التركيبة السكانية… مستقبل مجهول / أحمد عبد الملك

لا أحد في منطقة الخليج ينكر أثرَ خلل التركيبة السكانية في دول مجلس التعاون على الحياة الاجتماعية والاقتصادية حالياً؛ حيث أن الآثار الواضحة هذه الأيام بدأت تُنذر بأخطار جسيمة تلتف حول الجسد الخليجي جَراءَ هذا النزوح الكبير على المنطقة، وجعلها ترساً كبيراً في عجلة الاقتصاد العالمي. وما زال المختصون يتناولون هذا الموضوع بشيء من الحذر والتردد خوفاً من النتائج الصادمة التي قد تقلق البعض أو تعكّر مزاجهم. لكن المسؤولية والأمانة تتطلبان أن يناقش أهل الخليج هذه الظاهرة بروح من المسؤولية، وبعيداً عن لهجة المجاملة أو التراخي في إيجاد الحلول الناجعة لهذه المشكلة.

 

ثمة تحولات سلبية يُمكن حصرها جراءَ هذا النزوح الكبير للمنطقة – خصوصاً من قبل الناس غير المؤهلين للبقاء فيها- مما يشكلون بطالة وعمالة سائبة تدفعهم إلى الجريمة أو قبول الإغراءات الخارجية لزعزعة الأمن في هذه المنطقة. ومن هذه التحولات ما يلي:

 

غياب الهوية المحلية، سواء في الطعام أو اللباس أو حتى أشكال المنازل والسلوكيات الخاصة التي خرجت على مألوف الحياة الخليجية – العربية الإسلامية – وتمثلت بالأنماط الغريبة . وهو ما دفع الشباب إلى تقليد تلك العادات والسلوكيات الوافدة.

 

عدم مواءمة المؤسسات الخدمية لهذا العدد الهائل من السكان. فلقد قفز عدد سكان بعض دول الخليج إلى ثلاثة أضعاف خلال 15 عاماً! وأصبحت نسبة المواطنين لا تزيد عن 10في المئة من مجموع السكان .

 

كما أن الازدحام المروري – جراءَ هذا العدد الكبير من السكان – يؤدي إلى توتير الأعصاب، بفعل جهل كثير من السائقين الوافدين بقوانين وقواعد المرور!

 

ارتفاع نسبة الجريمة! فنحن في الخليج لم نتعود على جرائم القتل أو الاغتصاب أو المخدرات أو حتى السرقة، أو القتل من أجل السرقة. ونحن نسمع عن جرائم يتفنن فيها بعض الجنسيات مثل التزوير والقتل والاعتداءات المتكررة. وهذا الارتفاع الجنوني في زيادة عدد السكان يُجهد الجهات الأمنية ويجعلها غير قادرة على متابعة التزاماتها وفي كل المناطق. بل يوجد من الوافدين من أرياف وصحارى دول لا تعرف المدنية.

 

ترهل المؤسسات نظراً للأعداد المليونية التي تُراجع تلك المؤسسات؛ خصوصاً تلك المتعلقة بالعمل والخدمات العامة. لذلك شاعت في المنطقة مقولة "راجعنا بعد شهر"؟! بعد أن كان المواطن يُنهي معاملته وهو يشرب كوب الشاي! هذا الترهل أدى بالموظفين إلى إرجاء المعاملات وتأخيرها وهذا الوضع خلق جيلاً من الموظفين الروتينيين الذين لا يستطيعون الوفاء بالتزاماتهم تجاه الدولة

 

(الكوزموبوليتيكية) ومرافقها وآمالها العريضة.

 

إحالة بعض المواطنين الأكفاء على التقاعد بصورة واضحة في بعض البلدان! وتعيين وافدين بدلاً عنهم في كثير من المرافق وبرواتب خيالية. ولعل تلك الاستشارات التي تقدمها بعضُ دور الخبرة الأجنبية من أسباب هذا التوجه، وهذا قد يحيد الجيل المؤهل عن عملية البناء التي تحتاج إلى الخبرة والمؤهلات العليا. وبالتالي يصبح المواطنون المؤهلون عالة على المجتمع، وتزخر بهم المصحاتُ النفسية أو مقاهي المولات! ولقد تم الكشف في أكثر من دولة خليجية عن تعيين مستشارين وخبراء وافدين برواتب وامتيازات كبيرة؛ وهم لا يمتلكون خبرات المواطنين!

 

الخوف من نشاط الخلايا المتشددة – التي هي نائمة حالياً- وتلك التي تحتضن توجهاتٍ عنيفة؛ الأمر الذي يشكل تهديداً لكل المكتسبات الخليجية. ماذا لو نادى ثلاثة ملايين شخص – في بلد لا يصل عدد المواطنين فيه إلى 400 ألف مواطن – بامتيازات وحقوق المواطنين؟! ثم ماذا سيحدث لو ساندت الأمم المتحدة هذا التوجه! وأصبح الخليج مستوطنة لكل العاطلين عن العمل. ونحن هنا لا نعني المؤهلين أصحاب المهارات الذين يعملون بجد ونشاط في مؤسساتنا. أنا لا أريد أن أكون متشائماً، ولكن ما ألحظهُ من تنامي عدد الوافدين في المنطقة، وبعض الهيئات التي يخرجون بها، وتغلغلهم – تحت ستار الدين أو الدعوة – يبعث على الاستغراب في ظل تزايد الجمعيات التي تحتضن هؤلاء وتقدم لهم العون، الأمر الذي يتطلب الحيطة والحذر! وكم من "الدعاة" أنهيت إقاماتهم في بعض دول الخليج ، لأدوارهم المشبوهة، ورحلوا ثم عادوا للسكن في دول خليجية أخرى! بعد أن قالوا ما قالوه بحق الدول التي أنهيت إقامتهم فيها.

 

إن الانفجار الأيديولوجي، إن حدث، وهو يتوالد بهدوء، سوف يدمّر الجميع، ولن تنفع معه هراوات، ولسوف يَعضُ كثيرون بنانَ الندم على سياسة الاستقدام غير المقننة في بعض دول المنطقة. أو تلك (الكرامات) التي يتكرمون بها على بعض "المارقين" الذين – تحت ستار الدين – يمارسون دعوات أيديولوجية وعقائدية تخالف ما سلك عليه أبناء المنطقة؛ ومنهم كذلك ممن شاركوا في عذابات شعوبهم بتأييدهم الأنظمة الديكتاتورية العربية!.

 

إن الخليج يسيرُ إلى مستقبل مجهول، مهما حاولنا الاستعراض أو نشر البيانات المُطمئنة! والعقلاء من أهل الخليج يجب أن يتنادوا من أجل إيجاد توازن بين (مدن الأسمنت) ومستلزماتها و(مدن البشر) واحتياجاتها. ولعلنا نذّكر هنا أن (مدن البشر) أهم بكثير من (مدن الأسمنت). علينا أن نتداعى جميعاً وعلى كافة المستويات من أجل دراسة ظاهرة خلل التركيبة السكانية ووضع الحلول الناجعة لها قبل فوات الأوان.

 

عن جريدة الاتحاد الإماراتية 1/9/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق