التحدي القيمي: دور الأصولية الدينية في احتمال تفكك النظام الدولي / محمد مسعد العربي

يتلخص الموضوع الرئيسي، لكتاب ” الحرب والدين والإمبراطورية: تحول الأنظمة الدولية ” لأندرو فيليبس في دراسة تكوين تحولات وانهيار النظم الدولية، من خلال مقاربة منهجية ودراسة مقارنة للتاريخ.وتأتي المقولة الرئيسية للكتاب لتؤكد أن أي نظام دولي هو عرضة للانهيار والتفكك، إذا لم يستطع أن يدافع عن نفسه في مواجهة “العنف الثوري”، الذي قد يتمثل في شكل تحديات داخلية “تمرد”، أو عدوان خارجي.

 

يطبق فيليبس هذه المقولة من خلال دراسة ثلاثة نظم دولية، الأول هو نظام المسيحية اللاتينية في أوروبا، والثاني هو العالم الصيني، والثالث هو النظام الدولي المعاصر. ولا يستخدم فيليبس في دراسته منهجا بعينه، بل يؤلف بين الواقعية التي تؤكد دور عوامل القوة والصراع، ومن ثم الحرب في تفاعلات السياسة الدولية، والبنائية التي تؤكد دور البني غير المادية كالدين والثقافة. ويجسر فيليبس الهوة بين المنهجين بدمجه للعوامل المادية المتمثلة في الاقتصاد وغيره بالعوامل الأيديولوجية.

 

عوامل انهيار النظام الدولي:

 

يتكون الكتاب من ثلاثة أجزاء إلي جانب مقدمة ومستخلص نظري. وفي الجزء الأول، يهتم بوضع إطار نظري ومفاهيمي لدراسته بتحديد ماهية النظام الدولي، وماهية العوامل التي تؤدي إلى تفككه. ووفقا لفيليبس، فإن الضغوط التي تؤدي إلي انهيار النظام الدولي تعمل من خلال تركيبة معقدة من العنف، والاعتماد المتبادل، والاضمحلال المؤسسي، والتحديات الأيديولوجية.

 

ويرى فيليبس في تحليله للنظم الدولية أن النظام الدولي دائما ما يتسم بالمعيارية، وهي معتمدة علي وعي زائد بالمقدس والدنيوي، وأن هناك دائما صراعا بين هذين العالمين، والذي يتضح في البني التأسيسية للنظام التي تحدد شكل العلاقة الصحيحة بين العالمين الروحي والاجتماعي. مثل هذا التأسيس في المسيحية اللاتينية كان يتمثل في اللاهوت السياسي الأوغسطيني. وفي النظام الصيني، تمثل في “ولاية السماء” الممنوحة للأباطرة.

 

وفي نظامنا المعاصر، يتمثل في “الأساس العلماني”. وما يحدث أن مثل هذه النظم دائما ما تتعرض لتحديات دينية لشرعية وجودها، كما حدث في حالة الحروب الدينية التي عصفت بنظام اللاتينية المسيحية، والحركات المليونية، مثل تمرد داو بنج في الصين، والتحدي الإسلامي “الجهادي” السياسي للنظام النيوليبرالي الحالي.

 

انهيار نظامي المسيحية اللاتينية والعالم الصيني:

 

استمرت المسيحية اللاتينية مهيمنة علي أوروبا لقرون عديدة في العصور الوسطي وفي بدايات العصر الحديث، ورمز لهيمنتها مؤسستان، هما “الكنيسة” و”الإمبراطور”. ومثل التحول الثوري الذي قدمته حركة الإصلاح الديني “البروتستانتية” تحديا لها، وهو ما أدي إلي الزج بأوروبا إلي حرب دينية شاملة. ويتناول أندرو فيليبس بأسلوب شائق هذه الحرب الدينية في أوروبا، باعتبارها ذروة الحالة الفوضوية التي شهدتها أوروبا، وتميزت بتفشي الحروب، وانهيار الحكومات، والشقاق الطائفي، وانكسار القيود علي استخدام العنف.

 

أما نظام العالم الصيني، فهو النظام الإقليمي الذي استطاعت الإمبراطورية الصينية أن تفرضه على محيطها الإقليمي لقرون عديدة حتي منتصف القرن التاسع عشر، وعلي رأس النظام الصيني المتسم بالهيراركية الإمبراطور المستند إلي القيم الكونفوشية في حكمه. ويميل الكتاب إلى إبراز الإمبراطورية الصينية والكونفوشية باعتبارهما كيانا متجانسا، ومن ثم يهمش التحولات المهمة التي ألمت بالكونفوشية، وخلقت كونفوشية جديدة مهيمنة ومسيطرة في عهد أسرة سونج وما بعدها. كما اعتمد هذا النظام علي قوة السلاح المتمثل في البارود، حيث كانت الصين إمبراطورية البارود الكبري في العالم الأوراسي. ثم ينتقل فيليبس ليرصد التحولات المحلية والدولية، التي كانت سببا لإضعاف البني المادية للنظام الإمبراطوري الصيني.

 

حمل الصدام بين القوي الاستعمارية الغربية والصين صداما قيميا بين الأسس المعيارية التي يقوم عليها النظامان الغربي والصين. فقد تأسس النظام الأوروبي علي فكرة المساواة النظرية والقانونية بين الدول، فيما قام نظام العالم الصيني علي هيراركية بين الكيانات الداخلة فيه، يقع الإمبراطور علي رأسها. وفي تعاملها مع هذا النظام، لم تجد الدبلوماسية الغربية قدرة علي تقبله، خاصة أنها قائمة علي فكرة الوساطة المعتمدة علي البنية الرشيدة، وغير الشخصية والرسمية لما يسمي القانون الدولي، وعلى عكس المفهوم الأبوي للدبلوماسية الصينية. ومن ثم، اتجهت هذه القوى إلى فرض نظامها علي العالم الآسيوي، وتآكل بهذا الأساس الذي قام عليه النظام الإمبراطوري الصيني، وانهار نظام الجزية الصينية في شرق آسيا.

 

الجهادية الإسلامية كتحدي للنظام الدولي:

 

أهم ما يميز النظام الدولي المعاصر وتوجهاته هو علمنة السياسة وانهيار الإمبراطورية كمؤسسة للهيمنة. وفي الوقت الحالي، أصبح النظام في حالة تغير فيما يتعلق بموازين القوة النسبية للقوي العظمي. فالقوي الغربية تشهد انحدارا ملحوظا في القوة لصالح قوي البريكس غير الغربية، وعلي رأسها الصين. وقد تحررت الحداثة من ارتباطها بالعالم الأطلنطي، لتتبناها قوي صاعدة غير أوروبية. ويعتمد استقرار النظام الدولي الحالي، إذا استمر في البقاء علي قدرة القوي الغربية على أن توائم بين تدهورها النسبي، وأن تتعامل مع صعود القوى الآسيوية بنجاح.

 

أما عن أهم التحديات التي تواجه هذا النظام، فتتمثل في الجهادية الإسلامية التي تجسد حالة من التحدي القيمي لأسس النظام كما تقدم. ورغم تركيزه على الجهادية، فإنه لا يشير إلي الخطر الأشمل، وهو روح الأصولية الدينية المتفشية في العالم كله. ويترافق مع هذا التحدي بروز الفاعلين من غير الدول، التي استطاعت في أحيان كثيرة أن تكسر احتكار الدولة لاستخدام العنف، وهو الأمر الذي يجعلها خطرا داهما علي النظام، خاصة إذا امتلكت أسلحة الدمار الشامل. وقد أثبتت القوي العظمي أنها قادرة على التوحد إزاء أخطار بعينها كخطر الإرهاب.

 

يستخلص فيليبس من دراسته للنظم الثلاثة أن السبب الرئيسي للانهيار يأتي من داخل النظام نفسه، فيما لا يستطيع العدوان الخارجي إلا أن يستغل نقاط الضعف الداخلية. ويعترف في دراسته لانهيار النظم الدولية بأن النظام الدولي الحالي هش وعرضة للانهيار كسوابقه أكثر مما يبدو عليه.

 

غير أنه على اقتناع بحقيقتين لا مناص منهما، الأولى هي أن كل نظام يحمل رؤي متنازعة لماهية الخير، ومن ثم فإن كل نظام دائما هو معرض للتخريب العنيف، وبالتالي هو في حاجة دائمة لقوة قاهرة لفرض قيمه في مواجهة المعارضة الثورية لها. أما الثانية، فهي أن الدفاع عن هذا النظام يكون ناجحا، في حال إذا ما كان العنف المستخدم للدفاع عنه متناغما مع الضرورات الأخلاقية والمعايير المشتركة للشرعية التي تكون صلب كل النظم الدولية، قديمها وجديدها. ويمثل الكتاب بصورة عامة إسهاما ضافيا في أبحاث العلاقات الدولية ودراسة النظم الدولية.

 

عن مجلة الساسة الدولية – مصر

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق