التصالح الديني حين يرتدّ نفاقا

“المصالحة الوطنية” ربّما يكون التعبير الأكثر تداولا والأقلّ مدلولا في بلد إسلاميّ، كما هي الحال في أكثر من بلد عربيّ عمل على الإلغاء بواسطة الدمج، وقد يقبل هذا الاستخلاص على عموميته، مثالا صريحا، هو آخر ابتكارات التصالح الديني، وذلك من خلال زيارة لمفتي الجمهورية السورية أحمد بدر الدين حسون، إلى محافظة السويداء السورية ولقائه مجموعة من رجال الدين الموحدين الدروز، والتفاهم على إسلامية هذه الطائفة.

في الشكل سيبدو اللقاء تأكيدا لـ”أواصر الوحدة الوطنية”، وفي واقع الحال لن تتعدّى الزيارة ونتائجها حدود تنويم مشكلة لا بدّ أن تصحو. والمشكلة باختصار ربّما، يمكن تسميتها بمشكلة الهوية، وهذه مشكلة ستنام أسوة بالكثير من المشاكل التي إن صحت ستصحو على (الفتنة) ولكن عبر رداء احتوائها، وكي لا نستعجل في الاستخلاصات، فثمة حقيقة مؤكّدة مؤدّاها هو :

-أن تعترف بالآخر، فهذا معناه أن تعترف بالآخر عبر وعيك بشروطه، وقبول شروطه لا بدمجه، وثمّة حدث يمكن قراءته في وصف هذه الحالة المعينة، التي يمكن تعميمها على علاقات التصالح القائم على الدمج القسري، والمثال .

الصحفي السوري، نبيل الملحم، حقّق فيلما تكلّف ملايين الليرات السورية، والفلم يحمل عنوان :”الدروز” وعلى ثلاثة أجزاء، في جزئه الأوّل، تناول سيرة الحاكم بأمر الله الفاطمي، وفي جزئه الثاني تناول التقمّص كأساس بنيت عليه فكرة هذا المذهب، وفي الجزء الثالث، تناول سيرة تاريخية لرحلة هذا الطائفة منذ 408 هجري إلى اللحظة وتوزّعها ومناطق عيشها وتقاليدها، وكلّ التفاصيل التي تشكّل هويتها الثقافية الخاصة بها، وقد تسنّى لنا مشاهدة هذا الفلم.

ما هي النتيجة؟
النتيجة، أنّ الفلم ما زال في العلب، ولم يظهر حتى اللحظة على أيّ من الشاشات التلفزيونية رغم أنّه مطلوب من أكثر من محطة، لسبب واحد هو خوف منتج الفلم من تكفير طائفته له (وهو درزيّ) فما هي الحكاية؟

في أساس الحكاية، أنّ هذا الفلم لو ظهر إلى الرأي العامّ، فلا بدّ أن يثير مجموعة من الأسئلة أوّلها :

– من هو الحاكم بأمر الله؟

والإجابة وفق المذهب الدرزي ستكون هو الله وقد تجلّى في رجل. والدليل يمكن أخذه من الفلم نفسه، حيث الفاتحة تبدأ من :

“توكّلنا على مولانا الحاكم الفرد الأحد المنزّه عن الأزواج والعدد”، وفي المحصّلة فالله هو الحاكم بأمر الله، ما يعني أنّ هذا المذهب ذا الأصول الإسلامية، بات في تطوّره اللاحق مستقلا عن أصوله، وبات دينا بذاته، حتى أنّ رسائل الحكمة، وهي مجموعة الكتب المعتمدة لدى هذه الطائفة، هي بمثابة كتب منزّلة لا تنتمي إلى الإسلام الرسمي، بأيّ صورة من صور الانتماء. هذا فضلا عن القوانين الناظمة لحياة هذه الطائفة من حيث الزواج وتعدّد الزوجات (بصفته يدخل في المحرم)، وصولا إلى مسائل الإرث، عبورا بزواج الدرزي من غير الدرزية، بالإضافة طبعا إلى مسائل على صلة بالمعتقد، وكلها ترجع إلى كتب الحكمة ولا تتصل بالقرآن (النص الناظم للإسلام الرسمي) لا من قريب ولا من بعيد، فكيف الحال إذا ما عدنا إلى أصل الحياة والوجود على الأرض، وموقف الفكر الدرزي منها، وهو الفكر الذي يرى بأن الكون نشأ على قاعدة :”كوني فكانت”، ما جعل عدد البشرية واحدا منذ نشأة الخليقة إلى يوم القيامة، وبالتالي فإنّ آدم ليس أبا البشرية، وحواء ليست أمّها، وكلّ ما حصل أنّ البشرية ولدت هكذا، والذي يموت يعود إلى الحياة في جيل لاحق، الذكر ذكرا والأنثى أنثى، وهذا ما يتقاطع مع مجموعة من ديانات شرق آسيا بالإضافة إلى تقاطعه مع مذاهب إسلامية باطنية كالنصيرية والإسماعيلية. وفي النتيجة، فإذا كانت الرؤية إلى نشأة الكون مختلفة، والنظرة إلى مآل الكون مختلفة عبر الرؤية الحصرية لهذا المذهب ليوم القيامة، فعلى أيّ أساس يمكن تصنيف هذا المذهب على الإسلام، حتى ولو كان في جذوره إسلاميا؟

أين تقع المشكلة؟

ـ المشكلة قد تنطلق من سؤال :

أليس من حقّ البشرية الالتحاق بديانات جديدة غير الديانات السماوية الثلاث، وهي الديانات الرسمية لهذه البشرية؟ وما الذي يمنع من ظهور ديانة جديدة خامسة أو سادسة أو سابعة؟ وإذا كان هذا من حقّ البشرية فمن حقّ البشرية (بالأحرى) الاعتراف بديانات قديمة خارج إطار الديانات الرسمية، وقبولها بصفتها عقائد تخصّ أصحابها، أمّا مصالحة الديانات بعضها مع الأخر على قاعدة التضليل فهذه لا تحلّ مشكلة، هذا إذا لم توطّد أساسا لمشاكل قادمة، والأساس في كل هذا هو :

-الاحتكام إلى المواطنة، مع الأخذ بالاعتبار الخصوصيات الثقافية لكلّ مجموعة من المجموعات الاثنية أو الدينية أو القومية، ما يجعل التصالح تصالحا حقيقيا، ولهذا فلو قلبنا الصورة، وافترضنا أنّ زيارة مفتي الجمهورية إلى الطائفة الدرزية، زيارة إقرار بحق هذه المجموعة في أن تعتقد بما تعتقد، دون اشتراطات على المعتقد، ألن يفلح ذلك في الوصول إلى تصالحات أكثر عمقا، تبقي كلّا في موقعه العقائديّ، وبذات الوقت تحافظ على شرط المواطنة باعتباره العقد الجامع لمجموع سكان البلاد؟

تصالحات تقوم على النفاق والنفاق المتبادل، ما النتيجة التي تحملها؟

النتيجة النهائية يمكن اختصارها بكلمتين:

تتعفّن الحالة وتتعفّن الجروح معها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This