التربية الجنسية ضرورة عمومية

على صعيد اليومي، نجد في المغرب انفتاحا جنسيا مهما ناتجا عن عوامل متعددة، على رأسها تحويل الجنس إلى نشاط اقتصادي في مواجهة البطالة، ثم إلى أداة مقايضة تمكن من خدمات وامتيازات غير مشروعة أو غير مستحقة. وهناك عوامل أخري يمكن الإشارة إليها بسرعة مثل الاختلاط الجنسي في المدن غير المستوعب بعد (بما فيه الكفاية)، البيع الحر لوسائل منع الحمل، ارتفاع معدل السن عند الزواج الأول، تبني إيديولوجيا الاستهلاك الجنسي وتراجع قيمة الاستمساك، التناقض بين صرامة النصوص القانونية وبين التسامح القضائي الفعلي… كل ذلك يفسر تخلف الفكر الجنسي اليومي ولا يسمح للفرد بتكوين رؤية واضحة ومنسجمة حول الجنس، و يفسر إلى حد ما حيرة المؤسسات والمربيين أمام مفهوم التربية الجنسية. لذا ينبغي البدء بتربية المسؤولين عن التربية على قبول التربية الجنسية كمفهوم إيجابي وإقناعهم بكل مضامينها، وعلى رأسها المضمون القيمي الذي يجعل من النشاط الجنسي نشاطا مباحا وخال من الإكراه والسيطرة والعنف والاستغلال. إنه المضمون الذي ينبه أيضا إلى ضرورة القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة، ويقول بالمساواة بين الجنسيين في الحق في الجنس، علما وعملا. لا بد من اقتناع المسؤولين بضرورة التربية الجنسية كتربية شاملة تستهدف القيم والوعي والسلوك. لابد من سياسة حكومية مندمجة واضحة في هذا الاتجاه، فمسائل الجنس لم تكن أبدا مسائل خاصة تتعلق بالفرد فقط ولا دخل للسلطات العمومية في وتدبيرها.

{{تأريخ مفاهيمي}}

في المغرب، ومنذ العشرينيات من القرن العشرين، ظهرت معالم سياسة جنسية في إطار الحماية الفرنسية. وكانت تلك السياسة ترتكز بالضبط على تربية جنسية تسعى بالخصوص إلى مكافحة الأمراض “الزهرية” بالنظر إلى كون الزهري syphilis كان من الأمراض المنتشرة بشكل ملحوظ بين الساكنة. وكان المغاربة يعالجونه آنذاك ببعض الأدوية النباتية البسيطة أو بالذهاب إلى حامة مولاي يعقوب (قرب فاس). قصد تسييج انتشار الزهري، أقام الفرنسيون مواخير تنظم العمل الجنسي وتمكن من مراقبة العاملات الجنسيات طبيا ومن معالجة المصابات منهن. كان ذلك مدخلا أوليا لحماية الصحة العمومية حيث كانت العاملات الجنسيات، وما زلن، يعتبرن الناقل الأساسي للأمراض “الزهرية”. لم تنغرس هذه التربية الوقائية بما فيه الكفاية في الذهنية المغربية لأنها كانت مرتبطة بنظام الحماية الاستعماري، خصوصا وأن ذلك النظام نهج تطبيبا إكراهيا فوقيا لا يحترم قيم المغاربة وتمثلاتهم عن المرض. ثم إن التطبيب كان يخدم بالأساس توطن وتوطد الاستعمار كما جاء على لسان ليوطي (Lyautey) الذي أكد على أن مفعول طبيب واحد أهم من مفعول فيلق عسكري في تهدئة المغرب ودفعه إلى قبول الحماية الفرنسية. ومن ثم، يتبين أن رفض الحماية كان رفضا لتطبيبها أيضا، وهذا ما جعل الرسالة الوقائية ضد الأمراض الزهرية لا تتأصل في النفوس ولا تتحول إلى تقليد.

في عهد الاستقلال، توجهت الإدارة المغربية منذ أواسط الستينيات من القرن العشرين نحو تربية جنسية تستهدف بالأساس تنظيم الخصوبة وخفضها استجابة للمالتوسية الجديدة. فتعليم المغاربة الخفض من الخصوبة أمرا اعتبر شرطا من شروط التنمية. ولا يزال هذا المنظور سائدا لحد الآن، رغم تغيير المصطلحات في البرامج الصحية والانتقال من مفهوم الحد من النسل إلى مفهوم التخطيط العائلي ثم إلى تنظيم الأسرة فإلى التربية السكانية وأخيرا إلى الصحة الإنجابية. من منظور الصحة الإنجابية السائد اليوم، يعرف المغرب نسبة مهولة في وفيات الأمهات أثناء الحمل والولادة، وهي ظاهرة تهم المتزوجات والعازبات معا. فالفتاة التي تحمل دون إرادتها تضطر في غالب الأحيان إلى الإقدام على إجهاض سري غير مشروع، وبالتالي غير محمي طبيا بما فيه الكفاية. ويعتبر الإجهاض خامس سبب في وفيات الأمهات. أما الأسباب الأخرى فهي عسر الولادة والنزيف الدموي والإصابة بالجرثومة وارتفاع الضغط. وبما أن الإجهاض ليس وسيلة من وسائل منع الحمل، لا بد من تلقين تربية منع-حملية إلى الفتاة عند البلوغ قصد تجنيبها الحمل غير الإرادي وتجنيبها الإجهاض الخطر. كما أنه لا بد من خلق وعي توليدي conscience obstétricale يدفع المرأة الحامل إلى استعمال الخدمات الطبية في أسرع وقت عند حدوث تعقيدات، ويدفعها إلى مراقبة طبية للحمل والوضع بشكل عام، سواء حدثت تعقيدات أم لم تحدث.

في بداية التسعينات، عاد المضمون الوقائي المتعلق بالأمراض “الزهرية” إلى الساحة من جديد، ليس لأن الأمراض الزهرية “الكلاسيكية” ظهرت فجأة من جديد بعد أن قضي عليها، فذلك غير صحيح، ولكن لأن حالات الإيدز بدأت تنتشر. فأول إصابة بالسيدا سجلت سنة 1986 ودفعت المسؤولين في وزارة الصحة إلى دق ناقوس الخطر، خصوصا وأن الانتشار المهول للأمراض “الزهرية” الكلاسيكية يشكل تربة خصبة لانتشار السيدا. وقد سجلت الوزارة المعنية ما يقارب أربع مائة ألف إصابة جديدة كل سنة بالأمراض المنقولة جنسيا. من جراء ذلك، بلورت وزارة الصحة بمساعدة جمعيات محاربة السيدا والأمراض المنقولة جنسيا سياسة وقائية تبدأ بالرصد الدقيق لتطور الأمراض المنقولة جنسيا وتسعى إلى تحسيس المواطن ومده بالمعرفة الدنيا الضرورية قصد توعيته بطبيعة تلك الأمراض وبخطورتها.

ومما وطد عودة مفهوم التربية الجنسية إلى الساحة توصيات مؤتمر السكان الذي نظم بالقاهرة سنة 1994 الذي أفرز مفهوم الصحة الجنسية التي لا يمكن اختزالها في جنسانية دون أمراض، وإنما في ضرب من الرفاه الجنسي، البدني والنفسي والاجتماعي. وهو الشيء الذي لن يتأتى دون تربية جنسية تقوم على الإقرار بالحق في المتعة وعلى تثمينها. فهل تم ذلك فعلا؟ ما مصير المضمون الشبقي برامج التربية الجنسية؟

{{المتعة المهملة}}

لا بد من الاعتراف بأن البعد الإيروسي هو الجانب المهمل والمغيب بالتمام في التربية الجنسية بالمغرب . فعند استحضار المفهوم واستعماله، يتم التنصيص على الغايات الوقائية (ضد الحمل غير الإرادي وضد الأمراض)، ويتم تغييب سؤال المتعة الجنسية بل ويتم تشخيصه كخطر على الأخلاق وعلى الشباب. بتعبير آخر، يهمل المجتمع المغربي بمختلف مؤسساته تربية الشباب على معرفة الجسد وعلى الافتتان به وعلى استغلاله كمصدر متعة. فالشباب لا يتلقى أية رسالة من مؤسسة تربوية معينة تبين له كيف يمارس الجنس، وكيف يحقق الرغبة بشكل طبيعي في علاقة طبيعية دون الشعور بالذنب، ودون البحث عن حيل توفيقية (بين المنع والرغبة). إن المضمون الإيروسي مغيب تماما من البرامج المدرسية والصحية والأسرية والدينية والإعلامية الوطنية. هناك فراغ وطني تام في الموضوع. لهذا السبب، يقبل الشباب على مشاهدة الأفلام الإباحية بفضل القنوات الفضائية، ويشكل ذلك بالنسبة إليه مدرسة إيروسية تملأ الفراغ المعرفي الذي يتركه صمت المؤسسات التربوية حول المتعة الجنسية.

والجمعيات بدورها، خصوصا تلك التي تكافح الإيدز، لا تتحدث عن المتعة الجنسية وعن حق الشباب فيها أو عن حق الفاعل الجنسي في اختيار توجه ممارساته الجنسية. كما أن الجمعيات المهتمة بتنظيم الأسرة لا تدافع إلا قليلا وبخجل عن حق الشباب غير المتزوج في استعمال وسائل منع الحمل. فكل جهدها منصب على النساء المتزوجات في سن الإنجاب، الشيء الذي يبين أن همها الأساسي ليس هو تطبيع النشاط الجنسي بقدر ما هو الخفض من الخصوبة. إن عمل الجمعيات يظل تقنيا إن صح التعبير، فهو مجرد تحسيس بأهمية الغشاء الواقي مع الحرص على تجنب الخوض في التصورات والمرجعيات. إن استهلاك البورنوغرافيا من طرف الشباب لا يدل أبدا على شذوذ جنسي بقدر ما يدل على أن هناك حاجة غير ملباة، وهي حاجة إلى المعرفة أولا.

فقد استنتجنا من دراساتنا الميدانية في الموضوع أن الشاب لا يعرف كيف يمارس الجنس، وأنه مسكون بسؤال جنسي كبير لا يجد جوابا داخل الوطن. وبالتالي يمكن الخلوص إلى أن مشاهدة الأفلام الإباحية تقوم بوظيفة بيداغوجية، فهي تبين للشاب ما هو الجنس وكيف هي ممارسة الجنس. وقد صرحت مجموعة من الفتيات في الأبحاث التي أنجزناها أن تلك الأفلام تعلمهن كيف ينبغي أن يمارسن الجنس، وكيف ينبغي لهن التعامل جنسيا مع الزوج في المستقبل. وقد وقفنا على العديد من الحالات التي تصل إلى ليلة الزفاف دون أن تعرف أي شيء عن الجنس. وفي بعض هذه الحالات، تكتري الأسرة خدمات عاملة جنسية لتلقن العريس درسا أوليا يدشن به حياته الجنسية-الزوجية. بديهي أن الأفلام الإباحية التي يشاهدها الشباب أفلام سيئة من الناحية الفنية والأخلاقية، والخطر أن الشاب لا يستطيع الوقوف عند جانبها التعليمي التقني إن صح التعبير، بل يستبطن في الوقت ذاته وبشكل لا شعوري قيما جنسية وتجارية منحطة، ومذلة للمرأة والرجل معا. في أحسن الأحوال، لا تشكل مشاهدة تلك الأفلام سوى تعليم جنسي تقني لا يرقى أبدا إلى مستوى تربية جنسية مكتملة ومندمجة.

{{ضرورة عمومية محاربَة}}

الملاحظ في المدرسة أن التعامل مع التربية الجنسية يظل خجولا ومتناقضا، فتمرير التربية الجنسية في مادة “التربية النسوية” ثم “التربية الأسرية” تمرير غير ملائم لأن تلك المواد تنطلق من منظور “التربية السكانية”. لم يجرؤ المشرع المدرسي بعد على إقرار مادة تدريسية صراحة تحت عنوان التربية الجنسية.

وبالتالي نجد بعض مضامين التربية الجنسية موزعة بين مواد مختلفة قطبها الأول التربية الإسلامية وقطبها الثاني علوم الحياة. القطب الأول أجوف، فهو قيم دون معارف علمية وتقنية، والقطب الثاني أعمى، فهو معارف دون قيم سلوكية حداثية. في العالم المدرسي، عبارة التربية الجنسية غير متداولة ولا وجود لها في المقررات وتحتجب خلف عبارات مقبولة اجتماعيا ودينيا (حسب الفهم السائد للدين) مثل التربية السكانية أو التربية الصحية أو التربية الأسرية أو التربية النسوية. من جهة أخرى، ينسل الفقيه إلى المدرسة من بوابة جمعيات آباء وأولياء التلاميذ، الإسلاموية منها على وجه الخصوص. إن وضع هذه الجمعيات ملتبس بحيث أنها لا ترمز فعلا إلى قيام مجتمع مدني يؤمن بالتعدد وبعدم ضرورة الرجوع إلى الدين في تدبير الجنس. فالقانون الذي ينظم تلك الجمعيات يعطيها سلطة التدخل في البرامج المدرسية ويجعل منها أدوات عرقلة في وجه المدرسة كمحرك للتحديث الجنسي، هذا إذا افترضنا أن المدرسة المغربية تتبنى من جانبها قيما جنسية حداثية ، وهو الأمر المشكوك فيه باعتبارها غير محايدة دينيا إذ عليها أن تبلغ القيم الإسلامية إلى المتعلمين… بتعبير آخر، لا نجد الشيء باسمه الحقيقي ولا نجده في معناه الحقيقي، فالمشرع المدرسي يتحايل ويراوغ للتهرب من مفهوم التربية الجنسية. ويزعم صانع القرار أن الفكر المغربي اليومي المتخلف لا يزال عاجزا عن تقبل مفهوم التربية الجنسية صراحة. وهنا، لا يعمل صانع القرار على استغلال تفتح الواقع الجنسي وتفسخه من أجل تأسيس تربية جنسية ملائمة وشجاعة. ومن ثم، يترك المجال للخطاب الأصولي الواعظ الذي يدعو إلى العودة إلى القيم الجنسية الإسلامية التقليدية التي لم تعد تتماشي مع واقع الشباب وحاجياته الجنسية الجديدة.

إن سؤال التربية الجنسية في المغرب يخيف الآباء والمربين والمعالجين والمقررين السياسيين. ويدفع من ثم إلى جدال كبير حيث يقدم كل واحد تعريفه، ويرسم كل واحد الحدود التي لا ينبغي تجاوزها. فلا وجود لاتفاق حول مضمون التربية الجنسية، ولا وجود لاتفاق حول المستهدفين منها ولا وجود لتصور موحد حول غائياتها. هناك حيرة فكرية لدى صانع القرار ولدى المربي ولدى الطبيب ولدى السياسي. ويمكن الإقرار بوجود معسكرين متصارعين. يرى الأول أنه لا مجال للمراوغة لأن الشباب الآن يعرف كل شيء ولا يمكن أن نستمر في الإخفاء، فهناك الأمراض التي تحتاج إلى معالجة، وهناك العمل الجنسي الذي يحتاج إلى مواجهة، ولابد إذن من سن التربية الجنسية كسياسة وبرامج واضحة الأهداف. أما المعسكر الثاني فلا يزال يناقش مفهوم التربية الجنسية ويعتبرها إيديولوجيا (مستوردة) ويقر أنها ليست وجبة جاهزة. ويدعو إلى تعريفها انطلاقا من الخصوصية المغربية الإسلامية، أي إلى أسلمتها بتعبير أدق. وحتى بالنسبة لتمرير التربية الجنسية في قنوات الإعلام السمعي-البصري، هناك انقسام الرأي. فهناك من يرى أن الإباحة الإعلامية القائمة تساعد على تمريرها، لأن القنوات الفضائية هيأت المشاهد المغربي لتقبل رسائل جنسية جريئة. وهناك في المقابل من يقول بالخصوصية الإسلامية، فيدعو إلى ضرورة الاحتفاظ بنوع من الرقابة والصرامة على المشهد السمعي-البصري ويدعو إلى الاحتماء من القنوات الأجنبية.

لنذكر هنا بأن معظم الدراسات تجمع على أن التربية الجنسية بمفهومها الحديث تلعب دورا حاسما في تأخير بداية النشاط الجنسي. فالمراهق العالم بأخطار الجنس (الحمل غير المرغوب فيه والأمراض) يعيش أول تجربة جنسية في سن أعلى من سن المراهق الذي لا يعرف تلك الأخطار. إن التربية الجنسية تؤجل بداية النشاط الجنسي إلى حين توفر ضمانات دنيا.

رغم هذه “الطمأنة”، الكل يتنصل من المسؤولية. فالأب يعتبر أنه لا يستطيع القيام بالتربية الجنسية لأن ذلك سيقضي في نظره على سلطته كأب، وهذا ما يؤكد الترابط بين السلطة وعدم الحديث عن الجنس. بتعبير آخر، يبني الأب سلطته على كبت جنسانية أطفاله وعلى قمع التواصل اللغوي معهم في الموضوع. ويؤكد الأب على أن ذلك من مهام الأم، فهي المؤهلة (في نظره) للخوض في الحميمية. وبهذا تتحول التربية الجنسية إلى مسألة خاصة ومحتشمة ليست لها صفة الضرورة العمومية. لكن الأم بدورها، وبالنظر إلى مستوى المرأة التعليمي المتدني، لا تستطيع القيام بهذه المهمة الدقيقة. والأساتذة أنفسهم يخجلون من الأمر. فهناك لجان طبية تذهب إلى بعض الثانويات قصد تحسيس التلاميذ بالأمراض المنقولة جنسيا، إلا أن الكثير من الأساتذة يخرجون أثناء إلقاء الطبيب لعرضه بمبرر أن الأستاذ لا يقدر على مواجهة تلامذته أثناء حصة الطبيب عن الجنس. فكيف يمكن للتلميذ المراهق، في ظل هذا الوضع، أن يكوِّن رؤية إيجابية وحداثية عن الجنس وهو يرى أستاذه يحمر ويغادر القاعة، ويبني سلطته أيضا على قمع الجنس وتهميشه.

ومهنيو الصحة أنفسهم يقولون بأنهم تقنيون فقط، أي أنهم مؤهلون للتحدث عن الأمراض المنقولة جنسيا فقط، أما باقي جوانب التربية الجنسية فتتجاوزهم على حد تعبيرهم. ولهذا السبب، يرفضون الخوض فيها مع مرضاهم… وذلك شيء مؤسف لأن المريض يأتي إلى الطبيب وهو مهيأ لتقبل رسالة الطبيب التربوية.

إن التنكر غير الواقعي للواقع الجنسي المغربي المريض لا يخدم مسلسلي التنمية والديمقراطية. فالمجتمع المغربي مريض جنسيا، من كثرة الحمل غير الإرادي، من كثرة الإصابات الجنسية، من كثافة العمل الجنسي غير المعترف به، من عقدة تفوق الرجل، من ربط وهمي وهوسي بين الجنس والزواج، من تنكر للجنسانية المثلية، من عدم الاعتراف بالحق في المتعة كأحد حقوق الإنسان الأساسية.

لن يعرف هذا المجتمع المريض تنمية حقيقية أو ديمقراطية حقيقية ما دام لم يعالج بشجاعة التساؤلات التالية: كم من طاقات تهدر من جراء إصابات جنسية يمكن تجنبها بفضل تربية جنسية بسيطة، شجاعة وواضحة؟ كم من فتاة تضيع حياتها لأنها لم تتعلم كيف تتجنب الحمل؟ كم من رجل يرغم المرأة على علاقة جنسية غير مرغوب فيها وغير مؤمنة صحيا؟ كم من مثلي-جنسي يشعر بالذنب والخوف لمجرد أنه يميل إلى الرجال بشكل اضطراري؟ أليس كل ذلك تبذير لطاقات يحتاج فعل التنمية إليها؟ أليس كل ذلك مس بمبدأ المساواة بين المواطنين وخرق فاحش لحقوق الإنسان؟

أين هي الأحزاب السياسية الديمقراطية من إشكال التربية الجنسية؟ أين هي جمعيات حقوق الإنسان من هذا الإشكال؟ غياب مطلق، وصمت مطلق. لم تفكر بعد الأحزاب السياسية الديمقراطية ولا جمعيات حقوق الإنسان ولا جمعيات مكافحة الإيدز في اقتراح سياسة جنسية تملأ الفراغ السائد. والجمعيات محط اتهام أكبر لأنها تؤشر مبدئيا على وجود مجتمع مدني، أم أن الجمعيات المغربية مجرد امتداد للمؤسسات الحكومية تعيد إنتاج الإيديولوجيا الجنسية الرسمية المزدوجة، المتشددة قانونا والمتساهلة فعلا. هل هي جمعيات دون مجتمع مدني، وظيفتها الأساسية الإيهام بوجود مجتمع مدني؟ هل يجب التذكير بأنه لا وجود لمجتمع مدني حقيقي بدون علمانية؟

1 A. Dialmy : “La gestion socioculturelle de la complication socioculturelle au Maroc”, Ministère de la Santé /USAID, 1999

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق