التصوف والمنطق لبرتراند رسل

تطورت الميتافيزيقيا، أو محاولة إدراك العالم ككل بوسائل الفكر، منذ البدء عبر وحدة وتصارع دافعين إنسانيين، أولهما يحث الناس على التصوف، فيما يحثهم الثاني على العلم. لقد حقق بعض الأفراد ما هو عظيم ضمن الدافع الأول وحده، فيما حققه البعض الآخر عبر الدافع الثاني وحسب : فإذا أخذنا “هيوم” مثلاً، كان الدافع العلمي عنده هو الغالب دون منازع، فيما نجد عند “بليك” العداء حيال العلم يتعايش مع رؤية صوفية عميقة. لكن الأفراد الأكثر عظمة والذين هم الفلاسفة كانوا يشعرون بحاجة لكل من العلم والتصوف : فمحاولة خلق تناغم مّا بين الاثنين ـ التي وسمت حياتهم، والتي يجب أن تكون دائماً كذلك، بما فيها من توقد غير مستقرـ هي التي جعلت الفلسفة تبدو، بالنسبة لبعض العقول، شيئاً يفوق بعظمته العلم والتصوف.

قبل أن أُبين الخصائص التي تميز دافِعيْ العلم والتصوف، سأقدم هنا عنهما أمثلة مأخوذة من حياة فيلسوفين عظيمين امتزجت حياة كل منهما بقوة بما أنجزه. هذان الفيلسوفان هما هيرقليطس وأفلاطون.
لقد كان هيرقليطس، كما يعرف الجميع، يؤمن بمقولة التدفق الشامل: الزمن يبني جميع الأشياء ويحطمها. ومع أنه ليس من السهل معرفة كيف توصل إلى آرائه، إذ لم يبق لدينا منهسوى شذرات، يمكننا القول إن بعض ما قاله يوحي بأن المراقبة العلمية كانت ينبوع آرائه.

يقول: “الأشياء التي يمكن أن تُرى،أوأن تُسمع، أو يتم تعلمها هي التي أُثمنها أكثر”

إن لغة كهذه هي لغة أمبيريقية، تشكل فيها المراقبة الضمان الوحيد للحقيقة. وكذلك قوله إن “الشمس جديدة في كل يوم”، واحدة من تلك الشذرات؛ تكشف بوضوح، رغم طابعها المُتناقض، أنها كانت تستلهم التفكير العلمي، فمما لا شك فيه أن هيرقليطس، عبر ذلك الحكم، كان يحاول تحاشي صعوبة فهم كيف أن الشمس بمقدورها التحرك من الشرق إلى الغرب. ولا بد أن تكون المراقبة العيانية أيضاً هي ما أوحى له بنظريته المركزية، القائلة بأن النار هي الجوهر الوحيد الثابت والذي تمر بفضله جميع الأشياء المرئية عبر مراحل. ففي الاحتراق نرى تحول الأشياء التام، فيما يتصاعد اللهب والحرارة في الهواء ثم يتلاشيان.

يقول:”هذا العالم، والذي هو واحد بالنسبة للجميع لم يصنعه أي من الآلهة أومن البشر، لكنه كان دائماً، وهوالآن، كما سيكون دائماً، من صنع النار الحية، ثمة مكيال يُضيء، فيما يخمد مكيال آخر”.

“تحولات النار هي، قبل أي شيء آخر، بحر؛ ونصف البحر أرض، ونصفه الآخر زوبعة” تبقى هذه النظرية، رغم أنها قد أصبحت مرفوضة من قبل كل العلوم، علمية في روحها. كذلك يبقى علميا حكمه الشهير الذي يستشهد به أفلاطون : “لا يمكننا النزول مرتين في النهر الواحد؛ لأننا ننزل دائماً في مياه جديدة”. غير أننا نعثر أيضاً على حكم آخر ضمن تلك الشذرات : “نحن نهبط في النهر الواحد ولا نهبط؛ لأننا موجودون وغير موجودين”.

أن مقارنة هذه العبارة، الصوفية، بتلك التي يذكرها أفلاطون، العلمية، تظهر إلى أي حد يتزاوج فيه الدافع الصوفي بالدافع العلمي في نظام هيرقليطس. فالتصوف، في جوهره، شيء أكثر من محض توتر أوسع وأعمق في الإحساس حيال الطريقة التي يجري بها فهم الكون؛ وهذا الإحساس قد أدى بهرقليطس، على أسس علمه، إلى ذلك النوع من الأقوال الغريبة والمؤثرة عن الحياة والعالم، كقوله :

“الزمن طفل يلعب بالنرد، القوة الملكية هي قوة الطفل”.

فالمخيلة الشعرية،لا العلمية، هي من يقدم الزمن باعتباره سيداً طاغياً يتحكم في العالم،بكل ما ينطوي عليه الطفل من طيش ولا مسؤولية. والتصوف أيضاً هو ما جعل هيرقليطس يؤكد على وحدة المتناقضات : “واحد هما الخير والشر”، كما يقول: “كل الأشياء عند الرب لطيفة وخيرة وعادلة، لكن البشر يحسب البعض منها خاطئاً والبعض الآخر صحيحاً” .
ترتكز أخلاقية (إتيك (هيرقليطس على الكثير من التصوف. صحيح إن التحديد العلمي هو الذي ألهم حكمه التالي : “طبع الإنسان هو مصيره”؛ بيد أن المتصوف وحده منْ يمكنه القول : “تساق كل بهيمة بالصفعات إلى المرعى”، وكذلك : “يصعب نزاع المرء مع رغبة قلبه. كل ما يُرغب الحصول عليه، يتم شراؤه على حساب الروح”، وأيضاً :

“الحكمة واحدة. إنها معرفة الفكرة التي تُرَص فيها الأشياء بعضها ببعض”(1)

يمكننا مضاعفة الأمثلة، لكن ما قدمناه منها يكفي لإظهار مزاج الرجل: أن الحقائق العلمية، كما بدت له، تُغذي الشعلة في روحه، وفي ضوئها يرى أعماق العالم المنعكسة عبر رقصه الخاص الرشيق الذي تنفذ فيه النار. أعتقد أن الوحدة الحقيقية للمتصوف ورجل العلم، كما تتجسد عبر طبع كهذا، هي السمو الأعظم الذي يمكن تحقيقه في عالم الفكر.
كذلك يتعايش هذان الدافعان عند أفلاطون، مع أن الدافع الصوفي هو الأقوى لديه، وهو الذي يضمن له الانتصار النهائي في كل مرة يحدث فيها صراع بينهما. فوصفه للكهف هو بمثابة تعبير كلاسيكي عن الإيمان بمعرفة وواقع أكثر مصداقية وأشد واقعية من معرفة وواقع الحواس:

“تخيل(2) مجموعة من الناس تعيش في غرفة كالكهف تحت الأرض، بمدخل مفتوح على النور، منتشرين على طول الكهف وهم ملزمون، منذ طفولتهم، بالبقاء فيه، أقدامهم وأعناقهم مربوطة بقوة بحيث ترغمهم على الجلوس باستقامة والنظر أمامهم، لأن السلاسل التي توثقهم تجعل من المستحيل عليهم أن يديروا رؤوسهم من حولهم : ولتتخيل بأن ناراً رائعة متقدة في مكان بعيد عنهم، من فوقهم ومن خلفهم، وبأن درباً مرتفعاً يمر ما بين النار والسجناء، وعلى طوله بُنيَ جدار منخفض، كتلك الشاشات التي يضعها السحرة أمام جمهور مشاهديهم، والذين يعرضون من خلالها أعاجيبهم”.

–لقد تخيلت ذلك.

“لتتخيل أيضاً بأن مجموعة من الأشخاص تتجول خلف ذلك الجدار، وهم يحملون معهم تماثيل صغيرة بشرية وصورا لحيوانات أخرى، منقوشة في الخشب والحجارة وفي كل أنواع المواد،سوية مع غيرها من الحاجيات المتنوعة التي تعلو ذلك الجدار؛ وكما ينبغي أن تتوقع، بأن بعض أولئك المارين يتكلم، والبعض الآخر منهم صامت”

–أنت تصف مشهداً غريباً، وسجناء غريبين.

–إنهم يشبهوننا.

“لتتصور الآن ما الذي سيحدث لو أن الطبيعة قد حلتهم من قيودهم، وجلبت لهم شفاءً من جنونهم بالطريقة التالية. دعنا نفترض بأن أحدهم قد تم تحريره، وأرغم مباشرة على النهوض من فوق قدميه، وطلب منه أن يدير رقبته ومن ثم يمشي وعيناه مفتوحتان باتجاه النور؛ ودعنا نفترض كذلك بأنه قام بجميع تلك الحركات بألم، وبأن تلك الروعة المتألقة قد جعلته عاجزاً عن التمييز بين الأشياء التي كان معتاداً على رؤيتها سابقاً كظلال. ما الجواب الذي تتوقع أن يقدمه، لو أن أحدهم قال له بأن ما كان يراه في تلك الأيام هو أشباح مضحكة، لكنه في الوقت الحاضر أقرب إلى الواقع، وبأنه ينظر الآن باتجاه أشياء أكثر واقعية، وهو يرى بصورة صحيحة أكبر؛ بالإضافة إلى ذلك، إذا ما أشار إليه على عدد من تلك الأشياء التي تمر، وسأله وأجبره على الإجابة عما هي؟ ألا تعتقد بأنه سيرتبك، وسيعتبر تلك الرؤى أكثر واقعية من هذه الأشياء التي هو مرغم في الوقت الحاضر على ملاحظتها؟ ”

–نعم، أكثر حقيقية…

“لذا، فأنا أفترض بأن الاعتياد سيكون ضرورياً له لكي يتمكن من إدراك الأشياء القائمة في العالم العلوي. في البداية، سيفلح كثيراً في التمييز ما بين الظلال، بعدها سيفرز انعكاسات البشر والأشياء الأخرى في المياه، وفي النهاية سيتعرف على الواقعيات، ثم سيرفع نظره لرؤية القمر والنجوم، وسيجد بأنه من الأسهل عليه تأمل الأجساد السماوية والسماء ذاتها، أكثر من قدرته على تأمل الشمس في نورها النهاري” .
–لا شك في ذلك.

“وفي نهاية الأمر، أتخيل بأنه سيكون أكثر قدرة على مراقبة طبيعة الشمس وتأملها، ليس كما تظهر من خلال المياه أو الأرض الغريبة عنها، ولكن مثلما هي عليه بحد ذاتها في نطاقها” .
–بطبيعة الحال.

“ستكون خطوته اللاحقة استخلاص النتيجة، أي إن الشمس هي مبدعة الفصول والأعوام،وحارس جميع الأشياء في العالم المرئي، وبأنها بمعنى ما علة كل الأشياء التي كان معتاداً هوورفاقه على رؤيتها” .
–من الجلي، ستكون تلك هي خطوته اللاحقة…

“عليك، يا عزيزي “غلاكون”، أن تطبق الآن هذه الحالة المُتخيلة على ما قلناه سابقاً، وذلك بمقارنة المنطقة التي تكشف عنها العين بذلك السجن، والنار بقوة الشمس : فإذا ما كنت قادراً، عبر الصعود إلى الأعلى وتأمل العالم الفوقي، على فهم ارتقاء الروح إلى المنطقة الروحية، فإنك ستدرك توجه حدسي؛ ما دمتَ تريد مني إخبارك به، مع أن الرب وحده يعرف في الحقيقة إذا ما كان صحيحاً. لكن، إذا ما قبلناها كما هي عليه، فإن للرؤية التي اتخذتها أنا من الموضوع العاقبة التالية: في عالم المعرفة، يكون الشكل الجوهري للخير حداً لاستطلاعاتنا؛ لكن إذا ما تم إدراكه هكذا، ليس علينا الاستنتاج بأنه هو بالذات ينبوع كل حالة من حالات الروعة والجمال، -ففي العالم المرئي يُمنح النور وأداته الرئيسية، وفي عالم الروح يوفر مباشرة وبكامل السلطان الحقيقة والعقل؛ -لهذا على كل من يريد العمل بحكمة، في حياته الخاصة أو العامة، وضع شكل الخير نصب عينيه” .

لكن في هذا المقطع، كما في غيره من تعاليم أفلاطون، هناك توحيد ما بين الخير وما هو واقعي في الحقيقة، وذلك ما ستجسده الفلسفة التقليدية، وما زال قائماً حتى في أيامنا هذه. بمنحه المشرع وظيفة كهذه، يكون أفلاطون قد أحدث طلاقاً بين الفلسفة والعلم انعكست سلبياً وما زالت، من وجهة نظري، عليهما كليهما. لذا ينبغي على رجل العلم، مهما كانت تطلعاته، وضعها جانباً عند دراسته للطبيعة؛ وعلى الفيلسوف القيام بذات الشيء، إذا كان يطمح إلى قول الحقيقة. إذ لا يمكن للاعتبارات الأخلاقية الظهور شرعياً إلا حينما يتم ضمان الحقيقة : بمقدور تلك الاعتبارات وعليها الظهور كونها ما يحدد إحساسنا حيال الحقيقة، وطريقتنا في توجيه حياتنا في ضوء الحقيقة، ولكن ليس كونها هي منْ يملي علينا ما ينبغي أن تكون عليه تلك الحقيقة.

ثمة مقاطع عند أفلاطون –من بين تلك التي تُبين الجانب العلمي من عقله- تشير إلى معرفته الواضحة بذلك الأمر. أكثر تلك المقاطع أهمية هو ذلك المقطع الذي يشرح فيه سقراط، الذي كان شاباً، نظرية الأفكار ليبرمنيدس.
فبعدما أوضح سقراط أن هناك فكرة للخير، لكن ليس ثمة من فكرة لأشياء كالشعر أو الطين أو القذارة، ينصحه بيرمنيدس بالمضي وأن “لا يزدري حتى بالأشياء الوضيعة”. وقد كشفت تلك النصيحة عن الطبع العلمي الأصيل. إذ لا بد من تركيب الرؤية الصوفية للواقع السامي للخير مع هذا الطبع اللامتحيز، إذا ما كانت الفلسفة تطمح في تحقيق أعظم ممكناتها. بيد أن إخفاقها على هذا الصعيد هو ما جعل الفلسفة المثالية هزيلة، فاقدة للحياة، وبلا مادة. فعن طريق التزاوج مع العالم يمكن لمُثلنا جلب ثمارها : لكن إذا ما انفصلت عنه، فستظل تلك المُثل عارية. غير أن التزاوج مع العالم لا يعني القيام به عبر مثالية تهرب من الواقع، أو تعلن بدءًا بأن على العالم التطابق مع رغباتها.

كذلك فإن لبيرمنيدس نفسه نوعاً من التصوف الخاص، المُثير للاهتمام، والذي كان يستولي على فكر أفلاطون –أي التصوف الذي يمكننا تسميته “بالمنطقي”، ما دام يتجسد عبر نظريات في المنطق. فكما هو واضح يجد هذا الشكل من التصوف، بالقدر الذي يتعلق فيه الأمر بالغرب، جذوره عند بيرمنيدس، كما أنه يستحوذ على طرق تفكير المتصوفة الميتافيزيقيين الكبارمنذ أيامه وحتى هيغل ومريديه المعاصرين. فالواقع، مثلما يقول، لم يُخلق، ولا يمكن تحطيمه، ولاتغييره، أو تجزئته؛ “فهو مُثبت ضمن حدود سلاسل كاملة القدرة، لا بداية له ولا نهاية؛ ما دام المجيء إلى الوجود والخروج منه قد تم إبعادهما عنه، وأزالهما عنه الإيمان الحقيقي”. فالمبدأالجذري الذي يوجه بحثه قد عبر عنه بحكم يمكن أن يجد مكانته عند هيغل : “لا يمكنك معرفة ما هو غير قائم -أمر مستحيل- وليس بمقدورك النطق به؛ ذلك لأنه شيء واحد ذلك الذي يمكنه الوجود وما يمكن التفكير به ” .وأيضاً ” لا بد من أن يكون ما يُقال وما يفكر به موجوداً، ذلك لأنه قادر على أن يكون، وليس من الممكن لما هو غير كائن أن يكون”. تنتج عن هذا المبدأ استحالة التغيير، لأن ما جرى في الماضي يمكن قوله، وهو ما زال قائماً تبعاً لذات المبدأ.

تتميز الفلسفة الصوفية، في كل الأزمنة وفي جميع أنحاء العالم، بمثل هذه المعتقدات التي قدمنا عنها أمثلة عبر تلك العقائد التي فحصناها.فهناك، أولاً، الإيمان بالرؤية الداخلية باعتبارها ما يُعاكس المعرفة المنطقية التحليلية : الإيمان بطريق الحكمة المفاجئة، النافذة والمُرغمةِ، المتعارضة مع الدراسة المتأنية وغير المعصومة لظهور العالم الخارجي التي يقوم بها العلم المرتكز برمته على الحواس. إذ لا بد أن يكون جميع أولئك الذين يتمتعون بالقدرة على الاستغراق في الانفعال الداخلي قد عاشوا تجربة ذلك الشعور الغريب المتعلق بلا واقعية المواضيع العامة، وفقدوا اتصالهم بالأشياء العادية اليومية، التي تلاشت معها صلابة العالم الخارجي، ومن ثم بدت الروح في عزلتها التامة، وتكون قد جلبت بهذا، من أعماقها، ذلك الرقص المخبول للأشباح الفنطازية التي تظهر الآن وكأنها واقع مستقل وحي.

ذلك هو الجانب السلبي في التعاليم الصوفية : الشك المرتبط بالمعرفة العامة يُعَبد الطريق أمام استقبال ما يبدو وكأنه حكمة أسمى. إن غالبية الناس المتآلفين مع هذا الجانب السلبي لا يذهبون أبعد من ذلك، لكنه لا يمثل عند المتصوف سوى الباب نحو عالم أوسع.

تشرع الرؤية الصوفية مع الإحساس بأن ثمة شيئا ما غريبا يكشف عن حكمة مُخبأة تظهر الآن فجأة كحكمة يقينية وبعيدة عن أية إمكانية للشك فيها. فالإحساس باليقين والوحي يتحقق قبل أي إيمان مُحدّد. أما الإيمان المُحدّد الذي يبلغه المتصوفة فيتولد عبر تأملهم للتجربة غير المترابطة والتي يحصلون عليها وقت الرؤية. فحالات الإيمان غير المتصلة بتلك اللحظة غالباً ما تنجذب بالنتيجة نحو النوى المركزية؛ وهكذا نجد، بالإضافة إلى المعتقدات التي يتقاسمها كل المتصوفة، أو غالبها، معتقدات أخرى ذات طبيعة محلية ووقتية أكبر، وهي ستختلط من دون شك بما كان صوفياً في جوهره وفقاً ليقينهم الذاتي. قد يمكننا تجاهل امتدادات لا جوهرية كهذه، لكي نركز انتباهنا على المعتقدات التي يتشارك فيها جميع المتصوفة.

إن الحصيلة الأولى للحظة التجلي تلك هي الإيمان بإمكانية وجود طريق للمعرفة، ربما يمكننا تسميته بالوحي، أو الرؤية الداخلية أو الحدس، وذلك بمعارضته للحواس، والعقل، والتحليل التي يتم النظر إليها باعتبارها توجيهات تؤدي إلى شرك الوهم. كما يرتبط هذا الإيمان بقوة بالاعتقاد بوجود واقع وراء العالم الظاهري ومختلف عنه تماماً. غالباً ما ينظر إلى ذلك الواقع بإعجاب يصل حد العبادة؛ويتم الشعور به دائماً وفي كل مكان باعتباره مؤكداً وممسكاً به في اليد، لكن خيالات الحواس تغطيه بضعف، وهو جاهز، بالنسبة للعقل الذي يتلقاه، للتألق بمجده حتى عبر الجنون والضعف الظاهريين للإنسان. فالشاعر، والفنان، والمُحبِ يبحثون عن المجد : الجمالية التي تقطن مخيلتهم ويلاحقونها ما هي سوى الانعكاس الباهت لتلك الرؤية. فيما يعيش المتصوف في نورها الكامل : ما يبحث عنه الآخرون بغموض، هو تلك المعرفة التي لا تكون أية معرفة أخرى مقارنة بها شيئاً آخر غير الجهل.

الخاصية الثانية للتصوف هي إيمانه بالوحدة، ورفضه لكل تعارض أو انقسام حيثما يكون.
فنحن قد لاحظنا هريقليطس يقول “إن الخير والشر واحد”، ويقول كذلك “الدرب الصاعد والدرب النازل هما ذات ونفس الشيء الواحد”. كما يظهر نفس الموقف عبر تأكيد الافتراضات المتعارضة بصورة متزامنة “نحن ننزل ولا ننزل في ذات النهر؛ نحن موجودون وغير موجودين”. وكذلك تأكيد بيرمنيدس بأن الواقع هو واحد ولا يتجزأ، ينطلق من نفس الدافع نحو الوحدة. أما عند أفلاطون، فيهمن هذا الدافع بشكل أقل، لأنه مقيد بنظريته عن الأفكار؛ بيد أنه يعاود الظهور، بالقدر الذي يسمحُ فيه منطقه، من خلال عقيدته بأولية الخير.

أما الخاصية الثالثة لكل فلسفة صوفية فهي رفضها لواقعية الزمن. وتلك محصلة لرفضها الانقسام؛ فإذا كان الكل واحداً، سيصبح تمييز الماضي عن المستقبل شيئاً وهمياً. لقد رأينا أن هذه العقيدة واضحة عند بيرمنيدس؛ وهي تتخذ صفة جذرية عند المحدثين، كما هو الأمر في نظامي سبينوزا وهيغل.

إن آخر المعتقدات الصوفية التي ينبغي علينا فحصها هي إيمانها بأن كل الشرور لا تشكل سوى مظهر ينتج عن تقسيمات الذهن التحليلي ومتناقضاته. غير أن الصوفية لا تقول بأن أشياءً كالقسوة، مثلاً، صالحة، لكنها ترفض التسليم بأنها واقعية: إنها تنتمي إلى عالم الأشباح السفلي الذي ينبغي تحريرها منه بفضل الرؤية الداخلية. وفي بعض الأحيان –كما هو الأمر عند هيغل، مثلاً، وعلى الأقل لفظياً عند سبينوزا- ليس الشر وحده ما يُنظر إليه باعتباره وهماً، بل وأيضاً الخير، وذلك بالرغم من أن الموقف الانفعالي حيال ما يؤخذ باعتباره الواقع يجري التعامل معه وكأنه من الطبيعي ربطه بالإيمان القائل بأن الواقع شيء خير. وعلى أية حال، إن ما يميز الإتيكية الصوفية هو غياب الاحتجاج فيها، القبول المغتبط، وعدم تسليمها بالحقيقة النهائية للانقسام ما بين معسكرين متحاربين، أي ما بين الخير والشر. إن هذا الموقف هو حصيلة لطبيعة التجربة الصوفية: تربط المعنى الذي تعطيه للوحدة بشعور لا متناه بالسلام. في الحقيقة ينبغي الشك بأن الإحساس بالسلام هذا يولّد، كما تقوم بذلك الأحاسيس في الأحلام، نظاماً كاملاً من المعتقدات المترابطة التي تشكل جسد العقيدة الصوفية. بيد أن ذلك يبقى سؤالاً صعباً، وهو واحد من تلك القضايا التي لا يمكن أن يؤمل باتفاق الجنس البشري حيالها.

نواجه، إذاً، أربعة من الأسئلة المتعلقة بحقيقة التصوف أو جنونه، والتي هي بالدقة التالية:

1-هل هناك طريقان للمعرفة، قد يمكننا تسميتهما بالتتابع العقل والحدس؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل ينبغي تفضيل أحدهما على الآخر؟

2-هل إن كل تعددية وانقسام هما تعددية وانقسام متوهمان؟

3-هل إن الزمن شيء غير واقعي؟

4-أي واقع ينتمي إلى الخير والشر؟

في كل هذه الأسئلة الأربعة، يبدو لي التصوف، حينما يطور إلى نهايته، على خطأ، ومع ذلك أعتقد، بحكم حذر كاف، بأن ثمة حكمة يمكن تعلمها عن طريق الإحساس الصوفي، ولا يمكن الحصول عليها بفضل وسيلة أخرى. إذا كان ما أقوله هنا حقيقة، يمكن التوصية بالتصوف باعتباره موقفاً إزاء الحياة، وليس كعقيدة حيال العالم. فالعقيدة الميتافيزيقية هي، من وجهة نظري، خطأ متولد عن الانفعال، بالرغم من أن هذا الانفعال، بالقدر الذي يلون فيه ويشكل باقي الأفكار والمشاعر، هو الذي يُلهم أفضل ما في الإنسان. فحتى البحث الصبور والحذر عن الحقيقة الذي يقوم به العلم، والذي يكشف عن متناقضات اليقين الصوفي المباغت، يجب أن يُحاط ويتغذى من نفس روحية التبجيل التي يعيش عبرها التصوف ويتحرك .

{{1-العقل والحدس(3(}}

أنا لا أعرف أي شيء عن واقعية العالم الصوفي أو لا واقعيته. وليست لدي رغبة في إنكاره، ولا حتى القول أن تلك الرؤية الداخلية التي تكشف عنه ليست رؤية أصيلة. ما أنوي الدفاع عنه ـ وهنا يصبح الموقف العلمي ضرورياً- هو القول بأن تلك الرؤية، التي لا يمكن التحقق منها أو دعمها بشيء، غير كافية لضمان الحقيقة، وذلك رغم أن الجانب المهم من الحقيقة قد تمّ الإيحاء به بوسائل تلك الرؤية. من الأمور العادية أن يجري الحديث عن التعارض ما بين الغريزة والعقل؛ ففي القرن الثامن عشر كان ذلك التناقض قد سُحبَ لصالح العقل، لكن تحت تأثير جان جاك روسو والحركة الرومانسية الغريزة كانت هي منْ حظيَ بالتفضيل، أولاً من قبل أولئك الذين تمردوا على الأشكال المُزيفةِ للحكومة والفكر، وفي ما بعد أيضاً، وذلك لأن الدفاع العقلاني المحض عن التقاليد الثيولوجية قد أصبح شاقاً على جميع أولئك الذين كانوا يشعرون بأن العلم يُهدّد العقائد التي قاموا بربطها مع النظرة الروحية عن الحياة والعالم. إذ كان بيرغسون، تحت اسم “الحدس” قد جعل من الغريزة المقام الوحيد للحكم على الحقيقة الميتافيزيقية. لكن في الواقع يظل التعارض ما بين العقل والغريزة تعارضاً وهمياً. فالغريزة، أو الحدس أو الرؤية الداخلية هي أول من يقود نحو المعتقدات التي سيقوم العقل لاحقاً إمّا بتأكيدها أو بدحضها؛ غير أن التأكيد، إذا ما كان ممكناً، سيكمن، في التحليل الأخير، في التوافق مع المعتقدات الأخرى والتي هي ليست أقل غرائزيةً. ذلك لأن العقل هو بالأحرى قوة تنسيق، أو انضباط أكثر من كونه قوة إبداعية. فحتى ضمن مجال المنطق المحض، الرؤية الداخلية هي أول من يصل إلى الجديد.

أما حينما ينشب أحياناً صراع بين العقل والغريزة فذلك حيال معتقد بعينه، يجري اتخاذه والتمسك به غرائزياً، وبصورة من الإصرار تلغي أية درجة من التماسك قد تسمح بالتخلي عنهما كليهما. فالغريزة، شأنها شأن أي ملكة إنسانية، قابلة للخطأ. غير أن أصحاب العقول الضعيفة غالباً ما لا يقرون بهذا طواعية عندما يتعلق الأمر بهم، بالرغم من أن الجميع يقرُ به عندما يتعلق بالآخرين. أما حينما تكون الغريزة معرضة بشكل أقل للوقوع في الخطأ، فذلك في مجال المواضيع العملية والتي يعينها الحكم الصحيح على البقاء: فالصداقة والعدوانية عند الآخرين، مثلاً، غالباً ما يتم الشعور فيهما بتمييز خارق للعادة، عبر أقنعة حذرة تماماً. لكن حتى في مثل تلك المواضيع يمكن أن يتولد انطباع خاطئ بحكم المجاملة أو الإطراء؛ وفي المواضيع التي أقل عملية، كتلك التي تتعامل معها الفلسفة، تكون المعتقدات الغرائزية القوية أحياناً خاطئة برمتها، مثلما يحدث لنا معرفة ذلك عن طريق عدم تماسكها مع معتقدات أخرى لا تقل عنها قوة. إن مثل هذه الاعتبارات هي ما يستوجب توسط العقل المُنسقِ، الذي يختبر معتقداتنا عبر توافقها المتبادل، ويفحص المصادر الممكنة، في الحالات المشكوك فيها، للخطأ عند هذا الجانب أو ذاك. في نقطة كهذه، لن يكون هناك تناقض مع الغريزة برمتها، ولكن فقط بأخذ جانب من تلك الغريزة ونبذ جوانب أخرى منها أكثر عمومية ولكنها ليست أقل أهمية. إن هذا الجانب الأحادي، وليس الغريزة نفسها، ما يروم العقل تصحيحه.

يمكننا توضيح هذه المُثل المُبتذلة نوعاً ما وذلك بتطبيقها على دفاع بيرغسون عن “الحدس”والمضاد “للعقل”. فهناك، كما يقول طريقتان شديدتا الاختلاف في معرفة شيء ما. الأولى تنطوي على تحركنا من حول المادة: أما الثانية فهي دخولنا فيها. تعتمد الأولى على زاوية النظر التي نضع أنفسنا فيها وعلى الرموز التي نعبر بواسطتها عن أنفسنا. أما الثانية فهي لا تعتمد على أية زاوية نظر ولا ترتكز على أي رمز. قد يمكننا القول إن المعرفة الأولى تتوقف عند ما هو نسبي؛ أما الثانية، ضمن تلك الحالات التي تكون فيها ممكنة، فتطال ما هو مطلق(4). إن الطريقة الثانية، أي الحدس، هي، مثلما يقول “تعاطف روحي يدخل المرء بفضله في المادة لكي يتلقى ما فيها من تفرد وبالتالي ما لا يمكن التعبير عنه”(5( وكمثال على ذلك، يشير إلى المعرفة-الذاتية : “ثمة واقع واحد، على الأقل، نقبض عليه جميعنا من الداخل، عبر الحدس وليس بفضل التحاليل البسيطة. إنه شخصيتنا في تدفقها من خلال الزمن-نفسنا التي تُكابد”(6). ما تبقى من فلسفة بيرغسون يكمن في نقله، عبر الوسيط الناقص للمفردات، لما تم الحصول عليه بفضل الحدس، ومن ثم الإدانة الكاملة لكل معرفة دعية تنحدر عن العلم أو الحس العام.

يحتاج هذا الإجراء، ما دام يأخذ موقفاً حيال الصراع القائم ما بين المعتقدات الغرائزية، إلى تبرير كي يدلل على الأهمية الكاملة التي يتضمنها واحد من تلك المعتقدات، فيما يخلو منها الآخر. يسعى بيرغسون لتقديم ذلك التبرير عن طريقين، أولهما تفسيره بأن العقل هو محض ملكة عملية لضمان النجاحات البيولوجية، والثاني بتنويهه بالخدمات الملحوظة التي تقدمها الغريزة للحيوانات، وإشارته إلى خصائص عالم ، بالرغم من قدرة الحدس على إدراكها، فأن العقل يُعيقها بتأويله لها.

عن نظرية بيرغسون القائلة بأن العقل ما هو سوى ملكة عملية محضة، تطورت عبر الصراع من أجل البقاء، وليس منبعاً لمعتقدات حقيقية، يمكننا الرد أولاً بأنه عن طريق العقل وحده نعرف شيئا ما عن صراع البقاء ذاك والسفاح البيولوجي للإنسان : إذا كان العقل هو المُضلل، فمن المتوقع أن يكون هذا التاريخ المُستنتجِ برمته غير حقيقي. من الناحية الثانية، إذا ما اتفقنا معه في تفكيره بأن التطور قد حصل كما يعتقد دارون، حينئذ لا يكون العقل وحده، بل جميع ملكاتنا هي التي تطورت تحت الضغط العملي للمنفعة. ذلك أن النظرة إلى الحدس ستكون على أفضل ما يكون، عندما يكون نافعاً مباشرة بالنسبة لمميزات الأفراد الآخرين واستعداداتهم على سبيل المثال. يبدو أن بيرغسون يفكر بأن تلك القدرة على المعرفة لا تفسر بالصراع من أجل الوجود، ولكنها، على سبيل المثال، القدرة على الرياضيات المحضة.

ومع ذلك، من المحتمل أن يدفع الفرد المتوحش حياته ثمناً لخيبته من الصداقة؛ فيما لا يُحكم على الأفراد، حتى في المجتمعات الأكثر تحضراً، بالموت بسبب عدم كفاءتهم الرياضية. إن أكثر ما يُلفت الانتباه في أمثلته عن الحدس عند الحيوانات أنها ذات قيمة مباشرة في مسألة البقاء. في الحقيقة إن العقل والحدس قد تطورا، بطبيعة الحال، لأنهما نافعان، وكذلك لأنهما، إذا ما تكلمنا بشكل عام، نافعان عندما يقدمان الحقيقة ويصبحان ضارين حينما يقدمنا لنا ما هو مزيف. فالعقل، عند الفرد المتحضر، كالقدرة الفنية، نادراً ما تطور أبعد من النقطة التي يكون فيها نافعاً للفرد؛ ومن الناحية الأخرى، يبدو أن الحدس برمته آيل نحو الاضمحلال كلما تعاظمت الحضارة. وكقاعدة عامة، يكون أقوى عند الأطفال مما هو عند البالغين، وعند الشخص المحروم من التعليم عنه عند المتعلم. كذلك من المحتمل أن تكون قوته عند الكلاب تتجاوز ما يمكننا العثور عليه عند أي كائن بشري. أما أولئك الذين يرون في هذه الحقائق ما يحث على الحدس، فما عليهم سوى العودة بأنفسهم للعدو الوحشي في الغابات، كي يلقوا حتفهم في الأدغال أو يعيشوا وسط الورد البري والبرسيم.

بعد ذلك، دعونا نفحص قضية إذا ما كان الحدس يتمتع بأي من تلك الخصائص المعصومة التي يسندها له بيرغسون. إن خير مثال على ذلك، من وجهة نظره، هو تعرفنا على أنفسنا؛ بالرغم من أن المعرفة-الذاتية مشهورة بأنها نادرة وصعبة. فغالبية الأفراد، على سبيل المثال، ينطوون في طبيعتهم على الوضاعة، والغرور والحسد بلا وعي منهم، مع أن أفضل أصدقائهم يمكنهم رؤية ذلك دون أية صعوبة. صحيح أن الحدس يتمتع بالإقناع الذي يعوز العقل : عندما يكون العقل حاضراً، يكون من المستحيل تقريباً الشك في حقيقته. لكن إذا ما ظهر، عند الفحص، بأن اليقين الذاتي للحدس قابل هو الآخر كالعقل للسقوط في الخطأ، حينئذ سيغدو ذلك اليقين مجرد نقيصة، ويصبح دافعاً أكبر على الخيبة منه. لكن إذا ما وضعنا مسألة المعرفة الذاتية جانباً، سنلتقي بواحد من أكثر الأمثلة الشهيرة عن الحدس والقائل بأن الأفراد العارفين يعتقدون بأنهم يتملكون أولئك الذين يحبونهم : يبدو أن الجدار الفاصل ما بين شخوص مختلفين يصبح شفافاً، فالأفراد يظنون أنهم يرون ما في روح الآخر كما يرون في أرواحهم هم. ومع ذلك، دائماً ما تكون الخيبة، في حالات كهذه، هي ما يتم تجريبه بنجاح؛ وحتى في الحالات التي لا تكون فيها الخيبة متعمدة، تبرهن التجربة تدريجياً، كقاعدة، بأن تلك الرؤية الداخلية المزعومة ما هي إلا وهم، وبأن مناهج العقل الأكثر بطئا، المتلمسة لطريقها، هي أكثر مصداقية في نهاية الشوط.

يؤكد بيرغسون أن العقل لا يمكن أن يتعامل إلا مع الأشياء التي تبدو شبيهة بتلك التي تعامل معها في الماضي، فيما يتمتع الحدس بقوة إدراك التفرد والجديد اللذين ينتميان دائماً لكل ما هو نَظرٌ في لحظته. أن يكون هناك شيئاً متفرد وجديد في كل لحظة، فذلك ما هو مؤكد، كما أنه من المؤكد أيضاً نه ليس بالإمكان التعبير عن ذلك بكامله عبر مفاهيم العقل. ذلك لأن الإطلاع المباشر وحده ما يمكنه تقديم معرفة عن المتفرد والجديد. لكن إطلاعاً مباشرا من هذا القبيل مُعطى برمته عبر الإحساس، لا يتطلب بالتالي، بالقدر الذي أرى فيه الأشياء، أية ملكة خاصة من الحدس بغية إدراكه. إذ ليس العقل ولا الحدس من يقدم لنا معطًى جديدا، بل الإحساس، لكن إذا كان هناك من معطى جديد بأية طريقة ملحوظة، سيكون العقل أكثر قدرة على التعامل معه من الحدس. فأنثى البط تمتلك حدساً حيال فراخها إلى حد تبدو فيه كأنها في داخل كل واحد منها، ولا تمتلك معرفة تحليلية عنها وحسب؛ لكن عندما تجلب تلك الفراخ قرب المياه، حينئذ يكشف الحدس عن نفسه باعتباره وهماً، وتترك الأم بلا عون على الساحل. في الحقيقة، لا يشكل الحدس سوى جانب من تطور الغريزة وله فاعلية كبيرة، كأية غريزة أخرى، فيما يتعلق بعرف المحيط الذي صاغ عادات ذلك الحيوان، لكنه سيغدو عاجزاً تماماً ما إن يتغير هذا المحيط بطريقة تتطلب نمطا غير مألوف من الأفعال.

إن الفهم النظري للعالم، وهو هدف الفلسفة، ليس له من أهمية كبيرة بالنسبة للحيوانات، ولا للفرد الهمجي، ولا حتى لغالبية الأفراد المتحضرين. لهذا من الصعب الافتراض بأن تجد نظريات الغريزة أو الحدس السريعة، والجاهزة أرضية صالحة لتطبيقها ضمن ذلك الحقل. إن الأنواع القديمة من الممارسة التي تجعلنا على قرب أكبر من الأجيال البعيدة عنا من الحيوانات ومن أسلافنا نصف الآدميين هي ما يضع الحدس في مكانه الصحيح. ففي حالات المحافظة على الذات أو الحب، سينهج الحدس أحياناً (ولكن ليس دائماً) بسرعة ودقة تدهشان العقل النقدي. بيد أن الفلسفة ليست واحدة من طرق البحث التي تكشف لنا عن أواصرنا مع الماضي : فهي طريقة بحث مرهفة وحضارية للغاية وتتطلب، لتكليل نجاحاتها، نوعاً من التحرر من الحياة الغريزية وحتى الترفع، أحياناً، عن دنيوية الآمال والمخاوف. لذا لا يمكن أن تكون الفلسفة الموقع الذي يجد فيه الحدس مكانه الأنسب. بالمقابل، ما دامت مواضيع الفلسفة الحقيقية، والاعتياد الفكري اللازم لفهمها، غريبة، غير مألوفة، وبعيدة، قإن العقل يدلل هنا، أكثر من أي مكان آخر، على تفوقه على الحدس، وبأن تلك المعتقدات السريعة وغير المُحللةِ تحظى على الأقل باهتمام من الجانب غير النقدي.

بدفاعنا عن الحصر والتوازن العلميين، ضد التأكيد الذاتي الممنوح لمصداقية الحدس، لم نقم بشيء، في نطاق المعرفة، سوى الدفاع عن سعة التأمل، واللانفعية الشخصية،وكذلك التحرر من الانشغالات العملية ،التي لا تحصى، التي تتضمنها جميع الأديان الكبرى في العالم. ومع ذلك، قد يدخل استنتاجنا في نزاع مع المعتقدات المكشوفة للعديد من المتصوفة، لكنه، في جوهره، لا يشكل نقيضاً للروح التي ألهمت تلك المعتقدات، بل يُطبق بالأحرى حصيلة تلك الروح ذاتها ضمن نطاق الفكر.

{{2- الوحدة والتعددية}}

إن أحد الجوانب الأكثر إقناعاً في التجلي الصوفي هو الوحي الظاهري بوحدة جميع الأشياء، وذلك ما ولد مذهب وحدة الوجود في الدين والتوحيد في الفلسفة. ثمة منطق متقن، كان قد بدأ مع بيرمنيدس وبلغ ذروته عند هيغل وأتباعه، قد تطور تدريجياً، للبرهنة على أن الكون هو كلية واحدة لا تتجزأ، وما يظهر وكأنه أجزاء له، إذا ما تم التعامل معه باعتباره جوهراً يتمتع بالوجود الذاتي، ما هو إلا وهم. فالإيمان بوجود واقع يختلف تماماً عن عالم الظاهر، واقع واحد، لا ينقسم ولا يتغير كان قد أُدخلَ على الفلسفة الغربية من قبل بيرمنيدس ليس لأسباب صوفية أو دينية، على الأقل اسمياً، ولكن على أسس الحجة المنطقية القائمة على استحالة اللا-وجود، وبأن غالبية النظم الميتافيزيقية اللاحقة كانت حصيلة لتلك الفكرة.

إن المنطق الذي تم استخدامه للدفاع عن التصوف يظهر بأنه خطأ في المنطق، وهو معرض للنقود التقنوية، وذلك ما قمت بشرحه في مكان آخر. لن أكرر هنا تلك النقود، ما دامت طويلة ومعقدة، لكني سأحاول القيام بتحليل للحالة الذهنية التي تولد عنها ذلك المنطق الصوفي.

يتولد الإيمان بواقع مختلف تماماً عمّا يظهر للحواس بقوة لا تقاوم في بعض الأمزجة، والتي هي مصدر غالبية التصوف والميتافيزيقيات. فحينما يتغلب مزاج كهذا، ينتفي الشعور بالمنطق، وبالتالي فإن أكثر المتصوفة اندفاعاً لا يستخدم المنطق، بل يسعى مباشرة للكشف عن رؤيته الداخلية. غير أن التصوف المدفوع إلى هذا الحد قلما نعثر عليه في الغرب. فعندما تتواصل قناعة بمثل هذه القوة الانفعالية، يبحث الفرد المُمارس للتفكير عن أسس منطقية لصالح الإيمان الذي يجده في نفسه. لكن عندما يكون ذلك الإيمان قائماً سلفاً، سيكون هذا الفرد منفتحاً حيال أية أرضية توحي بنفسها.

فالمتناقضات المُبرهن عليها بصورة واضحة ضمن منطقه هي في الحقيقة متناقضات التصوف، وتشكل الهدف الذي يعتقد بأن على منطقه بلوغه، إذا ما أراد له أن يكون منسجماً مع رؤيته الداخلية. وقد كان الناتج المنطقي هذا سبباً في جعل غالبية الفلاسفة عاجزين عن وضع العالم العلمي والحياة اليومية ضمن اعتباراتهم. فلو كانوا مهتمين بأخذ ذلك في نظر الاعتبار، لكان في مقدورهم ،ربما،الكشف عن الأخطاء التي يتضمنها منطقهم، غير أن غالبيتهم لا تعير اهتماماً لفهم عالم العلم والحياة اليومية، بل تدينه باعتباره غير واقعي لصالح عالم “حقيقي” يقع فيما وراء الحواس.

بمثل هذه الطريقة تمت مواصلة المنطق من قبل أولئك الفلاسفة الكبار والذين كانوا من المتصوفة. لكن ما دام التعامل مع المألوف قد أُخذَ كونه ضامناً لتلك الرؤية المُفترضة للانفعال الصوفي،فقد جرى تقديم عقائدهم المنطقية بنوع من الجفاف، وتم احتسابها من قبل مريديهم وكأنها مستقلة عن أي تجلّ مُفاجئ كانت قد انبثقت عنه. ورغم ذلك ظل أصلهم مُلتصقاً بهم، وبقوا، لكي أستعير كلمة نافعة من “سانتيانا”، “خبثاء” إزاء عالم العلم والحس العام. بهذه الطريقة وحسب يمكننا التعامل مع ذلك الرضا الذي قبل بموجبه الفلاسفة تناقض عقائدهم مع جميع الحقائق العلمية العامة التي تبدو أكثر استقامة وجدارة بالإيمان.

يُظهر المنطق الصوفي، كما هو الأمر في الطبيعة، حالات الخلل المُتأصلة في كل ما هو خبيث. إن الدافع المنطقي، الذي لا يمكن الشعور به عندما يهيمن المزاج الصوفي، يعاود التأكيد على نفسه ما إن يتلاشى ذلك المزاج، ولكن مع الرغبة في الاحتفاظ بتلك الرؤية المُضمحلةِ، أو على الأقل البرهنة على أنها لم تكن سوى رؤية داخلية، وبأن ما يناقض ذلك الدافع ما هو إلا وهم. إن نشوء منطق كهذا لا يخلو من المصلحة، فهو يستلهم كراهية معينة حيال العالم اليومي الذي يسعى لتطبيق نفسه فيه. من الطبيعي أن لا يؤدي موقف كهذا إلى الوصول لأفضل النتائج. فكل واحد
يعرف أن قراءة مؤلف ما من أجل دحضه وحسب ليست بالطريقة الصحيحة لفهمه؛ كما أن قراءة كتاب الطبيعة ضمن الاعتقاد بأن كل شيء فيها وهمي هي بالدقة ما لا يوصل إلى الفهم. فإذا كان منطقنا يجد العالم اليومي مفهوماً، لا ينبغي أن يكون عدائياً، بل يجب عليه استلهام قبول أصيل له، بطريقة لا نعثر عليها عادة عند الميتافيزيقيين.

{{3- الزمن}}

تشكل لا واقعية الزمن عقيدة مركزية في العديد من النظم الميتافيزيقية، وهي غالباً ما ترتكز لفظياً، كما هو الأمر منذ البدء عند بيرمنيدس، على حجج منطقية، لكنها منحدرة أصلاً، أو في مطلق الأحوال عند مؤسسي الأنظمة الجديدة، عن اليقين المُتولد في لحظة الرؤية الصوفية الداخلية. فكما يقول الشاعر الإيراني الصوفي:
“الماضي والمستقبل يحجبان الله عن رؤيتنا
لتحرقهما كلاهما في النار! إلى متى
ستظل موزعاً ما بين هذه الجزئيات كالقصبة”(7(
فالإيمان بأن ما هو واقعي حقاً يجب أن يظل ثابتاً هو إيمان شائع جداً : فعنه قد تولدت الفكرةالميتافيزيقية عن الجوهر، وما زال يحظى، حتى اليوم، بالقبول الكامل غير المشروع ضمن تلكالنظريات العلمية القائلة مثلاً بثبات الطاقة أو الكتل.

يصعب التمييز ما بين هو صحيح أو خطأ في هذا المنظور. لكني أعتقد أن حجج النزاع التي تصرح بلا واقعية الزمن، وكذلك التي تصف عالم الحواس باعتباره وهماً، يجب التعامل معها على أنها حجج باطلة. ومع ذلك، ثمة معنى ما –يسهل الإحساس به أكثر من إثباته- وهو القول بأن الزمن لا يشكل سوى خصائص ثانوية وسطحية للواقع. إذ ينبغي علينا معرفة الماضي والمستقبل كمعرفتنا للحاضر، وكذلك فإن التحرر من عبودية الزمن شيء جوهري بالنسبة للفكر الفلسفي. فأهمية الزمن عملية أكثر من كونها نظرية، وهي تتصل بالأحرى بعلاقة رغباتنا أكثر من اتصالها بالحقيقة. فالصورة الحقيقية للعالم، من وجهة نظري، يتم الحصول عليها عبر أخذ نظرة عن الأشياء التي تدخل في مجرى الزمن من عالم أبدي خارجي، أكثر مما تتأتى من النظر للزمن باعتباره طاغية يفترس كل الأشياء. فكما في الفكر والإحساس وحتى عندما نقر بواقعية الزمن، يظل إدراك لا أهمية الزمن الباب المؤدي إلى الحكمة.

إذ يمكن رؤية هذه الحالة عندما نسأل أنفسنا لمَ تكون مشاعرنا حيال الماضي مختلفة تماماً عن مشاعرنا إزاء المستقبل. إن سبب هذا الفارق عملي برمته: تمس آمالنا المستقبل ولكن ليس الماضي، فالمستقبل يبقى إلى حد ما تحت سيطرتنا، فيما ثَبتَ الماضي إلى الأبد. غير أن كل مستقبل سيصير يوما ما ماضياً : إذا كنا نرى الماضي حقاً الآن، فلا بد لنا من رؤيته، عندما كان مستقبلاً، كما نراه في الوقت الحاضر، وكذلك يجب علينا رؤية ما هو مستقبلي الآن بذات الطريقة التي تحول فيها إلى ماضي. لذا فإن نوعية الفارق الذي نشعر به بين الماضي والمستقبل ليس بالفارق الداخلي، ولكنه فارق في علاقته بنا وحسب: سيكف عن الوجود بفضل التأمل النزيه. والتأمل النزيه، في المجال الروحي، هو نفس الفضيلة اللامصلحية التي تظهر، في المجال العملي، باعتبارها فضيلة عادلة وغير أنانية. فكل شخص يرغب في رؤية العالم حقاً، عندما يقف بفضل الفكر فوق طغيان الرغبات العملية، لا بد له من التغلب على فارق موقفه ما بين الماضي والمستقبل، وأن ينظر إلى مجرى الزمن برمته من خلال رؤية مُتفهمةِ.

إن نوع الطريقة التي لا ينبغي على الزمن الدخول فيها ضمن فكرنا الفلسفي النظري، يمكن توضيحها، كما أعتقد، عبر فلسفة أصبحت متلازمة مع فكرة النمو التي أعطى نيتشة، البرغماتية وبيرغسون صورة نموذجية عنها. فالفلسفة هذه ترى في التقدم، القائم على أسس التطور الذي صعد من الأشكال الواطئة للحياة وحتى الإنسان، القانون الجذري للكون، وبهذا فهي تقرُ بالفارق ما بين المُبكر والمتأخر في نفس قلعة نظرتها التأملية. مع ماضي العالم التاريخي ومستقبله، مثلما يتم افتراضه، لا رغبة عندي بالدخول في معركة. لكنني أعتقد أن ما يوجبه الفهم الحقيقي للكون، ضمن ثمالة النجاحات السريعة، قد ضاعَ. إذ ينبغي أخذَ شيء من العالم الإغريقي، وكذلك من الشرق المُتخلي وتركيبهما مع اليقين الذاتي المُتعجل للغرب، قبل أن يتمكن ذلك الفهم من البزوغ من حماس الفتوة ويصب في الحكمة البالغة للجنس البشري. فبالرغم من نداءاتها للعلم، أعتقد أن الفلسفة العلمية الحقيقية هي شيء أكثر ديناميكية ورفعة، وتتطلب تربية صارمة من أجل ممارستها الموفقة.

لقد أقنع “أصل الأنواع” لدارون العالم بأن الفارق ما بين الأجناس المختلفة للحيوانات والنباتات ليس فارقاً نهائياً وثابتاً كما يبدو عليه. فنظرية الأنماط، التي جعلت التصنيف أكثر سهولة وتحديداً، والتي كانت مُدخرةً ضمن التقاليد الأرسطية، ومحمية باسم ضرورتها المُفترضة بالنسبة للعقيدة الارثوذكسية، قد تم كنسها فجأة وإلى الأبد من العالم البيولوجي. فالفارق ما بين الإنسان وأحقر الحيوانات، والذي يبدو ضخماً ليرضي غرورنا الإنساني، قد كُشف عنه بأنه إنجاز تدريجي، يتضمن العديد من الكائنات الوسطية التي لا يمكن وضعها داخل العائلة الإنسانية ولا خارجها. إذ بينَ “لابلاس” سلفاً بأن الشمس والكواكب يمكن أن تكون قد انحدرت عن عالم ضبابي لا متميز نوعاً ما. وهكذا اهتزت تلك العلامات القديمة الثابتة، وكذلك أزيلت الفواصل القطعية. لقد فقدت الأشياء والأجناس حدودها، وليس بمقدور أحد القول من أين قد بدأت وأين انتهت. لكن إذا كان الغرور الإنساني قد ترنح للحظة، بحكم صلة القرابة بينه وبين القرود، فإنه سرعان ما عثر على الطريقة التي يؤكد فيها نفسه من جديد، وقد كانت تلك الطريقة هي “فلسفة” النمو. فالمسار الذي يقود من الأميبة إلى الإنسان بدا بالنسبة للفلاسفة بمثابة تقدم ملحوظ –مع أن أحداً لم يسأل الأميبة عن رأيها في ذلك. وهكذا فإن حلقة التحولات التي كشفها العلم باعتبارها ما يشكل ربما تاريخ الماضي قد جرى الترحيب بها كونها قانوناً للتطور باتجاه الخير في الكون –كنمو أو انتشار لفكرة تجسدت ببطء ضمن الحاضر. لكن إذا كانت نظرة كهذه، والتي يمكنها أرضاء “سبنسر” أو ما يمكننا تسميتهم بالهيغليين الإنمائيين، لا يمكن قبولها كفكرة صحيحة من قبل أولئك الذين ينشدون التغيير من كل قلوبهم. فهذه المثالية التي لا يكف العالم عن الاقتراب منها ما هي، بالنسبة لهذه العقول إلا مثالية ميتة وجامدة لا تستطيع أن تلهمنا بشيء. إذ ليس الأمل وحده ما ينبغي أن يتغير، بل المثالي أيضاً عليه أن يتطور وفقاً لمجرى النمو : حينئذ لن يكون ثمة من هدف ثابت، بل صياغة متواصلة للحاجات الجديدة يقوم بها الدافع الذي هو الحياة والذي يمنح وحده وحدة لذلك المسار.

الحياة إذاً، في هذه الفلسفة، تدفق دائم، تغدو فيه جميع الانقسامات مًصطنعة وغير واقعية.

فالأشياء المنفصلة، البدايات والنهايات ما هي سوى حكايات مريحة : ليس هناك غير التحول الناعم وغير المُتصدع. إذ يمكن أن تُحسب معتقدات اليوم حقيقة بالنسبة لليوم، إذا ما حملتنا على طول ذلك المجرى؛ لكن غداً ستكون مزيفة، وبالتالي يجب أن تحل في مكانها معتقدات جديدة لملاقاة موقف جديد. يكمن كل تفكيرنا في الحكايات المريحة، والمتجمدات المُتخيلة للمجرى : يسيل الواقع بالرغم من كل الحكايات، ومع أنه يمكن أن يعاش، لا يمكن بالرغم من ذلك إدراكه عبر الفكر. لقد أنزلق اليقين، بمعنى ما ومن دون حكم واضح، في القول بأن المستقبل، وبالرغم من عدم قدرتنا على توقعه سلفاً، سيكون أفضل من الماضي والحاضر: يشبه القارئ الطفل الذي يتوقع الحصول على قطعة حلوى لأن أحدهم قال له لتفتح فمك وتغمض عينيك. فالمنطق، والرياضيات، والفيزياء ستختفي من هذه الفلسفة، لأنها أشياء “ثابتة” تماماً؛ لأن ما هو واقعي ليس الدافع والحركة باتجاه هدف يتراجع، كقوس قزح، بالقدر الذي نقترب نحن منه، ومن ثم يجعل كل مكان يختلف، ما إن يصل إليه، عما كان يبدو عليه من مسافة.

لا أريد الدخول هنا في فحص تقنوي لتلك الفلسفة. لكني أرغب في التنويه بأن كل الدوافع والغايات التي تحركها هي دوافع وغايات عملية، والمشاكل التي تتعامل معها هي من نوع خاص،لا يمكنني النظر إليها باعتبارها تمس أيا من القضايا التي تبني، من وجهة نظري، فلسفة أصيلة.

إن الاهتمام الأساسي لنظرية النمو يتعلق بمسألة المصير الإنساني، أو على الأقل بمصير الحياة. فهي تولي عناية أكبر للأخلاق والسعادة منها للمعرفة بحد ذاتها. كذلك يمكن قول ذات الشيء عن الفلسفات الأخرى، فرغبة الحصول على هذا النوع من المعرفة الذي يمكن أن تقدمه الفلسفة نادر تماماً. لكن إذا كان على الفلسفة بلوغ الحقيقة، فلا بد أولاً وقبل أي شيء آخر أن يتمتع الفلاسفة بذلك الفضول الثقافي اللانفعي الذي يمتلكه رجل العلم. ذلك لأن المعرفة المُرتبطة بالمستقبل –والتي هي ذلك النمط من المعرفة الذي يجب البحث عنه إذا ما أراد المرء معرفة شيء عن المستقبل- ليست ممكنة إلا في الحدود الضيقة. فمن الصعب القول إلى أي حد يجب أن تتوسع فيه الحدود مع تقدم العلم. لكنه من الواضح أن أية فرضية عن المستقبل تنتمي بحكم موضوعها إلى علم بعينه، ولا بد أيضاً من ضمانها، إذا ما اقتضى الأمر، بفضل مناهج ذلك العلم. ذلك لأن الفلسفة لا تشكل جزءا من نتائج العلوم الأخرى: ينبغي عليها أن تكون دراسة أصيلة، تمتلك مجالها الخاص وتتجه نحو نتائج مختلفة لا يمكن للعلوم الأخرى قبولها ولا رفضها.

بارتكاز نظرية النمو على فكرة التقدم، والتي هي التحول من المنحط نحو الأفضل، قد خولت لفكرة الزمن أن تكون، كما يبدو لي، طاغية متسلطة عليها، بدلاً من أن تكون خادماً لها. وبالتالي فقد فقدت ذلك التأمل اللامتحيز والذي هو ينبوع لأفضل ما هو ممكن في الفكر الفلسفي كما في الإحساس. فمثلما لاحظنا ذلك سابقاً، كان الميتافيزيقيون قد أنكروا جملة وتفصيلاً واقعية الزمن.

أنا لا أرغب القيام في بذلك؛ لأن كل ما أتطلع إليه هو المسك بذلك المنظور الذي ألهم هذا النكران، والموقف الذي ينظر، في مجال الفكر، إلى الماضي باعتباره يتمتع بذات الواقعية التي يتمتع بها الحاضر، وله نفس أهمية المستقبل. يقول سبينوزا(8) : “بالقدر الذي يدرك فيه الذهن شيئاً وفقاً لأوامر العقل، فإنه سوف يتأثر بذات القدر سواء كانت الفكرة هي فكرة مستقبل،أو حاضر، أو ماضي ذلك الشيء”. إن “الإدراك وفقاً لأوامر العقل” هو ما أجده غائباً عن تلك الفلسفة المرتكزة على النمو.

{{4- الخير والشر}}

يدعي التصوف أن الشر شيء وهمي، ويقول أحياناً نفس الشيء عن الخير، لكنه في الغالب يؤمن بأن كل واقع هو خير. يمكننا العثور على النظرتين معا عند هرقليطس : “الخير والشر واحد”، يقول، لكنه يقول أيضاً : “جميع الأشياء عند الرب جميلة وخيرة، لكن الناس يظنون أن بعضها خطأ والبعض الآخر صحيح”. إن ذات النظرة المزدوجة يمكننا العثور عليها عند سبينوزا أيضاً، لكنه يستخدم مفردة “كمال” عندما ينوي الحديث عن الخير الذي هو ليس بالخير الإنساني وحسب.

“عندما أتحدث عن الواقع أو الكمال، فأنا أعني ذات الشيء”كما يقول(9)؛ لكننا نجد في مكان آخر التحديد التالي : “أعني بالخير كل ما نعرف يقيناً أنه صالح لنا”(10). وبهذا ينتمي الكمال للواقع بطبيعته الخاصة، أما الخير فهو يتعلق بنا وبحاجاتنا، ومن ثم فهو يتلاشى في النظرة غير المتحيزة. تشكل فوارق كهذه، في اعتقادي، ضرورة لفهم النظرة الإتيكية)الأخلاقية) للتصوف : هناك نوع دنيوي منحط لفهم الخير والشر، يشطر العالم الظاهر إلى أجزاء متناحرة؛ لكن هناك أيضاً نوع آخر من التصوف السامي عن الخير الذي ينتمي إلى الواقع والذي يتعارض مع أي نوع من الشر المرافق له.
من الصعب تقديم محصلة منطقية يُعتمد عليها هذا الموقف، ما لم يتم فهم الخير والشر باعتبارهما ذاتيين، أي أن الخير هو ما نمتلك حياله نوعاً من العاطفة، والشر هو ما نمتلك إزاءه عاطفة أخرى. ففي حياتنا العملية، عندما نكون مطالبين بالاختيار، والتفضيل ما بين هذا الفعل الممكن وذاك، يكون من الواجب التمييز ما بين الخير والشر، أو على الأقل ما بين الأفضل والأرذل. بيد أن هذا التمييز، شأنه شأن أي شيء يزعم القيام بفعل، ينتمي إلى ما ينظر إليه التصوف باعتباره عالم الوهم، إن لم يكن لسبب آخر غير ارتباطه الجوهري بالزمن. أما في حياتنا التأملية، عندما لا ننشد القيام بفعل، يمكن للمرء أن يكون غير متحيز، وبالتالي يتغلب على هذه الثنائية الإتيكية التي تتطلبها الأفعال. فبالقدر الذي نبقى فيه غير متحيزين وحسب، قد نكتفي بالقول إن كلا الخير والشر على صعيد الفعل موهومان. لكن إذا كنا نجد العالم برمته، مثلما يجب علينا أن نفعل إذا ما أردنا الاحتفاظ بالرؤية الصوفية، جديرا بالحب والتأليه، فعلينا أن نرى بأن “الأرض، وكل رؤية عامة… متزينة بالنور السماوي”،وذلك ما سيجعلنا نقول إن هناك خيرا أسمى من خير الفعل، وإن هذا الخير السامي ينتمي إلى العالم بكامله كما هو في واقعه. بهذه الطريقة يكون الموقف المزدوج والتأرجح الظاهري للتصوف قد تم شرحهما وتبريرهما.

إن لإمكانية حب كوني كهذا والفرح بكل ما هو موجود أهمية كبرى في السلوك والسعادة في الحياة، وهي تمنح قيمة لا يمكن تثمينها للانفعال الصوفي، بمعزل عن أي عقائد تُبنى عليه. لكن إذا كنا نرفض أن نُقاد نحو معتقدات مزيفة، يكون من الضروري أن نفهم بالدقة ما الذي يكشف عنه الانفعال الصوفي. إنه يكشف عن إمكانية الطبيعة الإنسانية – إمكانية حياة أكثر نبلاً، وسعادة وحرية مما يمكن لشيء آخر تحقيقه. لكنه لا يكشف أي شيء مما هو لا إنساني، أو عن طبيعة الكون عامة. فالجيد والرديء، وحتى ذلك الخير السامي الذي يجده التصوف في كل مكان، ما هو سوى انعكاسات لانفعالاتنا نحن على أشياء أخرى، ولا تشكل جزءًا من مادة الأشياء كما هي عليه. وبالتالي فإن التأمل اللامتحيز، المُتحرر من أي انشغال بالنفس، سوف لن يحكم على الأشياء من خلال الجيد والرديء، حتى وإن كان من السهولة تشكيلهما بعاطفة الحب الكونية تلك والتي تجعل الصوفي يقول إن العالم برمته شيء جيد.

إن فلسفة النمو، المرتكزة على فكرة التقدم، مربوطة بهذه الثنائية الإتيكية عن الأفضل والأرذل، ومن ثم فهي منغلقة لا حيال ذلك النوع من النظر الذي يبعد عن رؤيته كلا من الخير والشر وحسب، بل وأيضاً عن المعتقد الصوفي القائل بطيبة كل الأشياء. بهذه الطريقة يصبح التمييز ما بين الخير والشر في هذه الفلسفة، كما هو الأمر بالنسبة للزمن، طاغية، ويُقحم على الفكر تلك الانتقائية القلقة حيال الفعل. فالخير والشر، وكذلك الزمن، لم تكن من المقولات العامة والجذرية في مجال الفكر، لكنها أصبحت فيما بعد من المقولات التخصصية جداً ضمن التراتبية الروحية.

لكن لكي يتم تأويل التصوف، كما لاحظنا ذلك، بطريقة تجعله يتفق مع النظرة القائلة بأن الخير والشر لا يشكلان مقولات عقلية جذرية، يجب السماح لنا بالقول بأننا لم نعد هنا على اتفاق لفظي مع غالبية الفلاسفة العظام وأساتذة الماضي المتدينين. وعلى أية حال، أعتقد بأن إبعاد الاعتبارات الإتيكية عن الفلسفة شيء ضروري ويشكل -وإن بدا هذا متناقضاً- تقدماً إتيكياً. ينبغي تحديد هذين المضمونين باختصار.

إن الأمل في إشباع أكثر رغباتنا الإنسانية –أمل البرهنة بأن العالم يتطلب هذه الخصوصية الإتيكية المرغوب فيها أو تلك- لا تستطيع أي فلسفة علمية، بالقدر الذي أرى فيه الأشياء، القيام بشيء حياله بغية إشباعه. فالفارق ما بين عالم جيد وآخر سيء هو فارق في خصوصيات معينة لأشياء بعينها موجودة في واحد من العالمين : فهو ليس فارقاً تجريدياً كافياً لكي يدخل ضمن نطاق الفلسفة. فالحب والكراهية، مثلاً، هما من المتعارضات الإتيكية، لكنهما لا يشكلان في الفلسفة سوى مواقف متماثلة جداً فيما بينها حيال المواضيع. إن الشكل والبنية العامان لهذين الموقفين إزاء المواضيع والتي هي بمثابة ظواهر ذهنية تطرح نفسها باعتبارها مشكلة على الفلسفة، غير أن الفارق ما بين الحب والكراهية ليس فارقاً في الشكل أو البنية، وبالتالي فهو يعود بالأحرى إلى علم خاص من البسيكولوجيا وليس إلى الفلسفة. لهذا ينبغي أن تبقى الاهتمامات الإتيكية التي غالباً ما ألهمت الفلاسفة في الخلفية، لكن لا يجب على أي منها أن يقحم في التفاصيل أو يتم توقعه في النتائج الخاصة التي يجري البحث عنها.

إذا ما بدت هذه النظرة مُخيبة من الوهلة الأولى، فعلينا تذكير أنفسنا بأن تحولا كهذا قد تم التعامل معه باعتباره ضرورة ضمن بقية العلوم الأخرى. إذ لا أحد يطالب العالم الفيزيائي والكيميائي بالبرهنة على الأهمية الإتيكية للأيونات والذرات التي يعملون عليها، كذلك لا أحد يتوقع من البيولوجي تقديم برهان على نفعية النباتات أو الحيوانات التي يُشرحها. أما في الأزمنة ما قبل-العلمية فلم يكن الأمر كذلك. فعلم الفلك، مثلاً، كان يُدرس لأن الناس كانوا يؤمنون بالتنجيم : كانوا يفكرون بأن لحركات الكواكب أهمية كبرى ومباشرة على حياة الكائنات الإنسانية. لذا يمكن الافتراض بأنه عندما تقهقر الإيمان وغاب الاهتمام بالتنجيم، كان العديد من أولئك الذين وجدوا بأن لعلم الفلك أهمية استثنائية قد قرروا بأنه ليس للتنجيم أي تأثير في الحياة الإنسانية لكي يستحق الدراسة. لقد كان للفيزيائيين، كما يظهر ذلك في محاورة أفلاطون “تيموس”، أفكار إتيكية : الجزء الجوهري من غرضها كان إظهار الأرض باعتبارها شيئا جديرا بالإعجاب.

على العكس من هذا، لا يشغل الفيزيائي المعاصر نفسه، كفيزيائي، بالخواص الإتيكية للأرض، حتى وإن لم تكن لديه رغبة في إنكار أن الأرض شيء يثير الإعجاب : ما يعنيه هو العثور على الوقائع وحسب، وليس إذا ما كانت جيدة أو سيئة. أما في البسيكولوجيا، فإن الموقف العلمي هو أحدث وأصعب منه في العلوم الفيزيائية : إذ من الطبيعي التعامل مع الطبيعة الإنسانية كونها جيدة أو سيئة، وأن يتم الافتراض بأن ذلك الفارق ما بين الجيد والرديء، الشديد الأهمية على الصعيد العملي، لا بد وأن يكون كذلك على المستوى النظري. ففي القرن التاسع عشر بدأت ولادة بسيكولوجيا محايدة من الناحية الإتيكية؛ وهنا أيضاً كان ذلك الحياد الإتيكي ضرورياً لنجاح العلم.

أما في الفلسفة، وإلى اليوم، فالبحث مازال نادراً عن تلك الإتيكية المحايدة ولم تتحقق قط. فالأفراد قد تذكروا أمانيهم، ومن ثم حكموا على الفلسفات من خلال علاقتها بتلك الأماني.

فالإيمان، المُنحدر عن بعض العلوم الخاصة، بأن أفكار الخير والشر يجب أن تقدم مفتاحاً لفهم العالم قد وجد ملجئا له في الفلسفة. لكن حتى من هذا الملجأ الأخير ينبغي إبعاد ذلك الإيمان، إذا ما أرادت الفلسفة عدم الإبقاء على نفسها كطقم من الأحلام المسلية. من المعروف بأن السعادة لم تتحقق بصورتها الأفضل على يد أولئك الذين يبحثون عنها مباشرة؛ وقد يكون ذلك صحيحاً أيضاً فيما يتعلق بالخير. وعلى أية حال، قد يحقق أولئك الذين ينسون، على صعيد الفكر، الخير والشر ولا يبحثون سوى عن معرفة الوقائع الخير أكثر من هؤلاء الذين ينظرون إلى العالم عبر الوسيط الملتوي لرغباتهم الخاصة.
وهكذا نعود ثانية إلى ما يمكن أن يكون تناقضنا الظاهري، ألا وهو أن الفلسفة التي لا تسعى لفرض معتقداتها الخاصة عن الخير والشر على العالم لا تصل إلى الحقيقة وحسب، بل وأيضاً تحقق حصيلة نظر إتيكية عالية أكبر من تلك الفلسفة التي لا تكف، كالإنمائية وغيرها من النظم الكلاسيكية، عن تثمين الكون والساعية لتجسيده عبر مثاليات الحاضر. في الدين، وكذلك في كل رؤية جدية عميقة عن العالم والمصير الإنساني، ثمة عنصر خضوع، وإدراك لحدود القوة الإنسانية، والغائبة نوعاً ما عن العالم المعاصر، بنجاحاته المادية السريعة وبإيمانه المغرور بالإمكانيات اللانهائية للتقدم. “ذلك الذي يحب حياته سيكون عليه فقدانها”؛ وهناك على الأقل خطر في الثقة المفرطة في حب الحياة، فالحياة نفسها لا بد أن تفقد شيئاً مما يمنحها قيمتها العالية. إن الخضوع الذي يغرزه الدين في الفعل هو في الجوهر نفس الروح التي يعلمها العلم عن طريق التفكير؛ وبأن الحياد الإتيكي الذي أنجز بفضله انتصاراته هو حصيلة لذلك الخضوع.
إن الخير الذي يعنينا تذكره هو ذلك الخير الذي يقع ضمن قوتنا على الإبداع –الخير المرتبط بحياتنا وبموقفنا من العالم. أما الإصرار على الإيمان في إنجاز خارجي للخير فما هو إلا شكل من أشكال التوكيد-الذاتي الذي يمكنه، عندما يعجز عن ضمان الخير الخارجي الذي يرغب فيه، إفساد الخير الداخلي الذي نقدر عليه، وكذلك يحطم الاحترام حيال ما يشكل في آن ما له قيمةفي التواضع وما هو مثمر في الطبع العلمي.

لا يمكن للكائنات الإنسانية، بطبيعة الحال، تجاوز الطبيعة البشرية؛ إذ لا بد أن يبقى شيء ذاتي في كل أفكارنا، عندما تكون المصلحة هي وحدها ما يحدّد توجه انتباهنا. غير أن الفلسفة العلمية تقترب أكثر من الموضوعية من أية متابعة إنسانية أخرى، وتمنحنا، بالتالي، العلاقة ،الأكثر ديمومة وقرباً من العالم الخارجي ،الممكنة التحقيق. بالنسبة لذهنية بدائية، ليس هناك سوى الصداقة والعداوة؛ بيد أن التجربة قد كشفت لنا أن الصداقة والعداوة لا يشكلان مفهومين ينبغي فهم العالم بواسطتهما. وهكذا فإن الفلسفة العلمية تمثل، وإن كانت ما تزال حديثة الولادة، شكلا من التفكير يتفوق على أي إيمان أو مخيلة قبل-علموية وتجلب معها، كأي مقاربة للتجاوز الذاتي، مكافأة غنية وذلك بتوسيعها وتعريضها لمجال النظر والفهم. أما النظرية الإنمائية، وبالرغم من مناشدتها لبعض الوقائع العلمية الخاصة، فإنها أخفقت في أن تكون فلسفية علمية حقيقية وذلك بحكم عبوديتها للزمن، وبسبب من اهتماماتها الإتيكية وتركز مصلحتها على همومنا الدنيوية والمصير. لكن الفلسفة العلمية الحقيقية ستكون أكثر تواضعاً، أكثر تدريجية وحرارة، وتقدم تألقاً أضعف عن السراب الخارجي الذي يُدغدغ الآمال المُزيفة، لكنها أكثر لا مبالاة بالمصير، وأكثر قدرة على قبول العالم من ذلك الفرض الطغياني لمطالباتنا الإنسانية العابرة.
ملاحظات

*تمت هذه الترجمة عن الإنجليزية وهي أول دراسة في كتاب الفيلسوف روسل الذي يحمل نفس
.Mysticism and Logic عنوان هذه الدراسة:

1ـ كل الاقتباسات السابقة مأخوذة عن كتاب “بيرنت” “بدايات الفلسفة الإغريقية”

2 ـ جمهورية أفلاطون، ص 514.

3 ـ إن هذا الفصل، كما هو في الصفحة أو الصفحتين اللاحقتين في فصول أخرى، تمت طباعته أثناء محاضرتي “عن معرفتنا عن العالم الخارجي” في قاعة “لويل” للقراءات، ومن ثم نُشرت من قبل دار “أوبن كورت كومبني”. لكني تركته هنا، كما قرأته هناك في حينها.

4 ـ بيرغسون “مدخل إلى الميتافيزيقيا”، ص1.

Whinfild’s translation of Masnavi (Trübner,1887), p.34 ـ 5

6-سبينوزا “الأتيك”، الكتاب الرابع، الفرضية 13.

7 ـ نفس المصدر

8 ـ نفس المصدر

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق