التحديث التقني، الحداثة العقلانية

هناك بعض المحاولات النظرية في الفكر العربي المعاصر، لتحييد العلم عن الحرية والديموقراطية والسياسة، واعتبار أن “السبب الأول لتعثر المسيرة العلمية هو الإهمال والعجز عن استيعاب مكتسباته.” والتأكيد على أهمية “الإرادة والاختيار”.

ويمضي عبد الله العروي ليحدد معوقات التقدم العلمي في الوطن العربي، فيجدها في “نوعية المثقف-نوعية المدنية-الاستهلاك”. فحول نوعية المثقف يتساءل عن حظ العلم الحديث، بل وحتى حظ الواقعية (أي الارتباط بالواقع الملموس) عند قادة الفكر عندنا، ما قدر اطلاعهم وتأثرهم بعالم الانتاج (عالم اتصال الإنسان بالطبيعة) في مجتمع تغلب عليه اللفظيات والمجردات وتصبح العلوم الملقنة في المدارس ذاتها مادة للعب والزخرفة.

أما نوعية المدنية، فيتساءل إن كان لنا فعلا تجمعات مدينية؟ فالمدينة التي تساعد على انتشار العلم مؤسسة “حرة”، لها كيان جماعي، روح جماعي، يضمن لها استقلالا نسبيا إزاء السلطة السياسية المركزية. ونحن نتساءل كيف يمكن للمدينة أن تكتسب هذه الخصائص بغض النظر عن الدولة والنظام السياسي وفق مقاربة العروي؟

أما مفهوم الاستهلاك فهو الذي يقود تفكيرنا عامة، فالذهنية التجارية هي المتغلبة على اقتصادياتنا، والذهنية الترفيهية هي المتحكمة في اجتماعياتنا. ومع ذلك فإن العروي سرعان-ما يتناسى حيادية العلم نحو الحرية والديموقراطية- ليدعونا إلى ثورة ثقافية شاملة. فالثورات الحديثة، منذ القرن السادس عشر، دينية، سياسية، اقتصادية في الظاهر فقط، أما في العمق، فإنها تعني دائما الانتقال من ذهنية استهلاكية إلى ذهنية إنتاجية، وبالتالي من الاتكال إلى النشاط من الأسطورة، إلى العلم وهذا التغيير، إنما هو حاصل انتقال وإبدال الإقطاع بالطبقة الوسطى، والبرجوازية التجارية بالبرجوازية الصناعية، وهذا لا يتأتى-حسب العروي-إلا بثورة لا يقوم بها إلا من حمل “أدلوجة قومية عصرية”، وهي ثورة، للأسف، أمامنا وليست وراءنا، إذ لا نتصور ثورة علمية منفصلة عن ثورة ثقافية شاملة، عن انتقال ذهني من كون إلى كون (عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، ص 128، 144-149.).

أراد العروي في البداية، أن ينتج خطابا حياديا تجاه واقع البنية السياسية العربية، لكي يحفز أصحاب القرار العرب، على اتخاذ قرارهم في السير على طريق بناء القاعدة العلمية ودفع التفكير العلمي والبحث التجريبي لحيادته عن منظوماتهم السلطوية، ومن ثم فإن هذا القرار ممكن، لأن التقدم العلمي “إرادة واختيار” لكنه انتهى على عكس افتراضاته، ليجد خطابه يندرج في الهم الإشكالي المركزي لفكر النهضة العربية، ويغادر حذره، داعيا إلى ثورة علمية ثقافية “ذات أدلوجة قومية عصرية.”

هذا الخطاب الحذر، والمتلجلج للعروي، حيث الرجاء واليأس، والتوقع والخيبة، سيقر ياسين الحافظ بأهميته، ويعترف بفضله، ولكنه يغادر تردده وحذره، لينتج خطابا غاضبا عصيانيا في راديكالية نقده لواقع الهزيمة العربية وإيديولوجيته المهزومة، معلنا أن الإخفاق يشمل طوابق عمارة المجتمع العربي بكل تياراته (الشيخ والليبرالي والتقني) القومي والماركسي، مادام هذا المجتمع أخفق في تحقيق الثورة القومية الديموقراطية، فالمطلوب قلب المجتمع وليس قلب نظام حكم فقط، بعد أن تم التخلي عن فكرة النهضة ومسخها إلى “التنمية”، حيث طمست كل أبعاد مسألة التأخر المجتمعي (الموقف من المرأة مثلا) أو التأخر السياسي (الموقف من القومية وسيادة الشعب، وبالتالي الموقف من الديموقراطية، مثلا).

فالمنظور التنموي سطح واختزل وأفقر مشكلة التأخر، وأفقدها محتواها الأصلي وجوهرها عندما اختزلها وحولها إلى مسألة استيراد ثمار التقنولوجيا الغربية وإلى مسألة “تنمية الدخل القومي” ولذا فقد أثبتت التجربة العربية لما بعد الحرب العالمية الثانية عقمها، عقم المنظور التنموي أي التحديث التقني وبناء القاعدة الصناعية. فلقد أثبتت التجربة أن محاولات التحديث هذه لم تكن إلا ضربا من محاولة زركشة تحديثية على سطح مجتمع قديم مفوّت، وليست عملية بناء مجتمع جديد، فهذه المنظورات تزعم “تحديث” عمارة المجتمع القديم بزيادة الإنتاج، في حين أن زيادة الإنتاج عندما تكون حصيلة نمو داخلي متوازن ومكوّر، تبقى في التحليل الأخير تظاهرة من تظاهرات تنامي عقلنة المجتمع وسيطرته على نفسه، وبالتالي تنامي سيطرته على المجتمع.

والمنظومات التنموية هي بالأساس، منظورات الحركة القومية العربية التي تجهل وتتجاهل الثورة الديموقراطية بسبب امتثاليتها وتقليديتها، ولقد لعبت الماركسية العربية اللعبة نفسها، بسبب فهمها السطحي والمبتسر للمنظور التصنيعوي السوفياتي، مما دفعها إلى إسقاط واقعة التأخر وتبني منظورات تنموية متجاهلة أن المجتمع التقليدي الروسي دُحض وتفسخ وانهار قبل ثورة أكتوبر، الأمر الذي مهد على مختلف الأصعدة المجتمعية والسياسية والثقافية، إطلاق عملية التصنيع، بالإضافة إلى تجاهلها لأولوية الثورة القومية الديموقراطية، وتجاهلها مقولات الاستبداد الشرقي للماركسية، هذه المقولات التي تقدم أدوات وعي مناسب بجوانب الضعف والقصور المكونة عبر التاريخ في المجتمع العربي.

هكذا ينتظم الحافظ –في سلسلة الخطاب النهضوي- الذي لا يرى إمكانية للتقدم العلمي، والتنمية الصناعية، إلا من خلال المواجهة الكلية مع مشكلة التأخر، وأولها، مشكلة الاستبداد، ومن ثم فإن السؤال يجوب حيزات المجتمع العربي، ومن ثم يعود لمسألة البنية السياسية للنظام العربي.

ولهذا فإن –الحافظ- يعمد إلى الأرقام، والإحصائيات، ليبرهن بأن هزيمة حزيران ليست بسبب التفوق التقني والعتاد العسكري الإسرائيلي، بل بسبب تأخر البنية السياسية العربية، ورغم ثقته بالناصرية، ومرارته بخسارتها، بمثابتها الفرصة التاريخية الضائعة على الأمة العربية، فإنه يرى أن إختناقها إنما كان بسبب (أو نتج عن) التناقض بين ثورتيها السياسية الوطنية والتنموية والتصنيعية من جهة، ومحافظتها الإيديولوجية والمجتمعية من جهة أخرى، وأن ضربة حزيران لها ليس بسبب تفوق إسرائيل التقني ، بل بسبب حداثة، وعصرية النخبة السياسية الإسرائيلية، وتقدمها العلمي والمعرفي القادر على توظيف التقانة، واستخدامها، بينمات التقنية العربية المستوردة مهما كانت درجة تفوقها النوعي فإنها ستتحول إلى (خردة) في اليد الجاهلة.

ويكشف كتاب الحافظ هذه الإشكالية، بدءا من عصر النهضة حتى لحظتنا الحاضرة، عندما يقول: منذ الجبرتي ونحن نتراكض وراء التكنولوجيا، ولكن يبدو واضحا إننا لم ندركها… تلك سذاجتنا، لماذا ؟ يجيب “التقنولوجيا الحديثة ليست سوى ثمرة من ثمرات التراث الغربي، هي الجانب التقني في بنيان واحد متكامل يتطور منذ قرون، لذا فإن استيعاب التقنولوجيا الحديثة إنما يقتضي أن نستوعب المقدمة والأرضية الثقافية لهذا التراث.” ([1]- ياسين الحافظ، الهزيمة والإيديولوجيا المهزومة، الآثار الكاملة (دار الطليعة، بيروت، 1979)، راجع ص 195-197.).

وفي سياق تفسيره لنتائج الحروب العربية الإسرائيلية، التي تبرهن على الندية بين العرب وإسرائيل من الزاوية التقنية، يتساءل عن تفسير الهزيمة؟ فيرى: “مادامت التقنولوجيا الحديثة مجرد فرع تطبيقي من فروع شجرة المعرفة الغربية، لذا فإن المرتكزات الثقافية أو الإيديولوجية لطائرة الميراج أو الفانتوم، أو الميغ مثلا نجدها في فكر ديكارت، سبينوزا، فولتير، هيغل، ماركس، إلخ ، وبالتالي فمن السذاجة تصور أن استخدام التقنية الحديثة مجرد عملية كبس أزرار، وليس عملية عقلانية تنطوي على تواصل ثقافي بين الإنسان والتقنية أو بين الإنسان والآلة. (المصدر السابق، ص153.). ولهذا يخلص في سياق آخر، إلى أن جرينا وراء التكنولوجيا، وهي مقطوعة عن أرضيتها الثقافية وتاريخيتها المعرفية، وسياقها السياسي الديموقراطي العلماني الحديث، وفضاءاتها الروحية، والعقلية المسكونة بالحرية أدى إلى أن “أصبح لدينا طائرات، ولكن لم يصبح لدينا طيران، أصبح لدينا عسكر ولم يصبح لدينا جيوش، أصبح لدينا مصانع ولكن لم تصبح لدينا صناعة، إذا لم نستوعب الأرضية الحضارية والفكرية لهذه التقنولوجيا، فلن نستطيع البتة أن نجعل من الفرد ترسا في جماعة، بل سيبقى فردا متفردا عاجزا.( المصدر السابق، ص216-217.).

خطاب –الحافظ- الذي يعلن عن وظيفته، بتجاوز نقد السطح السياسي، لنقد عمارة المجتمع، لينتظم في سلسلة النقد النهضوي الراديكالي، سرعان ما يصطدم بالدولة العربية فينوء خطابه بالتشاؤم واليأس من أية ممكنات للنهضة مادام النظام العربي قابعا فوق المجتمع “كوثن” في صياغة سمير أمين، الذي يرى أنه إذا كان الفصل الأول من رأس المال يبدأه ماركس بـ “السلعة وثن” فإن كتابة الفصل الاول من رأس المال العربي، يجب أن يبدأ بعنوان “السلطة وثن” .

ولهذا يبدو الطريق صعبا شاقا طويلا، فليس هناك بنيان للدولة العربية يمت بصلة جوهرية للدولة القومية العقلانية الحديثة، الدولة العلمانية الديموقراطية حيث يستحيل قيام تفكير علمي أو تقدم صناعي، بدون الثورة الديموقراطية، في حين أن الدولة العربية، إذا ما قورنت بالدولة العصرية، فهي تقع في مرتبة “ما دون الدولة” لأنها إما دولة فئوية (طغمة) عائلة ، عشيرة، طائفة “عاجزة عن التواصل مع الشعب، وتعبئته، أو دولة “ثيوقراطية” تشل المجتمع وتعطله بالمحرمات، والمسبقات وانغلاقها، وهذا ما يفسر استبداد النموذجين اللذين هبطا إلى ما يذكّر بـ “الدولة المملوكية” التي لم يبق لها سوى بعض أطر ومظاهر وشكليات، توارثتها “الدولة” الكولونيالية، من هنا كان انبعاث “الدولة” المملوكية أو العثمانية يشكل جزءا من ظاهرة انبعاث المجتمع العربي ما قبل الكولونيالي، والذي يشكل خطوة إلى الوراء بالنسبة للدولة الكولونيالية التي وإن مثلت حالة اغتصاب قومي ووطني شامل، لكنها لم تكن فئوية أو ثيوقراطية على الأقل.( المصدر السابق، راجع ص 205-206.)

ويبلغ هذا النموذج ذروته الكابوسية في صورة “الجهادية الثيوقراطية” التي نهضت على أنقاض المشروع القومي المهزوم بحرب حزيران 1967 الذي واكبه نهوض نموذج الدولة الحديثة ذات الحشوة الماضوية.

وعلى هذا فإن “الدولة” المملوكية المحدثة هي “دولة” منسلخة وتالفة ومفوّته، فكيف يمكنها أن ترسي اقتصادا حديثا وتطلق فضاءات للحرية والديموقراطية التي لا يمكن بدونها أن تحدث نهضة علمية، أو بحثا تجريبيا، أو تساؤلا للعقل والفكر العلمي، مادامت مكتفية بذاتها أصوليا، ومكتفية بحداثة سلعة التكنولوجيا الغربية تبعيا، ومشروع الشرق الأوسطي مستقبليا، حيث شعار العلم والإيمان سيترجم في صيغة العلم الإسرائيلي، والإيمان العربي، التقنية الإسرائيلية، والمال العربي، ليشكل المغزى الدلالي الرئيسي للمشروع الشرق أوسطي المعروض علينا أمريكيا – إسرائيليا ، دون أن يكون لنا نحن العرب أي مشروع سوى الاستمرار في الاحتضار منذ قرون !

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق