيعة ويقيم لها صلات”ما ” مع الما وراء، الشيء الذي بدأ في الفكر الشرقي القديم مروراً باليونان، وبشكل يمكن من خلاله اعتبار التجريبية تحطيماً للتأثيرات الإغريقيّة في الفكر الغربي الحديث، الذي وصل مع هيوم إلى محطّة حاسمة، ما كان من الممكن بدونها الوصول إلى الثورة التي أحدثها كانط (1724- 1804) في الفكر الفلسفيّ الحديث عبر تحطيمه المعرفي للميتافيزيقا، الشيء الذي كان معتمداً على ما قدمه لوك وهيوم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق