الترحل الأميركي عالم حياة ومراتب ولاية ومباني كتابة / وضاح شرارة

تغلب على رواية جاك كيروواك «في الطريق (1957، وطبعت اللفيفة الأولى المتصلة على شاكلة الطريق نفسها، من غير فقرات، في 2007، ونقلت الى الفرنسية على صورتها الجديدة في 2010، وهي مرجع العجالة. والأصح نقل الوسم بـ «في الطريق» وليس «عليها»، فالمسافر هو في طريقه الى موضع وليس على طريقه…) استعارةُ توقيع موسيقى الجاز على اختلاف مقاماته وأدواره وطبقاته وآلاته ووصلاته وانقطاعاته. وبعض مشاهد الرواية وفصولها البارزة موضوعها أداء موسيقي في حانة بسان فرانسيسكو، على وجه التخصيص، تتولاه فرقة فرداً فرداً وآلة ألة، وتنتقل عدوى الأداء الى المستمعين أو هي تلازم العزف، منذ ابتدائه وإنشابه في الجمهور أثره وجوابه الى سريانه في الأجساد والحركات والسكنات والألسنة، ثم في الحانات القريبة فالأبعد فالأبعد وفي الشوارع فالليل «الأميركي». وموضوع فصول أخرى، بارزة كذلك، نوع مختلف من التوقيع هو توقيع سَيْر السيارات على طرقات الولايات المتحدة الأميركية، من الساحل الشرقي، وحاضرته نيويورك، الى الساحل الغربي الجنوبي، وحاضرته سان فرانسيسكو، ذهاباً وإياباً، وذهاباً وإياباً، مرتين وثلاث مرات وأربع مرات، وتسبق هذه رحلة خامسة تصل نيويورك، الى الشمال الشرقي، بمكسيكو، جنوباً.

والتوقيع القاري يحل في أداء الرحلة، في سَوْقها ومركباتها أو سياراتها، وفي سوّاقيها وطرائق سوقهم وسرعاته وتحميلهم المسافرين وأواصرهم بهم، وتبادلهم السوق والنوم، واستقبالهم المنعطفات والطرق والمدن والسهول والجبال وضفاف الأنهر والغابات والناس والسيارات الأخرى، وتركهم وراءهم المنعطفات والطرق والمدن والسهول… والتفاتهم إليها وكلامهم فيها، وتذكرهم إياها ونسيانهم. وهذا كله يروى على مثالات توقيع مموسق، على المقامات والأدوار والطبقات. وتتغلغل استعارة التوقيع في كل ما تتناوله. والتوقيع مبناه على الوقت وتقطيعه مداً أو قبضاً. ورواية كيروواك التي يغلب عليها التوقيع، واستعارته الكبيرة ووجوه الاستعارة الكثيرة، موضوعها المعلن في وسمها، «في الطريق»، هو المكان أو المحل.

[ولاية الأزعر

والمكان هذا مأهول ومسكون، على معنى لا يستنفده القصص الشعبي والعامي القديم الذي يملأ الأمكنة بالجن والحن لبعض الوقت، ويرسلها في سفارة وتكليف خارجيين قبل ان يستعيدها، ويخلي المكان منها، فيقر المكان على حاله الأولى وقد أقفر من أهله ومنازلهم. فالطريق الأميركية في أواخر العقد الخامس من القرن العشرين تضج أصغر أوردتها وأضيقها، مثلما تضج شرايينها والأنسجة التي ترويها، وغدد وظائفها، بجن وحن وعفاريت وشياطين وملائكة هي نسغ الطريق ولحمها ودمها وصورتها. والتوقيع الموسيقي، على المعنى المتقدم، هو «قلق» الطريق، أي خلاف سكينتها وإخلادها الى مكان خالص وخال من الانقلاب غير المنقطع من حال الى حال ومن الترجح المقيم بين الأحوال. ومثل هذا المكان، الساكن والخالص والخالي، لا يعقل في عالم «الرواية» (والكتابة) الذي كان كيروواك أحد رواده وصانعيه.

وتحقق الرواية، في كتابتها على الوجه الذي كتبها عليه الشاب الأميركي طوال أعوام 1947 1951، التباس المكان بالرحلة، واستحالة انفكاكهما في الحل والترحال. والحل، أي الإقامة والنزول والإناخة، هو حال من أحوال الرحلة والتبدي، ولا يستقل بنفسه عن هذا أو تلك. والرحلة العريضة عرض القارة الأميركية البالغ، على ما يردد الكاتب مرات لا تحصى، 5 آلاف كلم، هي الأصل، وهي المثال الذي يحسن بصور الحياة ان تحتذي عليه، وتتأدب بآدابه وتأتم به. فهي، على هذا، طريقة، على المعنى الصوفي التقريبي، وإسراء ومراتب ودرجات متباينة. وقسمة الرحلة في الناس، وتتناول رواية كيروواك الأميركيين وملابسة الرحلة حيواتهم وسعيهم، وجريهم شاؤوا أم أبوا على رسمها، لا تنفي تفاضلهم فيها، ولا تقدمهم أو تأخرهم على سلم مكاناتها وطبقاتها ومقاماتها.

و»في الطريق»، شأن قصص الأولياء والأقطاب والأعلام، تروي أخبار ولي «عظيم» من أولياء الطريق والرحلة الأميركيتين هو نيل كاسّادي (واللفيفة الأصلية المتصلة تثبت اسمه وشهرته الحقيقيين، على خلاف الصيغة اللاحقة والمعروفة التي تسميه دين موريارتي). والرواية هي سيرة «مواقف» الشاب المولود بدينفير في 1926، وعلى هذا فهو يصغر جاك كيروواك بأربعة أعوام، شأن الأخ الشقيق الذي فقده كيروواك حين كان في الخامسة من عمره، وكان كاسادي في الواحدة والعشرين حين التقاه الكاتب في 1947 وإصعاده في مراتب «القداسة» ومعراجها، وفهرست كراماته. وحملُ نيل كاسّادي على الولاية والقداسة، أو رسامته وتطويبه قديساً، على قول أهل الكنائس، تسوغه مخالطته ضرباً من ضروب «الحياة»، أو إقامته بـ «عالم حياة» من عوالم الحياة، الكثيرة والمتفرقة. ويوجب «عالم الحياة» هذا جري الجسد، أو المرء، وجوارحه ووظائفه وأفكاره ولسانه وتوجهه على نفسه وعلى الغير، على رسوم تكثّر التوقيعات المموسقة، وتخلط بعضها ببعض وتدخل بعضها في بعض. فتبتكر أحاسيس ومشاعر وصوراً وكلمات وعلائق وتداعيات هي «بنت» صاحبها، على معنى ينكر التعلق والنسب من غير اطراحه أو إبطاله اطراحاً وإبطالاً تامين.

فقديس الطريق، أو ملاكها، هو من يرتقي من تكثير التوقيعات والخليط والابتكار مراتب عالية و»شريفة». وصفته الأولى أو مَلَكَته هي «طاقة هائلة» على الحركة والتنقل والسفر والتقلب بين وجوه الناس والأمكنة. ولا يشك كيروواك في تسويغ هذه كلها رسامة كاسادي، الفتى الرقيع والأزعر في يوم آت «قديساً أميركياً» (ص 169 من الترجمة الفرنسية). وحين يحصي المسافر جاك كيروواك، في احد فصول رحلته الأولى قاصداً الغرب، من يرجو لقياهم بدينفير، وهو يجتاز ولاية كولورادو، وهم وجوه «الجيل» من امثال إد وايت وهال تِشييْز وألنْ تيمكو وألن غينسبرغ وويليام بوروز ونيل كاسّادي وغيرهم، حين يحصيهم يرى دخوله على «العصابة» في بار بدينفير وهم، أهل العصابة، يرونه «نبياً في ثيابه الخلقة والبالية» التي تشبه مرقّعة أهل الطريق، «آتياً من جنبات البلاد وأطرافها ومكلَّمهم بكلام غامض»، فلا يملك هو، كيروواك، إلا القول: «واو!».

وغلبة مثال القديس الولي، أو الملاك أو النبي، على وجوه «في الطريق» وسواقطها وصعاليكها وجانحيها وسكيريها وبطاليها، هذه الغلبة تتصل بتراث ملحمي أدبي وشعبي كثير الروافد الأميركية والأوروبية والدينية الكونية. فقريباً من كيروواك ذهب الفرنسي جان بول سارتر الى تطويب جان جينيه، السارق واللقيط والمثلي و»الخائن» والمجدف على رؤوس الأشهاد، «قديساً». فوسم كتابه فيه، وهو مقدمة أعمال جان جينيه الكاملة، «القديس جينيه، مهرجاً وشهيداً». ويخلو «في الطريق» من إشارة الى الكاتب والفيلسوف الفرنسي الأشهر يومها. وتتخلل الكتاب إشارة الى رواية الفرنسي الآخر، لوي فردينان سيلين، «رحلة في الليل البعيد (أو «الى أطراف الليل»)، وإلى أحد اميركييها. والأرجح ان سيلين مثال كتابي و «موسيقي» على قول سيلين في كتابته وابتكاره. فلا يحتاج كيروواك، ولا غيره من الكتّاب الأميركيين الى وسيط أوروبي يُسْلمهم الى صور الترحال والصعلكة وكتابتها. والكتاب لا يكف عن التلويح والتنويه بالسفر غرباً، وبالتغريبة الأميركية من الساحل الشرقي الأطلسي الى الساحل الغربي الهادئ، وولادة «أميركا» الأمة والمسرح من هذه التغريبة. ويستعير نحو خمس مرات أو ست مشية أو رقصة غروتشو ماركس، أحد الأخوة السينمائيين الأربعة، على قدميه مقرفصاً في أحد أشهر أفلامهم «ارحل غرباً» («غو وِسْت»)، للكناية عن «حجلة» نيل كاسّادي الخاطفة والمرنة. وإذا ضرب القارئ صفحاً عن «قداسة» هنري ميللر الأميركي النازل بمضربه الفرنسي وصاحب ثلاثية «الصلب بـ (اللون) الزهر»، وعن «ملاك الشر» الساقط أرتور رامبو و«مركبـ(ه) السكران» وولولة الهنود الحمر الأميركيين على ضفتي النهر الذي ينزله المركب، وأشاح عن فرنسوا فيون (والـ «ف» تلفظ على شاكلة لفظها في «برافو»، ولا شأن لرئيس وزراء ساركوزي المسكين بالشاعر المشنوق في ساحة «لاغريف» الباريسية في يوم من أيام 1463م) وإنشاده صَحْبَ السوء وإخوانه بقي «خَطَأة» الأناجيل تتقدمهم المجدلية المسماة باسم البتول أم الله المباركة بين النساء والمبارك ثمرة بطنها، على قول الصلاة القديمة. وبقي القديسون المؤمنون بعد حياة غيّ وضلال وتبديد وفي أثناء حياة الغي، والأولياء البسطاء المكرمون جزاء بساطتهم. والرواية الأميركية تعج بمثل هؤلاء، كتبها جون شتاينبك («في الفئران والبشر») أم كتبها وليم فوكنر («نور آب»)، من غير تسوية ولا مقارنة.

[الولادة والسيرة

ويكاد يكون نيل كاسّادي، على رواية كيروواك، عصارة السلسلة الأميركية الطويلة من قديسي الحثالة المتبدية بين ضفتي المحيطَيْن ودفتيهما. ورحلته الموقّعة رواحاً ومجيئاً ومنازل وظعناً، ورحلة تلميذه وحواريه ومرشده وصديقه ومدون «أعماله» وأخباره وآثاره، هي سيرته أو سيرة الصَّديقين المشتركة والمتقاسمة. والطريق أو الرحلة هي القاسم المشترك، وهي الرابطة والعروة واللحمة. وفي ابتداء خبره عن رحلته، وأطوارها ووقائعها وتوقيعاتها، يجمع كيروواك في جملة متصلة «حياتـ(ه) في الطريق»، أو حياته المترحلة، ولقاءه نيل، وموتَ والده وإبلالَه هو من مرض ألم به غداة موت أبيه ونجم عن موت الأب، على قوله وتعليله السريع. ورغبته في الرواح الى الغرب، وحياة الطريق والرحلة والتغريب واحد بديهة ومن غير شرح، سبقت لقاءه نيل وموت أبيه. فكان اللقاء الداعي الى تلبية نداء الغرب، ومدرجَ التلبية. وذلك ان نيل ابن الطريق، على معنى غير مجازي. فهو ولد بينما والداه في الطريق الى لوس انجيليس، «في السيارة»، ويمران بسالت لِيْك سيتي. والولادة في الطريق، شأن الولادة الإنجيلية في مذود، علامة وكناية على رغم حقيقتها، على زعم كيروواك. وهذا الزعم يقوم من قص الكاتب ومن كتابته مقام الركن البارز وغير المعلن. فثمة ما ينبغي ان يشدَّ الواقعة السائرة والعادية الى واقعة أو وقائع أخرى، معاصرة أو تتصل بسياقة مشتركة، ويحمل القارئ على الاستدلال من هذا على معنى مؤتلف من الوقائع ومعاصرتها واتصالها. وتتولى الكتابة، وترجحها المقيم بين التقرير وبين التضمين أو التورية، الإلماح الى الائتلاف واحتماله وجوازه من غير التصريح به. ولعل أداة الموازنة بين التقرير وبين التورية، وبين التصريح وبين الإلماح، هي عطف صور الائتلاف بعضها على بعض، وإنشاء أمثلة بناء أو مباني من عطفها وتكرارها.

ولكن العمل الشكلي، أو الصوري والبنياني هذا لا يستقيم بغير معان جوهرية ومادية قريبة، ومن غير روافد تولى الاستعمالُ السائر والتداول وعالم الحياة المشترك بلورتها وإشاعتها، وجوَّز تأويلها على بعض الوجوه المحتملة. وعلى هذا، يفتتح كاتب «في الطريق» الرحلة المتواترة وسِيَرها المتشابكة والمتداخلة، بعطفها على موت (الأب) ومرض (الولد الراوي) وولادة (الصديق والدليل)، وينصب الرحلة اصلاً يحل في فروعه، وتنتشر عدواه في الآحاد المولودة منه، على ما هي حال نيل كاسّادي المولود من الطريق وفي الطريق وآلتها الأميركية (السيارة) الأثيرة. فيجوز ان يؤوِّل القارئُ صدور الترحل و «حياة الطريق»، والأخوة بين أهل الطريق، عن موت الأب، والحداد عليه، والسعي في إدراكه أو «البحث» عنه. ويسطع نيل كاسّادي عَلَماً على الطريق جراء قدر ندبه الى الهداية والولاية، وجعل ولادته في آلة الرحلة الأميركية، وبينما والده مترحلان، علامة وبشيراً. وهو نفسه، نيل، ضيَّع والده، واسمه نيل كذلك، وهو ولد لم يبلغ العاشرة.

ووالده عامل موسمي وسكير كان يترك بيت الأسرة قاصداً العمل. فإذا التقى «صديقا»، أو رفيق شراب، جالا معاً في الحانات القريبة فالأبعد فالأبعد، الى ان يتفرقا، ويذهب واحدهما الى حيث تقوده رغبته في الشراب، وصداقة جديدة، فرصة عمل طارئة. فلا يعلم أحد أين راح نيل كاسّادي الأب ويمم، ولا أين حل. وقد يرجع المترحل من رحلته بعد أسابيع أو أشهر، ويقيم مع ولديه وزوجه بعض الوقت قبل ان يستأنف ترحله. وفي أحد الأيام، وكان هذا قبل نحو عشرة أعوام سبقت لقاء نيل وجاك، لم يرجع الأب من ترحله. ولم تعلم أسرته إذا كان الأب لا يزال على قيد الحياة أم قضى ولم يبلغ خبرُ موته أهله، ولم تثبته الشرطة وأشكلت عليها هويته. ويحسب الابن ان أباه يهيم على وجهه في مدن ولاية كولورادو القريبة، أو في مدن ولايات أخرى، وأنه قد يقع عليه في يوم من الأيام على رصيف طريق، أو في حانة أو مطعم أو مقصف، أو في محطة محروقات، أو ربما في حافلة أو قطار أو محطة سكك حديد. وكلها على مباني الرحلة ويتصفح الابن وجوه الرجال في الأماكن والمواضع هذه، في روحاته وجيئاته الكثيرة. ويزعم إن إحساسه بعيني نيل كاسّادي الأب تشخصان إليه وتتعرفانه، هذه المرة، هو قرينة على حقيقة الأمر اليقينية.

[الفاتحة

وحين يلتقي كيروواك نيل بنيويورك، كان هذا خارجاً لتوه من السجن. وحين خرج من السجن عمل في مزرعة بكولورادو راعي بقر أسابيع قليلة، وجنى من عمله مالاً قليلاً صرفه على زواجه بلووان، بنت السادسة عشرة «الجميلة والغبية» و»الهستيرية» والمتكسبة عرضاً من البغاء، وصرفه على سفره الى نيويورك لأول مرة. ويخالط القادم الجديد، «المجلل بالغموض» ومراسل بعض الصحب من سجنه، أصحابه، وهم خليط من شعراء وكتاب وعازفين ومصورين ورسامين بطالين أو مبتدئين أو عاملين في أعمال متواضعة، يتقاسمون الشراب والمخدر والجاز والليل والجنس والسفر، ويقيم بعضهم، مثل كيروواك، في بيوت أمهاتهم وهم بلغوا منتصف عقدهم الثالث، على خلاف سنّة أميركية راسخة تقضي بترك الولد حضن البيت والأهل الى الخارج الفسيح. ويتقدم كاسّادي الصحب والأتراب من هذا الباب. فهو لم يقر في بيت أو منزل، ولم ينطو عليه كنف أهل. وحين كان في السادسة من العمر، اضطر الى التردد الى مخافر الشرطة، وإلى قاعات المحاكم، وتولى إجراءات تخليص أبيه من الحجز تارة هنا وتارة هناك.

وحين عمل، أو تولى عملاً يكسب منه، «اختار» مهنة السواقة. فكان سواقاً في موقف سيارات عمومي تُركن هذه فيه في أثناء انصراف أصحابها الى عملهم. وهو عمل يحاكي الرحلة والسفر في مربعات المواقف الضيقة. وعلى سواق الموقف الكبير، أو السواق «العبقري» شأن نيل، استخراج المكان الذي يتيح للسيارات الحركة والتنقل، والدخول والخروج، من الفتات المتاح وكسراته الضئيلة والمبعثرة. فهو في وسعه ركن سيارة يقودها الى الخلف في سرعة 60 كلم، بمحاذاة جدار الآجر، ويخرج منها قفزاً، فيتسلل بين مقدمة السيارة ومؤخرة الأخرى اللصيقتين وكأنه بزاقة بحرية، ويستوي وراء مقود المركبة الرابعة وينعطف بها في سرعة 70 كلم في محل تبلغ مساحته «مساحة محرمة جيب»، ويدخلها وهو يسوقها الى الخلف بين سيارتين قريبتين لم يكن يحسب الناظر إليهما ان ما بينهما يتسع لسيارة ثالثة، فيركنها نيل على 5 سنتيمترات من كلا الجهتين من جارتيها… فتقليب المواضع والأمكنة على وجوهها وتصريفها، في رحب الطرق الواسع وفي ضيق المواقف المحشورة بين الأبنية، هوى الفتى وميله وعمله.

ومقدمة التعارف هذه، وهي لا تخلو من حواش مثل طعام وشراب في مطعم أو مقصف على حدة أو مع صحب وجمع، تقود الى موعد يتَّعده الصديقان الجديدان بسان فرنسيسكو، على ان يلحق كيروواك بصاحبه في مستهل الربيع القريب. وتكني هذه الفاتحة عن محل الرحلة والطريق من تسليك المبتدئ المريد وارتقائه المراتب المتقدمة. فعلى المترحل المقبل على حياة الطريق واختبارها مباشرةُ ترحله وحده، ومن غير «شيخ» أو دليل أو معلم، لُقاحاً، على ما كانت العرب تقول في القبائل التي لا تُجبى ولا تؤدي جزية ولا تقاتل في غارات غيرها. وعلى رغم لقائه من انتخبه دليلاً وولياً، وقر رأيه على توليه، اختار كيروواك خوض رحلته الأولى وحده، والجمع بين الرحلة وحيداً وبين قصد ولي الترحل (في الرحلات التالية) من غير صحبته ولا ولايته. فالولي مصدر دعوة، ويبعث على «الانزعاج»، على قول المتصوفة في بادرة السلوك الأولى، وينفخ في الهمة، ولكنه لا يتعهد الاختبار، ولا يقود خطواته. وهو ليس مثالاً أو قدوة إلا على وجه الرغبة. فلا يرغب الصديق أو المريد أو «الرفيق»، على ما يسمي وولت ويتمان «حبيب» سفره ورحلته، في صديقه إلا على سبيل المبادلة والشراكة الخالصتين، «قبل الموعظة والشريعة».

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق