التحامل، أسبابه ووظائفه عند ملاقاة الغريب أو مواجهته

      أطلق الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه بعض الملاحظات حول منبع الفلسفة – ليست الفلسفة التي كانت تروق له وإنّما الفلسفة التي لاحظ أنها كانت دارجة في ذلك العصر- لذا فهو يجادل في كتابه "ما وراء الخير والشر" (Beyond Good and Evil)  بأنّ معظم فلاسفة المستقبل لن يتمكّنوا من أن يعطوا تفسيرا نقديّا واحدا مقبولا حيال منشأ الفلسفة، أو حيال المسلّمات التي سوف يبنون عليها فكرهم الفسلفيّ، وإنّما هم يبنون فكرهم على قيم لا يوفونها حقّها من التحليل. ويزيد نيتشه على ذلك بالقول بأنّ الفلسفة في غالبها مبنيّة على التحامل. (1)

      وعلى ضوء الانعطاف اللغويّ الذي تبلور في بداية العشرينات والذي أعطى تبريرا لقبول الطريقة التحليلية في الفلسفة وتطبيقها، فإنّنا على العموم نتّفق مع رأي نيتشه هذا.

        ويبدو مؤكّداً أنّ الفلاسفة لم يأخذوا في الحسبان أنّ الأسس التي يحاجّون استنادا عليها، هي أسس مشبعة بقيم معيّنة متأتّية من استخدام مصطلحات تبدو للوهلة الأولى منزّهة عن أيّ افتراضات ميتافيزيقية مسبقة. ونجد من وجهة نظر سقراطية، ومن ثمّ وجهة نظر فلسفية، أنّ رأي نيتشه ليس بالخاطئ على الإطلاق.

      ومع ذلك أودّ أن أطلق منظورا آخر لتحليل نيتشه بطرح السؤال الآتي : (لماذا لجأ الفلاسفة – وما زالوا – إلى التحامل كمبدأ أساسيّ في تفكيرهم الفلسفي؟)، وعلاوة على ذلك أودّ مناقشة الحاجة إلى التحامل إذا ما أردنا التحوّل إلى"نظرة أنثروبولوجية". وأعني "بالنظرة الأنثروبولوجية" ذلك المنظور الذي ليس مبنيّاً على المنطق العلمي فحسب (ومن ثمّ هو مبنيّ على البحث عن الحقيقة) وإنما أيضا على السلوك الإنساني. وقد لا نكون مدركين لمثل هذا السلوك خصوصا عندما يمكن ردّه إلى السلوك الإنساني البدائيّ، ومن ثمّ ردّه إلى السلوك الذي ساد التطوّر النشوئيّ للجنس البشري. بهذا المعنى أودّ أن أبرهن على الطرح الذي مفاده أنّه ما من داعٍ إنسانيّ لاستخدام التحامل أداةً للحفاظ على الكيان المادي من جهة، ولا على الهوية الشخصية –ارتكازا على المستوى العقليّ– من جهة أخرى. فعلى مرّ العصور كان هذا الشرط اللازم للتكامل البنيوي- وما زال -، أساسا للبقاء في أي بيئة اجتماعية طبيعية أو أجنبية ثبت من النظرة الأولى أنها لا تشاطرني قيمي الشخصية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الدينية. ومن هنا، وعلى النقيض من النزعة السائدة في يومنا هذا، سأركّز على الجوانب الإيجابية للتحامل، ولكن أريدكم أن تبقوا في أذهانكم أنّ التركيز في بحثي هذا على الجوانب الايجابية للتحامل لا يعني أنني بشكل عامّ أنكر المخزون الأنثروبولوجي ضد التحامل، وإنما القصد من وراء هذا القول هو مجرّد الدعوة لإلقاء نظرة، أقلّ إغراضا، على الأحكام المسبقة. ولتدعيم هذا الطرح سأناقش الأمر كما يلي : إنّ أيّ إنكار لدور التحامل كتوصيف نمطيّ للوضع في عصر ما قبل التنوير هو في الغالب ناجم عن اختزال مفهوم التحامل إلى مجرّد مفهوم إبستيمولوجي. وضمن هذه الحدود من المنطق، يمكننا جميعا أن نتفق على أنّ أيّ حكم إبستيمولوجي يكون غير مثبت، ومن ثم مبنيّ على حكم مسبق ضمنا – كما هو الحال في قناعة نيتشه – هو أمر مرفوض إذا ما كنّا حريصين على زيادة المعرفة. والمعرفة المقصودة هنا هي المعرفة المثبتة المستندة في الغالب إلى طرق علمية، أي هي نوع من المعرفة التأمّلية. ولكننا إن لم نختزل دراسة التحامل لنحجّمه ضمن حدوده الإبستيمولوجية كما كان الأمر عند بداية عصر التنوير، وإذا أخذنا المعرفة العقلية بعين الاعتبار أيضا، فإننا سنتوصّل حينها إلى دلائل هامّة – ومشروعة بحكم النشوء والتطوّر- تبرهن على الحاجة إلى التحامل أوّلاً، ومن ثمّ إلى الوقوف منه موقفا إيجابيا.

      بعض التأملات حول مفهوم التحامل :

  1 – التأمل الأول: حول تعريف مصطلح التحامل Prejudice :

       إذا حاول المرء أن يستخرج معنى هذا المصطلح من موسوعات فلسفية أو من القواميس فمن الغالب أنه لن يجده. وهذا ليس فقط حال القواميس الانكليزية أو موسوعاتها بل الألمانية أيضا. وهذه الحقيقة تنمّ عن واقع هذا المصطلح الذي نحن بصدد دراسته في فلسفة اليوم.

ومع ذلك فإننا نجد أخيرا في الطبعة المنقّحة لقاموس أنتوني فلو Antony Flew لعام 1984 التعريف التالي: ( التحامل هو أيّ اعتقاد، سواء كان صائبا أم مخطئا، تمّ تبنّيه بدون تبصّر بالدلائل أو أحيانا كتحدّ لها). وهنا يتوجّب التفريق بين هذا المعنى وبين استخدامه كمصطلح سلبيّ يدلّ على التعصّب للقناعات الخاطئة أو الغريبة (Flew 1984، 286) إنّ الجملة الأولى ترينا السياق الفلسفي الذي وُضعنا فيه، أي إنّ إشكالية البحث في "أشكال التحامل" هي إشكالية أبستيمولوجية. ونستطيع أن نجد هنا أحد مصادر التأريخ للفلسفة التي يرتكز عليها التفسير السلبي في التعريف.

وفي أوائل القرن السابع عشر طرح فرانسيس بيكون في كتابه Novum Organum (الأورغانون الجديد 1620 -) نظرية كاملة من المثل المؤلهة (الأوثان – idol) في فكره. وفي نظرية المثل المؤلهة هذه، يناقش بيكون أسباب الخطأ الإنساني في السعي نحو المعرفة. فقد كان يسعى للكشف عن العلل الكامنة وراء الأسباب النفسية لهذا الخطأ، ونتيجة لما وجده فقد ابتدع لفظة ( idol ) الدالة على الأوثان المؤلّهة، مع ما لها من دلالة مجازية، حيث حدد أربعة أنواع من هذه المثل (أو الأوثان) للدلالة على أسباب الخطأ المذكور. ثم عمد ديكارت في "التأمّلات" ("التأمّل الرابع" المنشور لأوّل مرّة عام 1641) إلى اقتفاء آثار بيكون في دراسته للمقدرات المعرفية الإنسانية.

 وبالمقابل لموقف أرسطو في نظريته التجريد في كتابه De Anima)). يعبّر كلّ من بيكون وديكارت -لأسباب مبدئية- عن تحفّظهما تجاه أيّ مظهر من مظاهر التحامل. أمّا عند نيتشه فنستطيع أن نلحظ أنه يفهم الجدل بين بيكون وديكارت على أنه مبنيّ على خلفية التحامل العقائدي السائد في ذلك العهد : إنّ تفكيرهما التشكيكيّ مقارنة مع المفهوم السابق الذي يقرّ السلطة في العصور الوسطى إقراراً معرفياً، ناجم عن التقييم الجديد لهذا الموضوع (التحامل). وإذا سلّمنا بقدرة الله المطلقة في المعرفة والحقيقة، ومن ثمّ فهو المفسّر المطلق للكون، لأمكن لهذا الموضوع أن يحلّ محلّ سابقه، أعني ببساطة : الإيمان بقدرة الله وعلمه المطلق بطريقة أخرى.

      لذلك فإنّ تبنّي مثل هذه الطريقة الجديدة يشدّد على وجوب تقييم نوعية قدرات المعرفة الإنسانية، وهذا ما يعرف اليوم بالمنهج العلمي. وبذلك سيتوفّر لدينا المدخل المناسب نحو الاختبار التطبيقي، ومن ثمّ حصر كلّ الافتراضات في ما يخصّ التقييدات (القواعد والشروط التي تحدّد شكل ظاهرة ما)، حتى يكون (افتراض ما) قابلاً للبرهان في أيّ موضوع وفي أيّ زمان ومكان.

       2- التأمّل الثاني:  السبب الأنثربولوجي للحاجة إلى التحامل :

      تمثل العولمة الموكب المنتصر الأخير للنظرية الليبرالية بمفهومها المبسّط المختزل كنظرية اقتصادية للإنتاج والتجارة، وقد أفلحت العولمة في ما هو أبعد من تحجيم وإزالة العوائق لإغناء تدفق البضائع ورأس المال والخدمات والعمالة. وفجأة أدركت البشرية أنّ المتاجرة بكلّ شيء قد اقتربت من قيم لم يكن يدور في البال من قبل أن يتاجَر بها. فعلى سبيل المثال، لا يمكن حتى الآن تحديد تدفّق العمالة إلى حدود مجرّد تبادل لقوّة اليد العاملة البشرية معرّاة من أيّ مصالح شخصية. لذلك لن تجد مع العامل الوافد قوّة عمل مجرّدة فقط، وإنما ستجد أيضاً قيماً اجتماعية وثقافية ودينية ترافقه حيث يذهب. وعلى المستوى النفسيّ، نجد هذا الشخص مزروعاً في وسط أجنبيّ لا يشاطره ذات القيم المكونة لهويته، فيسعى للحفاظ على هويته الأصلية، ويضطرّ لبناء مجتمع خاصّ به مكوّن من أشخاص يشاطرونه ذات القيم، أو سيضطرّ إلى تشديد منظومة قيمه الشخصية وذلك بالتأكيد المستمرّ على منبعها وعلى ما يؤمن به. وخلا هذين الحلّين سيكون الشخص المشار إليه مهدّداً بفقدان الهوية الشخصية. ولكنّ كلا المقياسين يعنيان أنّ على المرء تعريف الحدّ الفاصل بين الذات والآخر بدقّة وأمانة. وإذا أخذنا الأمر بعمومية أكثر، لقلنا بينه وبين الغريب. من شأن هذا التفريق والتوضيح أن يجعلك تجد نفسك في مجتمع أجنبيّ يوحي إليك بأنك لا تنتمي إليه. وبالنظر إلى هذا الواقع نظرة انثروبولوجية، يتوضّح على الفور أنّنا نتعامل مع أحد المخاوف الإنسانية الفطرية. هنا، لن تجد مسلّمات مختزلة إلى إبستيمولوجيا، وإنّما صيغة من التعامل مع نوع من التحامل ثابت في المجال الماقبل معرفي.

      3- التأمل الثالث: الوظائف التي قد يؤدّيها التحامل:

      يبدو أننا نملك الدليل على أن وظيفة التحامل، من منظور لا يختزله إلى مجرّد نتاج للمعرفة، هي وظيفة ذات أهمية أنثروبولوجية. أمّا إذا وسّعنا مدى الاستكشاف، وأخذنا في الاعتبار مجال المعرفة المسبقة أيضا، فسندخل في جدل حول محدودية دور التحامل لدى الفرد، هل هو دور نسبيّ أم يمكن أن يستثار ليلعب دورا عالمياً شاملاً؟

       وعلى حدّ اطلاعي على ما هو مكتوب في هذا الصدد، فإنّ ظاهرة التحامل كانت ولا زالت مقصورة على الفرد، وأنّ التحامل يبدو سمة دالّة على الطبع البشري، وبهذا نستطيع الادّعاء أنّ التحامل ينبع من أعماقنا. زيادة على ذلك ، لم أجد في ما قرأت أحدا يناقش ظهور التحامل حديثا في بيئات ثقافية أو تاريخية بعينها. لذا فأنا أودّ أن أقول "بحذر"  إنّ التحامل هو مفهوم فطري. مع افتراضي أنّ هذا الطرح مصيب، سيقتضي ذلك أن نفكر وننظر لوظيفة التحامل في حياة كلّ فرد على أنها وظيفة نسبية.

      فمن جهة قد يماري البعض –وخصوصا ممّن يقرّون بواقع التحامل كمفهوم فطريّ– أنه يحسن بنا الإقرار بالتحامل كمفهوم شامل. وهنا سيكون سبب هذا الرأي هو التساؤل التالي : إذا سلّمنا بأنّ التحامل مرتبط بحياة كلّ فرد إنسانيّ، فلا بدّ أن يؤخذ على أنّه مفهوم شامل عالميّ، أي "حالة إنسانية" ( conditio humana) إلى حدّ ما .

      ولكن بالنسبة لما أراه، سوف يعني ذلك أننا نتقبل هذا المفهوم على أنه بالكاد مؤثّر، أو أنه ذو دور بالكاد يذكر، لأننا لو أخذنا مفهوم التحامل اعتباطيا على أنه شامل، فسيكون مسلّماً ضمناً بوجود جانب غيبيّ من النوع الذي لن يتيح لنا فرصة تعلّم كيفية التعامل الرشيد مع التحامل أو معالجته.

      ومن جهة أخرى، إذا اعتبرنا أنّه مفهوم نسبيّ فستكون لدينا فرصة على الأقلّ للتدخّل بالمعايير اللازمة لتطوير إدراكنا لما للتحامل من أثر في معرفتنا المسبقة. وحينها سيتوجّب على دور التحامل أن يصبح خاضعا للتجربة (الاختبار). وكلما زادت الفرص التي نقدّمها للفرد كي يكتسب تجارب في التحامل إلا وتحسّنت معالجة الفرد لتحامله، ونعني بمصطلح "التحسّن" أنّني افترض وجود معيار واحد على الأقلّ أبني على أساسه محاكمتي. ولا يمكن لهذا المعيار، من المنظور الأنثربولوجي، إلا أن يكون معياراً براغماتياً بموازنته مع حالة ملاقاة القريب التي يتوجّب على الفرد فيها أن يحسم قراره باتجاه تحسين الحالة ذاتها. وهذا القرار ليس بالقانون الثابت تماماً، بل متغيّر باستمرار تبعا للبيئة الحاضنة للفرد.

      وكتلخيص لتأمّلاتي الثلاثة، أودّ العودة إلى التعريف الذي سبق لي ذكره في البداية، والذي بيّنت تحفّظي تجاهه آنفاً. وسنجد أنّه إذا عرّفنا مصطلح التحامل ببساطة على أنّه مصطلح ناشئ في الميدان الفلسفي للمنطق والإبستيمولوجيا فلن نغطّي بتعريفنا هذا الطيف الكامل لهذا المصطلح كما أسلفت القول. وعلى هذا فإنّي اقترح تعريف التحامل كما يلي :

  "إنّ التحامل في مجال المنطق والإبستيمولوجيا هو مصطلح دالّ على نوع من المعرفة والمدلول غير المثبت. وعند استخدم هذا المصطلح في مجال الفلسفة الأنتروبولوجية فيقصد منه كونه أداة لاتخاذ القرار المسبق. وفي هذه الحالة، تدلّ كلمة التحامل على معنى تحسين وضع الفرد كوسيلة تمكّنه من البقاء، لذلك فهو مفهوم مبنيّ على القيم التي خبرها الفرد، والتي بلغت به حدّا أصبح فيه من الضرورة عنده اتخاذ "قرار مسبق"."


هوامش:

  قدمت هذه الورقة ضمن أعمال مؤتمر (وعي الذات وإدراك الآخر) الذي انعقد في ديسمبر 2009 في كلية الآداب – جامعة دمشق، بمشاركة جامعة إرلانغن – نورنبيرغ / ألمانيا، ومؤسسة  DAAD الألمانية.

والعنوان الأصليّ للمداخلة ولم تنشر في لغتها الأصلية وقد حصل المترجم على النسخة الأصلية من الفيلسوف نفسه :

Prejudice, its Reasons and its Function when Perceiving and Encountering the Strange

  – Philipp W. Balsiger فيلسوف سويسري معاصر، وأستاذ الفلسفة في جامعة إرلانغن – نورنبيرغ/ ألمانيا.

(1)-  يجدر التنويه إلى عدم وجود مرادف حقيقي في اللغة العربية يفي ويعادل كلمة Prejudices مما يقتضي ترجمة المعنى القاموسي القائل أن المفردة المشار إليها تعني الكراهية غير المبررة أو المغرضة لأمر ما أو أحد ما على أساس من العرق أو الدين أو الجنس الخ …. كما أنها تشتمل على معاني مثل الحكم المسبق والتحيز والتحزب والإجحاف. المترجم

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق